قال ابن حبيب: أول ما بعث الله نبيه ﷺ بالدعوة، بعثه بغير قتال ولا جزية، فأقام على ذلك عشر سنين بمكة بعد نبوته يؤمر بالكف عنهم، ثم أنزل الله عليه أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحجّ: الاية ٣٩]، وأمره بقتال من قاتله والكف عمن لم يقاتله، فقال الله ﷿ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [النّساء: الاية ٩٠] . ثم نزلت براءة لثمان سنين من الهجرة فأمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب: من قاتله أو كف عنه، إلا من عاهده ولم ينقض من عهده شيئا، فقال: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [النّساء: الاية ٨٩] إلى أن قال: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ [التّوبة: الاية ٥] فلم يستثن على العرب الذين لم يتعلقوا إلى
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (٤٠٣)، والبخاري (٢٠٨ و٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦) و(٧٠)، والترمذي (٢٧٣٥) وابن حبان (١١١٨) من حديث أم هانىء ﵂.
(٢) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢١٥) رقم (٢٠١٧)، وأبو داود (٢٧٥١)، وابن الجارود (١٠٧٣) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهو حديث حسن.
[ ٥٨ ]
الإسلام. وأمره تعالى بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية. فقال تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: الاية ٢٩] . قد دخل في ذلك من تعلق من العرب بدين أهل الكتاب، فأخذ النبيّ ﷺ الجزية من أهل نجران وأيلة وهم نصارى من العرب، ومن أهل دومة الجندل وهم نصارى وأكثرهم عرب، ولم يستثن الله تعالى أخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، وأمر نبيه ﷺ بقتال غيرهم، ثم نسخ من ذلك المجوس على لسان نبيه ﵇ فيما بين لهم من سنته بغير تنزيل قرآن فأحل لهم أخذ جزية من مجوس العجم إذ رضوا بها، وأقر مشركي العرب وهم عبدة الأوثان على أن يقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام بلا جزية استثناها فيهم إكراما للعرب.
والذي ذكر ابن حبيب من نسخ القرآن بالسنة اختلف العلماء فيه فأجازه أصحاب مالك واحتجوا بقول النبيّ ﷺ: «لا وصية لوارث» «١» . ناسخ لقول الله ﷿: الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [البقرة: الاية ١٨٠] . واحتج الذين منعوا منه بأن القرآن معجزة والسنة غير معجزة فلا تنسخ السنة القرآن إنما تبينه، ولقوله ﷿: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ [النّحل: الاية ١٠١] . ولقوله لنبيه ﷺ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي [يونس:
الاية ١٥] .
وذكر عبد الرزاق في مصنفه وأبو عبيد في كتاب الأموال: أن النبيّ ﷺ أمر معاذ بن جبل أن يأخذ من أهل اليمن الجزية من كل حالم وحالمة. زاد أبو عبيد: عبدا أو أمة: دينارا أو قيمته معافر «٢»، وبهذا أخذ الشافعي، وأخذ مالك بما فرض عمر بن الخطاب﵁- أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق ولا جزية على النساء والعبيد، ومعنى الحديث عند بعض أهل العلم أن النبيّ ﷺ علم ضعف أهل اليمن، وعمر علم غنى أهل الشام وقوتهم، وقال أشهب «٣» . في الأمم كلها إذا بذلت الجزية قبلت منهم فأهل الكتابين بكتاب الله والمجوس بالسنة، وقال ابن وهب: إنما قاتل النبيّ ﷺ قريشا على الإسلام أو السيف فمن كان من العرب من تغلب وتنوخ وغيرهم لم يدخل في ملة لم يقبل منه الجزية ويقاتلون على الإسلام، ومن دخل منهم في دين أحد من أهل الكتب قبلت منه الجزية.
_________________
(١) رواه الترمذي (٢١٢١)، وأبو داود (٣٥٦٥) من حديث أبي أمامة ﵁. وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢) رواه عبد الرزاق في المصنف (٦٨٤١)، والطيالسي (٥٦٧)، وأبو داود (٣٠٣٨) وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٧٥): وقد روي هذا الخبر عن معاذ بإسناد متصل صحيح ثابت. ذكره عبد الرزاق.
(٣) أشهب هو ابن عبد العزيز بن داود الإمام الثقة. مفتي مصر. أبو عمرو القيسي العامري يقال اسمه مسكين. وأشهب لقب له. سمع مالك بن أنس، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب. قال فيه الشافعي: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لولا طيش فيه. كان على خراج مصر وكان صاحب أموال وحشم توفي لثمان بقين من شعبان سنة أربع ومئتين.
[ ٥٩ ]
قال سحنون: ما أعرف هذا وقد قال النبيّ ﷺ: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» «١» . وكتب النبيّ ﷺ إلى أهل هجر وإلى المنذر بن ساوى يدعوهم إلى الإسلام وقال في الكتاب: «ومن أبى فعليه الجزية» «٢» . ولم يفرق بين عربي وغيره وكان فيهم مجوس وغيرهم.
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٧٨) في الزكاة من حديث عبد الرحمن بن عوف. ورجاله ثقات لكنه منقطع. محمد بن علي لم يلق عمر. وله شاهد من حديث مسلم بن العلاء الحضرمي من رواية الطبراني. بلفظ (سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط) ذكره الشوكاني في نيل الأوطار. وهو حديث حسن
(٢) ذكره ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٦٩٢) وقال: وكتب إلى المنذر بن ساوى. فذكر الواقدي بإسناده عن عكرمة. قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنسخته. فإذا فيه فذكره.
[ ٦٠ ]