أجمع العلماء على أنه إذا أسلم الزوج سواء أكان في دار الإسلام أم في دار الكفر وكانت له امرأة كتابية أن إسلامه لا يؤثر في زواجهما، ولا تحصل الفرقة بينهما، ويبقى زواجها على حاله، لأن المسلم يحل له التزوج بالكتابية ابتداء، فكذا يحل له البقاء معها، لأن البقاء معها أسهل من الابتداء بالزواج منها.
وكذلك أجمعوا على أنه إذا أسلم الزوجان معا فهما على نكاحهما، سواء كان قبل الدخول، أو بعد الدخول، ولا فرق في ذلك بين دار الإسلام ودار الحرب.٢
قال ابن عبد البر ﵀: "أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معا في حالة واحدة. أن لهما المقام على نكاحهما، ما لم يكن بينهما نسب ولا رضاع، وقد أسلم خلق في زمن النبي ﷺ ونساؤهم، وأقروا على أنكحتهم، ولم يسألهم رسول الله ﷺ عن شروط النكاح ولا عن كيفيته، وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة، فكان يقينا"٣
_________________
(١) ١ الفرقة لغة: الابتعاد والفصل، وفي الشرع: انفصال العلاقة الزوجية بين الزوجين. انظر: المصباح المنير ٢/٤٧٠، والمعجم الوسيط ٢/٦٨٥، وعجم الفقهاء ص ٣٤٤. ٢ بدائع الصنائع ٢/٣٣٦، وبداية المجتهد٢/٤٨، وتحفة المحتاج٧/٣٢٨، والمغني ٦/٦١٣. ٣ انظر: التمهيد لابن عبد البر ١٢/٢٣.
[ ٢ / ٢٦١ ]
وقال ابن القيم: "إذا أسلم الزوجان أو أحدهما، فإن كانت المرأة كتابية لم يؤثر إسلامه في فسخ النكاح، وكان بقاؤه كابتدائه، وإن كانت غير كتابية وأسلم الزوجان معا، فهما على النكاح، سواء قبل الدخول أو بعده، وليس بين أهل العلم في هذا اختلاف"١
أما إذا كان أحد الزوجين في دار الإسلام، وكان ذميا مقيما بها إقامة مؤبدة، أو مستأمنا مقيما بها إقامة مؤقتة، فأسلم دون زوجه الذي في دار الكفر، أو كان مقيما بدار الكفر، فأسلم ثم هاجر إلى دار الإسلام وزوجه الآخر في دار الكفر.
فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن اختلاف الدارين- دار الإسلام، ودار الكفر- سبب من أسباب الفرقة بين الزوجين، وهو مروي عن الثوري، وبه قال فقهاء الحنفية،٢ وإليه إشارة في مذهب الإمام مالك - بل عبارة -كما قال ابن العربي.٣ والقرطبي.٤
_________________
(١) ١ انظر: أحكام أهل الذمة ١/٣١٧. ٢ المبسوط ٥/٥٠،٥١، بدائع الصنائع ٢/٣٣٨، وتبيين الحقائق ٢/١٧٦، والبحر الرائق٣/٢٢٩، وفتح القدير ٣/٢٩١، وشرح معاني الآثار ٣/ ٢٥٦، وأحكام القرآن للجصاص ٣/٤٣٩. ٣ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧٨٧. ٤ انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨/٦٣،٦٤.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
ومعنى اختلاف الدارين الذي تتحقق به الفرقة عند الحنفية ومن معهم هو أن يكون أحد الزوجين من أهل دار الإسلام حقيقة أو حكما، بالإسلام أو الذمة، والآخر من أهل دار الكفر - أي كافرا حربيا - كأن يسلم أحد الزوجين في دار الكفر، ثم يهاجر إلى دار الإسلام، أو يخرج أحد الزوجين من دار الكفر إلى دار الإسلام، ذميا، أو مستأمنا، ثم يسلم أو يعقد عقد الذمة، أو يخرج المسلم من دار الإسلام إلى دار الكفر مرتدا عن دينه، أو يخرج الذمي من دار الإسلام إلى دار الكفر ناقضا للعهد، ففي جميع هذه الأحوال تجب الفرقة بين الزوجين، لتباين الدارين بينهما.
أما إذا كان الزوجان مسلمين، فخرج أحدهما إلى دار الكفر بأمان أو بغيره، فلا تقع الفرقة، لأنهما من أهل دار واحدة، وإن كان أحدهما مقيما في دار الكفر، والآخر في دار الإسلام، فاختلاف الدار لا أثر له بالنسبة للزوجين المسلمين.١
القول الثاني: أن اختلاف الدارين ليس سببا من أسباب الفرقة بين الزوجين، سواء كان الاختلاف حقيقة أو حكما، بالإسلام أو بالذمة، ولا يفرق بينهما إلا إذا انقضت العدة بدون إسلام المتأخر منهما، فالفرقة حينئذ تقع لاختلاف الدين بينهما، وليس لاختلاف الدار. وهو مروي عن الأوزاعي والليث بن سعد.
_________________
(١) ١ أحكام القرآن للجصاص٣/٤٣٩، والمبسوط ٥/٥٠، ٥١، وتبيين الحقائق ٢/١٧٦.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وهو قول جمهور الفقهاء المالكية في الصحيح، والشافعية والحنابلة.١
الأدلة:
أولا: أدلة الحنفية الذين قالوا إن اختلاف الدار يوجب الفرقة:
استدلوا بالكتاب، والسنة، والمأثور، والمعقول والقياس:
أ- دليلهم من الكتاب:
١- بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢
_________________
(١) ١ المدونة ٢/٣١٣، والتمهيد١٢/٢٣، وبداية المجتهد ٢/٤٩، والمنتقى ٣/٣٤٠، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧٨٧، والجامع لأحكام القرآن ١٨/٦٣، والأم ٥/٤٤، والمهذب٢/٦٧، والأشراف٤/٢١٠، وروضة الطالبين٧/١٤٨، ومغنى المحتاج٣/١٩١، والمغني ٦/٦١٩، والإنصاف ٨/٢١٣، والمبدع٧/١١٨/، وكشاف القناع٥/١٣١، وأحكام أهل الذمة ١/٣١٧، ومصنف عبد الرزاق٧/١٧٢، ومصنف ابن أبي شيبة٥/٩١-١٠٥، وفتح الباري ٩/٤٢١، ومعالم السنن٢/٧٤، ونيل الأوطار ٦/١٦٤. ٢ الممتحنة: ١٠.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وجه الدلالة من الآية:
دلت الآية على وقوع الفرقة بين الزوجين متى اختلفت الدار بينهما من وجوه عديدة:
أ- دل قوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ..﴾ أن الفرقة تقع بين الزوجة التي أسلمت بدار الكفر، ثم هاجرت إلى دار الإسلام، وبين زوجها الذي تركته بدار الكفر كافرا، فإن الأمر بعدم إرجاعها إلى زوجها الكافر في دار الكفر، دليل على انقطاع العصمة بينهما بسبب اختلاف الدار بينهما.
