قد تقدمت الشروط العشرة المعتبرة في كل مُوَلًّى من خليفة، وسلطان، وقاضٍ، ونائب، ويعتبر في الإمام شروطٌ أخرُ يختص بها:
الأول منها: أن يكون من قريش.
قال القاضي: يعتبر أن يكون قرشيًا من الصميم، وهم من كان من ولد قريش يريد ابن النضر.
قال الإمام أحمد -في رواية مُهَنَّا-: لا يكون من غير قريش خليفة (١).
وقال ابن عقيل: يعتبر ذلك في الإمام. وأما عمل الناس على بني العباس، فليس له أصل يعتمد عليه، وقول الناس: إنه -﵇- قال له: "الخلافَةُ فيكَ وفي وَلَدِكَ إلى يَوْمِ القيامَةِ" (٢)، فهو كذب لا عمل
_________________
(١) انظر: "الأحكام السلطانية" (ص: ٣).
(٢) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٦/ ٣٤٩) عن أبي هريرة -﵁- مرفوعا: "الخلافة فيكم والنبوة". وروى ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٥/ ٢٧٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٦/ ٣٤٧) عن أبي هريرة -﵁- بلفظ: "فيكم النبوة والمملكة"، وفيه عبد الله بن شبيب، قال ابن عدي: يحل ضرب عنقه، ثم قال: ولعبد الله بن شبيب غير ما ذكرت من الأحاديث التي أنكرت عليه كثير. ورواه باللفظ نفسه: البزار في "مسنده" (مجمع الزوائد: ٥/ ١٩٢ - ١٩٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٥١٧) عن أبي هريرة -﵁-، قال البيهقي: تفرد به محمد بن عبد الرحمن العامري عن سهيل، وليس بالقوي، وكذا أعله الهيثمي بمحمد هذا. =
[ ٥٢ ]
عليه، ولو صحَّ ذلك عن النبي - ﷺ -، لم يكن لأبي بكر أن يتقدم على العباس مع وجوده، وقد قال له علي -وراودوه على أن يدخلا إلى النبي - ﷺ -، فيسألاه: إن كانت الخلافة فيهم، علموا ذلك، وإن كانت في غيرهم، أوصى بهم-، فقال: لا والله، وأبى، وقال: إن منعناها، لم يعطِناها الناسُ أبدًا (١). وكيف يقع هذا، وقد قال له: "إنها فيه وفي ولده"؟ والله! لو وقع ذلك، لم يستحل أبو بكر أخذَها، ولا عمرُ بعدَه؛ فإنه كان في زمن عمر، وقال عمر في أيامه: كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا (٢)، وكان يتوسَّل به في زمنه، فلو قال له النبي - ﷺ -: إن الخلافة فيه، لم يَسَعْه السكوت، ولم يسعْ أبا بكرٍ وعمرَ التقدمُ عليه، ولا وسعَ الصحابةَ السكوتُ عن ذلك، ثم بعدها وليَ عثمان، ثم علي، ولم تقع للعباس ولاية، ثم وليَ جماعة من الأئمة من الصحابة وغيرهم، وليس هم من أولاده.
_________________
(١) = وروى الخطيب في "تاريخ بغداد" (٣/ ٣٤٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٦/ ٣٥٠) عن ابن عباس -﵄- بلفظ: "لي النبوة ولكم الخلافة". وروى الديلمي في "مسند الفردوس" (٥٣٧١) عن أم سلمة -﵁- بلفظ: "لن تزال الخلافة في ولد عمي صِنْو أبي العباس حتى يسلموها إلى الدجال".
(٢) رواه البخاري (٤١٨٢)، كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته عن كعب بن مالك -﵁-.
(٣) رواه البخاري (٩٦٤)، كتاب: الإستسقاء، باب: سؤال الناس الإمام الإستسقاء إذا قحطوا عن أنس -﵁-.
