الربا من العقود الفاسدة التي يحرم على المسلم التعامل بها لأنه من الكبائر ومن الموبقات المهلكة لصاحبها وقد ثبت تحريمه بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين.
فدليل التحريم من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١
وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٧٥. ٢ البقرة: ٢٧٦. ٣ البقرة: ٢٧٨.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
فجميع هذه الآيات الكريمات تدل دلالة واضحة على تحريم الربا، وأنه من كبائر الذنوب، والوعيد الشديد لمن يتعامل به من المسلمين في الدنيا يمحق الله به بركة ماله، وفي الآخرة يكون من أصحاب النار الخالدين فيها.
أما دليل التحريم من السنة:
فبما ثبت عن جابر ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء"١ فالحديث يدل دلالة واضحة على أن الربا محرم ومن كبائر الذنوب، لأن الرسول ﷺ لعن من تعامل به، واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، ولا يكون إلا على فعل محرم.
أما الإجماع:
فقد أجمعت الأمة الإسلامية على تحريم التعامل بالربا، وأنه من كبائر الذنوب.٢
وقد اتفق الفقهاء على تحريم التعامل بالربا بين المسلمين في دار الإسلام أو في دار الحرب.٣
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٢/٨كتاب البيوع باب موكل الربا. ومسلم ٣/١٢١٩كتاب المساقاة باب لعن آكل الربا وموكله واللفظ له. ٢ الاختيار ٢/٣٣، وبلغة السالك٢/١٥، والجامع لأحكام القرآن ٣/٣٤٦ والمجموع شرح المهذب ٩/٣٩١، وكفاية الأخيار ١/١٥٢، والمغني ٤/٤٦، ومجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٩/٤١٨. ٣ بدائع الصنائع ٥/١٩٢، وفتح القدير ٦/١٧٨، وأسهل المدارك ٢/٢٢٠، وبلغة السالك ٢/١٥، والمجموع شرح المهذب ٩/٣٩١، والمغني ٤/٤٦، والمبدع ٤/١٥٦،١٥٧.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
إلا الإمام أبا حنيفة قال الحربي إذا أسلم ولم يهاجر إلى دار الإسلام يجري الربا بينه وبين المسلم الأصلي، لأن مال المسلم في دار الحرب إذا لم يهاجر إلى دار الإسلام باق على حكم مالهم وهو الإباحة، ألا ترى أنه إذا أتلفه متلف لم يضمن، أما إذا هاجر إلى دار الإسلام ثم عاد إلى دار الحرب لم يجز الربا معه، لأنه قد أحرز ماله بدارنا فصار كأهل الإسلام.١
ولكن قوله هذا خلاف عموم الآيات والأحاديث التي دلت على تحريم التعامل بالربا بين المسلمين في أي مكان وفي كل زمان.
أما التعامل بالربا بين المسلم وغير المسلم فلا يخلو ذلك من حالتين:
الحالة الأولى: ذا كان هناك أمان بينهما-كالكافر إذا دخل دار الإسلام بأمان - فقد اتفق الفقهاء على تحريم التعامل معه بالربا سواء كان ذميًا أو مستأمنًا أخذا وإعطاء على حد سواء.٢
لأن تعامل المسلم مع الذميين والمستأمنين في دار الإسلام له حكم تعامل المسلمين بعضهم مع بعض، لوجوب التزام المسلم بالأحكام
_________________
(١) ١ البحر الرائق ٦/١٤٧وتبين الحقائق ٤/٩٧، والجوهرة النيرة ٢/٢٦٢، وفتح القدير ٦/١٧٨، وحاشية ابن عابدن ٥/١٨٦، والاختيار ٢/٣٣. ٢ حاشية رد المحتار ٥/١٨٦، وفتح القدير ٦/١٧٨، والاختيار ٢/٣٣، والبناية ٦/٥٧٠، وبدائع الصنائع ٥/١٩٢، والمقدمات الممهدات٢/٦١٧، وأحكام القرآن لابن العربي ١/٥١٦، والإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/٢٦٢، والمجموع شرح المهذب ٩/٣٩٢، ونهاية المهتاج ٧/٢٧٠، وكشاف القناع ٣/٢٥٩، والإفصاح ١/٣٢٩، والمبدع ٤/١٥٧.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
الشرعية، وعصمة مال المسلمين والمعاهدين من غير المسلمين فيها، لأن عقد الذمة بالنسبة للذميين خلف عن الإسلام في عصمة المال، وفي وجوب التزام أحكام الإسلام في الدنيا فيما يرجع إلى المعاملات، والمستأمنين في دار الإسلام بمنزلة الذميين في ذلك.١
بل إن الفقهاء نصوا على منع المستأمنين والذميين من التعامل بالربا فيما بينهم في دار الإسلام فهذا الإمام السرخسي يقول: "فإن دخل تجار أهل الحرب دار الإسلام بأمان فاشترى أحدهم من صاحبه درهما بدرهمين لم أجز من ذلك إلا ما أجيزه بين أهل الإسلام، وكذلك أهل الذمة إذا فعلوا ذلك لأن مال كل واحد منهم معصوم متقوم ولا يتملكه إلا بجهة العقد وجرمة الربا ثابتة في حقهم، وهو مستثنى من العهد فإن النبي ﷺ كتب إلى نصارى نجران "من أربى فليس بيننا وبينه عهد"، وكتب إلى مجوس هجر "إما أن تدعوا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله"، فالتعرض لهم بمنعهم من الربا لا يكون غدرا بالأمان، لأنه ثبت أنهم نهو عن الربا كما قال تعالى: ﴿وأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ ٢ فيمنعون من التعامل بالربا كما يمنع المسلمون من ذلك.٣
هذا فيما إذا كان الكافر هو المستأمن في دار الإسلام. أما إذا كان
_________________
(١) ١ المبسوط ١٠/٨٤، وشرح السير الكبير ١/٣٠٦٧، وبدائع الصنائع ٦/٨١، وأحكام القرآن للجصاص ٢/٤٣٦. ٢ النساء: ١٦١. ٣ المبسوط ١٤/٥٨.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
المسلم هو المستأمن١ -كمن دخل دار الكفر بأمان.
