في مصنف عبد الرزاق عن علي بن أبي طالب قال: شهدت رسول الله ﷺ يقضي بالدين قبل الوصية، وأنتم تقولون: من بعد وصية يوصي بها أو دين «٣» .
ولا خلاف بين العلماء أن الدين قبل الوصية.
في الموطأ وغيره عن الحسن، وعن محمد بن سيرين: أن رجلا في زمان رسول الله ﷺ أعتق عبيدا له ستة عند موته، فأسهم رسول الله ﷺ بينهم فأعتق ثلث تلك العبيد «٤» .
_________________
(١) رواه البخاري (٥٢٣٩) من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه أحمد (١/ ٢٠٠)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧)، وابن حبان (٧٢٢) من حديث الحسن ابن علي ﵁. وهو حديث صحيح.
(٣) رواه عبد الرزاق (١٩٠٣)، وأحمد (١/ ٧٩)، والترمذي (٢٠٩٥)، وأبو يعلى (٣٠٠) وإسناده حسن من حديث علي ﵁.
(٤) رواه مالك (٢/ ٧٧٤) و(٢٧٢٠) وهو حديث مرسل. ورجاله ثقات ووصله مسلم (١٦٦٨)، والترمذي (١٣٦٤) من حديث عمران بن الحصين ﵁.
[ ١٠٨ ]
قال مالك: وقد بلغني أنه لم يكن لذلك الرجل مال غيرهم. وهذا الحديث مسند في غير الموطأ عن الحسن وابن سيرين عن عمران بن حصين، وقال فيه: فغضب رسول الله ﷺ من ذلك وقال: «لقد هممت ألاأصلي عليه» .
وفي مصنف عبد الرزاق فقال رسول الله ﷺ: «لو أدركته ما دفن مع المسلمين»، فأقرع بينهم فأعتق اثنين، واسترقّ أربعة «١» .
وفي حديث آخر: أنّ امرأة من الأنصار أعتقت ستة أعبد، فدعا رسول الله ﷺ بستة أقداح، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين «٢» .
وفي غير المصنف أن النبيّ ﷺ جزأهم ثلاثة أجزاء اعتق اثنين، وأرقّ أربعة «٣» .
قال إسماعيل: وهذا يدل أن النبيّ ﷺ قوّمهم. وقال سليمان بن موسى: لم يبلغني أن النبيّ ﷺ قوّمهم فإن صح قول سليمان فمعناه أن قيمتهم كانت سواء وإلا فلا بد من التقويم لئلا يزاد على الثلث. ويسند أيضا الحديث الأول عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة في كتاب مسلم عن عمران بن حصين.
في هذا الحديث من الفقه: إنفاذ الوصية بالثلث، وفيه العتق بالقرعة، وفيه أن من عال على الثلث صرف إلى الثلث. وفيه أن بتل العتق في المرض كالوصية، وفيه أن الحاكم يقوّم بنفسه ما كان بحضرته ولا يوليه غيره.
وفيه: أن يحكم بين الرجل وعبده فيما يدعو إليه العبد من حقوقه على سيده.
وفيه إجازة الوصية بالثلث لغير القرابة، بخلاف ما روي عن طاوس وغيره: أن من أوصى لغير قرابته ولم يوص لهم لم تبطل وصيته. وقالت طائفة: من أوصى لغير قرابته أعطي ثلث الوصية لقرابته.
في مصنف عبد الرزاق عن عكرمة: «قضى رسول الله ﷺ ألاوصية لوارث، ولا يجوز لامرأة في مالها شيء إلا بأذن زوجها» «٤» .
_________________
(١) رواه عبد الرزاق (١٦٧٤٩)، والبيهقي (١٠/ ٢٨٦) من حديث عمران بن الحصين ﵁ وهو حديث صحيح.
(٢) رواه عبد الرزاق (١٦٧٥١)، والبيهقي (١٠/ ٢٨٦) عن ابن جريج. قال: أخبرني قيس بن سعد أنه سمع مكحولا يقول: سمعت ابن المسيب يقول: اعتقت امرأة أو رجل ستة أعبد لها عند الموت لم يكن لها مال غيرهم فأتي في ذلك النبي ﷺ. فأقرع بينهم فأعتق اثنين.
(٣) رواه النسائي (٤/ ٦٤) من حديث عمران بن الحصين ﵁. وهو حديث صحيح.
(٤) رواه عبد الرزاق (١٦٦٠٨) من حديث عكرمة ﵁. وفيه جهالة الرجل الراوي عن عكرمة ﵁. بلفظ: (قضى رسول الله ﷺ أنه ليس لذات زوج وصية في مالها شيئا إلا بإذن زوجها) .
[ ١٠٩ ]
وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبيّ ﷺ أنه باع مدبرا لرجل. وفي حديث آخر لمسلم: لم يكن له مال غيره.
