ولا يرجَّحُ أحدُهما بكونه في بلد الإمام قبلَه، ولا بكونه قرابته، أو ولده، فإن فقد الشّيء السّابق، فإن كان من الشّروط، لم تصحّ ولاية الأوّل، والأمر للثاني، والله أعلم.
فصل
الثاني مما تحصل به الولاية: العهدُ من الإمام إلي أحدٍ بعدَه؛ لوجود ذلك من النبيِّ - ﷺ - إلي أبي بكر، علي الصحيح من قولَي العلماء، بأمرٍ ظاهرٍ أو خفي، علي خلافٍ في ذلك، وكذلك أبو بكر عَهِدَ إلي عمر -﵁-.
أخبرنا جدّي وغيرُه، أنا الصّلاحُ بنُ أبي عمرَ وغيرُه، أنا الفخرُ بنُ
_________________
(١) انظر: "الأحكام السلطانية" (ص: ٢٥).
(٢) المرجع السابق (ص: ٢٦).
[ ٨٥ ]
البخاريِّ، أنا ابن طَبرزذ، أنا أبو الفتح الدُّومي، أنا أبو بكر الخطيبُ، أنا أبو عمر الهاشميُّ، أنا أبو علي اللؤلُؤيُّ، أنا أبو داود، ثنا محمد بنُ داودَ بنِ سفيان وسلمةُ، قالا: ثنا عبدُ الرزاق، أنا معمر، عن الزّهريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمر قال: قال عمر: [إني] إِنْ لا أَستخلِفْ، فإن رسولَ الله - ﷺ - لم يستخلف، وإن أَستخلِفْ، فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوألله! ما هو إلا أن ذكر رسولَ الله - ﷺ -، وأبا بكر، فعلمتُ أنّه لا يعدِلُ برسول الله - ﷺ - أحدًا، وأنّه غيرُ مستخلِف (١).
أخبرنا جدِّي وغيرُه، أنا الصّلاحُ بنُ أبي عمرَ، أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ، أنا حنبلٌ، أنا ابنُ الحُصَينِ، أنا ابن المُذْهِب، أنا أبو بكرٍ القَطيعيُّ، ثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، حدثني أبي، ثنا يحيى بنُ حمادٍ وعفانُ، قالا: ثنا أبو عوانة، عن داودَ بنِ عبدِ الله الأوديِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، ثنا ابنُ عباسٍ بالبصرة، قال: أنا أولُ من أتى عمرَ حين طُعن، فقال: احفظ عني ثلاثًا، فاني أخاف ألاَّ يُدْرِكَني الناس، أما أنا، فلم أقضِ في الكَلالة قضاءً، ولم أستخلفْ علي الناس خليفةً، وكلُّ مملوكٍ لي (٢) عتيقٌ، فقال له الناسُ: استخلِفْ، فقال: أيَّ ذلك أفعلُ، فقد فعلَه من هو خيرٌ مني، إن أدع إلي الناس أمرَهم،
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٩٣٩)، كتاب: الخراج والفيء والإمارة، باب: في الخليفة يستخلف، ورواه الترمذي (٢٢٢٥)، كتاب: الفتن مختصرًا، قال الترمذي: وفي الحديث قصة، وهذا حديث صحيح.
(٢) في "مسند الإمام أحمد": "له".
[ ٨٦ ]
فقد تركه نبيُّ الله - ﷺ -، وإن أستخلِفْ فقد استخلف مَنْ هو خير مني: أبو بكر (١).
وبه إلي الإمام أحمد، ثنا عبدُ الرزاق، ثنا معمر، عن الزهريِّ، عن سالم، عن ابن عمر: أنه قال لعمرَ: إني سمعتُ الناسَ يقولون مقالةً، فآليتُ أن أقولَها لك، زعموا أنك مستخلِفٌ، فوضع رأسَه ساعةً، ثم رفعه، فقال: إن الله﷿- يحفظ دينه، وإني إن لا أستخلِفْ، فإن رسولَ الله - ﷺ - لم يستخلفْ، وإن أستخلِفْ، فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فو الله! ما هو إلا أن ذكرَ رسولَ الله - ﷺ -، وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن يعدِلُ برسولِ - ﷺ - أحدًا، وأنه غيرُ مستخلِف (٢).
وكل هذا يدل علي جواز الإستخلاف.