قال القاضي: لو عهد الخليفةُ إلي اثنين وأكثرَ، ولم يقدِّمْ أحدَهما علي الآخر، واختار أهلُ الإختيار أحدَهما بعد موته، جاز، والأصلُ فيه أهلُ الشورى، وليس لأهل الإختيار، إذا جعلها الإمامُ شورى في عدد أن يختاروا أحدَهم في حياة المستخلِفِ العاهد، إلا أن يأذن لهم؛ لأنها لم تَزُلْ عنه، فهو بها أَحَقّ، وربما بَرأ من مرضه، فإن خافوا انتشار الأمر بعد موته، استأذنوه، فإن صار إلي حال الإياس، نظرت: فإن زال عنه أمرُهُ، وعزل عنه رأيُه، فهو كحاله بعد موته في جواز الإختيار (٢).
فصل
وهل يجوز للخليفة أن ينصَّ علي أهل الإختيار، كما ينص علي أهل العهد؟
_________________
(١) انظر: "الأحكام السلطانية" (ص: ٢١)، وما بين معترضتين من كلام المصنف.
(٢) المرجع السابق، (ص: ٢٥).
[ ٩١ ]
فقد قيل: لا يجوز.
قال القاضي: لأنها من حقوق خلافته.
قال: وقياس مذهبنا: أنه لا يجوز لوجهين:
أحدهما: أنها تقف علي اختيار جميع أهل الحل والعقد.
والثاني: أن إمامة المعهود إليه تنعقد بموته باختيار أهل الوقت.
فإن قال: قد عهدتُ بالأمر إلي فلان، فإن مات قبل موتي، أو تغيرت حالُه، فالإمامُ بعدَه فلان، وذكرَ آخرَ، جاز ذلك، وكان هذا عهدًا إليه بالشرط. فإن بقي الأولُ إلي وفاة العاهد سليمًا، كان هو الإمام دون الثاني، وإن مات قبل موت الإمام، أو تغيرت حاله بأحد ثلاثة أشياء، كان الثاني هو الإمامَ المعهودَ إليه.
وكذلك إن قال: فإن مات الثاني، أو تغيرت حاله، فالخليفة فلانٌ، صحّ، وكان ذلك علي الترتيب.
والأصل فيه: ما رواه الدارقطني في "الأفراد" بإسناده، قال: لما وجه رسولُ الله القومَ إلي مُؤتة، قال: "عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ، فَجَعْفَر، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ، فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ" (١).
وروى سيفٌ بإسنادِه، قال: لما أنفذَ عمرُ -﵁- بالجيشِ إلي نَهَاوندَ، قال: قد أَمَّرْتُ حُذيفةَ بنَ اليمان حتى ينتهيَ إلي النعمانِ بنِ
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٢٩٩)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٨٢٤٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٠٤٨) عن أبي قتادة -﵁-.
[ ٩٢ ]
مُقَرِّن، وقد كتبتُ إلي النعمانِ: إن حدثَ بكَ حدثٌ، فعلي الناس حذيفةُ، وإن حدثَ بحذيفةَ حدثٌ، فعلي الناسِ نعيمُ بنُ مُقَرِّنٍ (١).
قال القاضي: وذكر -أيضًا-: أن أبا عُبيد عهد إلي الناس، فقال: إن قُتلت، فعلي الناس جبر، فإن قُتل، فعليكم فلان، فإن قُتل، فعليكم المثني، قال ذلك يوم الجسر (٢)، هكذا ذكر القاضي.
قلت: ويكمن الفرقُ بين الأمير والإمام؛ فإن الأمير وكيلُ الإمام في حياته، والأمر إليه في حياته وبعدَ موته؛ بخلاف الإمامة؛ فإن الإمام إنما هو وكيلُ جميعِ الناس، وليس له التصرفُ بعد موته.