وردت نصوص من القرآن، والسنة، والمأثور، في منع الكفار الذميين أو المستأمنين أو غيرهم من دخول بعض الأماكن في دار الإسلام أو استيطانهم بها.
أولًا: النصوص الوارد من الكتاب:
قوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .١
فهذه الآية نص صريح في تحريم دخول المشركين المسجد الحرام لأن لا ناهية والنهي يفيد التحريم.
وفي هذا يقول ابن كثير: "أمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين الذين هم نجس دينًا عن المسجد الحرام وأن لا يقربوه".٢
_________________
(١) ١ التوبة: ٢٨. ٢ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٣٤٦.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وقال أبي السعود: "نهي الله المؤمنين عن أن يقرب المشركون المسجد الحرام، أي عن تمكينهم من قربان المسجد الحرام، وعلل هذا بأنهم نجس إما لخبث باطنهم، أو لأن معهم الشرك المنزل منزلة النجس الذي يجب اجتنابه، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات".١
ثانيًا: النصوص الواردة من السنة:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن في المسجد، إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال: "انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئناهم، فقام رسول الله ﷺ فناداهم، فقال: يا معشر يهود أسلموا، تسلموا، فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ ذلك أريد، أسلموا تسلموا، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ ذلك أريد، فقال لهم الثالثة، فقال: "اعلموا أنما الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله".٢
فهذا الحديث نص صحيح صريح في إجلاء اليهود من المدينة وهذا دليل على جواز استيطانهم للحجاز.
_________________
(١) ١ تفسير أبي السعود ٢/٥٣٩. ٢ أخرجه البخاري ٢/٢٠٢ كتاب الجزية باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ٤/٢٠٠ كتاب الإكراه - باب في بيع المكره. ومسلم ٣/١٣٨٧ كتاب الجهاد والسير باب إجلاء اليهود من الحجاز.
[ ١ / ٣٣٨ ]
ومما يدل على ذلك أن الإمام مسلم - ﵀ - أورده في باب إجلاء اليهود من الحجاز.
٢- وعن ابن عمر ﵄ "أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير، وأقر قريظة ومن عليهم، حتى حاربت قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا أن بعضهم لحقوا برسول الله ﷺ فآمنهم وأسلموا وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم، بني قينقاع-وهم قوم عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان بالمدينة".١
فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن الرسول ﷺ أجلى اليهود من الحجاز لأن إجلاؤهم من المدينة إجلاء لهم من الحجاز فالمدينة من أهم مدن الحجاز.
٣- وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أوصى بثلاثة فقال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٣/١٥ كتاب المغازي باب حديث بني النضير. ومسلم ٣/١٣٨٧ - ١٣٨٨ كتاب الجهاد والسير- باب إجلاء اليهود من الحجاز واللفظ له.
[ ١ / ٣٣٩ ]
ما كنت أجيزهم١ قال: وسكت عن الثالثة٢، أو قال: فأنسيتها".٣
٤- وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا".٤
٥- وعن سمرة بن جندب عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: آخر ما تكلم به نبي الله ﷺ "أن اخرجوا يهود الحجاز من جزيرة العرب واعلموا أن شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد"، وفي رواية أخرى: "أخرجوا يهود أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب"٥
_________________
(١) ١ قال العلماء: هذا أمر منه ﷺ بإجازة الوفود وإكرامهم وضيافتهم، تطيبًا لنفوسهم وترغيبًا لغيرهم من المؤلفة قلوبهم، ونحوهم وإعانتهم على سفرهم. قال القاضي عياض: قال العلماء: سواء كان الوفد مسلمين أو كفارًا لأن الكافر ربما يفد غالبًا فيما يتعلق بمصالحنا ومصالحهم. شرح النووي على مسلم ١١/٩٤. ٢ قيل: هي تجهيز جيش أسامة، وقيل يحتمل أنها قوله ﷺ لا تتخذوا قبري وثنًا وفي الموطأ ما يشير إلى ذلك. معالم السنن ٣/٤٢٤. ٣ أخرجه الإمام البخاري ٢/١٧٩ كتاب الجهاد والسير- باب هل يستشفع أهل الذمة، و٢/٢٠٢ كتاب الجزية باب إخراج اليهود من جزيرة العرب. ومسلم ٣/١٢٥٨ كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه. وأبو داود ٣/٤٢٣ كتاب الخراج والإمارة باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب. ٤ أخرجه مسلم ٣/١٣٨٨ كتاب الجهاد والسير باب إخراج اليهود من جزيرة العرب. وأبو داود ٣/٤٢٤ كتاب الخراج والإمارة باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب. والترمذي ٤/١٥٦ حديث ١٦٠٦. ٥ أخرجه أحمد في مسنده ١٥/١٩٥-١٩٦. والبيهقي ٩/٢٠٨ كتاب الجزية باب لا يسكن أرض الحجاز مشرك.
[ ١ / ٣٤٠ ]
٦- وعن عائشة ﵂ قالت: "آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: " لا يترك بجزيرة العرب دينان".١
٧- وعن مالك عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان".٢
٨- وعن عمر بن عبد العزيز قال: "بلغني أنه كان من آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أنه قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجد لا يبقين دينان بأرض العرب". ٣
وهذه النصوص الصريحة الواضحة تدل دلالة واضحة على وجوب إخراج الكفار من جزيرة العرب وعدم إقامتهم فيها، لأن قوله ﷺ "أخرجوا" أمر والأمر يفيد الوجوب.
وأيضًا تدل على مدى حرص الإسلام على حماية أمته الإسلامية من معاشرة الكفار، ومخالطتهم، لما في ذلك من جلب لمودتهم وموالاتهم التي نهى الله عنها.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد ٦/٢٦٥. ٢ أخرجه البيهقي ٩/٢٠٩. ومالك في الموطأ ص ٦٤٤. ٣ أخرجه الإمام مالك في الموطأ ص ٦٤٣، ٦٤٤ كتاب الجامع- ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة. والبيهقي ٩/٢٠٨ كتاب الجزية باب لا يسكن أرض الحجاز مشرك.
[ ١ / ٣٤١ ]
ثالثًا: من المأثور:
١- عن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وذكر يهود خيبر إلى أن قال: أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء.١
٢- وعن علي ﵁ أنه قال: أخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب.٢
٣- وقال الإمام مالك: وقد أجلى عمر بن الخطاب ﵁ يهود نجران، وفدك. ٣
فهذه النصوص وغيرها من الكتاب والسنة والمأثور تدل بجلاء على أن هناك أماكن في دار الإسلام يمنع الكفار من دخولها، وأماكن أخرى يمنعون من استيطانها والإقامة فيها، وسنبينها بالتفصيل في المباحث الآتية إن شاء الله.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٢/٤٨ كتاب الحرب والمزارعة باب إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك الله. وتيماء: تقع في شمال المدينة وتبعد عنها بحوالي ٤٠٠ كيلو متر. أما أريحاء: فهي مدينة في الغور من أرض الأردن بالشام. انظر معجم البلدان ١/١٦٥. ٢ انظر: أحكام أهل الذمة ١/١٧٨. ٣ قاله الإمام مالك في الموطأ ص ٦٤٤ ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة. وفدك: قرية بالحجاز وتقع شمال المدينة بالقرب من خيبر. وتعرف اليوم بالحائط. معجم البدلان ٤/٢٣٨، معجم المعالم الجغرافية لعاتق البلادي ص ٢٣٥.
[ ١ / ٣٤٢ ]