الأول: الذهب والفضة إذا بلغ نصابًا، وهو عشرون مثقالًا من الذهب، ومن الفضة مئتي درهم.
والثاني: سائمة بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم.
والثالث: الخارج من الأرض إذا بلغ نصابًا، ويجب فيه العُشْر.
وما يوجد من الأعشار في هذا الزمان، وما يوضع على البلاد منه، كلّه خباط ولباط، وظلم وافتراء وعدوان، يفعل الولاةُ فيه أكثرَ من مئة خصلة باطلة افترائية، ليس لها في الشرع جواز.
الأول منها: إقطاعُه، ولا يجوز.
والثاني: إقطاعُه للأغنياء، ولا يجوز، ولا يحلّ أكلُ شيء منه.
والثالث: بيعُه، ولا يجوز.
والخامس: وَقْفُه، ولا يجوز.
والسادس: وضْعُهُ على كل أرضٍ، زُرعتْ أو لم تُزرع، ولا يجوز.
والسابع: وضعُه على ما فيه نصاب أولا، ولا يجوز.
والثامن: أخذُه من حصة الفلاح دون الأستاذ، ولا يجوز.
والتاسع: تقديرُه بشيء، زاد الخارجُ أو نقصَ، ولا يجوز.
والعاشر: عدمُ اعتبارهم في المأخوذِ منه النصابَ، ولا يجوز.
والحادي عشر: فصلُه بدراهم، ولا يجوز.
[ ٢٤٢ ]
والثاني عشر: فصلُه بقمح، سواء كان الخارجُ قمحًا، أو شعيرًا، أو غيرهما، ولا يجوز.
والثالث عشر: فصلُه بشعير، ولا يجوز.
والرابع عشر: عدمُ تفرقته على الفقراء، ولا يجوز.
والخامس عشر: أخذه من المغل، أو الذهب والفضة عن الأشجار، ولا يجوز.
والسادس عشر: إذا أخرجَهُ ربُّه، يؤخذ منه مرةً أخرى، ولا يجوز.
والسابع عشر: أن يؤخذ عليه خدم من دجاج وغيرها، ولا يجوز.
والثامن عشر: أخذُه من الغني والفقير، ولا يجوز.
والتاسع عشر: وضعُه على الرؤوس دون المغل، ولا يجوز.
والعشرون: أخذُه من الأرض المزروعة ما لا تجب فيه الزكاة، ولا يجوز.
وأنت إذا تأملتَ، رأيتَ كلَّ ما يفعل فيه من جنس الأمور الكفرية الظلمية.
والرابع من أموال الزكاة: عروض التجارة.
وإنما تجب الزكاة في هذه الأربعة أموال بخمسة شروط: الإسلام؛ فلا تؤخذ من كافر، وتمامُ الملك، والحرية، وملكُ
[ ٢٤٣ ]
النصاب، وأن يحول على ذلك حولٌ، إلا أن الحول لا يُعتبر في الخارج من الأرض.
الثاني من أموال المسلمين: الغنيمة: وهو المال المأخوذ من الكفار قهرًا، فيقسم على خمسة أسهم:
سهم لله تعالى ولرسوله صلي الله عليه وسلم لسائر المسلمين في مصالحهم العامة.
وسهم لذوي القربى، يستحقه بنو هاشم وبنو المطلب، غنيُّهم وفقيرهم حيث كانوا، للذكر مثلُ حَظِّ الانثيين.
وسهم ليتامى الفقراء، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل من المسلمين.
والأربعة أسهم الباقية من الغنيمة لمن شهد الوقعة.
الثالث من أموال المسلمين: المالُ المأخوذُ من الكفار بغير قتال؛ كالجزية، والخَراج، والعُشر، وما تركوه فَزَعًا، ونحو ذلك، وهذا لعموم المسلمين، يصرَف في مصالحهم العامة، من سدِّ الثغور، وكفايةِ أهلها، وسدِّ البثوقِ، وكَري الأنهار، وعمل القناطر، وأرزاق القضاة والأئمة والمؤذنين، وإصلاح الجوامع والمنابر والطرقات، وتكفين مَنْ لاكفَن له، والإنفاق على من لا مال له، وكلُّ ما كان للمسلمين من مصلحة عامة، أو دفعِ ضررٍ عامٍّ، فإنه يصرف منه، ولا يجوز لأحد الاختصاصُ به.
المال الرابع من أموال المسلمين: مالُ مَنْ مات لا وارث له من المسلمين، فإن هذه الأموال كلَّها يأخذها الإمام، ويجعلها في بيت المال.
واختلف العلماء فيمن ماتَ لا وارثَ له، أُخذ مالُه لبيت المال،
[ ٢٤٤ ]
هل هو لكون بيت المال وارثًا، أولا؟ على قولين:
فقال بعضهم: هو وارث.