_________________
(١) ١ المسلم المستأمن هو الذي يدخل ديار الكفار بعقد أمان، لتحقيق بعض الأغراض الدينية كأن يدعوهم إلى الإسلام، ويبين لهم أنه هو الدين الخالص، والصحيح الذي يجب أن يعتنقه جميع البشر، والدنيوية كالسفر للتجارة، أو لطلب العلم وغير ذلك من الأغراض الدنيوية. فالمسلم إذا أراد أن يسافر إلى ديار الكفار لابد له من أمان، يأمن فيه على نفسه وماله كالمستأمن الحربي عندما يدخل دار الإسلام ويعقد الأمان مع المسلمين، فلا بد أن يحصل المسلم على الإذن والرخصة من السلطات المختصة لدخول دار الكفر ليكون آمنا على نفسه وماله، وقد حصل الأمان في عهد الرسول ﷺ له ولأصحابه في حالات كثيرة منها:
(٢) أمان المطعم بن عدي للرسول ﷺ عندما انصرف من الطائف متوجها إلى مكة، فبعث إلى بعض حلفاء قريش ليجيروه في دخول مكة فامتنعوا، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجاره حتى دخل مكة وطاف بالبيت وصلى فيه، ثم انصرف إلى منزله آمنا. وكذلك أجار مطعم سعد بن عبادة عندما دخل مكة وتعلقت به قريش.
(٣) أمان النجاشي للمهاجرين من الصحابة إلى الحبشة. وكذلك أمان أبي البراء عامر بن مالك لبعض الصحابة في موقعة بئر معونة. وغير ذلك كثير. ويجب على المسلم الذي يدخل دار الكفر بأمان أن يلتزم بما في الأمان فلا يتعرض لشيء من دمائهم وأموالهم، لأنه ما مكن من الدخول إلا بشرط عدم التعرض أو الاعتداء على دمائهم وأموالهم، والمسلمون عند شروطهم، وخيانتهم غدر ولا يصلح في ديننا الغدر. فالمسلم المستأمن في دار الكفر مطلوب منه أن يتحلى بالأخلاق والآداب الإسلامية ليعكس بأخلاقه وآدابه سماحة الإسلام فيحبب الناس به ويرغبهم فيه. انظر: عيون الأثر ١/١١٥، ١٣٦،٢/٤١، والسيرة النبوية لابن هشام١/ ٢١٧، ٢١٨، ٢/١٥، وزاد المعاد٣/٢٨، ٢٩، وحاشية ابن عابدين ٤/١٦٦، والخرشي٣/١١٦، والأم٤/٢٤٨، ومغنى المحتاج ٤/٢٣٩، والمغني ٩/٢٩٥.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
فقد اختلف الفقهاء في حكم التعامل بالربا بينه وبين الحربي، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل.
الحالة الثانية: إذا لم يكن هناك أمان بينهما، كما إذا دخل الحربي دار الإسلام بغير أمان، أو دخل المسلم دار الكفر بغير أمان يعطاه، ففي هذه الحالة اختلف الفقهاء في حكم التعامل بالربا مع الحربي إلى قولين:
القول الأول: يباح للمسلم أن يتعامل بالربا مع الحربي في دار الإسلام إذا دخلها بغير أمان، أو في دار الكفر فيما إذا دخلها المسلم بغير أمان. وهو قول فقهاء الحنفية والحنابلة في الرواية.١
قال الزيلعي: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب"٢
وقال مجد الدين ابن تيمية: "الربا محرم في دار الإسلام والحرب، إلا بين مسلم وحربي لا أمان بينهما"٣
وحجتهم في ذلك أن مال الحربي غير المستأمن مباح الاعتداء بأي صورة من صور الاعتداء بالربا أو السرقة أو الغصب أو غير ذلك، لأنه
_________________
(١) ١ الاختيار ٢/٣٣، وحاشية ابن عابدين ٥/١٨٦، وبدائع الصنائع٥/١٩٢، وفتح القدير ٦/١٧٨، وتبيين الحقائق ٤/٩٧، والجوهر النيرة ٢/٢٦٢، والإنصاف ٥/٥٢، والفروع ٤/١٤٧، والمبدع ٤/١٥٧، والمحرر ١/٣١٨. ٢ انظر: تبيين الحقائق ٤/٩٧. ٣ انظر: المحرر ١/٣١٨.
[ ٢ / ٢١٠ ]
عصمة له، فهو مباح الدم، والمال، وكذلك إذا دخل المسلم داره بدون أمان فله الاعتداء على أمواله بأي نوع من أنواع الاعتداء.١
وقال ابن مفلح بعد أن ذكر إباحة التعامل بالربا بين المسلم والحربي: "لأن أموالهم مباحة وإنما حظرها الأمان في دار الإسلام، فما لم يكن كذلك كان مباحا"٢
القول الثاني: يحرم التعامل بالربا بين المسلم والحربي مطلقا، أخذا أو عطاء في دار الإسلام، أو في دار الحرب، بأمان أو بدون أمان. وهو قول فقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة في الصحيح من المذهب.٣
قال النووي: "ولا فرق في تحريمه، بين دار الإسلام، ودار الحرب، فما كان حراما في دار الإسلام، كان حراما في دار الحرب، سواء جرى بين مسلمين، أو مسلم وحربي، وسواء دخلها المسلم بأمان أم بغيره"٤
وقال المرادي: "والصحيح من المذهب أن الربا محرم بين الحربي
_________________
(١) ١ الاختيار ٢/٣٣، وبدائع الصنائع ٥/١٩١، والبحر الرائق ٦/١٤٧، وفتح القدير ٦/١٧٨، والمحرر ١/٣١٨، وكشاف القناع ٣/٢٥٩. ٢ انظر المبدع ٤/١٥٧. ٣ المدونة الكبرى ٤/٢٧١، والمقدمات الممهدات ١/١٧٨،١٧٩، وأحكام القرآن لابن العربي ١/٥١٦، والمجموع شح المهذب ٩/٣٩١ وروضة الطالبين ١٠/٢١٩، والمغني ٤/٤٥، والمبدع ٤/١٥٧، والإنصاف ٥/٥٢، وكشاف القناع ٣/٢٥٩. ٤ انظر: المجموع شرح المهذب ٩/٣٩١.
[ ٢ / ٢١١ ]
والمسلم مطلقا"١
وقال البهوتي: "ويحرم الربا بين المسلم والحربي، في دار الإسلام ودار الحرب، ولو لم يكن بينهما أمان" ٢
وحجتهم في هذا عموم النصوص من الكتاب والسنة الدالة على تحريم الربا في أي مكان، في دار الحرب أو في دار الإسلام.
كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٣
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
وفي حديث جابر ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء"٥
فهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل بعمومها على تحريم الربا بين المسلمين وغير المسلمين في دار الإسلام أو في دار الحرب، بأمان أو بدون أمان.٦
_________________
(١) ١ انظر: الإنصاف للمرادي ٥/٥٢. ٢ انظر: كشاف القناع ٣/٢٥٩. ٣ البقرة: ٢٧٥. ٤ البقرة: ٢٧٨. ٥ سبق تخريجه ص ٢٠٦. ٦ انظر: المراجع في حاشية رقم (٣) الصفحة السابقة.
