في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي: أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: يا رسول الله ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال رسول الله ﷺ: «اقتلوه» «٢» . هكذا رواه مالك عن ابن شهاب، وروى غيره وعلى رأسه عمامة سوداء «٣» . وذكر البخاري ومسلم وهو على راحلته وخلفه أسامة بن زيد.
وفي كتاب الأموال لأبي عبيد: فنادى ألايجهزنّ على جريح ولا يتّبعن مدبر، ولا يقتلن أسير، ومن أغلق بابه فهو آمن «٤» .
وفي كتاب النسائي وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «من دخل الكعبة فهو آمن، ومن أغلق بيته فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، وأمّن جميع الناس إلا أربعة رجال وامرأتين «٥» . وذكر ابن حبيب: ستة رجال وأربع نسوة فقال: «اقتلوهم وإن تعلّقوا بأستار الكعبة» . وهم على ما ذكره النسائي وغيره: عبد الله بن خطل، وعكرمة بن أبي جهل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن سرح، فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشبّ الرجلين
_________________
(١) رواه ابن سعد في طبقاته (٢/ ٥٧)، وابن جرير الطبري في التاريخ (٢/ ٥٨١)، والمغازي للواقدي (٤٩٦)، وفي سيرة ابن هشام (٢/ ١٩٤ و٢٠٣) باب نزول بني قريظة على حكم رسول الله ﷺ ويحكم سعد.
(٢) رواه البخاري (٣٠٤٤)، ومالك في الموطأ (١/ ٤٢٣)، ومسلم (١٣٥٧) من حديث أنس ﵁.
(٣) رواه مسلم (١٣٥٨)، وأبو داود (٤٠٧٦)، والترمذي (١٧٣٥)، وابن حبان (٣٧٢٠) من حديث جابر ﵁.
(٤) رواه البزار (١٨٤٩)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٤٣)، وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط. وفيه كوثر بن حكيم ضعيف متروك.
(٥) رواه مسلم (١٧٨٠)، وأبو داود (٣٠٢٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٨ ]
فقتله. وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه، ولم يتعرض النبيّ ﷺ لحال ابن خطل «١»، وذكر ابن هشام أن نميلة قتله وهو رجل من قومه. وأن عبد الله بن خطل قتله سعد بن حريث وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه «٢» . وذكر صاحب الشرف أن أبا برزة قتله. وقالت أخت مقيس شعرا:
لعمري لقد أخزى نميلة رهطه وفجع أضياف الشتاء بمقيس
وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصفة فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ههنا شيئا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره. اللهم إن لك عليّ عهدا إن كنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنّه عفوا كريما. فجاء فأسلم.
وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ذلك، ثم أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا- حين رآني كففت يدي عن بيعته- فيقتله» . قالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك، هلا أومأت إلينا برأسك. قال: «إنه ما ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة عين» «٣» .
وفي كتاب ابن هشام: وذكره ابن حبيب أن النبيّ ﷺ أمر بقتل الحويرث بن نفير بن وهب ابن عبد مناف بن قصي سوى النفر المذكورين والمرأتين، فقتله علي بن أبي طالب صبرا. ذكره ابن حبيب، وذكر ابن حبيب امرأتين سواهما: هند ابنة عتبة بن ربيعة، وسارة مولاة عمرو بن هشام. والمرأتين المذكورتين كانتا قينتين تغنيان بهجاء النبيّ ﷺ لعبد الله بن خطل: فرتنا وقريبة.
فأسلمت فرتنا، وبقيت حتى ماتت في خلافة عثمان، وقتلت قريبة وسارة، وأسلمت هند بنت عتبة وبايعت «٤»، وذكر ابن إسحاق أن سارة أمّنها النبيّ ﷺ بعد أن استؤمن لها، فبقيت حتى أوطأها رجل فرسا في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها «٥» . وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال: أن سارة حملت كتاب حاطب إلى مكة «٦» .
_________________
(١) رواه النسائي في السنن (٧/ ١٠٥ و١٠٦) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وإسناده صحيح.
(٢) ذكره ابن هشام في السيرة (٢/ ٤٠٩) . باب أسماء من أمر الرسول ﷺ بقتلهم وسبب ذلك.
(٣) رواه أبو داود (٢٦٨٣)، والنسائي (٧/ ١٠٥ و١٠٦) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵄. وهو حديث صحيح.