وقال بعضهم -وهو ظاهر كلامِ أحمدَ-: إنما هو مُرْصَدٌ؛ فإنه ليسَ ثمَّ مِن ميت إلا وله وارث من قريب أو بعيد، فإنّا نبدأ في الإرث بالأقرب فالأقرب، فلا بد للإنسان من أقارب، قربوا أو بعدوا، من أولاد أب، أو جد، أو جدِّ جدٍّ، أو جدِّ جدِّ جدٍّ، وكذلك هلمّ جرًا، فهو لا يخلو منهم، وهم يرثونه، فلما جُهلوا، صار مالُه جُهِلَ مستحقُّه، فوُضع في محل يُرْصَدُ له فيه، وهو بيتُ المال، ثمّ مع عدم علمِه وجهلِه، صُرف في مصالح المسلمين العامة، فمالُ بيت المال يصرَف في مصالح المسلمين العامة، حتى إن تبقّى منها شيء، فإن لم يفِ بها، صُرف كلُّه في ذلك، وإن كفاها، ولم يفضُل منه شيء، فقد سدّ الوجهَ الذي هو محلُّه، وإن فضل منه شيء بعدها، قُسم بين المسلمين، ويقدَّم الأقربُ فالأقربُ من رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، من أبناء المهاجرين، ثمّ لمن كان من أبناء الأنصار، ثمّ سائر المسلمين.
وكان العطاء في زمن الخلفاء يصرف (١) إلى كلِّ أحدٍ حقه منه على قدره من صغير وكبير، حتى إلى الأطفال، وليس للولاة، ولا الإمام، ولا غيرِه أن يستأثروا منه بشيء فوق الحاجة، وفعلُ ذلك ظلم، ففي زمننا هذا استأثروا به كلّه، ولم يعطوا أحدًا منه شيئًا، واختصّوا به، ولم يَكْفِهم حتّى أخذوا معه البراطيلَ على الولايات، والرّشَا، ولم يكفِهم ذلك حتّى أخذوا من الناس من أموالهم فوقَه.
_________________
(١) في الأصل: "منه كان يصرف".
[ ٢٤٥ ]
وقد روينا في الصحيح عن السّيّد أبي بكر﵁-: أنّه قال للمسلمين: قد علمَ قومي أَنَّ حِرْفتي لم تكنْ تعجزُ عن مؤنَة أهلي، فسيأكل آلُ أبي بكرٍ من هذا المال، ويحترف لهم فيه (١).
وورد عن عمر في ذلك حكايات كثيرة مهولة، مثل قوله: سيأكلُ عمرُ وآلُ عمرَ من هذا المال نفقةَ رجلٍ من أوسطِهم، ليس بغنيٍّ، ولا فقيرٍ.
وكان يؤدم طعامَه بالزيت، وكان الزيتُ لا يوافقه، فلم يكن يدعُ ذلك، ولا يشتري السّمن؛ خوفًا من أن يتوسّع في مال المسلمين.
ولما وُصف له العسلُ لأجل بطنه، ولم يجد عسلًا إلا عُكَّة في بيت مال المسلمين، لم يأخذها، ولم يأكلها حتّى جمع المسلمين، واستشارهم، واستأذنهم في أخذِها وأكلِها (٢).
ولما أطعمه بعضُ مواليه شيئًا من ناقة ذبحت، جمع المسلمين، واستأذنهم في ذلك، واستشارهم، ولم تسكن نفسُه حتّى أخبره عليٌّ أنّه يستحقّ ذلك، وأكثرَ منه.
ولما أخذ بعضُ أصاغرِ ولدِه درهمًا من المال، غدا خلفَه، وخلَّصه منه، ورده.
ولما مسحت زوجتُه أثرَ يدِها من طيب مَسَّتْهُ من طيب المسلمين،
_________________
(١) رواه البخاري (١٩٦٤)، كتاب: البيوع، باب: كسب الرجل وعمله بيده.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٢٤٦ ]
غسلَه بالماء والتراب، حتى ذهبَ ريحهُ (١).
إلى غير ذلك من الحكايات المهولة.
وكذلك ورد عن عثمان -﵁- أحوال وحكايات في ذلك.
وكذلك عن عليٍّ -﵁-.
إلا أنّه في زمن معاوية حصل أدنى توسُّع، ثمّ حصل السَّرَفُ في زمن يزيدَ، ثمّ حصل فيما بعدَ ذلك، ثمّ عاد في زمن عمرَ بنِ عبد العزيز، ثمّ اختلّ بعدَه.
إلا أنّه في هذا الزمان، فسد الأمر بالكلية، ولم يبقَ للمسلمين مال، ولا بيتُ مال، إنّما عاد المالُ لصاحب الحال، حتّى إنّهم يكنزونه لأنفسهم وأولادهم، وليس ثمّ على أحد منهم لا من إسلام، ولا مسلمين، ولا مصالح لا عامة ولا خاصّة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.