[ ٢ / ٢١٢ ]
الرأي المختار:
وبعد عرض آراء الفقهاء في المسألة وأدلتهم اتضح لي أنه ينبغي التفريق بين أمرين:
الأمر الأول: إعطاء المسلم الربا للحربي، فهذا لا يجوز، سواء وقع التعامل في دار الإسلام أو في دار الحرب على السواء.
وذلك لعموم الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على تحريم الربا على المسلم. ولأن المسلم مأمور بالتزام أحكام الإسلام، كيف ما كان حاله، وحيث ما يكون، ومن قواعد الإسلام حرمة هذا النوع من المعاملة، ولأن مال المسلم معصوم في دار الإسلام ودار الحرب، والمسلم مسئول عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعلى ذلك فلا يجوز له أن ينفقه فيما هو محرم كالتعامل بالربا وغيره من العقود الفاسدة.
الأمر الثاني: أخذ المسلم الربا من الحربي:
وحكم هذا الأخذ حكم أخذ أمواله عن طريق الغنيمة أو السرقة أو الغصب، ونحو ذلك من أنواع الاعتداء، ولما كان أخذ مال الحربي الذي لا أمان له مباحا في دار الإسلام أو في دار الحرب، نظرا لعدم عصمة مال الحربي في هذه الحالة، وإذا كان دمه مباحا فإباحة ماله من باب أولى.
لأن الحربي الذي لا أمان له ينصب أشد العداوة للمسلم ويتحين أقرب الفرص للاعتداء على نفسه، فإن لم يستطع فإنه لا يستنكف عن أخذ ماله بكل وسيلة محرمة قهرا إن استطاع، ولأن كلا منهما لا يضمن
[ ٢ / ٢١٣ ]
مال صاحبه عند الإتلاف، وإذا كانت أموال الحربي الذي لا أمان له مباحة عن طريق الغنيمة أو السرقة، أو نحو ذلك من أنواع الاعتداء، فإباحة ماله برضاه عن طريق الربا من باب أولى.
أما حكم التعامل بالربا بين المسلم -الذي دخل دار الحرب بأمان- وببين الحربي فقد اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
القول الأول: يجوز للمسلم مستأمنا كان أو غير مستأمن أن يتعامل بالربا مع الحربيين في دار الحرب، بل يجوز له التعامل بجميع العقود الفاسدة فيها، فلو باعهم ميتة وقامرهم وأخذ منهم مالًا بالقمار فذلك جائز ويملك ما أخذه من مال بهذا التعامل، والذمي كالمسلم في هذا وهو قول فقهاء الحنفية ما عدا أبا يوسف١، وبه قال عبد الملك ابن الماجشون من المالكية٢ وهو رواية للحنابلة في غير المشهور من المذهب إذا لم يكن المسلم مستأمنا، وبعضهم أخذها على ظاهرها مستأمنا كان أو غير
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع ٥/١٩٢، والمبسوط ١٤/٥٦، والبحر الرائق ٦/١٤٧، وتبيين الحقائق ٤/٩٧، والجوهرة النيرة ٢/٢٦٢، وفتح القدير ٦/١٧٨، وحاشية رد المختار ٥/١٨٦، والاختيار ٢/٣٣، والبناية ٦/٥٧٠، وأحكام القرآن للجصاص ٢/٤٣٦، ومجمع الأنهر ٢/٩٠، ومشكل الآثار ٤/٢٤١. ٢ أحكام القرآن لابن العربي ١/٥١٦.
[ ٢ / ٢١٤ ]
مستأمن وينسب هذا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀١.
القول الثاني: يحرم على المسلم التعامل بالربا وغيره من العقود الفاسدة في أي مكان، حتى في دار الحرب فلا يجوز له أن يتعامل بالربا مع الحربي وغيره في دار الحرب سواء كان المسلم مستأمنًا أو غير مستأمن، فالربا محرم عليه في دار الحرب كما هو محرم عليه في دار الإسلام، وهو مروي عن
_________________
(١) ١ المبدع ٤/١٥٧، والإنصاف ٥/٥٢،٥٣، والفروع ٤/١٤٧، والمحرر ١/٣١٨. وبعد البحث والتنقيب في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المقولة التي نسبتها إليه بعض كتب الحنابلة، لأوثقها من كتبه، لم أجد فيما اطلعت عليه من كتبه، ما نسب إليه من جواز التعامل بالربا بين المسلم مستأمنا كان أو غير مستأمنا مع الحربي في دار الحرب، بل وجدت في بعض كتبه ما يخالف هذه النسبة، فجاء في كتابه الصارم المسلول: "إن الحربي لو عقد عقدا فاسدا من ربا أو بيع خمر أو خنزير أو نحو ذلك، ثم أسلم بعد قبض العوض لم يحرم ما بيده، ولم يجب عليه رده، ولو لم يكن قبضه لم يجز له أن يقبض منه إلا ما يجوز للمسلم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أمرهم بترك ما بقي في ذمم الناس ولم يأمرهم برد ما قبضوه، ومعناه أن الحربي من أهل دار الحرب إذا تعامل فيها مع غيره بالربا ثم أسلم قبل الربا، لم يجز له أخذ تلك الزيادة. فإذا كان شيخ الإسلام لا يبيح للحربي الذي تعامل في دار الحرب قبل إسلامه أن يأخذ الزيادة من أهلها بعد أسلم، فإن مقتضى رأيه لا يبيح بالأولى للمسلم الذي دخل دار الحرب بأمان أن يأخذ منهم الربا" انظر: الصارم المسلول ص١٦١.
