لما كان الإسلام دين القوة والعزة، والهيبة والرفعة، فإنه قد أبى على معتنقيه أن يستذلوا للكفار، ويستسلموا لهم، من أجل ذلك منع ديننا الحنيف المسلمين العاجزين عن إظهار دينهم من الإقامة في دار الكفر، وبين أظهر الكفار، لأن إقامة المسلمين في بلد يتسلط عليه ويحكمه الكفار، فيه شعور لهم بالضعف والخذلان.
مع أن ديننا الإسلامي يريد من المسلمين أن يكونوا أهل عزة وقوة وأن يكونوا متبوعين لا تابعين، وأن تكون السلطة والسيطرة وغلبة الأحكام لهم في أي مكان وفي كل زمان، وترتفع رايتهم وتنتكس راية أعدائهم.
لذلك حرم عليهم الإقامة في ديار الكفار التي لا سلطان للإسلام فيها إلا إذا استطاعوا أن يظهروا إسلامهم، ويدعوا غيرهم إليه، ويرغبونهم فيه، ويعملون طبقا لعقيدتهم الإسلامية، دون أن يخشوا الفتنة على أنفسهم أو على دينهم.
فالمسلمون المقيمون في ديار الكفار إذا عجزوا عن إظهار دينهم
_________________
(١) ١ الهجرة لغة: الترك والمفارقة. انظر: المصباح المنير ٢/٦٣٤، ومعجم لغة الفقهاء ص ٤٩٢، أما في الاصطلاح الشرعي: فهي: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام. انظر: أحكام القرآن لابن العربي ١/٤٨٤، وفتح الباري ١/١٦، ونيل الأوطار ١/ ١١٦.
[ ٢ / ١٦١ ]
وجبت عليهم الهجرة إلى دار الإسلام باتفاق العلماء.
وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.
أولا: الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ ١
وجه الدلالة من هذه الآية:
دلت الآية دلالة واضحة على وجوب الهجرة على المسلمين المستضعفين العاجزين عن إظهار دينهم في بلد لا سلطان للإسلام فيه، وإنما السلطة وغلبة الأحكام فيه لأعداء الله.
قال القرطبي: "وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض، التي يعمل فيها بالمعاصي"٢
وقال ابن كثير: "ظالمي أنفسهم - بترك الهجرة - ثم قال: هذه الآية عامة لكل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية"٣
_________________
(١) ١ النساء: ٩٧. ٢ انظر: الجامع لأحكام القرآن ٥/٣٤٦. ٣ انظر: تفسير القرآن العظيم ١/ ٥٤٢.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وقال القاسمي: "الآية دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه، حقت عليه المهاجرة"١
وقال ابن سعدي: "في الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات وتركها من المحرمات، بل من أكبر الكبائر"٢
ثانيا: الدليل من السنة:
فقد دلت السنة أيضا على وجوب الهجرة وتحريم إقامة المسلمين في ديار الكفر إذا لم يقدروا على إظهار دينهم.
وفي هذا يقول ابن القيم: "ومنع رسول الله ﷺ من إقامة المسلم بين المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم"٣
والأحاديث التي منع فيها الرسول ﷺ من الإقامة في ديار الكفار كثيرة منها:
١- قوله ﷺ في حديث جرير بن عبد الله ﵁: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قيل: يا رسول الله ولم؟ قال: لا تراءي ناراهما" ٤
_________________
(١) ١ انظر: تفسير القاسمي ٥/ ١٤٨٩. ٢ انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٢/ ١٣٨. ٣ انظر: زاد المعاد ٣/ ١٢٢. ٤ أخرجه أبو داود ٣/ ١٠٥ كتاب الجهاد باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود. والترمذي ٤/ ١٥٥ كتاب السير باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين حديث رقم ١٦٠٤. والنسائي ٨/ ٣٦ في القسامة. والبيهقي ٩/ ١٢، ١٣، قال ابن حجر في بلوغ المرام إسناده صحيح. وقال الشوكاني: رجال إسناده ثقات، وقال الألباني: حديث صحيح. انظر: بلوغ المرام مع سبل السلام ٤/ ١٣٣٤، ونيل الأوطار ٨/ ٢٥، وإرواء الغليل ٥/ ٣٠.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على تحريم الإقامة في ديار الكفار، لأن النبي ﷺ قد برأ من المقيم في ديار الكفار، والبراءة لا تكون إلا على من فعل محرم.
