مما لاشك فيه أن الزنا جريمة بشعة، ومرض خطير يستحكم في النفوس ويقوى تأثيره فيها، وآثار هذا الجرم الخبيث، ونتائجه السيئة أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تشرح وهو من الجرائم المحرمة، وقد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع.
فدليل تحريمه من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ .١
فدلت الآية الكريمة على تحريم الزنا وأنه جريمة خبيثة يجب على المؤمنين اجتنابها لأنها تدنسهم، وتهلكهم، وتفسد أرضهم وأهلهم.
أما دليل تحريمه من السنة فقوله صلى الله عليه وسلبم في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت ثم أي: قال: أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك، قلت ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك".٢
_________________
(١) ١ الإسراء: ٣٢. ٢ أخرجه البخاري ٤/١٧٦ كتاب الحدود باب إثم الزنا واللفظ له ومسلم ١/٩٠ كتاب الإيمان باب كون الشرك أقبح الذنوب.
[ ٢ / ٩٩ ]
وغيره من الأحاديث التي تدل دلالة واضحة على تحريم هذه الجريمة الخبيثة وأن ارتكابها يعد من أعظم الذنوب.
أما الإجماع: فقد أجمع علماء المسلمين على تحريمه وأنه من الفواحش القبيحة، لما فيه من ضياع الأنساب وتفكك الأسر، وانحلال المجتمعات وانتشار الفساد في الأرض.١
وهذا الفعل القبيح له عقوبة عظيمة، يعاقب بها من تسول له نفسه فعل هذه الجريمة الفاحشة، وعقوبة حد الزنا إما الجلد والتغريب أو الرجم.
فالزاني البكر عقوبته الجلد لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ .٢
وجاءت السنة النبوية مقررة لعقوبة الجلد مع زيادة التغريب لمدة عام.
فعن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلبم يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام.٣
وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة.٤
_________________
(١) ١ الاختيار ٤/٧٩، وبلغة السالك ٢/٤٢١، وكفاية الأخيار ٢/١١٠، وكشاف القناع ٦/٨٩. ٢ النور: ٢. ٣ أخرجه البخاري ٤/١٨١ كتاب الحدود باب البكران يجلدان وينفيان. ٤ أخرجه مسلم ٣/١٣١٦ كتاب الحدود باب حد الزنا.
[ ٢ / ١٠٠ ]
وقد أجمع العلماء على وجوب الجلد على الزاني إذا كان بكرًا١ أما التعريب فقد خالف فيه الحنفية فقالوا: الزاني البكر عقوبته الجلد فقط.٢
لكن الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على تغريب الزاني البكر ترد قولهم وتضعفه.
أما الزاني غير البكر - المحصن - أي المتزوج فعقوبته الرجم وقد ثبت الرجم في حقه بقوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁ الثيب بالثيب جلد مائة والرجم.٣
وبحديث جابر ﵁ أن رجلًا من أسلم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلبم فحدثه أنه قد زنى فشهد على نفسه أربع شهادات فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلبم فرجم وكان قد أحصن.٤
وقد وقع الإجماع على رجم الزنا المحصن ولم يشذ في ذلك إلا بعض فرق الخوارج.٥
_________________
(١) ١ قوانين الأحكام الشرعية ص ٣٨٤، ورحمة الأمة ص ٢٧٢، والإفصاح لابن هبيرة ٢/٢٣٤، ومراتب الإجماع لابن حزم ص ١٢٩. ٢ الاختيار ٤/٨٦ واللباب في شرح الكتاب ٣/٢١٨٧. ٣ أخرجه مسلم ٣/١٣١٦ كتاب الحدود باب حد الزنا. ٤ أخرجه البخاري ٤/٧٦ كتاب الحدود باب رجم المحصن واللفظ له، ومسلم ٣/١٣١٨ كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنا. ٥ الاختيار ٤/٨٤، وأسهل المدارك ٣/٣١٥، وكفاية الأخيار ٢/١١٠، والمبدع ٩/٦١، ومراتب الإجماع ص ١٢٩.