[ ٢ / ٢١٥ ]
الأوزعي وإسحاق وأبي ثور. وهو قول فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح من المذهب الظاهرية وأبي يوسف من الحنفية.١
الأدلة
استدل أصحاب القول الأول الذين قالوا بإباحة التعامل بالربا بين المسلم والحربي في دار الحرب: بالسنة، والمأثور، والمعقول:
دليلهم من السنة:
١- بما روي عن مكحول أن الرسول ﷺ قال: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب" ٢
وجه الدلالة:
دل الحديث على إباحة الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب، لأن النبي ﷺ نفى جريان الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب. قال
_________________
(١) ١ انظر: الشرح الكبير مع الدسوقي ٢/١٧٩، والمدونة٤/٢٧١، والمقدمات ١/١٧٨- ١٧٩، وأحكام القرآن ١/٥١٦، والفروق ٣/٢٧، والأم ٧، والمجموع شرح المهذب٩/٣٩١، وروضة الطالبين ١٠/٢٩١، والإشراف ١/٢٦٢، والمغني ٤/٤٥، والمبدع ٤/١٥٧، والإنصاف ٥/٥٢،٥٣، والفروع ٤/١٤٧، وكشاف القناع ٣/٢٥٩، والهداية لأبي الخطاب ١/١٣٩، ومطالب أولي النهي ٣/١٨٨ – ١٨٩، والإفصاح ١/٣٢٩، والمحلى ٨/٥١٥، والرد على سير الأوزاعي ص ٩٧، والمبسوط ١٤/٥٦، وحاشية ابن عابدين ٥/١٨٦، وبدائع الصنائع ٥/١٩٢. ٢ ذكره الزيلعي في نصب الراية ٤/٤٤، والسرخسي في المبسوط ١٤/٥٦، وأبو يوسف في الرد على سير الأوزاعي ص ٩٧.
[ ٢ / ٢١٦ ]
السرخسي: "الحديث دليل على جواز بيع المسلم الدرهم بالدرهمين من الحربي في دار الحرب"١
٢- وبما ثبت عن جابر بن عبد الله ﵄ أن الرسول ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: "كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع وأول ربا أوضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله" ٢
وجه الدلالة من الحديث:
الوضع في الحديث معناه الحط والإسقاط، فدل ذلك على أن ربا العباس كان قائما بمكة، لما كانت دار حرب، حتى وضعه النبي ﷺ في حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة، لأنه لا يضع إلا ما كان قائما لا ما قد سقط قبل وضعه إياه.٣
قال الطحاوي: "ففي ذلك ما قد دل على أن الربا كان حلالا، فيما بين المسلمين والمشركين بمكة لما كانت دار حرب، وهو حينئذ حرام بين المسلمين في دار الإسلام، وفي ذلك ما قد دل على إباحة الربا بين المسلمين وأهل دار الحرب في دار الحرب"٤
وقال الجصاص: "وفيه الدلالة على أن العقود الواقعة في دار الحرب،
_________________
(١) ١ انظر: المبسوط ١٤/٥٦. ٢ أخرجه مسلم ٢/٨٨٩ كتاب الحج باب حجة النبي ﷺ ٣ بدائع الصنائع ٥/١٩٣، ومشكل الآثار ٤/٢٤٤، والجوهر النقي ٩/١٠٦. ٤ انظر: مشكل الآثار ٤/ ٢٤٥.
[ ٢ / ٢١٧ ]
إذا ظهر عليها الإمام لا يتعرض عليها بالفسخ، وإن كانت معقودة على فساد، لأنه معلوم أنه قد كان بين نزول الآية، وبين خطبة النبي ﷺ بمكة ووضع الربا الذي لم يكن مقبوضا عقود من عقود الربا بمكة قبل الفتح، ولم يتعقبها بالفسخ ولم يميز ما كان منها قبل نزول الآية، مما كان منها بعد نزولها، فدل ذلك على أن العقود الواقعة في دار الحرب بينهم وبين المسلمين، إذا ظهر عليها الإمام يفسخ منها ما كان مقبوضا"١
وقال ابن التركماني: "مذهب البيهقي وأصحابه أن البيع المذكور لا يجوز وأن الربا ثابت بين المسلم والحربي، وهذا الحديث يدل على خلاف ذلك وأنه لا ربا بينهما"٢
وقال ابن رشد: "هذا استدلال صحيح- أي استدلال الحنفية بالحديث- لأنه لو لم يكن الربا بين المسلمين والمشركين حلالا في دار الحرب لكان ربا العباس موضوعا يوم أسلم وما قبض منه بعد ذلك مردود٣ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ٤
٣- وبحديث ركانة رضي الله عنه٥ أن النبي ﷺ لقيه بأعلى مكة فقال له
_________________
(١) ١ انظر: أحكام القرآن للجصاص ١/٤١٧. ٢ انظر: الجوهر النقي مع سنن البيهقي٩/١٠٦. ٣ انظر: المقدمات الممهدات ٢/٢٧٨. ٤ البقرة: ٢٧٩. ٥ وهو ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب القرشي المطلبي، أسلم يوم فتح مكة، وتوفي في خلافة عثمان، وقيل توفي سنة ٤٢هـ. انظر: أسد الغابة ٢/٢٣٦.
[ ٢ / ٢١٨ ]
ركانة هل تصارعني على ثلث غنمي فقال ﷺ نعم، وصارعه فصرعه النبي ﷺ إلى أن أخذ منه جميع غنمه ثم ردها عليه تكرما.١
قال السرخسي: "هذا الحديث دليل على جواز الربا في دار الحرب بين المسلم والحربي"
أما دليلهم من المأثور:
فبما روي عن أبي بكر ﵁ أنه قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ٢.
قال له مشركوا قريش يرون أن الروم تغلب فارس فقال نعم فقالوا: هل لك أن تخاطرنا على أن نضع بيننا وبينك خطرا فإن غلبت الروم أخذت خطرنا، وإن غلبت فارس أخذنا خطرك، فخاطرهم أبو بكر ﵁ على ذلك ثم أتى النبي ﷺ وأخبره فقال اذهب إليهم فزد في الخطر وأبعد في الأجل ففعل أبو بكر ﵁ وظهرت الروم على فارس فبعث إلى أبي بكر ﵁ أن تعال فخذ خطرك وأخذه فأتى النبي ﷺ به فأمره بأكله وهذا القمار لا يحل بين أهل الإسلام، وقد أجازه الرسول الله ﷺ بين أبي بكر ﵁ وهو مسلم وبين مشركي قريش، لأنه كان بمكة في دار الشرك حيث لا تجري
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود ٤/٣٤١ كتاب اللباس بلفظ: "أن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ" والترمذي ٤/٢٤٧ كتاب اللباس حديث رقم ١٧٨٤ بنفس اللفظ ولم أجد هذه اللفظة التي استدلوا بها إلا في المبسوط ١٤/٥٧. ٢ الروم: ٢.
