في البخاري ومسلم والنسائي: نزل يهود بني قريظة على حكم سعد بن معاذ، وهذا اللفظ للنسائي. أخبرنا قتيبة بن سعد عن الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: رمي يوم الأحزاب سعد ابن معاذ فقطع أكحله «٢» . وفي البخاري: رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة رماه في الأكحل «٣» . قال في النسائي: فحسمه رسول الله ﷺ بالنار فانتفخت يده فتركه فنزفه الدم فحسمه أخرى فانتفخت يده فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقرّ عيني من بني قريظة.
فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ. فأرسل إليه رسول الله ﷺ.
قال في البخاري في حديث أبي سعيد الخدري وكان قريبا فجاء على حمار فلما دنا من المسجد قال رسول الله ﷺ: «قوموا إلى سيدكم» «٤»، قال في غير البخاري فقال: المهاجرون من قريش: إنما أراد رسول الله ﷺ الأنصار، وقالت الأنصار: إنما عم بها رسول الله ﷺ فقاموا إليه فجاء فجلس إلى رسول الله ﷺ فقال له: «إن هؤلاء نزلوا على حكمك» «٥» . ووقع في البخاري في موضع آخر عن عائشة: أن النبيّ ﷺ أتى بني قريظة فنزلوا على حكمه فرد رسول الله ﷺ الحكم إلى سعد فقال سعد: إني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم. فقال رسول الله ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك» «٦» . قال في غير البخاري: «من
_________________
(١) ذكره ابن كثير في التفسير (٤/ ١٧٣) باب قوله تعالى فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً وقال: رواه العوفي عن ابن عباس ﵄. وقاله قتادة والضحاك والسدي وابن جريج- وقال آخرون وهم الأكثرون: ليست منسوخة إنما الإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته فقط. ولا يجوز له قتله.
(٢) رواه الترمذي (١٥٨٢) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) رواه البخاري (٤١٢٢) من حديث عائشة ﵂.
(٤) رواه البخاري (٣٠٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٥) رواه أحمد في المسند (٣/ ٢٢) و(١١١٦٨)، ومسلم (١٧٦٨)، والنسائي في الكبرى (٨٢٢٢) وعبد بن حميد في المنتخب (٩٩٥) من حديث أبي سعيد ﵁.
(٦) رواه البخاري (٤١٢٢)، ومسلم (١٧٦٩) من حديث عائشة ﵂.
[ ٣٤ ]
فوق سبعة أرقعة» «١» . ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله ﷺ بالمدينة بدار بنت الحارث امرأة من بني النجار ثم خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة فخندق فيها، ثم بعث فيهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق وفيهم حيي بن أخطب، وكعب بن أسد رئيسهم وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر لهم يقول كانوا بين الثمانمائة إلى الألف. وقالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون ألا ترون أن الداعي لا ينزع والذاهب منكم لا يرجع! هو والله القتل «٢» . قالت عائشة: ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة اسمها بنانة وهي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته «٣» .
وفي جامع المستخرجة في سماع ابن القاسم قال مالك: قال عبد الله بن أبي بن سلول لسعد بن معاذ في أمر بني قريظة إنهم أحد جناحي وهم ثلاثمائة دارع وستمائة حاسر فقال له سعد: قد تألى سعد ألاتأخذه في الله لومة لائم.
وفي كتاب النسائي: وكانوا أربعمائة فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات «٤» .
وفي كتاب ابن سحنون: روي أن النبيّ ﷺ نهى أن تقبل من العدو النزول على حكم الله لأنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم وأنزلهم على حكمك، قال سحنون: فإن جهل الإمام فأنزلهم على حكم الله، يعني إذا طلبوا ذلك فهي شبهة فليردّوا إلى مأمنهم إلى أن يجيبوا إلى الإسلام.
قال محمد: وليعرض عليهم الإسلام قبل ردهم فإن أبوا عرضت عليهم الجزية. من النوادر قال سحنون: وإن نزلوا على حكم الله وحكم فلان فحكم بالسيف أو بسبي الذرية أو أخذ المال لم ينفذ وكأنهم نزلوا على حكم الله وحده.