[ ٥٣ ]
ولو كان -﵇- قال ذلك، لما وَسِعَ من بقي من أصحاب النبي - ﷺ - السكوتُ عن مثل ذلك، ثم وليها عمرُ بن عبد العزيز، مع عدله وخيره وديانته، والإجماع على أنه من العادلين، وليس هو من ولده، ولو علمَ أن النبي - ﷺ - قال ذلك، لم يدخل فيها، ولتركها.
وإنما حدث هذا الكذبُ على الرسول في خلافة بني العباس حين أخذوها، وصارت إليهم، ولم نر القولَ باشتراط كونه من بني العباس عن أحد من العلماء المعتبرين، ولو اشترط ذلك أحد، وأنه خير، لكان أصحاب النبي - ﷺ - أحقَّ باتباعه، فلم يتولّ العباسُ في زمن أصحاب النبي - ﷺ -، ولا أحد من أولاده، ثم كذلك لم يتولّ أحدٌ من أولاده في زمن تابعي التابعين، وكانوا أحرصَ على القول بالخبر واتباعِه من غيرهم، ولم يَرِدْ ذلك عن أحد منهم، بل الذي صحّ عن النبي - ﷺ -، وعن أصحابه، ومَنْ بعدهم: أن يكون قرشيًا، فقد أخبرنا الجماعة، أنا ابن الزَّعْبوب، أنا الحَجَّار، أنا ابن الزَّبيدي، أنا السِّجْزِي، أنا الداودي: أنا السَّرَخْسي، أنا الفِرَبْري، أنا البخاري، ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: كان محمّدُ بنُ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ يحدِّثُ أنه بلغ معاويةَ، وهو عنده في وفدٍ من قريش: أنَّ عبدَ الله بنَ عمرٍو يحدِّث: أنه سيكون ملكٌ من قحطان، فغضب، فقامَ، فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثم قال:
أمّا بعد: فإنه بلغني أن رجالًا منكم يحدِّثونَ أحاديثَ ليست في كتاب الله، ولا تُوثَرُ عن رسول الله - ﷺ -، أولئك جُهَّالُكُم، فإيَّاكُم والأمانِيَّ التي تُضلُّ أهلَها؛ فإني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إِنَّ هَذَا
[ ٥٤ ]
الأمْرَ في قُرَيْشٍ، لا يُعادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ في النَّارِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ" (١).
تابعه نعيم، عن ابن المبارك، عن مَعْمَر، عن الزهريِّ، عن محمّدِ بنِ جبير (٢).
قال: ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، ثنا عاصمُ بنُ محمّدٍ: سمعت أبي يقول: قالَ ابنُ عمرَ: قال رسول الله - ﷺ -: "لاَ يَزَالُ هَذَا الأمْرُ في قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثنانِ" (٣).
أخبرنا أبو العباس الفُولاذيُّ وغيرُه، أنا ابن بردس، أنا ابن الخباز، أنا الإربليُّ، أنا أبو عبد الله الفُراويُّ، أنا أبو الحسين الفارسيُّ، أنا أبو أحمدَ الجُلوديُّ: أنا أبو إسحاقَ الزاهدُ، أنا مسلمُ بنُ الحَجَّاج، ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، ثنا عاصمُ بنُ محمّدٍ، عن أبيه، قال: قال عبد الله: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يَزَالُ هَذَا الأمرُ في قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثنانِ" (٤).
أخبرنا أبو حفص السليميُّ، أنا ابنُ الزَّعْبوب، أنا الحَجَّارُ، أنا ابنُ الزَّبيديِّ: أنا السِّجْزِيُّ، أنا الدَّاوديُّ، أنا السَّرَخْسيُّ، أنا الفِرَبْريُّ، أنا البخاريُّ، ثنا محمّدُ بنُ المثنى، ثنا غُنْدَرُ، ثنا شعبةَ، عن
_________________
(١) رواه البخاري (٦٧٢١)، كتاب: الأحكام، باب: الأمراء من قريش.
(٢) انظر: "صحيح البخاري" (٦/ ٢٦١١).
(٣) رواه البخاري (٦٧٢٢)، كتاب: الأحكام، باب: الأمراء من قريش.
