وأما مسمَّياتُ غير السلطان الكبير؛ من نيابة، ومَنْ تحتَه: فمنهم من له حكمٌ عامٌّ أو خاصٌّ، أو لا حكمَ له.
وأعلى مَنْ تحته: القاضي، وهو من قَضَى يَقْضي قَضاءً: إذا أَمَرَ، قال الله -﷿-: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وفي الحديث: "أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ" (١).
وقد اختلف العلماء في القاضي، هل هو وكيل الإمام، أو وكيل المسلمين؟
فإن قلنا: هو نائبٌ عن الإمام، فهو من جملة نوابه، ينعزلُ بعزله، ويتولَّى بولايته.
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١٥٤)، في المقدمة، باب: فضائل خباب عن أنس -﵁-. وأبو يعلى في "مسنده": (٥٧٦٣) عن ابن عمر -﵄-، ولفظهما: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأقضاهم علي بن أبي طالب"، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢٣٦) في حديث أبي يعلى: فيه ابن البيلماني وهو ضعيف، قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ١٣٦): له طرق يقوي بعضها بعضًا.
[ ٢٧ ]
وإن قلنا: إنما هو للمسلمين، فحينئذ الإمامُ ينظر في الابتداء للمسلمين في أصلح مَنْ يجد، فإذا وجد، لم يكن له عزلُه من غير موجبٍ شرعيٍّ يمنع منه.
وقد اختلفت الرواية عن أحمد -﵁- في القاضي، هل ينعزل بعزل السلطان مع صلاحيته؟ على روايتين:
إحداهما: ينعزل، وعليها العمل.
والروايه الثانية: لا ينعزل، وأصلهما ذلك.
وقد كان في عصر النبوة من ولاة القضاء؛ كعليٍّ وغيرِه، ثمَّ وقع ذلك في زمن عمر، إلا أنه لم يكن على باب الاختصاص، ثمَّ وقع في ولاية عليٍّ على باب الاختصاص، فولّى شُرَيحًا، وسماه بقاضي المسلمين، وقبِل أحكامَه حتى على نفسه، ثمَّ استمر على ذلك الخلفاءُ بعدَه ثمَّ وقع الاصطلاح: أن الخليفة يولِّي واحدًا لا غيرَ في جميع معاملاته، وسَمَّوْه بـ: قاضي القضاة، وهو يولِّي مَنْ تحتَ يده في سائر البلاد.
وكان أولَ من فعل بذلك أبو يوسف صاحبُ أبي حنيفة، ثمَّ استمر بعدَه الأمرُ على ذلك، وكان ممن ولي كذلك: القاضي أبو يعلى بن الفَرَّاء من الحنابلة، وغيره من الحنفية والشافعية، ولم يكن يُقصد من مذهب واحد.
ثم إنه بعدَ ذلك كان يخصُّ كلُّ بلد بقاضٍ من الإمام، وكان يقع الإجتهادُ في أن يكون أعلمَ من يوجد، وأفضلَه.
[ ٢٨ ]
ثم جعل في كل بلد أربعة قضاة من المذاهب الأربعة حين وقع الإتفاقُ والإستقرارُ على المذاهب الأربعة، وكان الإمام يجتهد ويتحَرَّى أن يكون أفضلَ من يوجد، وأعلَمَه.
وأولُ من تولَّى قضاءَ الحنابلةِ بدمشقَ الإمامُ شمسُ الدين بنُ أبي عمرَ المقدسيُّ الحنبليُّ مُكْرَهًا على ذلك.
ثم فسد الناس، فصار يولَّى أفسقُ من يوجد، وأنحس من يوجد بالبراطيلِ ونحوِها.