ب- ودل قوله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ﴾ على وقوع الفرقة بين الزوجين، متى اختلفت الدار بينهما، لأن عدم الحل إنما يكون عند رفع النكاح وزواله.
ج- ودل قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ على وقوع الفرقة بسبب اختلاف الدار، لأن الأمر برد مهر الزوجة المسلمة المهاجرة إلى دار الإسلام على زوجها الكافر المقيم بدار الكفر دليل على انقطاع عصمة الزوجية بينهما، لأن الزوجية لو كانت باقية لما استحق الزوج رد المهر إليه، لأنه لا يجوز أن يستحق البضع وبدله.
د- ودل قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ على وقوع الفرقة بين الزوجين، بسبب اختلاف الدار لأن الله
[ ٢ / ٢٦٥ ]
﷾ أحل المسلمات المهاجرات إلى دار الإسلام للمؤمنين من غير شرط، إلا إعطائهن المهور، وهذا دليل على عدم بقاء زواجهن الأول، لأنه لو كان النكاح الأول باقيا، لما جاز للمؤمنين نكاح المهاجرات بإسلامهن.
هـ-ودل أيضا قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ على وجوب الفرقة بين الزوجين، بسبب اختلاف الدار بينهما، لأن الله ﷾ نهى المؤمنين أن يمسكوا بعصم الكوافر، فالكافر الذي أسلم في دار الكفر، ثم هاجر إلى دار الإسلام، وترك زوجته الكافرة في دار الكفر، يفرق بينهما، لأن اختلاف الدار أوجب انقطاع العصمة بينهما، والمراد بالعصمة هنا- النكاح- فقد انقطع النكاح بينهما لاختلاف الدار بينهما.١
قال أبو بكر الجصاص ﵀: "في هذه الآية ضروب من الدلالة على وقوع الفرقة باختلاف الدارين بين الزوجين، واختلاف الدارين أن يكون أحد الزوجين من أهل دار الحرب، والآخر من أهل دار الإسلام، وذلك لأن المهاجرة إلى دار الإسلام قد صارت من أهل دار الإسلام، وزوجها باق على كفره من أهل دار الحرب، فقد اختلفت بهما الداران، وحكم الله بوقوع الفرقة بينهما بقوله: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار﴾، ولو
_________________
(١) ١ أحكام القرآن للجصاص ٣/٤٣٨، والمبسوط ٥/٥١، والجوهر النقي مع سنن البيهقي ٧/١٨٩.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
كانت الزوجيةِ باقية لكان الزوج أولى بها بأن يكون معها حيث أراد، ويدل أيضا قوله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ يدل عليه أيضا، لأنه أمر برد مهرها على الزوج، ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج رد المهر، لأنه لا يجوز أن يستحق البضع وبدله، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ولو كان النكاح الأول باقيا لما جاز لها أن تتزوج، ويدل قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، والعصمة: المنع فنهانا أن نمتنع من تزويجها لأجل زوجها الحربي"١
ب- دليلهم من السنة:
استدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، "أن النبي ﷺ رد ابنته زينب علي أبي العاص ابن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد"٢
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على أن تباين الدارين يوجب الفرقة بين الزوجين لأن
_________________
(١) ١ انظر: لأحكام القرآن للجصاص ٣/٤٣٨. ٢ أخرجه الترمذي ٣/٤٤٧، كتاب النكاح، باب ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما، حديث رقم ١١٤٢، وقال: هذا حديث في إسناده مقال، وابن ماجة ١/٦٤٧، كتاب النكاح، باب الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر، حديث رقم ٢٠١٠، والبيهقي ٧/١٨٨، كتاب النكاح والطحاوي في معاني الآثار ٣/٢٠٥.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
زينب ﵂ كانت مسلمة بدار الإسلام، أما أبو العاص فكان كافرا وبدار الكفر، ففرق بينهما النبي ﷺ ولم يردها عليه بالزواج الأول عند إسلامه بل بنكاح جديد ومهر جديد، وهذا مما يدل على وجوب الفرقة في الحال بين الزوجين عند تباين الدار بينهما.١
ج- دليلهم من المأثور:
ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما أراد أن يهاجر إلى المدينة، نادى بمكة: "ألا من أراد أن تبين منه امرأته، فليلتحق بي- أي - فليصحبني -"٢
د- دليلهم من المعقول من أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن تباين الدارين مفوت لمقاصد النكاح، لأنه مع اختلاف الدار لا يتمكن الزوجان من الانتفاع بالنكاح عادة، فلم يكن لبقائه فائدة فيزول، إذ يكون الزوجان بحال يتعذر معها انتظام التعاون المنشود، كالمسلم إذا ارتد عن الإسلام، ولحق بدار الحرب، فإنه يزول ملكه عن أمواله، وتعتق أمهات أولاده، فكذلك إذا اختلفت الدار بين الزوجين، زالت الفائدة من النكاح.٣
_________________
(١) ١ نصب الراية ٣/٢٤٢، والعلاقات الاجتماعية ص ١١٦. ٢ المبسوط ٥/٥١. ٣ بدائع الصنائع ٢/٣٣٨، والجوهرة النيرة ٢/٢٧٠.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
الوجه الثاني: ولأن أهل دار الحرب كالموتى في حق أهل دار الإسلام، ولهذا لو التحق بهم المرتد جرت عليه أحكام الموتى، فكما لا تتحقق عصمة النكاح بين الحي والميت، فكذلك لا تتحقق عند تباين الدارين حقيقة وحكما.١
الوجه الثالث: ولأن الدار اختلفت بين الزوجين حقيقة وحكما، فوجب أن تقع الفرقة بينهما، كالحربية إذا دخلت دار الإسلام بأمان، ثم أسلمت، فإن الفرقة تقع بينهما وبين زوجها الذي في دار الحرب في الحال.٢
الوجه الرابع: ولأن اختلاف الدارين يؤثر في انقطاع العصمة، كما يؤثر في المنع من الميراث، ألا ترى أن الذمي لو مات في دار الإسلام وخلف مالا وله ورثة من أهل الحرب في دار الحرب، لم يستحقوا من إرثه شيئا، وجعل ماله في بيت المال، لاختلاف الدارين، ولو كان ورثته ذميين في دار الإسلام لكانوا هم أحق بتركته من جماعة المسلمين، لأنه لم تختلف الدار بينهم لأن الجميع من أهل دار الإسلام.٣
_________________
(١) ١ المبسوط ٥/٥١، وبدائع الصنائع ٢/٣٣٨، وتبيين الحقائق ٢/١٧٥، والبحر الرائق ٣/٢٢٩. ٢ أحكام القرآن للجصاص ٣/٤٣٩، وبدائع الصنائع ٢/٣٣٩، وأحكام أهل الذمة ١/٣٦٩. ٣ أحكام أهل الذمة ١/٣٧١.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
دليلهم من القياس:
أن الفرقة تقع بين الزوجين في الحال إذا ثبت أن بينهما رضاع أو نسب.
