في موطأ مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ قال ليهود خيبر حين افتتحها: «أقركم ما أقركم الله على أن الثمر بيننا وبينكم»، فكان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم ثم يقول: «إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه» «٥» .
وفي مصنف أبي داود: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق «٦»، واختاروا الثمر على أن يكون عليهم عشرون ألف وسق «٧»، وهذه الزيادة من مصنف عبد الرزاق وغيره. وفي كتاب مسلم: «أقركم فيها ما شئنا» «٨»، في حديث ابن عمر، في حديث آخر عن ابن عمر: على أن يعتملوها من أموالهم ولرسول الله ﷺ النصف «٩» .
_________________
(١) ذكره الصنعائي في سبل السلام (٣/ ٦٠) وقال: باطل لا أصل له. وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٥/ ٢٧٢): لم أقف عليه. فلينظر فيه.
(٢) رواه أبو داود (٣٤٠٢) من حديث رافع بن خديج ﵁. وإسناده ضعيف.
(٣) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٤٣٠) بدون سند.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٧٣) وإسناده صحيح. لكنه مرسل.
(٦) الوسق: ستون صاعا.
(٧) رواه أبو داود رقم (٣٠٠٦) في الخراج. من حديث ابن عمر ﵁ وهو حديث صحيح.
(٨) رواه مسلم (١٥٥١ و٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٩) رواه مسلم (١٥٥١ و٥) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٩٨ ]
وفي قوله: «على أن يعتملوها من أموالهم» دليل على ألايعين رب الأرض العامل ولا يجعل زريعة للبياض.
وقال مالك: المساقاة جائزة في كل أصل له ثمرة مثل: النخيل، والأعناب، والتين، والزيتون، والرمان، والفرسك، والجوز، واللوز، والورد، وشبه ذلك. وعلى ما اتفقا من الجزء. قال الشافعي: لا تجوز المساقاة إلا في النخيل، والكرم خاصة على النصف لأن في ذلك الخرص. وللشافعي قول آخر: أنها تجوز المساقاة في كل أصل ثابت.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز المساقاة أصلا لأنها أجرة مجهولة. وخالف في ذلك فعل النبيّ ﷺ، وأبي بكر، وعمر في خيبر، واحتج بأن أهل خيبر حين افتتحت كانوا كالعبيد، ويجوز بين السيد وعبده ما لا يجوز بينه وبين الأجنبي، والحجة أيضا على أبي حنيفة أنهم لم يكونوا عبيدا لأنهم أقروا على المساقاة حياة رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وصدرا من أيام عمر، حتى أجلاهم. ولم يباعوا، ولا عتقوا، ولم يرو أحد من أهل الحديث أن النبيّ ﷺ أخذ من أهل خيبر جزية أم لا، إلا أن نزول براءة كان بعد خيبر، فيدل ذلك أنه أخذ منهم الجزية والله وأعلم.
والحجة على الشافعي في منعه المساقاة إلا في النخل والكرم مساقاة النبيّ ﷺ أهل خيبر على نصف ما يخرج منها: من زرع أو ثمر. فمنع الشافعي المساقاة في الزرع لأن الأرض تكرى بما يخرج منها، وفيه النص، وأجازها في الكرم ولا نص فيه قياسا على النخل وجمهور العلماء على خلافه. في كتاب مسلم: ومن خيبر كان النبيّ ﷺ يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق: ثمانين من تمر وعشرين من شعير «١» .
قال مالك: وكان بياض خيبر يسيرا بين أضعاف السواد. قال مالك في الواضحة: وهو يسير إلى اليوم. قال مالك في المدونة وغيرها: أحب إليّ أن يلغي البياض للعامل، وهو أحله.
فإن قال قائل: لم قال مالك إلغاء البياض للعامل أحل. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ أخذ من أهل خيبر النصف من الثمر ومن الزرع؟ قيل له: إنما ذلك لنهي رسول الله ﷺ عن المخابرة وهي:
اكتراء الأرض بالحنطة، فخشي مالك أن يكون هذا النهي بعد قصة خيبر: وإنما يؤخذ من فعل رسول الله ﷺ بالأحدث فالأحدث، فإذا ألغي البياض للعامل ارتفع الإشكال وإن كان البياض بينهما فهو جائز على ما فعله بخيبر. قاله محمد بن دحون عن الأصيلي: حدثني بذلك أبو عمرو وابن القطان﵏- جميعهم.
وفي البخاري ومسلم: أن كعب بن مالك تقاضى من عبد الله بن أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ- وهو في بيته- فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته ونادى كعب بن مالك فقال:
_________________
(١) رواه مسلم (١٥٥١ و٢) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٩٩ ]
لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده: أن ضع الشطر من دينك فقال: قد فعلت يا رسول الله، قال: «قم فأقضه» «١» .
وفي حديث آخر: أشار بيده كأنه يقول النصف «٢» .
وفي كتاب ابن شعبان: أن النبيّ ﷺ قال: «من اقتضى حقا فليقتضه في كفاف وعفاف واف أو غير واف» .
وثبت أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى قوم من قوم خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلوا، فأمر فيهم رسول الله ﷺ بنصف الدية «٣» . قال بعض أهل العلم بالقرآن: إنما أمر بذلك لأنه قد يمكن أن يكون سجودهم إسلاما فتكون فيهم الدية، وقد لا يكون إسلاما فلا يكون لهم دية.
وفي مصنف أبي داود عن سمرة بن جندب: أنه كان له نخل في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله فكان سمرة بن جندب يدخل إلى النخل فيتأذى به الرجل، ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعها منه فأبى، فطلب أن يناقله فأبى، فأتى النبيّ ﷺ فذكر له ذلك، فطلب إليه النبيّ ﷺ أن يبيعه منه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال: فهبها لي ولك كذا وكذا مزرعة فأبى، فقال رسول الله ﷺ: «أنت مضار»، ثم قال النبيّ ﷺ للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله» «٤» .
وعن أبي سعيد الخدري قال: اختصم إلى النبيّ ﷺ رجلان في حريم نخلة فأمر بها فذرعت فوجدت سبعة أذرع. وفي حديث آخر خمسة أذرع فقضى بذلك «٥» . قال عبد العزيز: أمر بجريدة من جرايدها فذرعت.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧١٠)، ومسلم (١٥٥٨)، وأبو داود (٣٥٩٥) من حديث كعب بن مالك ﵁.
(٢) رواه البخاري (٢٤٢٤) من حديث كعب بن مالك ﵁.
(٣) رواه أبو داود (٢٦٤٥) من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
(٤) رواه أبو داود (٣٦٣٦) من حديث أبي جعفر الباقر محمد بن علي عن سمرة. وفيه انقطاع فإن أبا جعفر لم يسمع من سمرة ﵁.
(٥) رواه أبو داود (٣٦٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وإسناده صحيح.
[ ١٠٠ ]