في الموطأ والبخاري ومسلم عن عائشة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص: أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك. قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد وقال: ابن أخي- قد كان عهد إليّ فيه- فقام عبد بن زمعة وقال: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فتساوقا إلى رسول الله ﷺ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي، وقد كان عهد إليّ فيه. وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه. فقال رسول الله ﷺ: «هو لك يا عبد بن زمعة»، ثم قال رسول الله ﷺ: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» . ثم قال رسول الله ﷺ لسودة بنت زمعة: «أحتجبي منه» لما رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص، قالت: فما رآها حتى لقي الله ﷿ «٢» . وكانت سودة زوج النبيّ ﷺ لم يذكر مالك هذا في الموطأ.
في هذا الحديث من الفقه: إنفاذ وصية الكافر لأن عتبة مات كافرا، وذلك أنه هو الذي.
كسر رباعيته ﷺ في يوم أحد، فدعا النبيّ ﷺ ألايحول عليه الحول حتى يموت كافرا، فما حال عليه الحول حتى مات كافرا. ذكره عبد الرزاق في مصنفه، وكذلك ذكر ابن أبي حثمة: أنه مات كافرا.
وفيه: استلحاق الأخ، وفي ذلك اختلاف ولا خلاف في استلحاق الابن وفيه حجة المالك في الحكم بقطع الذرايع لأن قطع الذرايع أن يمنع من المباح لئلا يوقع في الحرام، ومثل قول الله ﷿: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النّور: الاية ٣١] . ومثل نهيه تعالى المؤمنين أن يقولوا للنبي ﷺ: «راعنا»، وهم لا يريدون الإذاية للنبي ﷺ، فنهاهم الله عن ذلك بسبب قول اليهود للنبيّ ﷺ: راعنا يريدون بذلك: يا أرعن.
ومثل هذا نهى الله أهل السبت عن الصيد فيه، فأخذ بعضهم حيتانا في غير السبت فجعل كصيدهم في السبت وعذبوا على ذلك.
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٥٥٧) من حديث جابر ﵁. وهو حديث صحيح.
(٢) رواه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧)، والموطأ (٢/ ٧٣٩) من حديث عائشة ﵂.
[ ١٠٧ ]
فكذلك حكم النبيّ ﷺ لسودة: أن ابن زمعة أخوها إذ ولد على فراش أبيها، وجعله أجنبيا في ألايراها فحكم بحكمين: حكم في الظاهر، وحكم في الباطن، واتبع الشافعي في ذلك إبطال الحكم بقطع الذرايع، وأن يكون حكما واحدا حتى قال: إن للرجل أن يمنع زوجته من رؤية أخيها. وأن قول النبيّ ﷺ: «احتجبي عنه» إنما هو على وجه التنزه والاختيار، وهذا خلاف لما أمر به رسول الله ﷺ عائشة في أفلج أخي ابن القعيس، إذ قال لها: «إنه عمّك فليلج عليك» «١»، وكان عمها من الرضاعة، فكيف أن يمنع المرأة من رؤية أخيها.
وأدخل البخاري هذا الحديث في باب تفسير المشبهات مع الحديث: «دع ما يريبك إلى مالا يريبك» «٢» . وهو أيضا يقوي مذهب مالك، ويخالف قول الشافعي.
وقول النبيّ ﷺ: «وللعاهر الحجر» يعني: نفي الولد عن الزاني، وأنه لا شيء له فيه، ولا ينسب إليه. كقول العرب: بفمك الحجر. أي: لا شيء لك.
وقال الداودي: للعاهر الحجر: يعني الرجم للزاني المحصن، ومذهب الشافعي أن الحرام لا يحرّم الحلال، وكذلك قال: إن أمر النبيّ ﷺ لسودة بالاحتجاب تنزه واختيار، ومذهب أبي حنيفة أن الزنا يحرم- واختلف في ذلك قول مالك- فمرة قال: إن الحرام لا يحرّم الحلال، ومرة قال: إنه يحرّم، والأغلب من مذهبه ومذهب أصحابه أنه لا يحرّم.