روى ابن وهب أن النبيّ ﷺ قتل سبعين أسيرا بعد إثخان من يهود، قتل يوم بدر من الأسارى عقبة بن أبي معيط صبرا بعد أن ربط، ولم يقتل من الأسرى يوم بدر غيره، ضرب عنقه
_________________
(١) رواه البخاري (٣٠٠٧) و(٤٢٧٤) و(٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي (٣٣٠٥)، والبغوي في معالم التنزيل (٤/ ٣٢٨) من حديث علي ﵁.
[ ٣٠ ]
عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. ويقال علي بن أبي طالب ﵁. وذكر ابن هشام أن النضر بن الحارث بن كلدة قتله علي بن أبي طالب صبرا عند رسول الله ﷺ فيما يذكرون بالصفراء.
وقال ابن هشام: بالأثيل، وذكر ابن حبيب: أنه أسلم. فالله أعلم أيّ ذلك أصح.
وذكر ابن قتيبة أن رسول الله ﷺ قتل ثلاثة صبرا يوم بدر: عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث. وقالت قتيلة أخت النضر بن الحارث بن كلدة ابن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار شعرا:
يا راكبا إن الأثيل مظنة من صبح خامسة وأنت موفّق
أبلغ بها ميتا بأن تحية ما إن تزالّ بها النجائب تخفق
أمحمد يا خير ضنء كريمة من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربما منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
أو كنت قابل فدية فلينفقن بأعز ما يغلو به ما ينفق
فالنضر أقرب من أسرت قرابة وأحقهم إن كان عتق يعتق
ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقّق
صبرا يقاد إلى المنية متعبا رسف المقيّد وهو عان موثق
فقال رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر: «لو بلغني قبل قتله لمننت عليه» «١» . قال معمر:
وفيه نزلت وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان: الاية ٦]، الاية كان يشتري الكتب التي فيها أخبار فارس والروم ويقول: يحدثكم محمد ﷺ عن عاد وثمود، وأحدثكم عن فارس والروم ويستهزئ بالقرآن. قال عكرمة: وفيه نزلت وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [الأنعام: الاية ٩٣] . قال مجاهد: وفيه نزلت وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ [الأنفال: الاية ٣٢] . قال الكلبي: وفيه نزلت لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال:
الاية ٣١] . ولقد كثر يومئذ الفداء وأكثر ما فدي به الرجل أربعة آلاف، وربما فدي أن يعلّم عددا من المسلمين الكتابة. وروي عن النبيّ ﷺ: «يعلّم عشرة من المسلمين الكتابة» . قال ابن وهيب: إن أهل المدينة لم يكونوا يحسنون الخط.
وفي تفسير ابن سلام قال الحسن: أطلق النبيّ ﷺ الأسرى فمن شاء منهم رجع إلى مكة، وقال ابن سيرين: الطلقاء أهل مكة، والعتقاء أهل الطائف.
_________________
(١) رواه ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٣٠٥ و٣٠٦) باب مقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط لعنهما الله. وقال ابن كثير: قال ابن اسحاق وذكره وابن سيد الناس في عيون الاثر (١/ ١٢٩٢) باب ما قيل في الشعر في غزوة بدر.
[ ٣١ ]
وفي السير لابن هشام أن النبيّ ﷺ قال يوم الفتح لأهل مكة في حديث ذكره: «اذهبوا فأنتم طلقاء» «١» .
وروى سفيان عن النبيّ ﷺ أنه قال: «الطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف» «٢» . من كتاب الأعراب لسفيان وشعبة.
وفي معاني القرآن للنحاس عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسرى فقال رسول الله ﷺ: «ما ترون في هؤلاء الأسارى؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأصلك فاستبقهم فلعل الله أن يتوب عليهم. فقال عمر: يا رسول الله كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك قدّمهم فاضرب أعناقهم، وذكر الحديث وقال فيه: فأنزل الله ﷿: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: الاية ٦٧] «٣» .
وقال الحسن أيضا في كتاب ابن سلام لم يكن أوحي إلى النبيّ ﷺ في ذلك شيء، فاستشار المسلمين فأجمعوا رأيهم على قبول الفداء ففادوا أسارى أهل بدر بأربعة آلاف، وما أثخن نبيّ الله يومئذ في الأرض «٤» .
وفي كتاب الشرف: إن أول رأس علّق في الإسلام: رأس أبي عزة. جعل في رمح، وحمل إلى المدينة.
وفي السير: وكان في جملة السبعين أسيرا يوم بدر أبو عزة عمرو بن عبد الله الشاعر فشكا إلى رسول الله ﷺ كثرة عياله وعاهده ألايخرج عليه، فخرج يوم أحد يحرّض المشركين على رسول الله ﷺ، فأسر ولم يؤسر أحد غيره، فضربت عنقه صبرا «٥» . ويوم أحد قتل رسول الله ﷺ
_________________
(١) رواه ابن هشام في السيرة (٢/ ٤١٢) عن ابن اسحاق قال: حدثني بعض أهل العلم. والبيهقي في السنن (٩/ ١١٨) وذكره ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٤٠٨) وهو حديث حسن بمجموع طرقه.