قال البغوي: "من أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الدار، ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام لهذا الحديث"١
٢- حديث سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله" ٢
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على تحريم مساكنة الكفار، ووجوب مفارقتهم.٣
قال الصنعاني: "فيه دليل على وجوب الهجرة من ديار المشركين"٤
٣- وبحديث بهز بن حكيم قال: قال رسول الله ﷺ "لا يقبل الله ﷿ من مشرك بعد ما أسلم عملا أو يفارق المشركين إلى المسلمين" ٥
_________________
(١) ١ انظر: شرح السنة ١٠/ ٣٧٣. ٢ أخرجه أبو داود ٣/ ٢٢٤ كتاب الجهاد باب في الإقامة بأرض الشرك. والحاكم ٢/ ١٤١، ١٤٣، وقال صحيح شرط على البخاري. قال الألباني سنده ضعيف. إرواء الغليل ٥/ ٣٢. ٣ نيل الأوطار ٨/ ٢٦. ٤ انظر: سبل السلام ٤/١٣٣٤. ٥ أخرجه أحمد ٥/٤، ٥، والنسائي ٥/ ٨٢، باب من سأل بوجه الله ﷿. وابن ماجة ٢/ ٨٤٨ كتاب الحدود باب المرتد عن دينه حديث ٢٥٣٦ قال الألباني: إسناده حسن. انظر: إرواء الغليل ٥/ ٣٢.
[ ٢ / ١٦٤ ]
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث ظاهر الدلالة في أن الله لا يقبل عمل المسلم حتى يفارق ديار المشركين إلى ديار المسلمين.
٥- وحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" ١
فالحديث دل على أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام باقية لم تنقطع وهذا مما يدل على وجوبها.
قال البغوي: "لا تنقطع الهجرة أراد بها هجرة من أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الدار ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام"٢
وقال الصنعاني: "دل الحديث على ثبوت حكم الهجرة وأنه باق إلى يوم القيامة"٣
٦- وحديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع فقلت: يا رسول الله أبسط يديك، حتى أبايعك، واشترط علي فأنت أعلم، قال: "أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ٤/ ٩٩. وأبو داود ٣/ ٧ كتاب الجهاد باب الهجرة هل انقطعت. والدارمي ٢/ ٢٣٩، ٢٤٠ باب أن الهجرة لا تنقطع قال الألباني: صحيح رجال إسناده ثقات. إرواء الغليل ٥/ ٣٣، صحيح الجامع الصغير ٦/ ١٨٦.٧ ٢ انظر: شرح السنة ١٠/٣٧٣. ٣ انظر: سبل السلام ٤/ ٣٣٧.
[ ٢ / ١٦٥ ]
وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين" ١
فدل الحديث على وجوب مفارقة ديار المشركين إلى ديار المسلمين.
ثالثا: الإجماع:
فقد أجمع علماء المسلمين على أن المسلم العاجز عن إظهار دينه في ديار الكفار، تحرم عليه الإقامة في ديارهم وتجب عليه الهجرة إلى ديار المسلمين. أما إذا قدر على إظهار دينه ولم يخف من الفتنة فيه، فلا بأس بالإقامة لما يرجى من إسلام غيره.٢
وسأذكر ما قاله العلماء في وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام باختصار لتكمل الفائدة.
فقال علماء الحنفية: "من أقام في أرض العدو، وإن انتحل الإسلام وهو يقدر على التحول إلى المسلمين، فأحكامه أحكام المشركين، وإذا أسلم الحربي فأقام ببلادهم، وهو يقدر على الخروج منها، فليس بمسلم، يحكم عليه بما يحكم على أهل الحرب من انقطاع العصمة في المال والنفس"٣
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ٤/٣٦٥، والنسائي ٢/١٨٣، والبيهقي ٩/ ١٣، وقال الألباني: إسناده صحيح. إرواء الغليل ٥/ ٣٢. ٢ أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٢١١، والمقدمات الممهدات ٢/٢٨٥، وفتح الباري ٦/١٩٠، وكشاف القناع ٣/٤٣، ونيل الأوطار ٨/ ٢٦. ٣ أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٢١١.