(٤) رواه مسلم (١٨٢٠)، كتاب: الإمارة، باب: الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
[ ٥٥ ]
عبد الملك، قال: سمعتُ جابرَ بنَ سَمُرَةَ قال: سمعتُ النبي - ﷺ - يقول: "يَكُونُ اثنُا (١) عَشَرَ أَمِيرًا"، فقال كلمةً لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ" (٢).
وبه إلى البخاري، ثثا عبد العزيز بنُ عبد الله، ثنا إبراهيمُ بنُ سعد، عن صالحٍ، عنِ ابنِ شهابٍ، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابنِ عباسِ، عن عمر: أنه قال: كانَ من خبرنا حين تَوَفَى اللهُ نبيَّهُ - ﷺ -: أَنَ الأَنصارَ خالفونا، واجتمعوا بأَسْرِهم في سقيفةِ بني ساعدةَ، وخالفَ عنّا عليّ، والزُّبيرُ، ومَنْ معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر: فقلتُ لأبي بكر: يا أبا بكر! انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلَقْنا نُريدُهم، فلما دَنَوْنا منهم، لَقِيَنا منهم رجلانِ صالحانِ، فذكرا ما تمالَّا عليه القومُ، فقالا: أينَ تريدون يا معشرَ المهاجرين؟ فقالوا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تَقْربوهم، اقْضُوا أمرَكم، فقلتُ: والله! لنأتينَّهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سَقيفة بني ساعدةَ، فإذا رجلٌ مُزَّمِّلٌ بين ظَهْرَانَيْهِم، فقلت: مَنْ هذا؟ قالوا: هذا سعدُ بنُ عبادةَ، فقلتُ: ماله؟ قالوا: يُوعَكُ، فلما جلسنا قليلًا، تشهَّد خطيبُهم، فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثم قال:
أما بعدُ: فنحن أنصارُ الله، وكتيبةُ الإسلام، وأنتم -معاشرَ
_________________
(١) في الأصل: "اثني".
(٢) رواه البخاري (٦٧٩٦)، كتاب: الأحكام، باب: الإستخلاف.
[ ٥٦ ]
المهاجرين- رهطٌ، وقد دَفَّتْ دافَّةٌ من قومِكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلِنا، وأن يحضنونا من الأمر.
فلما سكتَ، أردتُ أن أتكلَّم، وكنت زَوَّرْتُ مقالة أعجبتْني أريدُ أن أقدِّمها بين يَدَيْ أبي بكر، وكنت أُداري منه بعضَ الحَدِّ، فلما أردتُ أن أتكلَّم، قال أبو بكر: على رِسْلِك، فكرهتُ أن أُغضبه، فتكلم أبو بكر -وكان هو أحلَم مني وأوقَرَ- والله! ما تركَ من كلمةٍ أعجبتْني في تزويري إلا قالَ في بديهته مثلَها، أو أفضلَ منها، حتى سكت، فقال؛ ما ذكرتُم فيكم من خير، فأنتم له أهلٌ، ولن يُعرف هذا الأمرُ إلا لهذا الحيِّ من قريش، هم أوسطُ العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيتُ لكم أحدَ هذين الرجلين، فبايِعوا أَيَّهما شئتُم، فأخذ بيدي، وبيد أبي عبيدةَ بنِ الجراحِ، وهو جالسٌ بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان -والله- أن أقدَّمَ فتُضربَ عنقي، لا يُقرِّبُني ذلك من إثم، أحبَّ إليَّ من أن أتأَمَّر على قوم فيهم أبو بكر، اللهمَّ إلا أن تُسَوِّلَ لي نفسي عند الموت شيئًا لا أجدُه الآن.
فقال قائل من الأنصار: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ، وعُذَيْقُها المُرَجَّب، مِنَّا أمير، ومنكم أمير يا معشر قريش.