(٤) ذكره ابن هشام في السيرة (٢/ ٤١٠) باب أسماء من أمر الرسول ﷺ بقتلهم وسبب ذلك.
(٥) ذكره ابن هشام في السيرة (٢/ ٤١١) باب أسماء من أمر الرسول ﷺ بقتلهم بدون سند.
(٦) ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال رقم (٢٩٦) من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ﵁.
[ ٣٩ ]
قال ابن إسحاق: وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتل عبد الله بن أبي سرح لأنه كان أسلم وكان يكتب لرسول الله ﷺ، فارتد مشركا، ثم أسلم بعد، فولاه عمر بن الخطاب بعض أعماله، ثم ولاه عثمان بعد عمر «١» . وعبد الله بن خطل كان مسلما فبعثه رسول الله ﷺ، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولىّ له يخدمه، وكان مسلما فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع له طعاما فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركا. والحويرث بن نفير كان ممن يؤذي رسول الله ﷺ بمكة، وكان العباس بن عبد المطلب حمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي النبيّ ﷺ من مكة يريد بهما المدينة فنخس بهما الحويرث فرمى بهما إلى الأرض، ومقيس قتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجع مشركا إلى مكة، وقدم مقيس على النبيّ ﷺ مكة مسلما سنة ست: عام الحديبية، وطلب دية أخيه، فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه، ثم قتل الذي قتل أخاه، ورجع إلى مكة مشركا وقال في شعره:
حللت به وتري وأدركت ثورتي وكنت إلى الأوثان أول راجع
وكان الذي قتل أخاه هشام بن صبابة رجل من رهط عبادة بن الصامت أصابه خطأ وهو يظن أنه من العدو في غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ست «٢»
قال ابن هشام: وبلغني أن أول قتيل وداه النبيّ ﷺ يوم الفتح: جنيدب بن الأكوع، قتلته بنو كعب، فوداه بمائة ناقة «٣» وقال ﵇: «يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل إن يقع» «٤» قال ابن حبيب: وكان رسول الله ﷺ أذن لخزاعة أن يضعوا السيوف في بني بكر إلى صلاة العصر. قال ابن هشام: وذلك أن الصلح الذي انعقد بين النبيّ ﷺ وبين أهل مكة عام الحديبية وقع فيه من الشرط: أن من أحب أن يدخل في عقد النبيّ ﷺ وعهده﵇- دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد أهل مكة دخل. فدخلت خزاعة في عهد النبيّ ﷺ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة، ونقضوا عهدهم فيهم، وأصابوا فيهم فخرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم المدينة على النبيّ ﷺ واستنصره، وكان مما أهاج فتح مكة. قال ابن سلام في تفسيره: وفي قتل خزاعة لمن قتلوه بمكة وذلك خمسون رجلا أنزل الله ﷿: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التّوبة: الاية ١٤] . قال أبو سفيان: يا رسول الله
_________________
(١) ذكره البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٦٢)، وابن هشام في السيرة (٤/ ٢٣) . وفي إسناده أحمد بن عبد الجبار. قال الحافظ في التقريب: ضعيف.
(٢) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٦٢) وقال البيهقي: قال ابن اسحاق وذكره. وابن هشام في السيرة (٢/ ٤١٠) . وقال: قال ابن اسحاق. وذكره بدون سند.
(٣) ذكره ابن هشام في السيرة (٢/ ٤١٦) باب أول قتيل وداه الرسول ﷺ يوم الفتح.
(٤) ذكره ابن حجر في الفتح (١٢/ ٢٠٦) وفي البداية والنهاية (٤/ ٣٠٥) - من حديث ابن إسحاق ولم يذكر له سند.
[ ٤٠ ]
أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، ثم قال﵇- «لا تغزى قريش أبدا ولا يقتل قرشي صبرا أبدا» «١» يعني: على كفر.
قال ابن قتيبة: لا يقتل قرشي صبرا بضم اللام، ومن رواه جزما أوجب ظاهر الكلام للقرشي ألايقتل إن ارتد ولا يقتص منه إن قتل، ومن رواه رفعا انصرف التأويل إلى الخبر عن قريش ألايرتد منها أحد عن الإسلام فيستحق القتل.
