قال القاضي: ولا تنعقد الإمامةُ إلا بالاختيار، ويلزمُ أهلَ الإختيار عقدُ الإمامة، فإن توقفوا، أثموا، لأنّه عقد لا يتم إلا بعاقد؛ كالقضاء لا يصير قاضيًا حتى يُوَلَّى، ولا يصير قاضيًا بغير ولاية وإن وجدت صفته، كذلك الإمامة (١).
فإن قيل: أليس قد قلتم على أنه لو اتفق اثنان على التحاكم إلى شخص يصلح للقضاء، يعد قضاؤه، وصَحَّ؛ فقد صار قاضيًا، ولأنّه قيل: لا يصير بذلك قاضيًا، فإن هذا لايجب عليه الحكمُ بينهما؛ بخلاف القاضي، ولا يجبر أحدٌ منهما على المحاكمة عنده؛ بخلاف القاضي، وليس له طلب خصم؛ بخلاف القاضي، والله أعلم.
فصل
قال القاضي: وإذا اجتمع أهلُ الحلِّ والعقد على الإختيار، تصفحوا أحوالَ أهلِ الإمامة الموجودِ فيهم شروطُها، فقدموا للبيعة منهم أكثرَهم فضلًا، وأكملَهم شروطًا، فإذا تعين لهم من بين الجماعة مَنْ أدّاهم الإجتهادُ إلى اختياره، وعرضوها عليه، فإن أجاب إليها، بايعوه عليها، وانعقدت له الإمامة ببيعتهم، ولزم كافةَ الأمة الدّخولُ في بيعته، والإنقيادُ لطاعته.
وإن امتنع من الإمامة، ولى يُجَب إليها، لم يجبر عليها، وعُدل عنه إلى مَنْ سواه من مستحقيها، فبويع عليها، فإن امتنع الجميع من الدخول
_________________
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
[ ٨١ ]
فيها، فهل يأثمون بذلك؟ وهل يتعين عليهم؟
اختلفت الرواية عن أحمد في ذلك: قال في رواية المروذي: لا بدّ للمسلمين من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟
وقال في رواية محمد بن موسى في الشّاهد يأبى أن يشهد، أيأثم؟ قال: إذا كان يضرّ بأهل القرية، ومثلُه يُحتاج إليه، فلا يفعل.
وظاهر كلامه: أنه جعل القضاء والشهادة من فروض الكفايات، مع ما قد جاء عن النبي - ﷺ - في ذم القضاء، فأولى أن تكون الإمامةُ الكبرى كذلك؛ إذ ليس طلبتها ولا الدخول فيها مكروهًا، وقد تنازعها أهلُ الشّورى، فما رُدَّ عليها طالب، ولا مُنع منها راغب، ولأن بالناس حاجةً إلى ذلك؛ لحماية البَيْضة، والذبِّ عن الحَوْزة، وإقامةِ الحدود، واستيفاءِ الحقوق، فجرى مجرى حاجتهم إلى غسل الموتى وحملِهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك (١).