[ ٢ / ١٦٦ ]
وقال علماء المالكية: "لا يحل لمسلم أن يقيم في دار الكفر وهو قادر على الخروج منها"١
قال ابن العربي: "من أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام"٢
قال ابن رشد: "واجب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الكفر أن لا يقيم بها، حيث تجري عليه أحكام المشركين، وأن يهاجر ويلحق بدار المسلمين حيث تجري عليه أحكامهم"
فقد وجب بالكتاب، والسنة، والإجماع، على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر ويلحق بدار المسلمين ولا يقعد بين المشركين، ويقيم بين أظهرهم، لئلا تجري عليه أحكامهم في تجارة أو غيرها.
وقد كره الإمام مالك أن يسكن أحد ببلد يسب فيه السلف فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن، وتعبد فيه من دونه الأوثان.٣
وقال علماء الشافعية:"الناس في الهجرة ثلاثة أضرب:
١- أن يكون ممن أسلم، ويكون له عشيرة يمتنع بها، ويقدر على إظهار دينه ولا يخاف الفتنة في دينه، فهذا يستحب له أن يهاجر لقوله
_________________
(١) ١ الكافي لابن عبد البر ١/٤٧٠، وأسهل المدارك ٢/ ١٦. ٢ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٨٤. ٣ انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد ٢/٢٨٥،٢٨٦.
[ ٢ / ١٦٧ ]
تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ ١
٢- أن يكون ممن أسلم ولا عشيرة له يمتنع بها، ولا يقدر على الهجرة لعجزه، كأن يكون ضعيف البدن، أو ليس معه نفقات السفر، فهذا لا تجب عليه الهجرة بل يجوز له المقام في ديار الكفار، فإن حمل على نفسه، وتكلف الخروج منها أجر.
٣- أن يكون ممن أسلم ولا عشيرة له تمنعه، ولكنه يقدر على الهجرة فهذا تجب عليه الهجرة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ٢
فأخبر الله ﷾ في هذه الآية أن من كان مستضعفا بين المشركين وهو يقدر على الخروج من بينهم فلم يفعل فإن مأواه النار، فوجبت الهجرة على المستضعف الذي يقدر على الخروج بنص الآية، واستثني المستضعف الذي لا يقدر على الخروج من الوعيد"٣
وقال علماء الحنابلة أيضا كما قال الشافعية: "الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
١- من تجب عليه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه الإقامة بين الكفار من إقامة
_________________
(١) ١ المائدة: ٥١. ٢ النساء: ٩٧. ٣ تكملة المجموع ١٨/٤٧، وفتح الباري ٦/١٩٠.
[ ٢ / ١٦٨ ]
واجبات دينه، وذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب.
ولقوله ﷺ: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" ١.
ولأن القيام بأمر الدين واجب على القادر، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"٢
٢- من لا هجرة عليه، وهو العاجز عنها لمرض، أو إكراه على الإقامة أو ضعف من النساء والولدان ومن يشبههم، فهذا لا هجرة عليه لقوله تعالى: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ٣
٣- من تستحب له الهجرة، ولا تجب عليه، وهو القادر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه، عند إقامته في دار الكفر، لكنه يستحب له أن يهاجر الكفار ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه لامكان إقامة دينه بدون الهجرة، وقد كان العباس عم النبي ﷺ مقيما بمكة مع إسلامه"٤
_________________
(١) ١ سبق تخريجه في الجزء الأول، ص ٣٠٨. ٢ المغني ٨/ ٤٥٧، والمبدع ٣/ ٣١٣، ٣١٤، وكشاف القناع ٣/ ٤٣، ونيل المآرب ١/١١٦، والهداية للكلوذاني ١/١١٢،والإنصاف ٤/١٢١،والمقنع بحاشيته١/٤٨٥. ٣ الآيتان ٩٨، ٩٩ من سورة النساء. ٤ المرجع السابق نفسه.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وكذلك الظاهرية قالوا بوجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام حتى التجار لا يجوز لهم المقام بين أظهر المشركين١، واستدلوا بقوله ﷺ: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" ٢.