فكذلك إذا اختلف الدار بينهما فرق بينهما في الحال.١
ثانيا: أدلة الجمهور الذين قالوا بأن اختلاف الدارين لا أثر له في الفرقة:
استدلوا بالكتاب، والسنة، والمأثور، والمعقول:
أ - دليلهم من الكتاب:
بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ..﴾ الآية٢.
وجه الدلالة من الآية الكريمة:
دلت الآية على أن الذي يوجب الفرقة بين المسلمة وزوجها الكافر، هو إسلامها لا هجرتها، لأن الله تعالى قال: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، فبين أن العلة هي عدم الحل بالإسلام، وليس باختلاف الدارين.٣
_________________
(١) ١ فتح القدير ٣/٢٩٢. ٢ الممتحنة: ١٠. ٣ أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧٨٧، والجامع لأحكام القرآن ١٨/٦٣،٦٤، والأم ٥/٤٤.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
ب - دليلهم من السنة:
بحديث ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ رد ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع، بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا"١
وفي لفظ: "رد ابنته زينب على أبي العاص زوجها بنكاحها الأول بعد سنتين ولم يحدث صداقا"٢
وفي لفظ: "رد ابنته زينب على أبي العاص، وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول، ولم يحدث شهادة ولا صداقا"٣
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث دل على أن اختلاف الدارين لا أثر له في الفرقة، لأن النبي ﷺ رد ابنته زينب على زوجها أبي العاص بالنكاح الأول، دون أن
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ١/٣٥١، وأبو داود ٢/٦٧٥، كتاب الطلاق، باب إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها، حديث رقم ٢٢٤٠، والترمذي ٣/٤٤٨، كتاب النكاح، باب ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما حديث رقم ٢١٤٣، وقال: هذا حديث ليس باسناده بأس وابن ماجة ١/٦٤٧، كتاب النكاح حديث ٢٠٠٩، والحاكم ٢/٢٠٠، والبيهقي ٧/١٨٧،كتاب النكاح. ٢ أخرجه أحمد ١/٣٥١، وأبو داود ٢/٦٧٥، كتاب الطلاق، وابن ماجة ١/٤٤٧، كتاب النكاح، حديث ٢٠٠٩، والبيهقي ٧/١٨٧. ٣ أخرجه أحمد ١/٣٥١، وأبو داود ٢/٦٧٦، كتاب الطلاق، والترمذي ٣/٤٤٨،كتاب النكاح، حديث ١١٤٣، والبيهقي٧/١٨٧، والحاكم٢/٢٠، والطحاوي ٣/٢٥٦.
[ ٢ / ٢٧١ ]
يجدد عقد الزواج بينهما، ولو أن الفرقة وقعت بينهما باختلاف الدارين لما ردها إليه ﷺ إلا بنكاح جديد.١
قال الخطابي: "الحديث دليل على أن افتراق الدارين لا تأثير له في إيقاع الفرقة، وذلك أن أبا العاص كان بمكة بعد أن أطلق عنه رسول الله ﷺ وفكه أسره، وكان قد أخذ عليه أن يجهز زينب إليه، ففعل ذلك وقدمت زينب المدينة على رسول الله ﷺ وأقامت بها"٢
٢- وبحديث ابن عباس ﵄ قال: "كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين، مشركوا أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركوا أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وكان إذا هاجرت امرأة من الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا تطهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه"٣
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على أن الفرقة لا تقع بين الزوج الكافر وامرأته المسلمة المهاجرة، باختلاف الدار، إلا بعد أن تحيض المرأة وتطهر، ثم يحل نكاحها، وإن أسلم زوجها وهاجر قبل أن تنكح ردت إليه.
وفي هذا يقول الإمام البيهقي بعد أن ذكر الحديث: وفي هذا دلالة
_________________
(١) ١ المغنى ٦/٦١٩، ومغنى المحتاج ٣/١٩١. ٢ انظر: معالم السنن للخطابي ٢/٦٧٦. ٣ سبق تخريجه في الجزء الأول، ص ٢٤٤.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
على أن الدار لم تكن تفرق بينهما.١
وقال الإمام ابن القيم: "هذا الحديث هو الفصل في هذه المسألة- أي مسألة اختلاف الدارين-، هل يوقع الفرقة أم لا؟ وهو الصواب فإن شاءت بعد استبرائها بحيضة نكحت، وإن شاءت أقامت وانتظرت إسلام زوجها"٢
٣- وبحديث ابن عباس ﵄ قال: "أسلمت امرأة على عهد النبي ﷺ فتزوجت فجاء زوجها إلى رسول الله ﷺ فقال: إني قد أسلمت معها وعلمت بإسلامي، فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر وردها إلى زوجها الأول"٣
وهذا الحديث - أيضا - دل على أن الفرقة لا تقع بين الزوجين إذا اختلفت الدار بينهما في الحال، لأن النبي ﷺ عندما جاءته مهاجرة بإسلامها زوجها ولكن بعد أن علم بإسلام زوجها ردها عليه، ولو وقعت الفرقة بينهما ما ردها عليه.
_________________
(١) ١ انظر: السنن الكبرى ٧/١٨٧. ٢ انظر: أحكام أهل الذمة ١/٣٦٥. ٣ أخرجه أحمد ١/٣٢٣، وأبو داود ٢/٦٧٤، ٦٧٥، كتاب الطلاق، حديث ٢٢٣٩، وابن ماجة ١/٦٤٧، كتاب النكاح، حديث ٢٠٠٨، والحاكم ٢/٢٠٠، كتاب الطلاق وصححه، والبيهقي ٧/١٨٧، وابن حبان. انظر: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص ٣١١، كتاب النكاح باب في الزوجين يسلمان، حديث ١٢٨٠.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
٤- وبما روي أن أبا سفيان بن حرب أسلم بمر الظهران١، ورسول الله ﷺ ظاهر عليها، فكانت بظهوره وإسلام أهلها دار الإسلام، وامرأته هند بنت عتبة كافرة بمكة، ومكة يومئذ دار حرب ثم قدم عليها يدعوها إلى الإسلام، فأخذت بلحيته، وقالت اقتلوا الشيخ الضال، فأقامت أياما قبل أن تسلم، ثم أسلمت وبايعت النبي ﷺ وثبتا على النكاح.
وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه، وأسلمت امرأة صفوان بن أمية، وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارهما دار الإسلام، وظهر حكم رسول الله ﷺ بمكة، وهربا إلى اليمن، وهي دار حرب، ثم جاء فأسلما بعد مدة، وشهد صفوان حنينا وهو كافر، ثم أسلم واستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول.٢
قال الإمام الشافعي: "ولم أعلم مخالفا في أن المتخلف عن الإسلام منهما إذا انقضت عدة المرأة قبل أن يسلم، انقطعت العصمة بينهما، سواء خرج المسلم منهما من دار الحرب، وأقام المتخلف فيها، أو خرج المتخلف عن الإسلام، أو خرجا معا، وأقاما معا، لا تصنع الدار في التحليل والتحريم شيئا، إنما يصنعه اختلاف الدينين"٣
_________________
(١) ١ مر الظهران: واد فحل من أودية الحجاز يمر شمال مكة على بعد ٢٢ كيلا وفيه عشرات العيون والقرى ومنها الجموم، وبحرة، وغيرها انظر: معجم المعالم الجغرافية ص ٢٨٨. ٢ الموطأ ص ٣٧٠، ٣٧١، والبيهقي ٧/١٨٧، الأم ٥/٢٤٤، وأحكام أهل الذمة ١/٣٦٤. ٣ الأم ٥/٤٤- ٤٥.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
ج - دليلهم من المعقول: من ثلاثة أوجه:
١- أن عقد النكاح عقد معاوضة، فلا ينفسخ باختلاف الدار كسائر عقود المعاوضات، كالبيع ونحوه.١
٢- أن اختلاف الدارين يظهر في انقطاع الولاية، وانقطاع الولاية لا يوجب فسخ النكاح، كاختلاف الولاية في دار الإسلام، فإن النكاح يبقى بين أهل العدل، والبغي والولاية بينهما منقطعة.٢
٣- ولأن المسلم إذا خرج مستأمنا إلى دار الكفر، لا تقع الفرقة بينه وبين زوجته مع اختلاف الدار بينهما، وكذلك المستأمن الحربي إذا خرج إلى دار الإسلام مستأمنا، لا تقع الفرقة بينه وبين زوجته التي هي في دار الكفر.٣
المناقشة:
أولا: مناقشة أدلة الحنفية:
أ - مناقشة أدلتهم من الكتاب:
بالنسبة لاستدلالهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ
_________________
(١) ١ المغني لابن قدامة ٦/١٢٠. ٢ وهذا الدليل ذكره السرخسي والكاساني لهم، ولم أجده في كتبهم. انظر: المبسوط٥/٥١، وبدائع الصنائع٢/٣٣٨. ٣ وأيضا هذا الدليل ذكره السرخسي والزيلعي، ولم أجده في كتب المخالفين للأحناف. انظر المبسوط ٥/٥١، وتبيين الحقائق ٢/١٧٦.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ..﴾ الآية.
يرد عليه: بأن الذي أوجب الفرقة بين المسلمة المهاجرة إلى دار الإسلام وزوجها الكافر في دار الكفر، هو إسلامها لا هجرتها، أي هو اختلاف دينها عن دينه، لا دارها عن داره.
وفي هذا يقول ابن العربي: "الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها هو إسلامها، لا هجرتها، لأن الله ﷾ قال: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، فبين أن العلة عدم الحل بالإسلام، وليس باختلاف الدارين" ١، ووافقه القرطبي، وقال: "هذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها، إسلامها، لا هجرتها، وقال: قال ابن عبد البر: لا فرق بين الدارين، لا في الكتاب ولا في السنة، ولا في القياس، وإنما المراعاة في ذلك الدينان، فباختلافهما يقع الحكم وباجتماعهما، لا بالدار، والله المستعان"٢
وقال ابن القيم: "قال الجمهور لا حجة لكم في شيء من ذلك، فإن قوله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ إنما هو في حال الكفر، ولهذا قال تعالى:
_________________
(١) ١ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧٨٧. ٢ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٦٣،٦٤.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار﴾، ثم قال: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وأما قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾، فقد تنازع الناس فيه، فقالت طائفة: هذا منسوخ، وإنما كان ذلك قي الوقت الذي كان يجب فيه رد المهر إلى الزوج الكافر إذا أسلمت امرأته، وأما من لم يره منسوخا، فلم يجب عنده رد المهر، لاختلاف الدارين، بل لاختلاف الدين، ورغبة المرأة عن التربص بإسلامه، فإنها إذا حاضت حيضة ملكت نفسها، فإن شاءت تزوجت، وحينئذ ترد عليه مهره، وإن شاءت أقامت وانتظرت إسلامه.
وأما قوله تعالى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، فإنما ذلك بعد انقضاء عدتها ورغبتها عن زوجها، وعن التربص بإسلامه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ ١، والمراد بعد انقضاء عدتها ورضاها.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، فهذا لا يدل على وقوع الفرقة باختلاف الدار، وإنما يدل على أن المسلم ممنوع من نكاح الكافرة المشركة، ونحن لا نقول ببقاء النكاح مع شركها، بل نقول إنه موقوف، فإن أسلمت في عدتها، أو بعدها، فهي امرأته.٢
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٣٠. ٢ انظر: أحكام أهل الذمة ١/٣٦٨،٣٦٩.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن الآية الكريمة وارد في بيان حكم المؤمنات المهاجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام، مفارقات أزواجهن المشركين في دار الحرب، والحكم الذي وردت به الآية هو وقوع الفرقة بين المؤمنة المهاجرة إلى دار الإسلام وبين زوجها الكافر في دار الحرب، وإباحة نكاحها لمن شاءت من المسلمين. فدلالة الآية على وقوع الفرقة باختلاف الدارين واضحة، كما بين ذلك الجصاص في أحكامه.١ وذكر ابن العربي والقرطبي: "أن الإمام مالك أشار إلى هذه الدلالة من الآية الكريمة"٢
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، نص في وقوع الفرقة بين الزوجين باختلاف الدار لأن الزوجية لو كانت باقية بينهما لكان هو أحق بها٣.
وأجيب عن ذلك: بأن الآية الكريمة لا دلالة فيها على وجوب الفرقة بين الزوجين في الحال عند اختلاف الدار بينهما، بل غاية ما تدل عليه، هو أن الذي يوجب الفرقة بين المسلمة وزوجها الكافر، هو إسلامها لا هجرتها، لأن الله تعالى يقول: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٤، فبين أن العلة
_________________
(١) ١ انظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/٤٣٨. ٢ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧٨٧، والجامع لأحكام القرآن ١٨/٣٦،٦٤. ٣ الجوهر النقي ٧/١٨٩. ٤ الآية ١٠ من سورة الممتحنة.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
هي عدم الحل بالإسلام، وليس باختلاف الدارين.١
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ لا دلالة فيها على وجوب الفرقة بينهما عند اختلاف الدار، بل غاية ما تدل عليه الآية، كما قال ابن القيم: "أن المسلم لا يجوز له أن يتزوج المشركة، وإذا أسلم لا يبقى النكاح بينهما، إلا إذا أسلمت أثناء العدة، أما إذا لم تسلم، فيفرق بينهما لاختلاف الدين بينهما"٢.