[ ٢ / ١٠١ ]
وقد اتفق الفقهاء على وجوب إقامة حد الزنا على المسلم إذا زنى في دار الإسلام، بمسلمة، أو بذمية، أو بمستأمنة١
أما المستأمن إذا زنى في دار الإسلام، فلا يخلوا من حالتين:
الحالة الأولى: أن يزني المستأمن بكافرة، ذمية كانت أو مستأمنة.
فقد اختلف الفقهاء في وجوب إقامة الحد عليه في هذه الحالة إلى قولين:
القول الأول: لا يقام حد الزنا على المستأمن إذا زنى بكافرة.
وهو قول فقهاء الحنفية ما عدا أبا يوسف، والمالكية، والشافعية في أصح الأوجه والحنابلة.٢
القول الثاني: يقام حد الزنا على المستأمن إذا زنى بكافرة.
_________________
(١) ١ المبسوط ٩/٥٦، وفتح القدير ٥/٢٦٨، وقوانين الأحكام الشرعية ص ٣٨٣، والشرح الصغير ٢/٣٩٠، والمهذب ٢/٢٨٠، والمغني ٨/١٥٧، والمبدع ٩/٦٣، ٧٣. ٢ بدائع الصنائع ٧/٣٤٠، والمبسوط ٩/ ٥٧، وقوانين الأحكام الشرعية ص ٣٨٣، والخرشي على مختصر خليل ٨/٧٥، والفواكه الدواني ٢/٢٨٤، وحاشية البيجوري ٢/٢٣٨، ومغني المحتاج ٤/١٤٧.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وهو قول الأوزاعي، وأبي يوسف من الحنفية، والشافعية في وجه إذا شرط عليه ذلك في عقد الأمان.١
الأدلة:
أولًا: أدلة الجمهور:
استدلوا بالكتاب، والمعقول، والقياس:
أ - دليلهم من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ٢
وجه الدلالة من الآية:
أن الشارع أوجب علينا إبلاغ المستأمن مأمنه، بهذا النص الصريح وفي إقامة الحد عليه تفويت للتبليغ الواجب.٣
ويمكن أن يرد عليهم بأن الآية ليس فيها ما يدل على عدم إقامة حد الزنا على المستأمن بل غاية ما تدل عليه الآية جواز عقد الأمان مع الكفار في دخول دار الإسلام لسماع كلام الله والإطلاع علي محاسن الإسلام،
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع ٧/٣٤، والمبسوط ٩/٥٦، وفتح القدير ٥/٢٦٨، والخراج لأبي يوسف ص ١٨٩، والأم ٣٢٥، ونيل الأوطار ٧/٩٣. ٢ التوبة: ٦. ٣ المبسوط ٩/٥٧، ٥٨.
[ ٢ / ١٠٣ ]
ثم إن أسلم فهذا هو الغاية من الأمان، وإن لم يسلم فنبلغه مأمنه حتى يرجع إلى داره التي يأمن فيها.
أما دليلهم من المعقول: فمن ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
١- أن حد الزنا من الحقوق الخالصة لله تعالى، والأصل عندهم عدم إقامة الحد فيما هو حق لله تعالى، كالسرقة، وقطع الطريق، ولا تقام عليه الحدود إلا فيما يرجع إلى حقوق العباد كالقصاص والقذف، وأما حقوق الله تعالى فلا تلزمه، لأنه لم يلتزمها، ولهذا لا تضرب عليه الجزية ولا يمنع من الرجوع إلى دار الحرب.١
٢- أن إقامة الحدود أساسها الولاية، ولا ولاية للمسلم على المستأمن لأن إقامته لمدة معلومة.٢
٣- أن المستأمن لم يدخل دار الإسلام على سبيل الإقامة والتوطن، بل على سبيل العادية، يعاملنا ونعامله في التجارة وغيرها، حتى يقضي حاجته ثم يعود إلى داره دار الكفر.