فكثر اللَّغَطُ، وارتفعت الأصوات، حتى فَرِقْتُ من الإختلاف، فقلت: ابسطْ يدَك يا أبا بكر، فبسطَ يدَه، فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعتْه الأنصار" (١).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٤٢)، كتاب: المحاربين من أهل الكفر والردة، باب: رجم =
[ ٥٧ ]
فكيف يقول عاقل -مع هذا الحال- من جميع أصحاب النبي - ﷺ - من المهاجرين والأنصار: إنهم علموا ذلك من النبي - ﷺ -، وكتموه، ولم يذكره أحد منهم، ولا احتج به لا العباسُ، ولا أحدٌ من أولاده، ولا من بعدهم؟!!
هذا لا يقوله عاقل، بل ذلك فيه وقوعٌ في إثمٍ كبير؛ حيث اتهم جميع أصحاب النبي - ﷺ -، بل ومن جملتهم صاحبُ المصلحة العباسُ على كتمانِ ما قاله الرسول، وعَمِلَ على خلافه؟!
وإنما وقع اتفاقهم على أنه لقريش، ولهذا قدم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، ثم معاوية، وليس ثَمَّ منهم من هو العباس، ولا من ولده، فعلم بطلانُ ذلك، وأنه -﵇- لم يقله، ولم يتكلم به، بل قال: إن ذلك في قريش، في أحاديث كثيرة، منها ما هو في "الصحيحين"، ومنها ما هو في غيرهما (١).
ويُشترط -مع ذلك- أن يكون أفضلَ قرشيٍّ يوجد، إما مع الاتفاق على فضله، أو اتفاقِ غالبِ الناس على ذلك؛ كما وقع الاتفاقُ على أفضلية أبي بكر، ثم على عمر، ثم على عثمان، وقد وقع فيه تردُّد كثير ومحاورة، ولهذا قال عبدُ الرحمن لعلي: والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أتجعلونه
_________________
(١) = الحبلى في الزنا إذا أحصنت.
(٢) منها: ما رواه البخاري (٣٣٠٩)، كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش عن معاوية -﵁- وفيه: "إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله على وجهه ما أقاموا الدين".
[ ٥٨ ]
إليَّ؟ والله عليّ أن لا آلو عن أفضلكم، وقال لعلي: إني لم أر أصحاب النبي - ﷺ - يعدلون بعثمان أحدًا، فلا تجعل على نفسك لأحد (١).
وهذا يدل على أنه لابد أن يكون أفضلَ موجود من قريش يقعُ الإجتهادُ عليه في الأفضلية، سواءٌ كان من وَلَدِ العباس، أو غيرِهم، كما وقع الإتفاق على أفضلية أبي بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان.
وأما عليٌّ -﵁-، فلم يقع الإتفاقُ عليه، بل وقع اختلافٌ بينه وبين معاوية، ثم بعدَ قتلِه استقرَّ الأمرُ لمعاويةَ، فلا بدَّ للخليفة من المبايعة من أهل الحَلِّ والعَقْد في كلِّ بلد، وأما ما يُفعل في زمننا، فهو أمرٌ ليس فيه معرفة ولا تحقيق من كونه من ولدِ العباس، فهذا أمرٌ قد بينّا فسادَه، وعدمَ الاجتهاد في كونه أفضلَ، وهذا غيرُ جيد، وأن الذي يوليه السلطانُ الذي هو نائبُه، وهذا أمر فاسد، بل المبايعة إنما تكون للخليفة الذي هو الأصلُ الذي يولِّي السلطانَ، فلا بد أن يتفق عليه أهلُ الحل والعقد في كلِّ بلد، ويبايعون له، لا في نائبه الذي هو السلطان؛ فإن السلطان نائب الخليفة اليوم، فتعتبر المبايعة للخليفة، لا للسلطان، والسلطانُ لا تعتبر له مبايعة، بل يوليه الخليفةُ، ولا يصح توليةُ الخليفة من السلطان؛ لأنه يلزم من ذلك الدَّوْرِ، ويصير كلُّ واحد منهما نائبَ الآخر، وفرعًا عنه، وهذا من أفسد ما يكون.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٩٧)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: قصة البيعة والإتفاق على عثمان بن عفان -﵁-، والبخاري أيضًا (٦٧٨١)، كتاب: الأحكام، باب: كيف يبايع الإمام الناس.