قال ابن حبيب: أقام رسول الله ﷺ يومئذ بمكة خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة «٢» .
وفي البخاري عن ابن عباس: أقام النبيّ ﷺ بمكة: تسعة عشر يوما يقصر «٣» .
وعن أنس: أقمنا مع النبيّ ﷺ عشرة نقصر «٤» . قال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسعة عشر فإذا زدنا أتممنا «٥» . وقال المزّني عن الشافعي: أقام النبيّ ﷺ بمكة حين افتتحها ثمان عشرة ليلة يقصر «٦» .
وفي مصنف أبي داود عن جابر: أقام النبيّ ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة «٧» . وهذا خلاف قول ابن عباس.
قال أبو عبيد: قال ميمون بن مهران: حاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر ما بين عشرين ليلة إلى ثلاثين ليلة، ثم أخذوا الأمان على ألايكتموا رسول الله ﷺ شيئا- قال غيره: كنزا- فقال رسول الله ﷺ: «يا بني الحقيق- قال أبو عبيد هكذا قال وإنما هم بني أبي الحقيق- وقد عرفتم عداوتكم لله ورسوله ثم لم يمنعني ذلك من أن أعطيتكم ما أعطيت أصحابكم. وقد أعطيتموني عهدا أنكم إن كتمتم شيئا أحلّت لنا دماؤكم. ما فعلت آنيتكم؟» قالوا: استهلكناها في حربنا.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ٤١٢)، والترمذي رقم (١٦١١) في السير، والحميدي رقم (٥٨٢)، والطبراني في الكبير رقم (٣٣٣٣) من حديث الحارث بن مالك ابن البرصاء ﵁ واسناده صحيح.
(٢) رواه النسائي في السنن (٣/ ١٢١) باب المقام الذي يقصر فيه الصلاة. من حديث ابن عباس ﵄. بلفظ (إن رسول الله ﷺ أقام بمكة خمسة عشر يصلي ركعتين ركعتين)
(٣) رواه البخاري (١٠٨٠) و(٤٢٩٨)، والترمذي (٥٤٩) من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) رواه البخاري (١٠٨١) و(٤٢٩٧) في المغازي من حديث أنس ﵁.
(٥) رواه البخاري (٤٢٩٩) من حديث ابن عباس ﵄.
(٦) رواه أبو داود (١٢٢٩) من حديث عمران بن حصين ﵁ بلفظ (غزوت مع النبيّ ﷺ وشهدت معه الفتح. فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول يا أهل البلد صلّوا أربعا فإنا سفر) .
(٧) رواه أبو داود (١٢٣٥) من حديث معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان. وفيه عنعنة يحيى بن أبي كثير. وهو مدلس- وقال أبو داود: غير معمر لا يسنده. وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود. وذكر البيهقي أنه غير محفوظ.
[ ٤١ ]
قال: فأمر أصحابه فأتوا المكان الذي فيه الانية فاستثاروها. قال: ثم ضربت أعناقهم «١» .
وفي كتاب ابن عقبة: أخذوا الأمان على ألايكون لهم شيء إلا ما على ظهورهم من الثياب، وإنهم إن كتموا شيئا فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله.
قال أبو عبيدة: حدثنا يزيد عن هشام عن الحسن قال: عاهد حيي بن أخطب رسول الله ﷺ على ألايظاهر عليه أحدا، وجعل الله عليه كفيلا، فلما كان يوم قريظة أتي به رسول الله ﷺ وبابنه سلمى. فقال رسول الله ﷺ: «أوف الكيل» فضرب عنقه، وعنق ابنه «٢» .
وذكر أيضا أبو عبيد: أن رسول الله ﷺ وجه نفرا إلى ابن أبي الحقيق ليقتلوه فقتلوه «٣» .
وذكر الخطابي عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: كان من مال أبي الحقيق كنز يقال:
مسك الجمل كان يليه الأكبر فالأكبر، فغيّبوه وكتموه فقتلهم النبيّ ﷺ بنقضهم العهد. قال الواقدي: عدده عشرة آلاف دينار.
