في البخاري وكتاب مسلم والنسائي: أن رسول الله ﷺ قال: «أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟» وفي حديث آخر: «بم يستحل أحدكم مال أخيه؟» «٢» ورفعه مالك في الموطأ، وذكره في الدلائل. وفي كتاب مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح «٣» بهذا الحديث. احتج مالك في وضع الجائحة إذا بلغت الثلث، وقال الشافعي في أحد قوليه وأبو حنيفة والليث وسفيان الثوري: لا جائحة فيما اشترى من الثمار بعد بدوّ صلاحها بأي وجه كانت الجائحة، واحتجوا بالحديث الثابت أن معاذ بن جبل أصيب على عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ: «تصدقوا عليه» فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» .
في قول النبيّ ﷺ: «وليس لكم إلا ذلك»، دليل على ألاشيء على معدوم، وكان تفليس معاذ سنة تسع من الهجرة، وخلصه رسول الله ﷺ من ماله لغرمائه، وحصّل لهم خمسة أسباع حقوقهم. فقالوا: يا رسول الله بعه لنا، فقال رسول الله ﷺ: «خلوا عنه ليس لكم إليه سبيل» . وبعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن وقال له: «لعلّ الله أن يجبرك»، وذلك في ربيع الاخر سنة تسع بعد أن غزا مع النبيّ ﷺ غزوة تبوك، وقدم بعد موت النبيّ ﷺ في خلافة أبي بكر ومعه غنم، فرآهم عمر، فقال: ما هم؟ فقال: أصبتهم في وجهتي، فقال عمر: من أي وجه؟ فقال:
أهدوا إلي وأكرمت بهم. فقال عمر: اذكرهم لأبي بكر، فقال معاذ: ما أذكر هذا لأبي بكر.
ونام معاذ فرأى كأنه على شفير جهنم وعمر آخذ بحجزته من ورائه لئلا يقع في النار، ففزع معاذ فذكرهم لأبي بكر كما أمر عمر فسوغه إياهم أبو بكر فقال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «لعل الله أن يجبرك»، فقضى غرماءه بقية حقوقهم «٤»، ذكره الطبري، ليس في هذا الحديث حجة للشافعي
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٥/ ١٠) وأبو داود (٣٥٣١)، والنسائي (٧/ ٣١٣ و٣١٤) من حديث سمرة ﵁. والحسن لم يسمع من سمرة. إلا حديث العقيقة. وفيه أيضا قتادة بن دعامة السدوسي مدلس وقد عنعن.
(٢) رواه البخاري (٢١٩٨)، ومسلم (١٥٥٥)، ومالك (٢/ ٦١٨) من حديث أنس ﵁.
(٣) رواه مسلم (١٥٥٤) و(١٧)، وأبو داود (٣٣٧٤) من حديث جابر ﵁.
(٤) رواه ابن ماجه (٢٣٥٧) مختصرا، وابن سعد في طبقاته (ج/ ٣/ ٤٤١) وقال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثني عيسى بن النعمان عن معاذ بن رفاعة. عن جابر بن عبد الله ﵄. وذكره-
[ ٨٦ ]
وأبي حنيفة في إسقاط الجائحة لأنها قد توضع عن المشتري، ولا تسد له مسدا ويبقى عليه سائر الثمن بعد وضع الجائحة ولا يقدر عليه، قاله الأصيلي. وقال النبيّ ﷺ: «خمس من الحوائج:
الريح، والبرد والحريق، والجراد، والسيل» «١» .
وفي البخاري عن زيد بن ثابت قال: كان الناس يتبايعون الثمار في عهد رسول الله ﷺ فإذا حضر تقاضيهم قال المبتاع: أصاب الثمر الدّمان «٢»، أصابه أمراض، أصابه قشام «٣» وعاهات، يحتجون بها فلما كثرت الخصومات عند النبيّ ﷺ قال: «أمّا الان فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر» كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم عنده «٤» .
والقول: قول الشافعي. وهو أول قوليه أن الجائحة في القليل والكثير، وبذلك قال أحمد وأبو عبيد.