[ ٢ / ٢١٩ ]
أحكام المسلمين.١
أما دليلهم من المعقول: فمن ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن أحكام المسلمين لا تجري على الحربيين في دارهم فبأي وجه أخذ منهم المسلمون أموالهم برضا منهم فهو جائز.٢
الوجه الثاني: أن المسلم إذا دخل بغير أمان يجوز له أخذ مال الحربي بأي أنواع الاعتداء وبغير طيبة نفسه أي بغير رضاه فإذا أخذه على هذا الوجه بطيبة نفسه كان أولى بالجواز.٣
الوجه الثالث: أن الأصل في أموال الحربيين الإباحة، إلا أن الأمان منع من غدرهم وخيانتهم، وأخذ أموالهم بغير رضاهم، أما إذا رضوا بأخذ أموالهم بالربا أو بأي عقد آخر فاسد، فهذا جائز لأنه أخذ مالا مباحا بلا غدر، فيملكه بحكم الإباحة السابقة، ومن ثم إذا رضي الحربي ببذل ماله عن طيب نفس منه زال المعنى الذي حرم لأجله.٤
_________________
(١) ١ انظر: المبسوط ١٤/٥٧ وهذه القصة أخرجها الترمذي ٥/٣٤٥ كتاب تفسير القرآن بلفظ آخر، وقال هذا حديث صحيح حسن غريب. ٢ المبسوط ١٤/٥٧، وفتح القدير ٦/١٧٨، والرد على سير الأوزاعي ص ٩٦. ٣ الجوهرة النيرة ٢/٢٦٢، وتبيين الحقائق ٤/٩٧. ٤ فتح القدير ٦/١٧٨، والبحر الرائق ٦/١٤٧، والجوهرة النيرة ٢/٢٦٢، والاختيار ٢/٣٣، وحاشية ابن عابدين ٥/١٨٦، وتبيين الحقائق ٤/٩٧، وبدائع الصنائع ٥/١٩٢، والمبدع ٤/١٥٧.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
أدلة أصحاب القول الثاني الذين قالوا بتحريم التعامل بالربا في دار الحرب كدار الإسلام:
استدلوا بالكتاب، والسنة، والمعقول، والقياس:
دليلهم من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ﴾ ١
٢- قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢
٣- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣
٤- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ٤
وجه الدلالة من الآيات:
الآيات الكريمات تدل بعمومها على تحريم الربا على المسلمين في
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٧٥. ٢ البقرة: ٢٧٥. ٣البقرة: ٢٧٨. ٤ آل عمران: ١٣٠.
[ ٢ / ٢٢١ ]
أي مكان في دار الإسلام، أو في دار الحرب، لأنها عامة ولم يرد ما يخصص هذا العموم.١
قال ابن قدامة: "عموم الآيات يقتضي تحريم التفاضل"٢
أما دليهم من السنة:
١- فبما روي عن جابر ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وقال هم سواء"٣
وجه الدلالة من الحديث:
فالحديث بعمومه يدل على تحريم التعامل بالربا بين المسلمين والمشركين في دار الإسلام أو في دار الحرب ولم يرد ما يخصص هذا العموم.٤
٢- وبما روى عن عبادة بن الصامت ﵁ "أنه سمع رسول الله ﷺ ينهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى"٥
_________________
(١) ١ المبدع ٤/١٥٧، والمجموع شرح المهذب ٩/٣٩١، ومطالب أولي النهي ٣/١٨٨،١٨٩، وكشاف القناع ٣/٢٥٩،والإشراف لابن المنذر ١/٢٠٦،وشرح منتهى الإرادات ٢/٢٠٦. ٢ المغني ٤/٤٦. ٣ سبق تخريجه ص ٢٠٦. ٤ المغني ٤/٤٦، والمبدع ٤/١٥٧، والمجموع شرح المهذب ٩/٣٩١، ٣٩٢. ٥ أخرجه الإمام مسلم ٣/١٢١٠كتاب المساقاة باب الربا.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
فهذا الحديث أيضا يدل على تحري الربا على المسلمين لأن معنى قوله: "فقد أربى" أي فقد فعل الربا المحرم على المسلمين في دار الإسلام أو في دار الحرب.١
٣- وبحديث جابر ﵁ المتقدم فيه: "وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله"٢
وجه الدلالة من الحديث:
أن النبي ﷺ أبطل ربا الجاهلية وأوله ربا العباس وكان مسلما وكانت مكة آنذاك دار حرب، فلم يبح له النبي ﷺ التعامل بالربا في دار الحرب.
أما دليلهم من المعقول: فمن أربعة أوجه:
١- أن ما كان محرما في دار الإسلام فهو محرم في دار الحرب كالخمر وسائر المعاصي، فالمسلم مخاطب بالشريعة الإسلامية وأحكامها في جميع الأماكن من غير فرق بين دار إسلام أو دار حرب، فالربا محرم عله في جميع الديار.٣
٢- أن الربا من العقود الفاسدة التي لا تجوز في الإسلام فلم يصح في
_________________
(١) ١ انظر: المغني ٤/٤٦، والمبدع ٤/ ١٥٧، ومطالب أولى النهي ٣/١٨٨. ٢ سبق تخريجه ص ٢١٧. ٣ الجوهرة النيرة ٢/٢٦٢، ومطالب أولي النهى ٣/١٨٨، والمبدع ٤/١٥٧، والمجموع شرح المهذب ٩/٣٩١، والمغني ٤/٤٦.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
دار الحرب كالنكاح الفاسد.١
٣- أن حرمة الربا كما هي ثابتة في حق المسلمين ثابتة في حق الكفار لأنهم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال، قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ ٢ فاشتراطه في البيع يوجب فساده كما إذا تبايع المسلم والحربي المستأمن في دار الإسلام.٣
٤- أن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فقد وجب عليه الوفاء بالعهد وحرمت عليه خيانتهم، وتعامله معهم بالربا فيه خيانة لهم وأكل لأموالهم، وقد أخذ عليه بأن لا يخون عهدهم، ولا يتعرض لمالهم، ولا لشيء من أمرهم.٤
أما القياس: فهو القياس على المستأمن الحربي في دارنا.
