في موطأ مالك: أنه بلغه أن رجلا من الأنصار من بني الحارث بن الخزرج تصدق على أبويه بصدقة، فهلكا، فورث ابنهما المال، وهو: نخل. فسأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال:
«قد أجرت في صدقتك، وخذها بميراثك» «٦» .
وفي كتاب أقضية رسول الله ﷺ: من مصنف ابن أبي شيبة، عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ في امرأة من الأنصار أعطاها ابنها حديقة من نخل فماتت، فقال ابنها: إنما أعطيتها حياتها وله أخوة، فقال النبيّ ﷺ: «هي لها حياتها وموتها» قال: فإني كنت تصدقت بها عليها.
قال: «فذلك أبعد لك» «٧» .
_________________
(١) رواه ابن سعد (١/ ٣٨٨) وقال: أخبرنا محمد بن عمر. حدثني الضحاك بن عثمان من الزهري قال: هذه الحوائط السبعة من أموال بني النضير.
(٢) رواه ابن سعد (١/ ٣٨٨) وقال: أخبرنا محمد بن عمر حدثني موسى بن عمر الحارثي، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة قال: كانت صدقة رسول الله ﷺ من أموال بني النضير. وهي سبعة. وذكرها.
(٣) رواه النسائي (٦/ ٢٢٩) من حديث عمرو بن الحارث الخزاعي ﵁ وإسناده صحيح.
(٤) رواه النسائي (٦/ ٢٢٩) و(٣٥٩٤) . من كلام قتيبة بن سعيد ﵀.
(٥) رواه النسائي (٦/ ٢٣٠) و(٣٥٩٩) عن عمر ﵁. وهو حديث صحيح.
(٦) رواه مالك (٣٠٠١) باب صدقة الحي عن الميت. بلاغا.
(٧) رواه ابن أبي شيبة (١٠/ ١٨٣)، وأبو داود (٣٥٥٧)، والبيهقي (٦/ ١٧٤) من حديث جابر ﵁.
[ ١٠٣ ]
وفي الموطأ والبخاري ومسلم عن النعمان بن بشير: أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ يشهده على عبد وهبه له، فقال: يا رسول الله إني نحلت ابني غلاما كان لي. فقال رسول الله ﷺ: «أكلّ ولدك» وفي حديث يونس ومعمر «أكل بنيك» - ذكره مسلم- «نحلته مثل هذا؟» .
قال: لا، فقال رسول الله ﷺ: «فارتجعه» «١» .
وفي كتاب مسلم: «اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم» «٢» . وكانت أم النعمان: عمرة ابنة رواحة قالت لبشير: أشهد رسول الله ﷺ على هبتك، وكان قد لواها سنة، ثم وهبه لها فقالت:
لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «لا أشهد على جور» «٣» . وهذا أصل في حيازة الأب لابنه الصغير، وأما إذا وهب أو تصدق على ابنه الكبير، أو على أجنبي فلا بد من قبض الموهوب له أو التصدق عليه. والأصل في ذلك قول أبي بكر الصديق لعائشة: لو كنت حزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث «٤» . وقول النبيّ ﷺ لما نزلت ألهاكم التكاثر قال رسول الله ﷺ: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» «٥»، فقد شرط رسول الله ﷺ في الصدقة الإمضاء. والإمضاء هو:
الإقباض كالعارية والسلف لا يتم ذلك إلا بالقبض وكالوصية لا تتم إلا بموت الموصي.
وفي مصنف عبد الرزاق عن طاوس قال: وهب رجل هبة للنبيّ ﷺ فأثابه، فلم يرض فزاده قال: لا أحسبه قال ذلك إلا ثلاث مرات، فلم يرض فقال النبيّ ﷺ: «لقد هممت ألاأقبل هبة» وربما قال معمر: «ألاأقبل إلا من قرشي، وأنصاري، أو ثقفي» «٦» . وفي حديث أبي هريرة «أو دوسي» «٧» .
وفي الدلائل للأصيلي أهدي لرسول الله ﷺ لقحة، فأثابه بست بكرات فلم يرض، وذكر الحديث في البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف، عن عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: لما قدم المهاجرون المدينة من مكة وليس بأيديهم شيء،
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥٨٦)، ومالك (٢/ ٧٥١ و٧٥٢)، ومسلم (١٦٢٣ و٩)، والنسائي (٦/ ٢٥٨) من حديث النعمان بن بشير ﵁.
(٢) رواه مسلم (١٦٢٣ و١٣) من حديث النعمان ﵁.
(٣) رواه البخاري (٢٦٥٠)، ومسلم (١٦٢٣ و١٤) من حديث النعمان ﵁.
(٤) رواه عبد الرزاق (١٦٥٠٧)، والبيهقي (٦/ ١٧٠) وإسناده صحيح.
(٥) رواه مسلم (٢٩٥٨)، والترمذي (٢٣٤٢)، وابن حبان (٧٠١) من حديث عبد الله بن الشخير ﵁.
(٦) رواه عبد الرزاق (١٦٥٢١) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه فذكره مرسلا.
(٧) رواه أحمد (٢/ ٢٩٢)، والترمذي (٣٩٤٥)، والبخاري (٥٩٦)، وأبو داود (٣٥٣٧) من حديث أبي هريرة ﵁. وإسناده حسن.
[ ١٠٤ ]
وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كلّ عام ويكفوهم العمل والمؤنة، وكانت أمه أمّ أنس بن مالك أم سليم وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، فكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقا فأعطاهنّ رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته أم أسامة بن زيد.
قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: أن النبيّ ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، فردّ النبيّ ﷺ إلى أمه يعني أم أنس بن مالك عذاقها وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه رواه مسلم أيضا، وزاد أنه أعطاها عشرة أمثاله أو قريبا من عشرة أمثاله «١» .
قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب وكانت من الحبشة فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعدما توفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه حتى كبر رسول الله ﷺ فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة، ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر.
قال الواقدي: واسمها بركة ولم يرو هذا الحديث عن الزهري أحد إلا يونس. وقع هذا في طرة كتاب الأصيلي في الموطأ: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل أعمر عمرى «٢» له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها أبدا لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث» «٣» .
وفي كتاب مسلم عن جابر من رواية يحيى، عن مالك، ولم يذكر أبدا.
وفيه عن يحيى ومحمد وصح عن الليث، عن ابن سهل، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أعمر رجلا عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أعمر وعقبه» «٤» .
وفي حديث آخر عن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، واللفظ لعبد قالا: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن تقول هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها «٥» .
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٣٠)، ومسلم (١٧٧١) من حديث أنس ﵁.
(٢) عمرى: يقال أعمرته دارا أو أرضا، إذا أعطيته إياها وقلت له: هي لك عمري أو عمرك: فإذا مات رجعت إليه.
(٣) رواه مالك (٢/ ٧٥٦) و(٢٩٥٣) من حديث جابر ﵁. وهو حديث صحيح.
(٤) رواه مسلم (١٦٢٥ و٢١) من حديث جابر ﵁.
(٥) رواه مسلم (١٦٢٥ و٢٣) من حديث جابر ﵁.
[ ١٠٥ ]
قال معمر: وكان الزهري يفتي به، وروى أبو سلمة عن جابر قال: «قضى رسول الله ﷺ فيمن أعمر عمرى له ولعقبه فهى له بتلة «١» لا يجوز للمعطى فيها شرط ولا ثنيا» . قال أبو سلمة:
لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، فقطعت المواريث شرطه «٢» .
وفي حديث آخر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «العمرى لمن وهبت له» «٣» . قال ابن أبي زيد: ومعنى قول النبيّ ﷺ: «لا ترجع إلى الذي أعطاها» إنما ذلك ما بقي أحد من عقب المعمر، فإذا انقرضوا رجعت العمرى إلى صاحبها.
وقوله ﵇: «فإنها للذي يعطاها» يعني: النفع، لا الأصل، ودل ذلك أنه ليس كوارث الأصل أن الزوجة لا تدخل فيه، ولا من ليس من العقب المعروف، وعمرتك إنما هو مأخوذ من العمر، ولا فرق بين أجل مضروب وعمر مشترط. وبهذا جرى العمل بالمدينة، وبه أخذ مالك انتهى قول ابن أبي زيد.
وتأوّل الشافعي وغيره الحديث المذكور أن العمرى إذا كانت للمعمر ولعقبه أنها لا ترجع إلى المعمر وإن انقرض المعمر وعقبه وليس ذلك في الحديث مكتوبا.
وقد روي عن أبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل: أن العمرى كالهبة، وهي ملك لمن أعمرها كانت معقبة أو لم تكن شرط المعمّر أن ترجع إليه أو لم يشترط، وشرطه باطل لا ترجع إليه أبدا ويبيعها المعمّر إن شاء كسائر ماله.
فصح في العمرى ثلاثة أقوال: قول أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، ومن ذكر معهم. كما قضى طارق بشهادة جابر والثالث من فرق بين المعقبة وحياة المعمر خاصة فقال في المعقبة: لا ترجع أبدا إلى المعمر، وإذا لم تكن معقبة ترجع إليه إذا مات المعمر، والله ﷿ أعلم بما أراد نبيه ﷺ، إلا أن في كتاب مسلم عن جابر أيضا قال: أعمرت امرأة بالمدينة حائطا لها ابنا لها ثم توفّي وتوفيت بعده، وتركت ولدا، وله أخوة بنون للمعمرة، فقال ولد المعمرة: رجع الحائط إلينا، وقال بنو المعمر: بل كان لأبينا حياته وبعد موته، فاختصموا إلى طارق- مولى عثمان- فدعا جابرا فشهد على رسول الله ﷺ أنه حكم بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك فأخبره ذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر فأمضى ذلك طارق. وإن ذلك الحائط لبني المعمر حتى اليوم. وليس في هذا الحديث أنها أعمرت ابنها وعقبه كما وقع في الأحاديث المتقدمة «٤» .
_________________
(١) بتلة: أي عطية ماضية غير راجعة إلى الواهب.
(٢) رواه مسلم (١٦٢٥ و٢٤)، والنسائي (٦/ ٢٧٦) و(٢٧٤٧) من حديث جابر ﵁.
(٣) رواه مسلم (١٦٢٥ و٢٥) من حديث جابر ﵁.
(٤) رواه مسلم (١٦٢٥ و٢٨) من حديث جابر ﵁.
[ ١٠٦ ]
وقد تقدم عن جابر أنه قال: إذا قال هي لك ما عشت فإنما ترجع إلى صاحبها الذي أعمرها.
وفي رواية مسدد عن يحيى عن سفيان عن حميد الأعرج عن محمد بن إبراهيم التيمي عن جابر: أن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة له حياتها فماتت، وذكر الحديث كما ذكره مسلم وهذا يقوي مذهب مالك «١» .