في الموطأ عن مالك عن ابن شهاب أنه بلغه أن نساء كن في عهد رسول الله ﷺ أرسلن في أرضهن، وهن غير مهاجرات، وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن: بنت الوليد بن المغيرة وكانت تحت صفوان بن أمية، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام، فبعث إليه رسول الله ﷺ ابن عمه وهو: وهب بن عمير برداء رسول الله ﷺ أمانا لصفوان بن أمية، ودعاه رسول الله إلى الإسلام وأن يقدم عليه فإن رضي أمرا قبله وإلا سيّره شهرين، فلما
_________________
(١) رواه ابن ابي شيبة (١٤/ ٤٧٨) . وابن كثير في التفسير باب قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها (ج/ ١/ ٥١٥) وقال ابن كثير. وقال محمد بن اسحاق في غزوة الفتح: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكة واطمأن. وذكره. وصفية بنت شيبة- قال الحافظ في التقريب: لها رؤية. حدثت عن عائشة وغيرها. وفي البخاري التصريح بسماعها من النبي ﷺ. ومحمد بن جعفر بن الزبير قال الحافظ: ثقة.
[ ١١٥ ]
قدم صفوان إلى رسول الله ﷺ بردائه ناداه على رؤوس الناس فقال: يا محمد إن هذا وهب بن عمير جاءني بردائك وزعم أنك دعوتني للقدوم عليك، فإن رضيت أمرا قبلته وإلا سيرتني شهرين. قال: فقال رسول الله ﷺ: «بل لك أن تسير أربعة أشهر»، ثم إن رسول الله ﷺ خرج قبل هوازن بحنين، فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعير أداة وسلاحا عنده، فقال صفوان: أطوعا أم كرها؟ قال: «بل طوعا»، فأعاره الأداة والسلاح الذي عنده.
وفي رواية يحيى: ثم رجع وهو غلط. والصواب ثم خرج- وكذلك سائر الرواة- مع رسول الله ﷺ وهو كافر فشهد حنينا والطائف وهو كافر وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول الله ﷺ بينه وبين امرأته حتى أسلم صفوان واستقرت امرأته عنده بذلك النكاح، وكان بين إسلامهما نحوا من شهر «١» .
وفي مصنف عبد الرزاق عن بعض بني صفوان بن أمية قال: استعار النبيّ ﷺ من صفوان عاريتين: إحداهما بضمان والآخرى بغير ضمان «٢» .
وفي السير وغيرها، وذكره ابن شعبان: أن العارية كانت مائة درع بما يكفيها من السلاح، وزعموا أن رسول الله ﷺ سأله أن يكفيهم حملها ففعل. وفي كتاب النسائي: حملها على ثلاثين جملا «٣»، وفي غير الموطأ: أن صفوان بن أمية قال لرسول الله ﷺ لما سأله السلاح: أغصبا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ: «بل عارية مؤداة» «٤»، فأصحاب الكلام يرون العارية في ضمان المستعير حتى يؤديها إلى صاحبها وإن تلفت وعرف تلفها لم يسقط الضمان لظاهر الحديث.
ومالك﵀- وغيره أيضا يقولون: إذا قامت بينة بهلاك العارية سقط الضمان، فإن كانت مما لا يغاب عليه: كالحيوان، فلا ضمان عليه، وهو مصدّق في ادعاء التلف مع يمينه ما لم يظهر كذبه.
وفي مصنف أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: «يا صفوان هل عندك من سلاح؟» قال:
أعارية أم غصب؟ قال: «بل عارية»، فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعا، وغزا رسول الله ﷺ حنينا فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعا، فقال النبيّ ﷺ لصفوان:
«إنا فقدنا من دروعك أدراعا فهل نغرم لك»، فقال: لا يا رسول الله لأن في قلبي اليوم ما لم
_________________
(١) رواه مالك (٢/ ٥٤٣ و٤٤٤) بلاغا وإسناده منقطع- قال ابن عبد البرّ: لا أعلمه يتصل من وجه صحيح. وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير. وابن شهاب إمام أهلها. وشهده هذا الحديث أقوى من إسناده. وقد روى بعضه مسلم.
(٢) رواه عبد الرزاق (١٤٧٨٩) وفيه جهالة الرجل. الراوي عنه معمر ﵀.
(٣) رواه النسائي (٥٧٧٦) و(٥٧٧٧)، والدارقطني (٣/ ٣٩) من حديث يعلى بن أمية ﵁. وهو حديث صحيح.
(٤) رواه الدارقطني (٣/ ٣٩ و٤٠) من حديث يعلى بن أمية وهو حديث حسن.
[ ١١٦ ]
يكن يومئذ. وقال أبو داود: وكان أعاره إياها قبل أن يسلم «١» . وفي الدلائل للأصيلي قال مالك: لا ضمان في عارية إلا ما يغاب ويخفى هلاكه فإن علم هلاكه بغير سبب المستعير فلا ضمان عليه. وقال أبو حنيفة: لا ضمان في عارية خفي هلاكها أو لم يخف. وقال الشافعي:
تضمن العارية على كل حال، وإن قيل أن النبيّ ﷺ قال: «على اليد رد ما أخذت» . قيل: هذا الحديث يروى عن الحسن، عن سمرة، والحسن عن سمرة غير حجة أيضا فإن الحسن لا يرى تضمين العارية، فإن قيل: إن في حديث صفوان بل عارية مضمونة فيقال لهم: لو ثبت هذا اللفظ ما لزم أن تكون العارية بذلك مضمونة كما كان. زعم الشافعي أن استعارة النبيّ ﷺ من صفوان قبل إسلام صفوان فالتزم له النبيّ ﷺ ضمان العارية لمكان الوفاء منه لصفوان، ولما أعطاه من ألزمه في نفسه وما لزم به لأهل الكفر لا يستدل به في أحكام الدين.
وروى قاسم بن أصبغ عن ابن وضاح عن سحنون عن ابن قيس عن حمزة بن أبي حمزة الضبي يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ أنه قال: «من بنى في ربع قوم بإذنهم فأرادوا إخراجه فله قيمته ومن بنى في ربع قوم بغير إذنهم فليس له إلا النقض» «٢» . وتكلّم في عمرو بن قيس وحمزة الضبي.