فالحربي إذا دخل دار الإسلام بأمان وتعامل معه المسلم بالربا لا يجوز باتفاق الفقهاء، فكذلك لا يجوز للمسلم التعامل معه بالربا في دار الحرب.٥
_________________
(١) ١ المجموع شرح المهذب ٩/٢٩١. ٢ النساء: ١٦١. ٣ الجامع لأحكام القرآن ٦/١٢، وأحكام القرآن لابن العربي ١/٥١٦، وتبيين الحقائق ٤/٩٧، وفتح القدير ٥/٤٩. ٤ الأم ٧/٣٢٦، وأحكام القرآن لابن العربي ١/٥١٦. ٥ فتح القدير ٦/١٧٨، وحاشية رد المختار ٥/١٨٦، والاختيار ٢/٣٣.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
المناقشة:
أولا: مناقشة أدلة الحنفية ومن وافقهم الذين قالوا بإباحة الربا في دار الحرب
أولا: مناقشة أدلتهم من السنة:
١- بالنسبة لاستدلالهم بحديث مكحول يرد عليه من وجهين:
الوجه الأول: أن الحديث مرسل غريب كما يقول الأحناف أنفسهم كالزيلعي وابن الهام.١
وقال الإمام الشافعي: "الحديث ليس ثابت ولا حجة فيه"٢
وقال الحافظ ابن حجر: "لم أجده"٣
وقال النووي: "الحديث مرسل ضعيف فلا حجة فيه"٤
وقال العيني: "هذا حديث غريب ليس له أصل مسند"٥
وقال الحنابلة: "الحديث مرسل ومجهول، لا نعرف صحته ولم يرد في صحيح، ولا مسند ولا كتاب موثوق به، وهو مع ذلك مرسل محتمل"٦
_________________
(١) ١ انظر: نصب الراية ٤/٤٤، وفتح القدير ٦/١٧٨. ٢ انظر: الأم ٧/ ٣٥٩. ٣ انظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/١٥٨. ٤ انظر: المجموع شرح المهذب ٩/٢٩١. ٥ انظر: البناية ٦/٥٧١ ٦ انظر: المغني ٤/٤٦، والمبدع ٤/١٥٧، ومطالب أولى النهي ٣/١٨٨،١٨٩، وكشاف القناع ٣/٢٥٩.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
أجاب الحنفية عن ذلك فقال السرخسي: "الحديث وإن كان مرسلا فمكحول فقيه ثقة والمرسل من مثله مقبول"١
ونحن لا ننكر بأن مكحول فقيه ثقة لكنه ليس مرسل صحيح حتى يقبل. وبهذا لم يثبت هذا الحديث عن النبي ﷺ.
الوجه الثاني: على فرض أن الحديث ثابت عن الرسول ﷺ وصحيح فهو محمول على أن معناه: لا يباح الربا في دار الحرب بين المسلم والحربي، جمعا بين الأدلة كما يقول النووي.٢
وقال ابن قدامة: "ويحتمل أن المراد بقوله: "لا ربا النهي عن الربا"٣
كقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ﴾ ٤، قال الإمام السبكي: "واعتضد هذا الاحتمال بالعمومات!! فيكون المراد بلا في الحديث نفي الحل والمشروعية جمعا بين الأدلة"٥
٢- وكذلك حديث العباس لا دلالة لهم فيه بل هو حجة عليهم لأن النبي ﷺ قد وضع من ربا أهل الجاهلية ما أدركه الإسلام من ذلك،
_________________
(١) ١ انظر: المبسوط ١٤/٥٦. ٢ انظر: المجموع شرح المهذب ٩/٣٩١. ٣ انظر: المغني لابن قدامة ٤/٤٦. ٤ البقرة: ١٩٧. ٥ انظر: تكملة المجموع للسبكي ١١/٢٢٩.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وكان أول ربا وضعه ربا العباس بن عبد المطلب، وكانت مكة آنذاك دار حرب والعباس مسلم فأبطل رباه فيها.١
وكذلك يمكن الرد على استدلالهم بحديث العباس من وجوه:
الوجه الأول: أنه من المحتمل أن يكون النبي ﷺ رخص للعباس خاصة بأخذ الربا منهم في مكة وهي دار كفر، فتكون الإباحة قضية عين لا يقاس عليها غيرها.
الوجه الثاني: أن العباس كان له ربا في الجاهلية من قبل إسلامه فيكفي حمل اللفظ عليه، وليس ثم دليل على أنه بعد إسلامه استمر على الربا، ولو سلم استمراره عليه، فإنه قد لا يكون عالما بتحريمه فأراد النبيصلى الله عليه وسلم إنشاء هذه القاعدة وتقريرها من يومئذ.٢
الوجه الثالث: أنه لا يبعد أن يكون تعامل العباس معهم بربا الفضل دون ربا الجاهلية - ربا الدين- وربا الفضل لم يكن معلوم التحريم لجميع الصحابة ﵃ لأن تحريمه كان يوم خيبر في السنة السابعة من الهجرة وعلى هذا فربما لم يبلغ العباس ﵁ تحريم ربا البيوع فكان يتعامل به لعدم معرفته بنهي النبي ﷺ عنه حتى أعلن ﵊ حرمته في خطبته بحجة الوداع، ووضع ربا العباس وكل ربا لم يقبض.٣
_________________
(١) ١ الأم ٧/٣٥٨-٣٥٩، والرد على سير الأوزاعي ص ٩٦. ٢ تكملة المجموع شرح المهذب للسبكي ١١/٢٣. ٣ أحكام التعامل بالربا ص ٢٩.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
الوجه الرابع: أن العباس ﵁ كان يأخذ الربا - مطلقا- من المشركين بمكة وهو مسلم، لا لأن أخذ الربا من الحربيين حلال جائز في دار الحرب دون دار الإسلام، ولكن الربا وقتئذ لم يكن تحريمه قد استقر، ولم يكن تشريع الإسلام فيه قد اكتمل حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١
وذلك بعد إسلام ثقيف وصلحهم في رمضان سنة تسع من الهجرة أي قبل حجة الوداع، أما قبل ذلك فلم يكن تحريمه باتا قاطعا، ولهذا كان العباس ﵁ يتعامل به ويأخذه من المشركين، وهو مسلم مقيم بمكة، حتى أتم الله تشريعه، وقضى بحرمته قضاء مبرما عند نزول الآية الكريمة المشار إليها، عندها امتنعرضي الله عنه عن أخذه وتوقف عن التعامل به، وقد جاء قوله ﷺ في حجة الوداع وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، تأكيدا لحكم الآية وترسيخا للحرمة وبيانا قاطعا للأمة بنهي الإسلام عنه بعدما كمل الدين وتمت الرسالة٢
وبهذا يتضح لنا أنه لا دلالة للحنفية في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ وإنما هو حجة عليهم.
٢- وكذلك حديث ركانة لا دلالة لهم فيه، وغاية ما يدل عليه
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٧٨. ٢ أحكام التعامل بالربا ص ٢٩/٣٠.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
الحديث أن الرسول ﷺ صارع ركانه فصرعه الرسول ﷺ.