ب- مناقشة أدلتهم من السنة:
الحديث الذي استدلوا به، ضعيف الإسناد،٣ فقد قال الإمام أحمد عن هذا الحديث بأنه ضعيف أو واه، ولم يسمعه الحجاج٤ من عمرو بن شعيب إنما سمعه من محمد بن عبيد العرزمي٥، والعرزمي حديثه لا يساوي شيئا، والحديث الصحيح: "أن النبي ﷺ أقرهما على النكاح
_________________
(١) ١ أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧٨٧، والجامع لأحكام القرآن ١٨/٦٣. ٢ انظر: لأحكام أهل الذمة لابن القيم ١/٣٦٩. ٣ لأن فيه الحجاج بن أرطأة، قال عنه ابن حجر: كثير الخطأ والتدليس. انظر: تقريب التهذيب ١/١٥٢. ٤ هو الحجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة النخعي الكوفي، قاض من أهل الكوفة، صدوق كثير الخطأ والتدليس، توفي بخرسان أو بالري سنة ١٤٥ هـ تقريبا التهذيب ١/١٥٢، وتاريخ بغداد ٨/٢٣٠، وميزان الاعتدال ١/٢١٣. ٥ هو محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي الفزاري الكوفي، أبو عبد الرحمن، كان يحفظ الحديث ويرويه، وليس بثقة، ضاعت كتبه فحدث من حفظه، فأتى بمناكير، ولد سنة ٧٧ هـ، وتوفي سنة١٥٥هـ. تقريب التهذيب ٢/١٨٧، والأعلام ٦/٢٥٨.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
الأول"١ وقال الترمذي: "في اسناده مقال"٢، وقال الدارقطني: "هذا الحديث لا يثبت، وحجاج لا يحتج به، والصواب حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ ردها بالنكاح الأول"٣
وقال الشوكاني في اسناده: "الحجاج بن أرطأة، وهو معروف بالتدليس وأيضا لم يسمعه من عمرو بن شعيب، كما قال أبو عبيد، وإنما حمله عن العرزمي، وهو ضعيف"٤
وقال الألباني: "حديث منكر"٥
وعلى فرض صحته، فهو معارض بحديث ابن عباس ﵄ الذي سبق بيانه وهو أصح منه.
قال البيهقي: "بلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال: سألت عنه البخاري ﵀ فقال: حديث ابن عباس أصح في هذا، من حديث عمرو بن شعيب"٦
وأجيب عن ذلك: بأن حديث عمرو بن شعيب - وإن كان ضعيفا - إلا أنه يتقوى بغيره من الأدلة التي أوجبت الفرقة بين المسلمة المهاجرة من دار الحرب
_________________
(١) ١انظر: مسند الإمام أحمد ا/٣٥١. ٢انظر: سنن الترمذي ٣/٤٤٨. ٣انظر: سنن الدارقطني ٣/٢٥٤. ٤انظر: نيل الأوطار ٦/١٣. ٥انظر: إرواء الغليل ٦/٣٤١. ٦انظر: السنن الكبرى ٧/١٨٨.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
إلى دار الإسلام، وزوجها الكافر المقيم بدار الحرب.
قال ابن التركماني: "الحديث عندنا صحيح"١
وقال ابن عبد البر: "وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول، وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد، والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل، ويؤيده مخالفة ابن عباس ﵄ لما رواه، كما حكي ذلك عنه البخاري٢، أنه قال: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه٣.
وقال بعض العلماء: "إن حديث عمرو بن شعيب هو الذي عليه العمل وإن كان حديث ابن عباس ﵄ أصح إسنادا، لكن لم يقل به أحد من الفقهاء لأن الإسلام كان قد فرق بينهما٤، قال تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُن﴾ ٥
وقال الترمذي: "قال يزيد بن هارون٦ حديث ابن عباس أجود
_________________
(١) ١ انظر: الجوهر النقي مع السنن الكبرى ٧/١٨٩. ٢ انظر: التمهيد لابن عبد البر ١٢/٢٤. ٣ أخرجه البخاري ٢/٢٧٥، كتاب الطلاق، باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي. ٤ انظر نيل الأوطار ٦/١٦٣. ٥ الممتحنة: ١٠. ٦ هو أبو خالد يزيد بن هارون بن زاذان بن ثابت السلمي الواسطي، ولد بواسط سنة١١٨، وكان من حفاظ الحديث الثقات، كان يقول أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث، وتوفي سنة ٢٠٦ بواسط. تقريب التهذيب ٢/٣٧٢، وتاريخ بغداد ١٤/٣٣٧، وتذكرة الحفاظ ١/٢٩١.
[ ٢ / ٢٨١ ]
إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب"١
وأكد صحة حديث عمرو بن شعيب الشعبي، حيث قال: إن رسول الله ﷺ لم يرد أبا العاص إلى ابنته زينب إلا بنكاح جديد.٢
وحديث ابن عباس ﵄ وإن كان أصح منه، لكنه منسوخ كما قال ابن عبد البر: "وهذا الخبر -يعني خبر ابن عباس- وإن صح، فهو متروك منسوخ عند الجميع، لأنهم لا يجيزون رجوعه إليها بعد خروجها من علتها، وإسلام زينب كان قبل أن ينزل كثير من الفرائض.
ومما يدل على أن قصة أبي العاص منسوخة، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ..﴾ الآية، وإجماع العلماء على أن أبا العاص بن الربيع كان كافرا، وأن المسلمة لا يحل أن تكون زوجة لكافر٣، قال الله ﷿: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ٤.
وعلى فرض أن الحديث ليس منسوخا، يمكن الجمع بين الحديثين،
_________________
(١) ١ انظر: سنن الترمذي ٣/٤٤٩. ٢ التمهيد لابن عبد البر ١٢/٢٤. ٣ انظر: التمهيد لابن عبد البر ١٢/٢٠،٢١. ٤ النساء: ١٤١.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
بأن معنى حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ ردها عليه بالنكاح الأول، يريد على مثل النكاح الأول من الصداق وغيره، ولم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره١
وأجيب عن ذلك: بأن حديث عمرو بن شعيب لا يقوى ولا يبلغ إلى درجة حديث ابن عباس ﵄ وهو أصح منه ويعارضه.
وقولهم: بأن حديث عمرو بن شعيب وإن كان ضعيفا، فإن الآية تؤيده وتشهد له، فهذا غير مسلم، لأن الآية لا دلالة فيها على وجوب وقوع الفرقة بين الزوجين في الحال، عند اختلاف الدار بينهما.
وبهذا يضعف استدلال الحنفية بهذا الحديث.
ج - مناقشة استدلالهم بالمأثور:
أثر عمر ﵁ الذي استدلوا به، لا وجود له إلا في كتبهم، ولم أجده في كتب السنن والآثار المشهورة، وهذا مما يضعف الاستدلال به.
وعلى فرض وجوده، فلا دلالة لهم فيه، لأن عمر ﵁ عندما قال: من أراد أن تبين امرأته منه فليهاجر، قصد بذلك أنها تبين منه الإسلام لا باختلاف الدار، لأن اختلاف الدار لا أثر له في الفرقة وإنما الأثر لاختلاف الدين.