ولهذا لم يكن في دخوله دار الإسلام دلالة على التزامه بأحكام الإسلام التي هي حق الله تعالى بل التزم بالأحكام التي هي حق للعباد كالقصاص وغيره.٣
_________________
(١) ١ انظر: المبسوط ٩/٥٦، ٥٧، وبدائع الصنائع ٧/٣٤، وشرح السير الكبير ١/٣٠٦. ٢ انظر: المبسوط ٩/٥٧. ٣ انظر: بدائع الصنائع ٧/٣٤، وفتح القدير ٥/٢٦٨.
[ ٢ / ١٠٤ ]
ولكن يمكن أن يرد على أدلتهم هذه بما يلي:
١- أن المقصود من إقامة الحد على المستأمن هو الزجر له، والردع لغيره، ومنع الفساد في الأرض وزلزلة أمن المجتمع، ولا فرق بين حق الله وحق العبد في هذه الناحية فالحد شرع للزجر سواء كان الحد حقًا لله أو حقًا لعباده.
٢- أما قولهم بأنه لا ولاية للمسلم على المستأمن، فهذا شيء غريب فالمستأمن بمجرد عقد الأمان دخل تحت ولاية الدولة الإسلامية والتزم بأحكامها، فهو مادام في دار الإسلام ومن رعايا الدولة الإسلامية فهو تحت ولايتها لأنها مسؤولة عنه وعن المحافظة على دمه وعرضه وماله وعدم الاعتداء عليه من قبل سكانها المسلمين أو الذميين.
٣- وقولهم بأنه دخل للتجارة ولم يلتزم أحكام الإسلام يقال لهم إنه بمجرد عقد الأمان معه فهو ملتزم بأحكام الإسلام مدة إقامته فيها كالذمي ولهذا يقام عليه حد القذف كما يقام على الذمي، فالمستأمن في إقامة الحدود عليه كالذمي بجامع الكفر والعصمة.١
ج - أما دليلهم من القياس:
فقد قاسوا المستأمن، على الحربي غير المستأمن، بجامع عدم الالتزام بأحكام الإسلام٢ ويقال لهم هذا قياس مع الفارق لأن هناك فرقًا بينه
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع ٧/٣٤. ٢ المبسوط ٩/٥٦، وتبيين الحقائق ٣/١٨٣، والجوهرة النيرة ٢/٣٤٦.
[ ٢ / ١٠٥ ]
وبين الحربي غير المستأمن، فهذا تحت ولاية دولته الكافرة فكيف يلتزم لأحكام الإسلام، وكذلك مباح الدم ويمنع من دخول دار الإسلام، وذاك تحت ولاية الدولة الإسلامية مدة إقامته فيها ومعصوم الدم والمال ما دام في دار الإسلام ملتزمًا لأحكامه، مستمسكًا بشروط الأمان.
ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثاني الذين قالوا بوجوب إقامة الحد على الزاني المستأمن في دار الإسلام.
استدلوا بالكتاب، والسنة، والمعقول، والقياس.
أ - دليلهم من الكتاب:
عموم النصوص الواردة في وجوب إقامة حد الزاني كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ .١
وجه الدلالة من الآية:
دلت الآية بعمومها على وجوب إقامة حد الزاني على المستأمن لأنها لم تفرق بين أن يكون الزاني مسلمًا أو غيره، فتكون شاملة للمستأمن.
ب - دليلهم من السنة:
١- بحديث ابن عمر ﵄ أن الرسول صلى الله عليه وسلبم رجم اليهوديين.٢
_________________
(١) وبحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "رجم النبي صلى الله عليه وسلبم رجلًا من ١ النور: ٢. ٢ أخرجه البخاري ٤/١٨٢، كتاب الحدود باب أحكام أهل الذمة ومسلم ٣/١٣٢٦ كتاب الحدود حديث ١٦٩٩.
[ ٢ / ١٠٦ ]
أسلم ورجلًا من اليهود وامرأته".١
وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
دلت الأحاديث على وجوب إقامة الحد على المستأمن إذا زنى في دار الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلبم أقام حد الزنا على اليهود وهم وإن كانوا من أهل الذمة فالمستأمن كالذمي في إقامة الحدود عليه بجامع الكفر والعصمة.