وأيضا اللفظ الذي استدلوا به وهو "أن النبي ﷺ صارعه على بعض غنمه وأخذها منه عندما صرعه"، لا وجود له فيما اطلعت عليه من كتب السنة والآثار المشهورة، ولم يوجد إلا في كتبهم.١
وأيضا الثابت من الحديث ليس صحيحا بل فيه مقال.٢
وعلى فرض ثبوت الحديث ووجود اللفظ الذي استدلوا به، يقال لهم هذا ليس من باب الربا.
ثانيًا: مناقشة دليلهم من المأثور:
استدلالهم بقصة أبي بكر ﵁ غير صحيح، لأنها لم تثبت باللفظ الذي ذكروه فما في السنن والآثار يخالف هذا اللفظ.٣
وبهذا يسقط احتجاجهم بهذه القصة.
ثالثا: أما أدلتهم من المعقول فيمكن الرد عليها بما يلي:
قولهم بأن أحكام المسلمين لا تجري على أهل الحرب في دارهم، نقول لهم نعم أحكام الإسلام لا تجري عليهم إلا إذا كانوا مستأمنين في دار الإسلام، ولكن يقال لهم بأن أحكام الإسلام تجري على المسلم المتعامل بالربا معهم وفي دارهم، ويجب عليه أن يلتزم بهذه الأحكام في أي
_________________
(١) ١ انظر: المبسوط للسرخسي ١٤/٥٧. ٢ انظر: سنن الترمذي ٤/٢٤٧. ٣ انظر: سنن الترمذي ٥/٣٤٥.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
مكان في أنحاء الأرض، وبما أن أحكام الإسلام تجري عليه في دار الحرب فيحرم عليه التعامل بالربا مع الحربيين، لأن الربا محرم في الإسلام ولا يجوز للمسلم أن يتعامل به لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام.
أما قولهم بأن المسلم إذا دخل دار الحرب بغير أمان فيجوز أخذ أموالهم بغير رضاهم، فهذا مسلم إذا كانت دار حرب، أما إذا كانت دار عهد ودخلها بدون أمان فلا يجوز له التعامل بالربا مع أهلها- فهذا لا يسلم- لأن المسلم حتى لو دخل بغير أمان لا يجوز أن يستبيح دماءهم وأموالهم إلا بحقها وهو فيما إذا أعلنوا الحرب على المسلمين.
أما إذا لم يعلنوا الحرب على المسلمين فلا يجوز له استباحة أموالهم وربما كانت هناك معاهدات ومهادنات بينهم وبين المسلمين فيحرم عليه استباحة أموالهم وأخذها بالطرق غير المشروعة.
وأما قولهم: بأن الأصل في أموال الكفار الإباحة فهذا احتجاج غير مسلم، لأن الأمان الذي يعطاه المسلم في دار الحرب، يعني أن أهلها قد ائتمنوا على أرواحهم وأموالهم، وذلك يقتضي عدم جواز أخذ شيء من أموالهم بغير وجه حق، أو سبب مشروع، في مقابل التزام أهلها بعدم الاعتداء على نفسه وماله، بأي وجه من أوجه الاعتداء، كما شأن المستأمن في دار الإسلام، وثمرة ذلك انتفاء الإباحة الأصلية لأموالهم فتصير أموالهم معصومة بالنسبة إليهم، بموجب ذلك الأمان، ولا يخفى أن عصمة المال شرعا كما تتحقق بالإسلام فإنها تتحقق بالعهد، والأمان الذي بينه
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وبينهم عهد معتبر شرعا١ وفي هذا يقول النووي: إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فاقترض منهم شيئا، أو سرق وعاد إلى دار الإسلام لزمه رده.
لأنه ليس له التعرض لهم إذا دخل بأمان.٢
وقال ابن قدامة: "وما ذكروه من الإباحة منتقض بالحربي إذا دخل دار الإسلام، فإن ماله مباح إلا فيما حظره الأمان، ويمكن حمله بين المسلمين على هبة التفاضل، وهو محرم بالإجماع فكذا ههنا"٣
ولأن الربا لما كان في الإسلام من الأسباب المحظورة للتملك ومن صور أكل مال الغير بالباطل، لم يجز للمسلم أن يأخذ مال الحربيين في دارهم بعدما وجد الأمان بينه وبينهم فيها، كما لا يحل له بإجماع الفقهاء أن يأخذ به شيئا من أموالهم إذا دخلوا دار الإسلام بأمان.٤ واحتجاجهم بأن أموالهم مباحة بالاغتنام هذا فيما إذا أعلنوا الحرب على المسلمين، وهذا لا يلزم منه استباحتها بالعقود الفاسدة، حيث أن الشارع وإن أباح أيضا نساءهم بالسبي لكن لم يجزها بالعقد الفاسد، ومن ثم لا تباح أموالهم بالعقود الفاسدة، ولأن أموالهم لا تباح بالاغتنام إذا كان بينهم وبين المسلمين أمان، وفي هذا يقول ابن العربي: "قلنا إنما يجوز أخذه بوجه جائز
_________________
(١) ١ أحكام التعامل بالربا ص ٢٥. ٢ انظر: روضة الطالبين ١٠/٢٩١ ٣ انظر: المغني ٤/٤٦. ٤ أحكام التعامل بالربا ص ٢٥/٢٦.
[ ٢ / ٢٣١ ]
في الشرع من غلة وسرقة، في سرية فأما إذا أعطي من نفسه الأمان ودخل دارهم فقد تعين عليه أن يفي بأن لا يخون عهدهم، ولا يتعرض لما لهم ولا لشيء من أمرهم، فإن جوز القوم الربا فالشرع لا يجوزه، فإن قال أحدهم إنهم لا يخاطبون بفروع الشريعة فالمسلم مخاطب بها"١
وقال النووي: "ولا يلزم من كون أموالهم تباح بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد، ولهذا تباح أبضاع نسائهم بالسبي دون العقد الفاسد"٢
ولأن تحريم الربا أتى عام شامل لدار الحرب وغيرها، والشارع الحكيم لن يحرم الربا في مكان، ويبيحه في مكان آخر، لأن المسلم يخاطب بأحكام الشريعة الإسلامية في أي بقعة وجد فيها.