_________________
(١) ١ التمهيد لابن عبد البر ١٢/٢٤، ونيل الأوطار ٦/١٦٣.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
د - مناقشة أدلتهم من المعقول:
الرد على الوجه الأول: قولهم: بأن تباين الدارين مفوت لمقاصد النكاح، هذا غير صحيح، لأن اختلاف الدار إنما يؤثر في انقطاع الولاية وعدم السيادة وهما لا يوجبان انقطاع الزواج، وليس لهما تأثير في الفرقة، ولهذا لو أسلمت المرأة في دار الكفر، وبقي زوجها الكافر مستأمنا بدار الإسلام، لا تقع الفرقة بينهما بمثل هذا التباين، ولا تقع الفرقة بينهما إلا باختلاف الدين.
وكذلك لو دخل المسلم دار الكفر بأمان، لا تقع الفرقة بينه وبين زوجته المسلمة التي في دار الإسلام، وأيضا لو كان لانقطاع الولاية تأثير على الزواج، لوقعت الفرقة بين الزوجين الذين أحدهما في دار البغي والآخر في دار العدل، وليس كذلك١.
الرد على الوجه الثاني: قولهم بأن أهل دار الحرب كالموتى في حق أهل دار الإسلام، هذا غير صحيح، لأن هناك فرقا بين الموت واختلاف الدار، فالموت قاطع للأملاك، ومن بينها عصمة النكاح، أما اختلاف الدار فهو غير قاطع للأملاك، وبهذا يكون لا أثر له في انقطاع العصمة بين الزوجين.
الرد على الوجه الثالث:
_________________
(١) ١ أحكام أهل الذمة ١/٣٦٧.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
قال ابن القيم في الرد عليه: "هذا منتقض بانتقال المسلم إلى دار الحرب، ودخول الحربية إلى دار الإسلام، ودخول الحربي بأمان لتجارة أو رسالة، فإن الفرقة لا تقع، وأما الحربية إذا دخلت دار الإسلام وأسلمت، فالموجب للفرقة هناك اختلاف الدين، دون اختلاف الدارين ألا ترى أنه لو وجد في دار واحدة كان الحكم كذلك؟ ١.
الرد على الوجه الرابع: قولهم: بان اختلاف الدارين يقطع الميراث- فالذمي إذا مات في دار الإسلام، وخلف مالا وله ورثة في دار الحرب، لم يستحقوا من ماله شيئا، لاختلاف الدارين بينهم - فكذلك يقطع عصمة النكاح.
قال ابن القيم في الرد عليه: "انقطاع الإرث بينهما لم يرجع إلى اختلاف الدارين، لكن رجع إلى قطع الموالاة والنصرة، ولهذا لو كان ذميا في دار الإسلام فدخل قريبة الحربي مستأمنا ليقيم مدة ويرجع إلى دار الحرب لم يتوارثا، وإن كانت الدار واحدة٢.
أما قياسهم الفرقة بين الزوجين عند اختلاف الدارين بينهما على الفرقة بينهما بنسب أو رضاع فهو قياس مع الفارق وغير معتبر لأن الفرقة بين الزوجين بنسب أو رضاع، قد تكون في دار واحدة بخلاف الفرقة باختلاف الدارين فإنها لا تكون في دار واحدة.
_________________
(١) ١ انظر: أحكام أهل الذمة ١/٣٦٩. ٢ انظر: المرجع السابق ١/٣٧١.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
ثانيا: مناقشة أدلة الجمهور القائلين بأن الفرقة لا تقع باختلاف الدارين:
أ- مناقشة استدلالهم بالكتاب:
استدلالهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ..﴾ الآية.١
يرد عليه: بأن الآية دلت على أن الذي أو قع الفرقة اختلاف الدار لا الدين فالآية سيقت لبيان حكم المؤمنات المهاجرات إلى دار الإسلام مفارقات أزواجهن الكفار في دار الحرب، والحكم الذي وردت لأجله هو وقوع الفرقة بين المؤمنة المهاجرة إلى دار الإسلام وبين زوجها الكافر في دار الحرب، فدلالة الآية على وجوب الفرقة بين الزوجين باختلاف الدارين واضح لا يمكن إغفاله.٢
ويجاب عن ذلك: بأن المؤمنات المهاجرات إلى دار الإسلام، المفارقات لأزواجهن من الكفار، أمر الله بعدم إرجاعهن لأزواجهن، ووجوب الفرقة بينهما إذا لم يسلموا، ليس لكونهن هاجرن من دار الكفر إلى دار الإسلام، بل لكونهن
_________________
(١) ١ الممتحنة: ١٠. ٢ أحكام القرآن للجصاص ٣/٤٣٨، والمبسوط ٥/٥١.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
مؤمنات، فالإيمان هو سبب الفرقة، وليس اختلاف الدار، الذي لا أثر له في وقوع الفرقة، وإنما الأثر لاختلاف الدين، فمتى كان أحد الزوجين كافرا والآخر مؤمنا، فرق بينهما بعد عرض الإسلام على المتأخر منهما، سواء كانا في دار واحدة، أو اختلفت الدار بينهما.
ب - مناقشة أدلتهم من السنة:
١- بالنسبة لاستدلالهم بحديث ابن عباس ﵄ أن النبيصلى الله عليه وسلم رد زينب لأبي العاص بالنكاح الأول.
فيرد عليه من وجوه:
١- أن الحديث في إسناده ضعف.١
٢- أن الحديث فيه اضطراب في المتن، فروي أنه ﷺ ردها عليه بعد ست سنين من إسلامها، وفي رواية بعد سنتين وهذا مما يضعف الاستدلال به٢.
٣- أنه على فرض صحته، فهو منسوخ، كما قال ذلك ابن عبد البر في التمهيد، حيث قال: "وإن صح فهو متروك منسوخ عند الجميع، لأنهم لا يجيزون رجوعه إليها بعد العدة، وإسلام زينب كان قبل أن ينزل كثير من الفرائض، وهو منسوخ بالآية: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا
_________________
(١) ١ نصب الراية ٣/٢٠٩، والجوهر النقي مع السنن الكبرى ٧/١٨٨. ٢ سبق تخريجه ص ٢٧١. انظر: الجوهر النقي ٧/١٨٨.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾
ومما يدل على أن قصة أبي العاص منسوخة بهذه الآية، إجماع العلماء على أن أبا العاص بن الربيع، كان كافرا وأن المسلمة لا تحل أن تكون زوجة لكافر.١
٤- وعلى فرض عدم النسخ، فهو معارض بحديث عمرو بن شعيب، أن النبي ﷺ ردها إليه بنكاح جديد ومهر جديد، وهو الذي عليه العمل عند أكثر العلماء، وإن كان حديث ابن عباس ﵄ أجود إسنادا منه٢.