قال الشوكاني: "وأحاديث الباب تدل على أن حد الزنا يقام على الكافر كما يقام على المسلم".٢
وقال الصنعاني: "وفي الحديث دليل على إقامة الحد على الكافر إذا زنى".٣
ج - دليلهم من المعقول:
أن المستأمن لما دخل دار الإسلام فقد التزم بأحكامه بمجرد عقد الأمان مدة إقامته بها، فصار كالذمي التزمها طول حياته، والمستأمن ملتزم لها إلى أجل.
ومن الأحكام التي التزمها إقامة الحد عليه إذا ارتكب موجبها كالقذف والقتل، فيجب أن يقام عليه حد الزنا كذلك، والمستأمن يعتقد
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٣/١٣٢٨ كتاب الحدود باب رجم اليهود حديث رقم ١٧٠١ وفي لفظ (وامرأة) . ٢ انظر: نيل الأوطار ٧/٩٣. ٣ انظر: سبل السلام ٤/١٢٨٢.
[ ٢ / ١٠٧ ]
حرمة الزنا لأنه حرام في الأديان كلها، وقد تمكن الإمام من إقامة الحد عليه لأنه في دارنا، فيجب أن يقيم هذا الحد عليه، لأن المقصود من إقامة الحدود الشرعية هو تطهير دار الإسلام وصيانتها من الفساد، فلو قلنا بعدم إقامة الحد عليه مع قدرة الإمام على ذلك لأنه تحت ولايته لكان ذلك من الاستخفاف بالمسلمين وما أعطيناه الأمان ليستخف بالمسلمين ويفسد ويدنس دارهم الطاهرة.١
د - دليلهم من القياس:
قاسوا حد الزنا على حد القذف، قالوا فكما يجب إقامة حد القذف على المستأمن إذا قذف مسلمًا بالاتفاق٢، فكذلك يجب إقامة حد الزنا على المستأمن.
وكذلك قاسوه على الذمي فهو كافر ملتزم لجميع أحكام الإسلام طول حياته، وتقام عليه جميع الحدود، ومعصوم الدم، فكذلك المستأمن كافر يلتزم بأحكام الإسلام، وتقام عليه الحدود لأنه معصوم الدم مثله.٣
الحالة الثانية: أن يزني المستأمن بمسلمة في دار الإسلام:
وقد اختلف الفقهاء إقامة الحد في هذه الحالة إلى ثلاثة أقوال:
_________________
(١) ١ انظر: المبسوط ٩/٥٦، وبدائع الصنائع ٧/٣٤، وفتح القدير ٥/٢٦٨، والبحر الرائق ٥/١٩، وتبيين الحقائق ٣/١٨٢. ٢ الاختيار ٤/٩٥، والمدونة ٦/٢٢٢، وروضة الطالبين ١٠/١٠٦، والمغني ٨/٢١٦، والمحلى ١٠/٢٧. ٣ نفس المراجع السابقة مع نيل الأوطار ٧/٩٣.
[ ٢ / ١٠٨ ]
القول الأول: المستأمن إذا زنى بمسلمة لا يقام عليه الحد كما إذا زنى بكافرة.
وهو قول فقهاء الحنفية والشافعية في أصح الأوجه.١
القول الثاني: المستأمن إذا زنى بمسلمة يقتل حدًا.
وهو قول فقهاء المالكية والحنابلة في الصحيح من المذهب.٢
القول الثالث: المستأمن إذا زنى بمسلمة يقام عليه الحد، كما إذا زنى بكافرة، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ووجه للشافعية في غير المشهور وبالأخص إذا اشترط عليه ذلك في عقد الأمان، ورواية للحنابلة.٣
الأدلة:
أولًا: استدل أصحاب القول الأول بنفس الأدلة في الحالة السابقة.
وهي أن المستأمن إذا زنى بكافرة لا يقام عليه الحد.
