في الموطأ مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، أنهما أخبراه أنّ رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، وقال الاخر، وهو أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم. قال: «تكلم»، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته. فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وجارية لي ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني: جلد مائة، وتغريب سنة، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ: «أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ﷿، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك»، وجلد ابنه مائة، وغرّبه عاما، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الاخر فإن اعترفت رجمها. فاعترفت فرجمها «٣» .
قال مالك: العسيف: الأجير. قال بعض العلماء: معنى قول النبيّ ﷺ: «لأقضين بينكما بكتاب الله» أي بحكم الله الذي هو وحي ليس بقرآن بقول الله ﷿: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ [القلم: الاية ٤٧] . أي يحكمون. وقيل: إن ذلك من مجمل القرآن في قوله ﷾: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [النّور: الاية ٨] . وهي التي يرميها زوجها، فأبان رسول الله ﷺ فعله أن ذلك العذاب الرجم على الزاني المحصن.
_________________
(١) رواه البزار (١٥٥٨)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٧١) وقال رواه البزار من طريق مجالد عن الشعبي. وقد صححها ابن عدي أقول مجالد بن سعيد ضعيف. ويشهد له ما قبله.
(٢) رواه أبو داود (٤٤٥٩) وإسناده ضعيف.
(٣) رواه مالك في الموطأ (١٧٦٠) في الحدود، والبخاري (٦٦٣٣ و٦٦٣٤)، وأبو داود (٤٤٤٥)، والترمذي (١٤٣٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢١ ]
وفي الحديث من الفقه: نقض الصلح الحرام، والتوكيل على إقامة الحد، بخلاف قول أبي حنيفة الذي لا يجيز الوكالة على الحدود إلا على إقامة البينة خاصة، وإقرار الزاني مرة واحدة، وألايجلد من وجب رجمه، وسؤال عالم وثم أعلم منه. وأن من رمى امرأة غيره بالزنا أن السلطان يبعث إليها فإن أقرت حدّت وبرئ الرامي الذي رماها، وإن أنكرت جلد الذي رماها الحد. وإجازة خبر الواحد في الأحكام والأعذار إلى المحكوم عليه، وتغريب الزاني البكر ولا تغريب على النساء ولا على العبيد لأن النساء عورة والعبيد سلعة. وتأوّل البخاري أن التغريب النفي فترجم الباب في كتابه: البكران يجلدان وينفيان.
وقال النسائي في صون النساء عن مجلس الحكم في الموطأ مالك عن زيد بن أسلم: أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ بسوط فأتي بسوط مكسور فقال: «فوق هذا»، فأتي بسوط جديد، لم تقطع ثمرته فقال: «دون هذا»، فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله ﷺ فجلد. ثم قال: «أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي صفحته نقم عليه كتاب الله» «١» . قوله لم تقطع ثمرته يعني طرفه، والثمرة الطرف.
وقوله ﵇: «من أصاب من هذه القاذورات» يعني جميع المعاصي كالزنا والخمر وشبه ذلك.
وفي كتاب أبي عبيد: أن سعد بن عبادة أتي رسول الله ﷺ برجل كان في الحيّ مخدّج سقيم وجد على أمة من إمائهم يخبث بها فقال النبيّ ﷺ: «خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة» «٢» . وفي شرح الحديث لابن قتيبة: اجلدوه، قالوا: نخاف أن يموت. قال:
اجلدوه بعثكال. والعثكال: الكباسة، وأهل المدينة يسمونه العذق وهو العرجون هذا في الأحكام لإسماعيل وهذا خاص.