قال ابن شهاب في مختصر المدونة: كانت وقعة بني النضير في المحرّم سنة ثلاث، وقال
_________________
(١) رواه الخطابي في إصلاح خطأ المحدثين ص (٥٢)، وابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ١٠٨)، وفي عيون الأثر لابن سيد الناس (٢/ ٧٣) وقال: قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن ابن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثي قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة» . وفي إسناده عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ لم نقف له على ترجمته. وعلقمة بن وقاص الليثي قال الحافظ: أخطأ من زعم أن له صحبة فالحديث مرسل وفيه مجاهيل.
(٢) ذكره في عيون الأثر لابن سيد الناس (٢/ ٧٣) . عن ابن اسحاق. قال: ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله ﷺ وذكره.
(٣) رواه أبو داود (٢٦٧١) في الجهاد. باب في قتل النساء من حديث عائشة ﵂. وإسناده حسن.
(٤) رواه الترمذي (١٥٨٢) من حديث جابر ﵁. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهو كما قال.
[ ٣٥ ]
غيره: سنة أربع خرج إليهم النبيّ ﷺ عشية الجمعة لتسع مضين من ربيع الأول، وحوصروا ثلاثا وعشرين يوما وقالت عائشة: خمسة وعشرين يوما. وفي البخاري: بعد بدر بستة أشهر. قاله عروة «١» .
وفي حكم النبيّ ﷺ في بني قريظة من الفقه: أن أهل الذمة إذا حاربوا والإمام عادل، فليستحل بذلك نساءهم وذراريهم، ومن ضعف من رجالهم من شيخ وذي زمانة. قاله الأوزاعي، وابن الماجشون، وأصبغ، وابن حبيب، وابن الموّاز، وخالفهم ابن القاسم في الشيخ الكبير ومن به زمانة، أو من يرى أنه مغلوب منهم. فقال: لا يستباحوا ولا يسترقوا.
قال أبو عبيد: إنما استحل رسول الله ﷺ دماء بني قريظة لمظاهرتهم الأحزاب عليه، وكانوا في عهده فرأى ذلك نكثا لعهدهم.
قال أبو عبيد: وقال سفيان بن عيينة: إنا لا نعلم أن النبيّ ﷺ عاهد قوما فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم غير أهل مكة فإنه منّ عليهم، وكان نقضهم أن قاتلت حلفاؤهم من بني بكر حلفاء رسول الله ﷺ من خزاعة. فنصر أهل مكة بني بكر على حلفائه، فاستحل غزوهم. قال المفضل:
حاصرهم إحدى وعشرين ليلة، ثم سألوا رسول الله ﷺ الصلح، فأبى ذلك عليهم إلا على أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به ﵇، فرضوا فأمرهم أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، وما بقي فلرسول الله ﷺ فخرجوا إلى الشام وهو حشرهم.
وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال: أن اليهود قيل لهم: انزلوا على حكم النبيّ ﷺ. قالوا:
ننزل على حكم سعد، فقال رسول الله ﷺ: «انزلوا على حكم سعد» «٢» .
وفي مصنف أبي داود: كان النضير أشرف من قريظة، وكلاهما من ولد هارون النبيّ ﵇ «٣» .
وفي كتاب المفضل: وكان سبب النضير أن رسول الله ﷺ سار إليهم ومعه نفر من
_________________
(١) رواه البخاري تعليقا في ترجمة باب (١٤) في المغازي حديث بني النضير. ومخرج رسول الله إليهم في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله ﷺ- وقال: قال الزهري عن عروة بن الزبير كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد. وقال الحافظ في الفتح: وصله عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري أتم من هذا، ولفظه عن الزهري وهو في حديثه عن عروة ثم كانت غزوة بني النضير. وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر. وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة. فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء. وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال لا الحلقة يعني السلاح. فأنزل الله فيهم سَبَّحَ لِلَّهِ إلى قوله لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [الحشر: ١، ٢] .
(٢) رواه أحمد في المسند (٦/ ١٤١ و١٤٢)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢٨)، وقال: رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو بن علقمة. وهو حسن الحديث. وبقية رجاله ثقات. وقال في الفتح (١١/ ٤٣) وسنده حسن.
(٣) رواه أبو داود (٣٥٩١) من حديث ابن عباس ﵄. وهو حديث صحيح.