وفي كتاب ابن شعبان عن جابر قال: أعتق رجل من الأنصار غلاما له عن دبر وكان محتاجا وكان عليه دين، فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم، فأعطاه وقال: «اقض دينك وأنفق على عيالك» «١» .
وتأول مالك وغيره أن الحديث الأول هو أصح. إن النبيّ ﷺ أنه باع المدبر بعد موت الذي دبّره أو في حياته لدين عليه قبل التدبير.
قال ابن أبي زيد: حديث جابر يدل على أن النبيّ ﷺ إنما باع المدبر في دين لأن النبيّ ﷺ دعا به، فقال: «من يشتره؟» فلما بطل أن النبيّ ﷺ لم يبعه لغير معنى لم يبق إلا أنه حكم وأنه لينفذ مالزم.
وقد روي عن جابر أنه قال: لم يكن له مال غيره، فمات. فقال النبيّ ﷺ: «من يشتره؟» واختلف فيه. عن جابر فروي أنه أعتق رجل، وروي أنه دبر.
وفي مختصر ابن أبي زيد: روى الخدري أنهم لما أصابوا سبيا يوم أوطاس قالوا: يا رسول الله ما ترى في العزل فإنا نحب الثمن. دليل أنها إذا ولدت بطل الثمن. وهذا دليل بيّن مع ما روي أن النبيّ ﷺ قال في أم إبراهيم: «أعتقها ولدها» «٢» .
وفي الواضحة عن ابن المسيب: أن رسول الله ﷺ أمر بعتق أمهات الأولاد وقال: «لا يجعلن في وصية، ولا دين» . قال مسلم: قلت لسعيد بن المسيب: كيف كان رأي عمر في عتق أمهات الأولاد؟ قال: ليس عمر أعتقهن، وإنما أمر بعتقهن رسول الله ﷺ، «وألايخرجن في ثلث، ولا يبعن في دين» «٣» .
وفي كتاب رجال الموطأ للبرقي عن سعيد بن عبد العزيز: أن مارية أم إبراهيم اعتدت ثلاثة أشهر. قال البرقي: وتوفيت سنة ست عشرة. وفي الحديث الثابت: أن بريرة دخلت على عائشة تستعينها شيئا. وفي حديث آخر في البخاري: جاءت تستعينها وعليها خمس أواق نجّمت في خمس سنين «٤» . وجميع الأحاديث عن عروة عن عائشة إلا حديثا واحدا عن عمرة عن عائشة.
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ٣٠٥)، وأبو داود (٣٩٥٧)، والنسائي (٧/ ٣٠٤)، والطحاوي في مشكل الاثار (٤٩٣٢) وانظر طرقه هناك.
(٢) رواه ابن ماجه (٢٥١٦)، والبيهقي (١٠/ ٣٤٦) من حديث ابن عباس ﵄ وإسناده ضعيف.
(٣) رواه البيهقي (١٠/ ٣٤٤) وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال الحافظ في التقريب: ضعيف في حفظه. وهو رجل صالح.
(٤) رواه البخاري (٢٥٦٠) في العتق من حديث عائشة ﵂.
[ ١١٠ ]
وفي الموطأ والبخاري فقالت عائشة: إن أحبّ أهلك أن أعدّها لهم ويكون لي ولاؤك فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت ذلك لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عند أهلها ورسول الله ﷺ قاعد فقالت لعائشة: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا على أن يكون الولاء لهم.
فسمع ذلك رسول الله ﷺ إذ أخبرته عائشة فقال رسول الله ﷺ: «خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق»، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله! كلّ شرط ليس في كتاب الله- وفي حديث آخر في الموطأ: ما كان من شرط ليس في كتاب الله- فهو باطل، وإن كان مائة شرط. قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق» «١» .
معنى قول النبيّ ﷺ: «كل شرط ليس في كتاب الله» أي: خالف كتاب الله، ومعنى قوله لعائشة: «اشترطي لهم الولاء» أي: اشترطي عليهم الولاء. قال الله ﷿: أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرّعد: الاية ٢٥] . أي عليهم.
وقد تقدم ما فيه من السنن في الأمة تعتق تحت زوج في كتاب الطلاق وإنما اشترتها عائشة بعد أن عجزت عن كتابتها. قاله مطرف وغيره.
وفي كتاب ابن شعبان: أول مكاتب في الإسلام كان سلمان الفارسي كاتب أهله على مائة ودية «٢» نجّمها لهم فقال رسول الله ﷺ: «إذا غرستها فاذنّي»، فلما غرسها آذنه، فدعا له فيها فلم تمت منها ودية واحدة «٣» . وقد قيل إن أول مكاتب في الإسلام كان يكنى: أبا مؤمّل، فقال رسول الله ﷺ: «أعينوا أبا مؤمل» فأعين فقضى كتابته، وفضلت عنده فضلة فاستفتى رسول الله ﷺ فقال: «أنفقها في سبيل الله» .