فإنْ صارَ الإمامُ مأسورًا في يدِ عدوٍّ قاهرٍ لا يقدرُ على الخلاص منه، منعَ ذلك من عقدِ الإمامة له؛ لعجزِه عن النظرِ في أمور المسلمين، سواءٌ كان العدو مسلمًا بَاغيًا، أو كافرًا. ذكره القاضي (٢).
فإن كان معقودًا له الإمامة، فللأمة فسخُ العَقْد، واختيارُ مَنْ عداه من ذوي القدرة.
وقد أومأ أحمدُ إلى إبطال الإمامةِ بذلك -في رواية أبي الحارث- في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك، فيفتتنُ الناسُ، فيكون مع هذا قومُ، ومع هذا قوم، مع مَنْ تكون الجمعة؟ قال: مَنْ غَلَب.
قال القاضي: وظاهر هذا: أن الثاني إذا قهر الأول، وغلبه، زالت إمامةُ الأول؛ لأنه قال: الجمعة مع مَنْ غلب. فاعتبر الغَلَبَةَ (٣).
وقد روي عن أحمد ما يدلُّ على بقاء إمامةِ الأول؛ لأنه قال -في رواية المروذي- وقد سأل: أيُّ شيء الحجةُ في أن الجمعة تجبُ في الفتنة؟ فقال: أمرُ عثمانَ لهم أن يصلُّوا. قيل له: فيقولون: إن عثمانَ
_________________
(١) انظر: "الأحكام السلطانية" (ص: ٢٢ - ٢٣).
(٢) المرجع السابق، (ص: ٢٣).
(٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
[ ٧٦ ]
[ما] أمرَ بذلك، فقال: إنما سألوه بعدَ أن صَلَّوا.
قال القاضي: وظاهرُ هذا: أنه لم يخرج عثمان من الإمامة مع القهر؛ لأنه اعتبر إذنه (١).
قال القاضي: فإن أُسر بعد أن عُقدت له الإمامةُ، فعلى الأمة استنقاذُه؛ لما أوجبتْهُ الإمامةُ من نُصْرَته، وهو على إمامته إذا كان يُرجى خلاصُه، ويُؤمَّل فَكَاكُه، إما بقتال، أو فِداءٍ، وإن وقع الإياس منه، نظرت فيمن أسره، فإن كان من المشركين، خرج من الإمامة، واستأنف أهلُ الإختيار بيعةَ غيره.
فإن عُهد بالإمامة في حالِ أسرِه إلى غيره ليقوم مقامَه، فهل يفيد عهده؟
قال القاضي: نظرت، فإن كان بعد الإياس من خلاصه، لم يصح عهدُه، لأنه عهدٌ بعد خروجه من الإمامة، وإن كان قبل الإياس من خلاصه، صحَّ عهدُه؛ لبقاء إمامته، واستقرت إمامةُ وليِّ عهدِه بالإياس من خلاصه؛ لزوال إمامته.
ثم إن خلص من الأسر بعد عهده، نظرت في خلاصه، فإن كان بعد الإياس منه لم يعد إلى إمامته، لخروجه منها بالإياس، واستقرت في وليِّ عهده.
وإن خلص قبل الإياس منه، فهو على إمامته، ويكون العهد في ولي العهد بائنًا.
_________________
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
[ ٧٧ ]
وإن كان مأسورًا مع بغاة المسلمين، فإن كان يرجى خلاصُه، فهو على إمامته، وإن لم يُرجَ خلاصُه، نظرت في البغاة، فإن كانوا لم ينصبوا لأنفسهم إمامًا، فالإمام المأسور في أيديهم على إمامته؛ لأن بيعته لازمةٌ لهم، وطاعته عليهم واجبةٌ، وإطلاقه واجبٌ عليهم، فصار كونُه معهم مثلَ كونه مع أهل العدل إذا صار تحت الحَجْر، وعلى أهل الإختيار أن يَستنيبوا عنه ناظرًا يخلُفه إن لم يقدر على الإستنابة، وإن قدر عليها، كان أحقَّ باختيار مَنْ يستنيبه منهم، فإن خلعَ المأسورُ نفسه، أو مات، لم يَصِرِ المستناب إمامًا؛ لأنها نيابة عن موجود، فزالت بفقده، وخالف ولي العهد؛ لأنها ولاية بعد مفقود لا تنعقد بوجوده، فافترقا.
فإن كان أهل البغي قد نصَّبوا إمامًا لأنفسهم، دخلوا في بيعته، وانقادوا لطاعته؛ فالإمام المأسور في أيديهم خارجٌ من الإمامة بالإياس من خلاصه؛ لأنهم قد انحازوا بدارٍ انفرد حكمُها عن الجماعة، وخرجوا بها عن الطاعة، فلم يبق لأهل العدل لهم نصرة، ولا لمأسور معهم قدرة، وعلى أهل الإختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوه.
فإن تخلص المأسور، لم يعد إلى الإمامة؛ لخروجه منها.
كل هذا ذكره القاضي وغيره من أئمة أصحابنا (١).