٥- قال ابن الهمام: "إذا أمكن الجمع، فهو أولى من إهدار الحديثين وذلك بحمل قوله: "ردها عليه بالنكاح الأول"، على معنى بسبب كونه سابقا مراعاة لحرمته، كما يقال ضربته على إساءته٣، وقيل يمكن الجمع بينهما بحمل قوله: "ردها عليه بالنكاح الأول"، على مثل النكاح الأول من الصداق وغيره، ولم يحدث زيادة أو نقصان"٤.
وبهذه الأوجه الخمسة، يضعف استدلال الجمهور بهذا الحديث.
٢- أما الحديث الآخر: فيرد عليه:
_________________
(١) ١ انظر: التمهيد لابن عبد البر ١٢/٢١، ٢١. ٢ سنن الترمذي ٣/٤٤٨. ٣ فتح القدير ٣/٢٩٢. ٤ التمهيد ١٢/٢٤، ونيل الأوطار ٦/١٦٤، والمبسوط ٥/٥٢.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
بأن الدار لم تختلف بين الزوجين، حتى يوقع النبي ﷺ الفرقة بينهما، فكلاهما من دار واحدة.
وأجيب عن ذلك: بأنه رغم هذه الأوجه الخمسة في الرد على حديث ابن عباس ﵄، فهو أصح من حديث عمرو بن شعيب، بل إنه يتقوى بالآية التي دلت على عدم إرجاع المؤمنات المهاجرات إلى دار الإسلام لأزواجهن في دار الكفر، بسبب إيمانهن، وليس بسبب اختلاف الدار بينهم، فالأثر في الفرقة، إنما لاختلاف الدين لا الدار.
أما ردهم على الحديث الآخر فيجاب عنه، بأن النبي ﷺ لم يوقع الفرقة بين الزوجين لأن الدار لم تختلف بينهما، بل لأن الدين لم يختلف بينهما.
وحتى لو اختلفت الدار، فلا تقع الفرقة بسببها، بل بسبب اختلاف الدين.
أما استدلالهم بقصة إسلام سفيان بن حرب، بمرالظهران، فمردود لأن مرالظهران لم تكن صارت من بلاد الإسلام، لأنها قريبة من مكة وتابعة لها، ومكة كانت دار حرب، فكان حكم ما قرب منها حكمها، فثبت بهذا أن أبا سفيان أسلم في دار حرب، فلم تختلف به وبامرأته الدار، لأنهما جميعا في دار الحرب، وبهذا يخرج الدليل عن محل النزاع.١
_________________
(١) ١ انظر: أحكام أهل الذمة ١/٣٦٥.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
قال ابن التركماني: "قلت أسلم أبو سفيان بمرالظهران، وهي من توابع مكة، ومكة لم تكن في ذلك الوقت فتحت، فلم تصر مرالظهران دار إسلام بعد، فلم يختلف بها الدار"١
وعلى فرض أن مرالظهران كانت دار إسلام، فيحمل على أن أبا سفيان لم يكن أسلم إسلاما خالصا، وإنما كان في استجارة الرسول ﷺ لما شفع له عمه العباس ﵁ وإنما حسن إسلامه بعد الفتح، وبهذا يكون مستأمنا في دار الإسلام، ولا تقع الفرقة بينه وبين زوجته الكافرة.
قال السرخسي: "وأما إسلام أبي سفيان، فالصحيح أنه لم يحسن إسلامه٢ يومئذ، وإنما أجاره رسول الله ﷺ بشفاعة عمه العباس ﵁.٣
قال ابن القيم في الإجابة عن ذلك: "قال الجمهور أبو سفيان أسلم بمرالظهران عند النبي ﷺ وقد نزلها المسلمون الذين معه، وثبتت أيديهم عليها، وجرت أحكام الإسلام فيها، وإذا كان كذلك كانت من دار الإسلام، وكانت في ذلك بمنزلة المدينة وسائر مدن الإسلام"٤
وأجاب الحنفية عن ذلك: بأن مرالظهران قرية من قرى مكة، فتكون تابعة لها، ولم تصر بنزول عسكر المسلمين فيها دار إسلام، وفي
_________________
(١) ١ انظر: الجوهر النقي ٧/١٨٦. ٢ العلاقات الاجتماعية ص ١١٦. ٣ انظر: المبسوط ٥/٥٢. ٤ انظر: أحكام أهل الذمة ١/٣٦٥.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
هذا يقول ابن التركماني: "وإذا نزل العسكر بموضع لم تصر دار إسلام، حتى يجري فيه أحكام المسلمين، ويكون بحيث لو أرادوا أن يقيموا فيه ويستوطنوا أمكنهم، ولم تكن مرالظهران بهذه الصفة"
وبهذا يعلم أن إسلام أبي سفيان كان في دار الحرب، فلم تختلف بينه وبين امرأته الدار، لأنها كانت كافرة في مكة، ومكة يومئذ دار حرب١.
وأجيب عن ذلك: بأنه حتى لو كان مرالظهران من دار الحرب، فالنبي ﷺ لم يفرق بين أبي سفيان وزوجته لكونها أسلمت بعده، وليس لأن الدار لم تختلف بينهما، وحتى لو اختلفت، فلا أثر لها في وقوع الفرقة بين الزوجين، بل الأثر هو لاختلاف الدين.
وأيضا لا حجة للجمهور في قصة عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية ﵄ لأن هروب عكرمة وصفوان إلى اليمن أو الطائف أو الساحل حتى وافاهما نساؤهما، وأخذن لهما الأمان، كان بعد فتح مكة، وبعد أن صارت دار إسلام، وما قرب منها يأخذ حكمها، فساحل البحر قريب منها، والطائف وإن كانت دار كفر، فليس في القصة أنه وصل إليها، بل قصدها، ولعله لم يخرج من دار الإسلام، ولم يصل إليها، وأما اليمن فإنها صارت دار إسلام لإقرار أهل الكتاب فيها بالجزية،
_________________
(١) ١ انظر: الجوهر النقي ٧/١٨٦.
[ ٢ / ٢٩١ ]
وبهذا يعلم أن الدار لم تختلف بين هؤلاء وبين نسائهم.١
قال السرخسي: "وعكرمة وحكيم بن حزام، إنما هربا إلى الساحل، وكانت من حدود مكة، فلم يوجد تباين الدارين، فلهذا لم يجدد النكاح بينهما"٢
وقال ابن التركماني: "وأما امرأة عكرمة، فخرجت عقيب خروجه فأدركته ببعض الطرق، ولم يتيقن بأن ذلك الموضع معدود من دار الكفر أما صفوان فأدركه عمير بن وهب، وهو يريد أن يركب البحر، فرجع به، وهذا الموضع من توابع مكة وفي حكمها، فلم يختلف به وبزوجه الدار"٣
وأجيب عن ذلك: بأن الساحل والطائف، واليمن، حتى لو كانت من دار الإسلام، فاتحاد الدار واختلافه لا أثر له في الفرقة، بل الأثر لاختلاف الدين، ولم يفرق الرسول ﷺ بين عكرمة وامرأته، وصفوان وامرأته، لأن الدين لم يختلف بينهم.