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع ٧/٣٤، والمبسوط ٩/٥٦، وتبيين الحقائق ٣/١٨٢، ومغني المحتاج ٤/١٤٧، وأسنى المطالب ٤/ ١٢٧ ونيل الأوطار ٧/٩٣. ٢ بلغة السالك ٢/٤٢١، والفواكه الدواني ٢/٢٤٢، قوانين الأحكام الشرعية ص ٣٧٢، المغني ٨/٢٦٩، وكشاف القناع ٦/٩١. ٣ بدائع الصنائع ٧/٣٤، وتبيين الحقائق ٣/ ١٨٢، والأم ٧/٣٥٨ وأسنى المطالب ٤/١٢٧، والمبدع ٩/٦٣.
[ ٢ / ١٠٩ ]
ثانيًا: استدل أصحاب القول الثاني الذين قالوا بأنه يقتل حدًا بالمعقول فقالوا: المستأمن إذا زنى بمسلمة يقتل حدًا لأنه انتهك حرمات الدولة الإسلامية، ونقض العهد فيجب قتله ولا يجب مع القتل حد سواه.١
ثالثًا: استدل أصحاب القول الثالث بنفس الأدلة التي توجب إقامة الحد على المستأمن إذا كان الْمَزْنِيُّ بها كافرة، وقد تقدمت في الحالة الأولى.
الرأي المختار:
وبعد عرض آراء الفقهاء في الحالتين وأدلتهم ومناقشتها اتضح لي أن الرأي القائل بوجوب إقامة حد الزنا على المستأمن سواء كان الْمَزْنِيُّ بها كافرة أو مسلمة هو الأرجح، وذلك للأسباب الآتية:
١- لعموم النصوص الموجبة لإقامة حد الزنا على المسلم وغيره، ولم يرد ما يخصص هذا العموم.
٢- ولأن غالب الفقهاء قالوا بإقامة حد الزنا على الذمي لورود النصوص الصحيحة في هذا كحديث عبد الله بن عمر ﵄، وحديث جابر بن عبد الله ﵄ وقد مضت، والمستأمن كالذمي في غالب الأشياء كالدين فكل منهما كافر، والعصمة فكل منهما معصوم الدم والمال، إلا أن الذمي عصمته مؤبدة، أما المستأمن فعصمته مؤقتة وهذا لا تأثير له في إقامة الحدود.
_________________
(١) ١ كشاف القناع ٦/٩١، وبلغة السالك ٢/٤٢١.
[ ٢ / ١١٠ ]
٣- أن المصلحة تقتضي إقامة الحد على المستأمن الزاني بمسلمة أو كافرة، وذلك لتطهير الدولة الإسلامية من الجرائم الخبيثة، وصيانة حرمتها، ومنع انتشار الفساد في أرضها والأمراض الخطيرة.
٤- أن الزنا محرم في جميع الأديان والشرائع لما فيه من الضرر والمساوئ القبيحة التي تعم الجماعة كلها.
٥- أن القصد من إقامة الحد على المستأمن هو الزجر له والردع لغيره حتى أن الأحناف أنفسهم قالوا شرعت الحدود للزجر.
٦- أن تطبيق الحدود والعقوبات الشرعية في دار الإسلام متيسرة لثبوت الولاية في دار الإسلام لإمام المسلمين على المسلمين وغيرهم كالمستأمنين.
٧- أن كون الزنا من حقوق الله تعالى لا يمنع من إقامة الحد على المستأمن لأن القصد من إقامة الحدود سواء كانت حقًا لله أو حقًا لعباده الزجر والردع لمن تسول له نفسه فعل هذه الأشياء الخبيثة والمذمومة، ومنع انتشار الفساد والأضرار التي تعود على المسلمين وغيرهم من وراء هذا الجرم القبيح.
وبناء على هذه الاختيار يتضح لنا أن اختلاف الدار له أثر في إقامة حد الزنا على المستأمن في دار الإسلام، لأنه عندما كان في داره دار الكفر، لا يلتزم بأحكام الإسلام فلا يقام عليه حد الزنا، ولكن عندما دخل دار الإسلام بأمان، التزم لأحكام الإسلام فيما يرجع للحدود، فيقام عليه حد الزنا، وبهذا يختلف الحكم لاختلاف الدارين.
[ ٢ / ١١١ ]