وبهذا يتضح لنا إجماع العلماء على وجوب الهجرة على المسلم العاجز عن إظهار دينه في دار الكفر إلى دار الإسلام كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، وينطبق هذا الحكم على دار الكفر في هذا الزمان، فالمسلم المقيم في دار الكفر في هذا الزمان ويخاف على نفسه، وعلى دينه من الفتنة، فيجب عليه أن يهاجر إلى أي دار من دور الإسلام، ليأمن على نفسه، ويستطيع أن يظهر دينه.
أما السفر من دار الإسلام إلى دار الكفر لقصد التجارة أو طلب العلم أو غير ذلك من الأغراض الأخرى، ففيه تفصيل:
فإن كان المسلم المسافر إلى بلاد الكفار يقدر على إظهار دينه ولا يخاف من الفتنة فيه، ولا يوالي المشركين، فهذا يجوز له السفر، كما فعل بعض الصحابة ﵁ كأبي بكر الصديق ﵁ فقد سافر إلى بلدان المشركين للتجارة، ولم ينكر عليه النبي ﷺ.٣
_________________
(١) ١ المحلى لابن حزم ٧/ ٣٤٩. ٢ سبق تخريجه في الجزء الأول، ص ٣٠٨. ٣ الولاء والبراء ص ٢٨١.
[ ٢ / ١٧٠ ]
وكما صرح بذلك العلماء أن القادر على إظهار دينه في ديار الكفار فلا بأس بإقامته فيها، وهذا يدل على أن من سافر إليها لغرض وقدر على إظهار دينه جاز له ذلك.١
أما العاجز عن إظهار دينه في ديار الكفار والخائف من الفتنة فيه، وغير القادر على عدم موالاة الكفرة ومحبتهم، فهذا لا يجوز له السفر إليها كما صرح بذلك العلماء أن العاجز عن إظهار دينه في دار الكفر تجب عليه الهجرة. وهذا يدل على أن من سافر إلى ديار الكفار لغرض كتجارة، أو طلب علم، ولا يقدر على إظهار دينه، ولا على عدم موالاتهم، لا يجوز له ذلك، وعليه تحمل النصوص الواردة في المنع من الإقامة في ديار المشركين.٢
وبعد هذا التفصيل ندرك مدى الهوة التي وصل إليها أبناء المسلمين اليوم من حب السفر إلى أرض الأعداء للسياحة والتنزه أو غير ذلك، ومدى موالاتهم ومحبتهم لأعداء الله والإقامة بأرضهم، بل ما يعجب له الأمر ولا يقبله العقل أن الكثير من أبناء المسلمين يسافرون إلى ديار الكفار لتحضير الشهادات العليا في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية.
أما غيرها من العلوم الضرورية التي لا توجد في البلاد الإسلامية فهذه لا بأس بالسفر للحصول عليها للضرورة ولحاجة المسلمين إليها والضرورة تقدر بقدرها.
_________________
(١) ١ سبق بيانه في الجزء الأول، ص ١٦٧. ٢ سبق بيانه في الجزء الأول، ص ١٦٧.
[ ٢ / ١٧١ ]
وقد كتب علماء أفاضل في خطورة هذه المسألة، وبينوا مخاطر الابتعاث على أبناء المسلمين وبخاصة الابتعاث لغير ضرورة، أما إذا كانت هناك ضرورة للابتعاث للإطلاع على بعض العلوم التي لا توجد في البلاد الإسلامية، وقدر المبتعثون على إظهار دينهم فهذا لا بأس به، أما إذا لم يقدروا فلا يجوز لهم الابتعاث حتى لو كانت هناك ضرورة، ولتراجع هذه الكتب في مظانها.١
_________________
(١) ١ من هذه الكتب: الابتعاث ومخاطره - للشيخ محمد لطفي الصباغ، وحصوننا مهددة من داخلها للدكتور محمد محمد حسين وغيرها كثير.
[ ٢ / ١٧٢ ]