وقال ابن القيم في الإجابة عن ذلك: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون، وجرت عليها أحكام الإسلام، وما لم تجر عليه أحكام الإسلام
_________________
(١) ١ تبيين الحقائق ٢/١٧٥، وأحكام أهل الذمة ١/٣٦٦. ٢ انظر: المبسوط ٥/٥٢. ٣ انظر: الجوهر النقي مع سنن البيهقي ٧/١٨٦.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
لم يكن دار إسلام وإن لاصقها، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جدا، ولم تصر دار إسلام بفتح مكة، وكذلك الساحل، وأما اليمن فلا ريب أنه كان قد فشا فيهم الإسلام، ولم يستوثق كل بلادها بالإسلام إلا بعد وفاة النبي ﷺ في زمن خلفائه، ولهذا أتوا بعد موت النبي ﷺ أرسالًا وفتحوا البلاد مع الصحابة، وعكرمة لم يهرب من الإسلام، إلى بلد إسلام، وإنما هرب إلى موضع يرى أن أهله على دينه.." إلى أن قال: "فالذين أسلموا وهاجروا قبل فتح مكة، لم يفرق رسول الله ﷺ بينهم وبين نسائهم قطعا مع اختلاف الدار قطعا، ولو لم تكن الآثار متضافرة بذلك، لكان القياس يقتضي عدم التفريق باختلاف الدار، فإن المسلم لو دخل دار الحرب وأقام بها وامرأته مسلمة، أو أقامت امرأة الحربي في دار الحرب، وخرج هو إلى دار الإسلام بأمان لتجارة أو رسالة، فإن النكاح لا ينفسخ"١
ج - مناقشة أدلتهم من المعقول:
أ- قياسهم عقد النكاح على عقود المعارضات كالبيع ونحوه، قياس مع الفارق لأن المقصود الأصلي قي عقود المعاوضات هو المال، وهو لا يتأثر بتباين الدار، أما المقصود الأصلي من النكاح، فهو إنجاب الأولاد، وتكوين الأسرة، وهذا المقصود لا يتحقق إلا عند اتحاد الدار دون
_________________
(١) ١ انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم ١/٣٦٦، ٣٦٧.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
اختلافهما، ففارق غيره من عقود المعواضات.١
أجيب عن ذلك: بأن القياس صحيح، لأن اختلاف الدار لا أثر في انفساخ عقود المعاوضات من البيع ونحوه، فكذلك لا أثر له في إنفساخ النكاح بين الزوجين ومقصود النكاح يحصل بعد عرض الإسلام على المتأخر منهما، فإما أن يسلم ويلحق بالآخر ويحصل مقصود النكاح، وأما أن يأبى الإسلام، فيفرق بينهما، ويتزوج المسلم منهما، فيحصل أيضا مقصود النكاح.
ب- أما قياسهم عدم وقوع الفرقة باختلاف الدارين على عدم وقوعها بين المسلم إذا خرج مستأمنا إلى دار الحرب، وزوجته التي هي في دار الإسلام وبين المستأمن الحربي في دار الإسلام، وزوجته في دار الحرب، فهو قياس مع الفارق، لأن المسلم المستأمن لم تختلف الدار بينه وبين زوجته، فكلاهما من أهل دار الإسلام، وكذلك المستأمن الحربي لم تختلف الدار بينه وبين زوجته، فكلاهما من أهل دار الحرب، ولا يؤثر الأمان في اختلاف الدارين بين الزوجين في هاتين الحالتين.
أجيب عن ذلك: بأن اتحاد الدار أو اختلافه، لا أثر له في وقوع الفرقة بين الزوجين، وإنما الأثر لاختلاف الدين، فالمسلم الذي في دار الحرب، لم يفرق بينه
_________________
(١) ١ العلاقات الاجتماعية ص ١١٦.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وبين زوجته التي في دار الإسلام، ليس لأنهما من أهل دار واحدة - وهي دار الإسلام- بل لأن الدين بينهما لم يختلف، فزوجته مسلمة في دار الإسلام، وهو مسلم في دار الحرب، وكذلك الحربي المستأمن في دار الإسلام، لم يفرق بينه وبين زوجته التي في دار الحرب، ليس لأنهما من أهل دار واحدة - هي دار الحرب- بل لأن الدين بينهما لم يختلف، فزوجته كافرة في دار الحرب، وهو كافر في دار الإسلام.
إذن فاختلاف الدار لا أثر له في الفرقة، بل الأثر لاختلاف الدين.
الرأي المختار:
بعد ذكر آراء الفقهاء في اختلاف الدار وأثره في الفرقة، وأدلتهم وما ورد عليها من ردود واعتراضات، تبين لي أن رأي الجمهور: في عدم وقوع الفرقة بين الزوجين باختلاف الدار، هو الرأي المختار وذلك للأسباب الآتية:
١- لقوة الأدلة التي استدلوا بها، كالآية التي هي صريحة الدلالة في وجوب الفرقة بين المؤمنة المهاجرة إلى دار الإسلام، وبين زوجها الكافر في دار الحرب، وذلك بسبب إيمانها، وليس لاختلاف دارها.
٢- ولأن الأدلة التي استدل بها الحنفية على وجوب الفرقة بين الزوجين في الحال عند اختلاف الدار بينهما، غير مسلّمة، وأجيب عنها بالإجابات المعقولة.
٣- ولآن في القول بوجوب الفرقة بين الزوجين عند اختلاف الدار
[ ٢ / ٢٩٥ ]
بينهما في الحال، حرجًا ومشقة، كما أن القول بعدم وقوع الفرقة باختلاف الدار بين الزوجين، بل باختلاف الدين، بعد عرض الإسلام على المتأخر منهما فيه تيسير وتخفيف، فالآخذ به هو الموافق لسماحة الشريعة الإسلامية.
وهذا الحكم - وهو عدم وقوع الفرقة بين الزوجين باختلاف الدار بينهما- ينطبق على دار الكفر في هذا الزمان، حربية كانت أو غير حربية، فالكافر الذي يسلم في دار الكفر، ثم يهاجر إلى دار الإسلام لا تقع الفرقة بينه وبين زوجته بسب اختلاف الدار بينهما، بل تقع باختلاف الدين بعد عرض الإسلام عليها أثناء عدتها، فإن لم تسلم، فرق الإسلام بينهما.
وكذلك المرأة التي تسلم في دار الكفر.
وأيضا إذا أسلمت الكافرة في دار الكفر، وزوجها الكافر من المقيمين في دار الإسلام، لا تقع الفرقة بينهما لاختلاف الدار، بل تقع لاختلاف الدين بعد عرض الإسلام عليه، فإن أبى فرق الإسلام بينهما.
وبهذا الاختيار يتضح أن اختلاف الدار لا أثر له في وقوع الفرقة بين الزوجين، وإنما الأثر لاختلاف الدين.
[ ٢ / ٢٩٦ ]