فالأمر الأولُ من حفظ الدين على أصوله يتعلق به أكثرُ من عشر ين أمرًا:
الأول: ما يتعلق بالصلاة بالفعل وعدم الترك.
ويتعلق بها عشرة أحكام:
[الأول]: المحافظة عليها في أوقاتها.
والثاني: النظر في الجوامع والمساجد وأماكنها وعَمَارتها.
والثالث: الأذان والإمامة بالفعل وعدم الترك.
الرابع: إمامة الجمعة والجماعة بالفعل وعدم الترك.
الخامس: الصلاة علي الأموات، والقيامُ بأمورهم بالفعل وعدم الترك، وكذلك للدفن ومتعلقاته.
والسادس: المحافظةُ علي شروط الصلوات وإمامتها بجميع مصحّحاتها.
والثامن: اجتنابُ المفسدات.
_________________
(١) انظر: "الأحكام السلطانية" (ص: ٢٦ - ٢٧).
[ ٩٨ ]
والتاسع: إقامةُ إمامتها وجُمعتها وجماعتها بنفسه ونوابِّه.
والعاشر: الصرفُ لما يحتاج إلي صرف، وذلك من أموال المسلمين.
الثاني: أمر الزكاة، ويتعلق بها أمور:
الأول: ما تجب فيه مما لا تجب.
والثاسْي: متى تجب.
والثالث: إخراج مَنْ وجبت عليه إلي الإمام، أو عامله، أو الفقير.
الرابع: عقاب من لم يخرج.
الخامس: قدر المخرج والمخرج عنه.
السادس: المدفوع إليه، ولمن هي، ومن تجوز له، ومن لا تجوز.
الثالت: أمرُ الصيام بالفعل بالمصححات، وقتالُ من لم يفعله.
والرابع: الحجُّ بالفعل بالمصححات، وعقابُ مَنْ لم يفعل، وإصلاحُ طريقه بالذبِّ والعمارة بما يمكن معه السلوكُ بإيجاد الماء والعلف وغير ذلك، ودفع المؤذي وإزالته من اللصوص وغيرهم، وإقامة مَنْ يذهب مع الحجاج من كل بلد من بلاده، وعدمُ تعطيل الحج، وإقامتُه بالبلد الحرام كلَّ سنة، ومباشرةُ إمامته، وما يتعلق بذلك بنفسه، أو نيابة؛ فإنه ﵇ باشرَ ذلك مرةً بنفسه، ومرة بنيابة، وكذلك
[ ٩٩ ]
أبو بكر، وعمر بعده، وكذلك استمرَّ علي ذلك الخلفاء، وما يحتاج من ذلك إلي صرفِ مال، صرفَ فيه من أموال المسلمين العامة.
الخامس: أمرُ الجهاد، والقيام به، وما يخرج فيه من رجال، ودوابَّ، وزادٍ، وغير ذلك، وما يفعله بنفسه، وما يستنيب فيه، وما يصرف فيه من الأموال، وغير ذلك.
السادس: ما يتعلق با لتزويج وعقود الأنكحة، والتزويج، وأولياء ذلك، وعدم تركه، وصيانةُ الأمة عن فسادِ أنكحتِهم، والدخولِ في الزنا وما لا يحلّ.
والسابع: صيانةُ العِرْض عن فعل المحرَّمات فعلًا أو استحلالًا من الزنا، ومنع البغايا والقِحاب، وشرب الخمور، واللواط، وإقامةُ الحدود علي مَنْ فعل ذلك، وعدمُ التهاون فيه، وكذلك من أكل الميتة، والمعاملة بالربا، وإظهار المنكرات من الدفوف والمزامير، وغيرِ ذلك من المنكرات، والقيامُ علي فاعلها.
الثامن: إزالةُ البدع من الدين، وقمعُ المبتدعين وإزالتُهم، سواء كانت مكفِّرة؛ كالجهمية، وفرق من الرافضة، أو غيرَ مكفِّرة؛ كالإرجاء، ونحو ذلك، فيصون الدينَ، ويحفظه من جميع البدع والنقائص.
التاسع: القيامُ بأمر المواريث، وإعطاءُ كلِّ ذي حق حقَّه من ذلك.
العاشر: حفظُ نفوس المسلمين الموحِّدين، وعدمُ استحلالِ قتلِ
[ ١٠٠ ]
أَحدٍ منهم بغير حق، والقيامُ علي مَنْ فعل شيئًا من ذلك، والقصاصُ منه، كائنًا من كان.
الحادي عشر: عدمُ استحلال مالِ أحدٍ من المسلمين، ومنعُ أحدٍ أن يظلم أحدًا في شيء من ذلك؛ فإن عمر كان يقول: لو ذهبتْ شاةٌ بالفرات، لخشيت أن أُطالَبَ بها.
الثاني عشر: الوقوفُ علي الحقِّ حيث كان، ولو علي نفسه، أو ولدِه، أو وُلاتِه، أو صديقه، ويحذر من اتباع الهوى في شيء من ذلك؛ لقوله﷿-: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [ص: ٢٦].
وقوله ﵇: "لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (١).
الثالث عشر: اجتنابُ الباطل حيثُ كان، ولو علي عدوِّ أو بَغيضٍ.
الرابع عشر: عدمُ الإنتقام لنفسه؛ لأنه ﵇ ما انتقم لنفسه قَطُّ (٢).
ولأن عمر -﵁- لما دخل عليه الرجل، فقال: واللهِ!
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٨٨)، كتاب: الأنبياء، باب: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾، ومسلم (١٦٨٨)، كتاب: الحدود، باب: قطع السارق عن عائشة -﵂-.
(٢) رواه البخاري (٣٣٦٧)، كتاب: المناقب، باب: صفة النبي - ﷺ -، ومسلم (٢٣٢٧)، كتاب: الفضائل، باب: مباعدته - ﷺ - للآثام واختياره من المباح أسهله، عن عائشة -﵂-.
[ ١٠١ ]
ما تُعطينا الجَزْلَ، ولا تَقْسِم بيننا بالعدل، فَهَمَّ أن يُوقعَ به، فذكَّرَهُ الحُرُّ قولَه﷿-: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فسكت، وكان وقَّافًا عند كتاب الله (١).
الخامس عشر: عدمُ الرأفة والرحمة في استيفاء الحقوق والحدود؛ لقوله﷿-: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ [النور: ٢].
السادس عشر: ارتكابُ المروءة، وفعلُ ما يَزين، واجتنابُ القبائح، وتركُ ما يَشين ويدنِّسُ النفسَ والعرضَ مما هو مذكورٌ في شروط الشاهد.
السابع عشر: البروزُ للناس، وعدمُ الإحتجاب عنهم، والإختفاءِ منهم؛ لأنه ﵇ لم يكن له بَوَّابٌ ولا حاجب (٢)، وقد ورد حديثٌ بذمِّ ذلك.
الثامن عشر: اتباعُ العدل حيثُ كان.
التاسع عشر: اجتنابُ الظلم والجَوْر حيثُ كان، وكيف كان، قليلًا كان أو كثيرًا.
العشرون: بذل الحقوق لأهلها من كل طائفة.