[ ٥٩ ]
فالعمل الصحيحُ: أن تقع المبايعةُ للخليفة -الذي هو الإمام الأعظم- من أهل الحل والعقد؛ من العلماء، والأكابر، والأعيان في كل بلد، مع الاجتهاد في جمعه شروطَ الإمامة في نفسه كلَّها، فإذا صار خليفةً بذلك، فبعدَ ذلك يولِّي هو السلطانَ الذي يقوم بسياسةِ الناس، والذَّبِّ عنهم، وَردِّ الأعداء عنهم، وأخذِ الناس بجميع أحكام السياسة، وعليه أن يجتهد في أصلحِ مَنْ يجده لذلك، ومَنْ ولّاه، تولّى، ومن عزله، ينعزل، وعليه أن يَسمعَ ويُطيعَ، وعلى كل أحد أن يسمعَ لذلك ويطيع، دمّ إن جعلَ له الأمورَ عامةً، قام مقامَه فيها، وإن لم يجعلها له عامة، فليس له أن يتعدَّى ما جعله إليه، وهذا التحقيق في هذا الباب.
الشرط الثاني: العدالة: فيعتبر في الخليفة أن يكون عدلًا.
والعدل: من كان على الإستقامة؛ باتباع الأمر والنهي؛ بفعل الواجبات، وترك المحرَّمات، بأن لا يفعلَ كبيرةً، ولا يُصِرَّ على صغيرة، ويتعاطى أفعالَ المروءة، بأن يرتكب ما يَزينُه، ويتركَ ما يَشينُه، وهذا الشرط معتبرٌ في الخليفة الذي هو الإمام، فلا يصحُّ كونُه فاسقًا.
وأما نائبُه الذي هو السلطانُ اليومَ، فلا يعتبر فيه ذلك.
فلو كان الخليفةُ يسكر، أو يزني، أو يلوط، أو يفعل كبيرة، لم تصح له ولاية، وينعزل بذلك، وقد بلغني أن مَنْ نُصِّب في ذلك يفعل بعض هذه المحرمات.
الشرط الثالث: العلم: ذكره غير واحد، ونص عليه القاضي من أئمة أصحابنا.
[ ٦٠ ]
الشرط الرابع: أن يكون من أفضل قريش في العلم والدين، ذكره غيرُ واحد من أئمة أصحابنا، ونصَّ عليه القاضي في "الأحكام السلطانية" (١)، وقد قدّمنا الكلام على اجتهاد أصحاب النّبي - ﷺ - في
الأفضل في العلم والدّين، وقد روي عن الإمام أحمد رواياتٌ متعدّدة تدّل
على اعتبار ذلك.
قال في رواية حنبلٍ: وأيُّ بلاء كان أكبرَ من الذي كان أحدثَ عدوُّ الله وعدوُّ الإسلام من إماتة السُّنة -يعني: الذي كان قبل المتوكّل-، فأحيا المتوكّلُ السُّنةَ.
وقد أشار القاضي من كلامه هذا: إلى اعتبار العدالة فيه؛ حيث تكلّم فيه أحمد بعدوِّ الله، وعدوِّ الإسلام، ولو كان إمامًا عنده صحيحَ الإمامة، لما استحلَّ أن يقول له ذلك.
قال القاضي: وفيما رأيته على ظهر جزء من كتب أخي -﵀-: ثنا أبو الفتح بنُ مَنِيع، قال: سمعت جدّي يقول: كان أحمدُ إذا ذكر المأمون، قال: كان لا مأمون (٢).
يشير القاضي إلى أنّ ذلك من أحمد يدلّ على عدم صحّة إمامته.
وقال في رواية الأثرم في امرأة لا وليّ لها: السلطان، فقيل له: تقولُ: السّلطان، ونحن على ما ترى اليوم، وذلك في وقت يُمتحن فيه القضاة؟! فقال: أنا لم أقل على ما ترى اليوم، إنّما قلت: السّلطان.
_________________
(١) انظر: "الأحكام السلطانية" (ص: ٢٠).