ومن كتاب الأموال قال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن عقيل ابن خالد، عن ابن شهاب قال: كانت وقعة الأحزاب بعد أحد بسنتين، وذاك يوم حفر رسول الله ﷺ الخندق، ورئيس الكفار يومئذ أبو سفيان بن صخر بن حرب فحاصروا رسول الله ﷺ عشر ليال فلحق إلى المسلمين الكرب، فقال رسول الله ﷺ فيما أخبرني سعيد بن المسيب:
«اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد» . فلم يلبث إلا يسيرا حتى أرسل رسول الله ﷺ رسولا إلى عيينة بن حصن- وهو يومئذ رئيس الكفار من غطفان، وهو مع أبي سفيان- فعرض عليه رسول الله ﷺ ثلث ثمر نخل المدينة على أن يخذل الأحزاب، وينصرف بمن معه من غطفان. فقال عيينة: بل أعطني شطر ثمرها، ثم أفعل ذلك، فأرسل رسول الله ﷺ إلى السعدين: سعد بن معاذ- وهو سيد الأوس-، وسعد بن عبادة- وهو سيد الخزرج- فقال: «إن عيينة قد سألني نصف ثمر نخلكم على أن ينصرف بمن معه من غطفان، ويخذل الأحزاب وأني أعطيته الثلث وأبى إلا النصف فما تريان؟» فقالا: يا رسول الله إن كنت أمرت بشيء فافعله.
فقال رسول الله ﷺ: «لو أمرت بشيء لم أستأمركما فيه، ولكن هذا رأي أعرضه عليكما» . قالا:
فإنا لا نرى أن نعطيهم إلا السيف. فقال رسول الله ﷺ: «فنعم» «٤»
_________________
(١) رواه أبو عبيد في كتاب الأموال (٤٥٨) من حديث ميمون بن مهران. وهو حديث مرسل ورجاله ثقات.
(٢) رواه أبو عبيد في كتاب الأموال رقم (٤٦١) باب أهل الصلح، والعهد ينكثون، متى تستحل دماؤهم. وهو حديث مرسل.
(٣) رواه أبو عبيد في كتاب الأموال (٤٦٠) من حديث ابن كعب بن مالك. وهو مجهول والحديث مرسل ويشهد له ما قبله.
(٤) رواه ابن عساكر في تاريخه (١/ ١١٣)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٥٦)، وفي إسناده عبد الله بن-
[ ٤٢ ]
وفي كتاب ابن عقبة: أن اليهود أخذوا الأمان ألايكون لهم شيء إلا ما على ظهورهم من الثياب، وإنهم إن كتموا شيئا فقد برئتا منهم: ذمة الله وذمة رسوله. وقتل من أصحاب خالد عند فتح مكة رجلان: كرز بن جابر الفهري، وخالد بن أخفش الخزاعي. قال ابن حبيب: وقتل من المشركين ثلاثة وعشرين رجلا. وقال ابن هشام: اثنا عشر، أو ثلاثة عشر.
قال أبو عبيد: اختلف العلماء في مصالحة المشركين، ومهادنتهم لمدة معلومة على ثلاثة أقوال: فقالت طائفة: مصالحتهم جائزة لقول الله ﷿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال:
الاية ٦١] . وقوله تعالى: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمّد: الاية ٣٥] .
الايتان محكمتان إذا دعا المشركون إلى الصلح أجيبوا، ولا يدعوهم إليه المسلمون إذا كانوا في قوة. وهذا قول مالك﵀-. وقالت طائفة: لا يصالحوا على حال، وإنما هو قتالهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية. وجعلوا الاية التي في الأنفال منسوخة باية القتال. وروي ذلك عن ابن عباس. وقالت طائفة: يجوز أن يصالحوا على مال يعطيه المسلمون أياهم إذا ضعفوا عن قتالهم. وروي أن معاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان فعلوا ذلك. ذكر ذلك الأوزاعي. وحجة مالك في إجازة الصلح أيضا قول النبيّ ﷺ لصفوان بن أمية إذ بعث إليه وهب ابن عمير بردائه أمانا لصفوان شهرين، ثم قال له أنزل أبا وهب قال: لا أنزل حتى تبين لي، فقال له رسول الله ﷺ: «بل لك أن تسيّر أربعة أشهر» «١» . وذكر الأوزاعي أن عبد الملك بن مروان كان يؤدي إلى طاغية الروم كل يوم ألف دينار، ذكره الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، وقال: فعل ذلك معاوية أيام صفين، وعمله عبد الملك زمان ابن الزبير.