[ ٣٦ ]
أصحابه، فكلّمهم في أن يعينوه في دية الكلابيين اللّذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا:
نفعل يا أبا القاسم، وخلا بعضهم ببعض فتوامروا فيه وهموا بالغدر به، وقال عمرو بن جحاش النضيري: أنا أظهر على البيت، وأطرح عليه صخرة، وذكر غيره رحى فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا فو الله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه. وجاء إلى رسول الله ﷺ الخبر بما همّوا به. قال غيره: نزل جبريل﵇- فأخبره فنهض مسرعا فتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه فقالوا: قمت ولم نشعر. فقال: «همّت يهود بالغدر فأخبرني الله ﷿ بذلك»، وبعث إليهم رسول الله ﷺ: «أن اخرجوا من بلدي لا تساكنوني، وقد هممتم بغدري وقد أجّلتكم عشرا فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه» . فأقاموا أياما يتجهزون، وأرسل إليهم عبد الله ابن أبي: لا تخرجوا من دياركم فإنّ معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون حولكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان. فطمع حيي فيما قال له وبعث إلى رسول الله ﷺ: إنا لا نخرج من ديارنا فافعل ما بدا لك. فأظهر رسول الله ﷺ التكبير، فسار إليهم، وعلي بن أبي طالب يحمل رايته فلما رأوه قاموا على حصونهم ومعهم النبل والحجارة، واعتزلتهم قريظة، وخانهم ابن أبيّ وحلفاؤهم من غطفان، وحاصرهم رسول الله ﷺ، وقطع نخلهم فقالوا: نخرج من بلدك. فقال رسول الله ﷺ: «لا نقبل ذلك. ولكن اخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة» يعني السلاح، فنزلوا على ذلك وقبض النبيّ ﷺ الأموال والحلقة، وكانت أموال بنو النضير خالصة لرسول الله ﷺ لنوائبه ولم يخمّسها لأن الله ﷿ أفاءها عليه، ولم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فهذا جزاء بني النضير الذي قال الله ﷿: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: الاية ٨٥] . وقوله ﷿: وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر: الاية ٥] «١» .
وأما قريظة فسار إليهم رسول الله ﷺ في ثلاثة آلاف من المسلمين فحاصرهم خمسة عشر يوما، فأرسلوا إلى النبيّ ﷺ: أن يرسل إليهم أبا لبابة فأرسله إليهم فشاوروه في أمرهم فأشار إلى حلقه أنه الذبح، ثم ندم فاسترجع فقال: خنت الله ورسوله فلم يرجع إلى النبيّ ﷺ وسار إلى المسجد، وارتبط بسارية ولم يأت رسول الله ﷺ حتى أنزل الله توبته. ثم نزلوا على حكم النبيّ ﷺ فأمر بهم ﵇ محمد بن مسلمة فكتفوا ونحوا ناحية، واستعمل عليهم عبد الله بن سلام، فجمع أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث فوجد فيها ألفين وخمسمائة سيف، وثلاثمائة درع وألف رمح وخمسمائة ما بين ترس وحجفة. ووجد عندهم جرار خمر فأهرق، ولم يخمّس، وكلّمت الأوس رسول الله ﷺ فيهم: أن يهبهم لهم وكانوا حلفاءهم، فجعل النبيّ ﷺ الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلة، وسبي النساء والذرية، وأن تقسم
_________________
(١) رواه ابن سعد في طبقاته (٢/ ٤٣ و٤٤)، وابن جرير الطبري (٢/ ٥٤٢)، وابن هشام في السيرة (٢/ ١٧٤) باب أمر إجلاء بني النضير في سنة أربع من حديث ابن إسحاق.
[ ٣٧ ]
الأموال. فقال رسول الله ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة»، وانصرف رسول الله ﷺ وأمر بهم فأدخلوا المدينة، وجلس رسول الله ﷺ وعامة أصحابه، وأخرجوا رسلا رسلا فضربت أعناقهم. وكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة، واصطفى رسول الله ﷺ لنفسه ريحانة بنت عمرو، وأمر بالغنائم فجمعت وأخرج الخمس من المتاع والسبي، ثم أمر بالباقي فبيع فيمن يزيد، وقسمه بين المسلمين، وكانت السهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما للفرس سهمان ولصاحبه سهم، وكان رسول الله ﷺ يعتق منه ويهب ويخدم «١» . وكذلك قال مالك في المستخرجة: خمّس رسول الله ﷺ قريظة ولم يخمّس بني النضير.