(٢) المرجع السابق (ص: ٢٠ - ٢١).
[ ٦١ ]
قال القاضي: وهذا الكلام يقتضي الذّمَّ لهم، والطّعنَ عليهم، ولا يكون هذا إلا وقد قدح ذلك في ولايتهم (١).
لكن قد ورد عن الإمام أحمدَ ألفاظٌ تقتضي إسقاطَ اعتبار العدالة والعلم والفضل، قال في -رواية عبدوس بن مالك العطّار-: ومن غَلَبهم بالسيف حتّى صار خليفة، وسُمّي أميرَ المؤمنين، لا يحلّ لأحدٍ يؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يَبيت ولا يراه إمامًا عليه، برًّا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين.
وهذا يدل على عدم اعتبار العدالة والفضل.
وقال أيضًا في رواية المروذي: فإن كان أميرًا يعرف بشرب المُسْكِر، والغلول، يغزو معه، إنما ذاك له في نفسه (٢).
قال القاضي: وقد روي عن الإمام أحمد في "كتاب المحنة": أنه كان يدعو المعتصمَ بأمير المؤمنين في غير موضع، وقد دعاه إلى خَلْق القرآن، وضربه عليه، وكذلك كان يدعو المتوكلَ بأمير المؤمنين، ولم يكن من أهل العلم، ولا كان أفضلَ أهلِ وقتِه وزمانِه (٣).
وقال القاضي: يمكن أن يُحمل ما قاله -في رواية عبدوس وغيره- على أنه: إذا كان هناك عارضٌ يمنع من نصب العدلِ العالِم الفاضلِ، وهو أن تكون النفوسُ قد سكنتْ إليهم، وكلمتُهم عليهم أجمع، وفي
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٢١).
(٢) المرجع السابق (ص: ٢٠).
(٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
[ ٦٢ ]
العدول عنهم يكثرُ الهَرْجُ، وإذا وُجدت هذه الصفات حالةَ العَقْد، لمّ عدمت بعد العقد، نظرت: فإن كان جَرْحًا في عدالته، وهو الفسق، فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقًا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات اتباعًا لشهوته، أو كان متعلقًا بالاعتقاد، وهو المتأول بشبهة تعترض يذهب فيها إلى خلاف الحق.
قال: وهذا ظاهر كلامه -في رواية المروذي- في الأمير يشرب المسكر، ويَغُلُّ: يُغزى معه، وقد كان يدعو المعتصمَ بأمير المؤمنين، وقد دعاه إلى القول بخَلْق القرآن، وقال حنبل: في ولاية [الواثق] اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله، وقالوا: هذا أمر قد تفاقَمَ وفشا -يعنون: إظهارَ الخلَقْ للقرآن- نشاورك في أنا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فقال: علمتكم لتكتموه بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين.
وقال في رواية المروذي، وذكر الحسن بن صالح، فقال: كان يرى السيف، ولا نرضى بمذهبه (١).
الشرط الخامس: أن يكون على صفة يمكن بها القيامُ بأمر الحرب والسياسة، وإقامة الحدود، ورَدِّ الأعداء عن المسلمين، لا تلحقه رأفةٌ في ذلك، ولا في الذَّبِّ عن الأمة.
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٢١).
[ ٦٣ ]
نصّ عليه أحمد، وصرح به عدةٌ من أئمة أصحابنا، منهم: القاضي، وابن عقيل.
وصرح ابن عقيل باعتبار الشجاعة، فلا يكون جبانًا.
وهنا عدة فروع:
الأول: لا يشترط في الإمام أن يكون معصومًا؛ خلافًا للرافضة.
الثاني: لا يشترط فيه أن يكون من ولد عليّ، ولا من ولد فاطمة.
الثالث: لا يشترط فيه أن يكون من ولد العبّاس، كما قدّمنا ذلك.
الرابع: لا يشترط فيه أن يكون هاشميًا، حيث وَلِيها أبو بكر، وعمر، وعثمان، وليس أحدٌ منهم من بني هاشم.