(٢) رواه أحمد في المسند (٤/ ٣٦٣)، والطيالسي (٦٧١)، والطبراني في الكبير (٢٣١١)، والحاكم (٤/ ٨٠ و٨١) وصححه ووافقه الذهبي. من حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة والطلقاء من قريش. والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة) وإسناده حسن ورواه أبو يعلى (٥٠٣٣) والبزار رقم (٢٨١٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وهو حديث حسن بمجموع طرقه.
(٣) رواه مسلم (١٧٦٣)، والترمذي (٣٠٨١) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وذكره القرطبي في التفسير (٨/ ٣١) من حديث عبد الله بن مسعود. وإسناده منقطع. لكن يشهد له رواية عمر ﵁.
(٤) رواه البيهقي في السنن (٩/ ٦٨) من حديث ابن عباس ﵄ قال: جعل رسول الله ﷺ في فداء الأسارى أهل الجاهلين أربعمائة وهو حديث حسن.
(٥) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٨٠) وابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٤٦) والبيهقي في السنن (٩/ ٦٥) وابن حجر في الفتح (١٠/ ٥٣٠) وقال البيهقي في البداية والنهاية: حدثنا أبو العباس محمد-
[ ٣٢ ]
أبي بن خلف طعنه بالحربة فخدشه في عنقه فاحتقن الدم فقال: قتلني والله محمد، فقال له كفار قريش: ذهب والله فؤادك أن بك من بأس. قال: إنه قد كان قال بمكة إني أقتلك فو الله لو بصق عليّ لقتلني. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون إلى مكة. وكان المسلمون يوم أحد سبعمائة رجل والمشركون ثلاثة آلاف معهم مائتا فارس «١» .
وفي البخاري أن سعد بن معاذ قال لأمية بن خلف: سمعت رسول الله ﷺ يقول إنه قاتلك بمكة. قال: لا أدري. ففزع لذلك فزعا شديدا، فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس فقال:
أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنك متى بركت برك الناس، وإن تخلّفت وأنت سيد أهل هذا الوادي تخلّفوا معك، فلم يزل به حتى قال: أما إذا غلبتني لأشترينّ أجود بعير بمكة. ثم قال أمية: يا أمّ صفوان جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان قد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي، قال: لا وما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر «٢» .
وفي معاني النحاس: إن رسول الله ﷺ قتل أمية بن خلف بيده وهو غلط.
وكانت وقعة أحد يوم السبت لسبع خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة من كتاب المفضل وقال غيره للنصف من شوال، وفي كتاب آخر وبعضه من المدونة: أن رسول الله ﷺ أتي بأبي أمامة سيد أهل اليمامة، ويقال أثاثة بن أثال أسيرا فأمر به فربط في المسجد، وكان رسول الله ﷺ يعرض عليه الإسلام كل يوم ثلاث مرات، ثم خيّره بين أن يعتقه أو يفاديه أو يقتله فقال: إن تقتل تقتل عظيما، وإن تفاد تفاد عظيما، وإن تعتق تعتق عظيما وأما أن أسلم فو الله لا أسلم قسرا أبدا. فأمر به رسول الله ﷺ فأطلق فقال: أشهد ألاإله إلا الله وأنك رسول الله «٣» .
قال أصبغ في كتاب ابن الموّاز: وينبغي للإمام إذا أراد أن يقتل أسيرا أن يدعوه إلى الإسلام، ويسأله هل له عند أحد عهد ممن أسره. وقال ابن جريج والسدي في قول الله ﷿: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمّد: الاية ٤] . هي في أهل الأوثان من كفار العرب وهي
_________________
(١) ابن يعقوب- قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي ﵀ وذكره. وهذا سند صحيح إلى الشافعي ﵀.
(٢) أخرجه ابن هشام (٢/ ٨٤) بلا سند. وأورده ابن كثير (٢/ ٦٣) من رواية ابن الأسود عن عروة بن الزبير. ومن رواية الزهري عن سعيد بن المسيب. وكلاهما مرسل. وهو ضمن حديث مطول أخرجه ابن جرير من طريق السدي مرسلا كما في ابن كثير (٢/ ٤٤) .
(٣) رواه البخاري رقم (٣٩٥٠) .
(٤) رواه البخاري (٤٦٩) و(٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤)، وأبو داود (٢٦٧٩)، وابن خزيمة (٢٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁. وانظر ابن كثير في التفسير (٤/ ١٧٣) .
[ ٣٣ ]
منسوخة بقوله ﷿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التّوبة: الاية ٥] . وقال ابن عباس: خيّر رسول الله ﷺ في الأسرى بين الفداء والمن والقتل والاستعباد يفعل ما يشاء. وعلى هذا القول أكثر العلماء «١» .
وفي كتاب الخطابي أتي رسول الله ﷺ بأسير يرعد فقال: «أدفئوه» يريد أدفئوه من الدفء ولم يكن من لغته ﷺ الهمز فذهبوا به فقتلوه فوداه رسول الله ﷺ ولو أراد قتله لقال دافوه ودافوا عليه بالتثقيل.