ثانيا: مناقشة أدلة الجمهور الذين قالوا بتحريم الربا في دار الحرب:
رد عليهم الحنفية فقالوا: بالنسبة لعموم الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الربا إنما هو في المال المحرم والمعصوم، أما المال المباح كأموال الكفار في دار الحرب، فيجوز أن تأخذ بأي طريق غير طريق الغدر، فالربا إذا كان برضا منهم فهو مباح معهم، ويبقى العموم في المال المحظور.٣
ويمكن أن يجاب عن ذلك:
_________________
(١) ١ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ١/٥١٦. ٢ انظر: المجموع شرح المهذب ٩/٣٩٢. ٣ انظر: فتح القدير ٦/١٧٨.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
بأن الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الربا عامة في أي مكان في دار الإسلام أو في دار الحرب لم يرد ما يخصص هذا العموم إلا حديث مكحول وهو مرسل ضعيف لا يقوى على التخصيص، وفي هذا يقول ابن قدامة ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة وانعقد الإجماع على تحريمه بخبر مجهول لم يرد في صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به.١
وأيضا هذا المرسل على فرض صحته فهو محمول على تحريم الربا في دار الحرب.٢ أما بالنسبة لقولهم بأن الربا محرم في دار الحرب كما هو محرم في دار الإسلام، يقال لهم هذا بالنسبة للمسلمين فيما بينهم وبين الحربيين إذا كانوا مستأمنين في دارهم، أما الحربيين في دارهم فتباح أموالهم لعدم التزامهم بأحكام الإسلام، وأموالهم مباحة لا عصمة لها، أما في دار الإسلام فهي معصومة بسبب الأمان.٣
ويمكن أن يجاب عن ذلك:
بأن النصوص الواردة في تحريم الربا عامة من غير فرق بين مكان وآخر، ومسلم وحربي، وأموال الحربيين لا تكون مباحة للمسلم وبخاصة إذا دخل دارهم بأمان فيجب عليه الوفاء بالعهد وعدم الغدر بهم وأكل
_________________
(١) ١ انظر: المغني ٤/٤٦. ٢ انظر: المبدع ٤/١٥٧، والمغني ٤/٤٦. ٣ انظر: الرد على سير الأوزاعي ص ٩٦.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
أموالهم بالباطل ولا تباح له إلا بطريق الاغتنام إذا أعلنوا الحرب على المسلمين.١
وحتى لو جاز للحربي التعامل بالربا فإنه محرم على المسلم الملتزم لأحكام الإسلام في كل مكان أن يتعامل به.
أما القياس: فهو قياس مع الفارق:
لأن المستأمن الحربي في دار الإسلام ملتزم لأحكام الإسلام، وماله معصوم بسبب الأمان، أما الحربي غير المستأمن فلا عصمة لماله لأنه لم يلتزم لأحكام الإسلام.
ويجاب عن ذلك: بأننا لا ننكر بأن الحربي المستأمن ملتزم لأحكام الإسلام، وماله معصوم بالأمان، وعلى العكس الحربي غير المستأمن، لكن القياس ليس من هذه الناحية بل القياس من ناحية التحريم، فالربا كما هو محرم مع الحربي في دار الإسلام، محرم معه في دار الحرب لعموم النصوص من الكتاب والسنة الواردة في التحريم ولم يرد ما يخصص هذا العموم.
الرأي المختار:
بعد أن عرضنا آراء الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها، يتضح لي أن الرأي المختار هو رأي الجمهور فالربا لا أثر له في اختلاف الدار فهو محرم في دار الحرب كما هو محرم في دار الإسلام. وذلك للأسباب الآتية:
١- لقوة الأدلة التي استدلوا بها كالعموم الوارد في تحريم الربا وغيره
_________________
(١) ١ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ١/٥١٦.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
من العقود الفاسدة في دار الحرب ولم يرد نص صحيح في تخصيص هذا العموم.
٢- ولأن الربا محرم في كل مكان كما دلت النصوص على ذلك فلا يصير حراما في مكان دون آخر وإباحة أموال الحربيين عن طريق الغنيمة يختلف عن أخذها بالعقود الفاسدة كعقد الربا.
وفي هذا يقول ابن العربي: "إن ما يجوز أخذه بوجه جائز في الشرع من غلة وسرقة في سرية، فأما إذا أعطي من نفسه الأمان ودخل دارهم فقد تعين عليه أن يفي بأن لا يخون عهدهم ولا يتعرض لمالهم، فإن جوز القوم الربا فالشرع لا يجوزه، فإن قال أحد منهم لا يخاطبون بفروع الشريعة فالمسلم مخاطب بها"١
٣- ولأن هذا الرأي هو المتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية وسمو تعاليمها وسدها كل الأبواب والطرق للتوصل إلى إباحة الربا المحرم، وحتى يتأثر الناس بأحكامها في أي بقعة من بقاع الأرض.
٤- ولأننا لو أخذنا بالرأي المخالف لأدى ذلك إلى إباحة التعامل بالربا مع البنوك والمصارف الأجنبية الكافرة، باعتبار أنها مصارف قوم حربيين وهذا ما يحرمه الشرع.
على العكس منه الأخذ برأي الجمهور فإنه يسد الباب لمن تحدثه نفسه بأخذ هذه الفوائد المحرمة باعتبار أنها من قوم حربيين وأنها من
_________________
(١) ١ أحكام القرآن لابن العربي ١/٥١٦.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
المحرمات، التي حرمها الله ﷾، في كتابه وأكد ذلك الرسول ﷺ في سنته. ولأن الربا لما كان في الإسلام من الأسباب المحظورة للتملك ومن صور أكل مال الغير بالباطل، لم يجز للمسلم أن يأخذ أموال الحربيين في دارهم بعدما وجد الأمان بينه وبينهم فيها، كما أنه لا يحل له بإجماع الفقهاء أن يأخذ به شيئا من أموالهم إذا دخلوا دار الإسلام بأمان.
واحتجاجهم بأن أموالهم مباحة بالاغتنام هذا فيما إذا أعلنوا الحرب على المسلمين، هذا كله فيما إذا دخل المسلم دار الكفر الحربية بأمان، أما إذا دخلها بغير أمان، فكما سبق لا يجوز له أن يعطهم الربا ويجوز له أن يأخذه منهم. وبناء على هذا الاختيار يتضح لنا أنه لا أثر لاختلاف الدار في التعامل بالربا في دار الحرب. فالربا كما يحرم على المسلم التعامل به في دار الإسلام، فكذلك في دار الحرب إذا دخلوها بأمان. وأيضا إذا دخلوها بدون أمان، لا يجوز لهم إعطاء الكفار الربا، ويجوز لهم أخذه منهم، وكذلك في دار الإسلام الحربي إذا دخلها بدون أمان، لا يجوز إعطاءه الربا، ويجوز أخذه منه لأنه لا عصمة له، ولأنه يجوز أخذ ماله عن طريق الغنيمة والغصب ونحو ذلك، أي بدون رضاه، فجوازه عن طريق العقود الفاسدة من باب أولى لأنه برضاه.
[ ٢ / ٢٣٦ ]