إن حد القذف من الحدود التي أمر الله بإقامتها، لأن جريمة القذف من الجرائم الكبرى المخلة بالشرف والأخلاق، وقد حرمها الشارع ونهى عنها، والقذف من الكبائر الموبقة لصاحبها والمهلكة لفاعلها، وهو محرم باتفاق أهل العلم، وقد دل على تحريمه الكتاب، والسنة، والإجماع.
فدليل تحريمه من الكتاب:
قوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .٢
فقد أمر الله ﷾ بجلد الذين يرمون المحصنات والجلد لا يكون إلا على فعل محرم.
_________________
(١) ١ القذف لغة: الرمي مطلقًا، والمصباح المنير ٢/٤٩٥، ولسان العرب ٩/٢٧٦، ٢٧٧، والمبدع ٩/٨٣. وشرعًا: عرفة الحنفية والحنابلة بالرمي بالزنا. الاختيار ٤/٩٣، واللباب ٣/١٩٥، والمبدع ٩/٨٣. وزاد الحنابلة اللواط. انظر: كشاف القناع ٦/١٠٤. وهناك تعاريف أخرى لجريمة القذف عند المالكية والشافعية. انظر فيها: حاشية العدوي ٢/٢٩٩، ومغنى المحتاج ٤/١٥٧. ٢ النور: ٤.
[ ٢ / ١١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١
ففي هذه الآية قد توعد الله الذين يرمون المحصنات بالطرد والإبعاد من رحمته، والعذاب العظيم، وهذا أيضًا لا يكون إلا على فعل محرم.
أما دليل تحريمه من السنة:
فبما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".٢
فقد أمر النبي ﷺ بالابتعاد عن السبع المهلكة لصاحبها والتي منها قذف المحصنات المؤمنات الغافلات، ولأنها من الكبائر والمحرمات التي يجب اجتنابها.
أما الإجماع:
فقد اجتمعت الأمة الإسلامية على تحريم القذف وأنه من الموبقات التي يجب اجتنابها.٣
_________________
(١) ١ النور: ٢٣. ٢ أخرجه البخاري ٤/١٨٥ كتاب الحدود باب رمي المحصنات، ومسلم ١/٩٢ كتاب الإيمان باب بيان الكبائر. ٣ اللباب في شرح الكتاب ٣/١٩٥، وحاشية العدوي ٢/٣٠٠، ومغني المحتاج ٤/١٥٧، والمبدع ٣/٨٣.
[ ٢ / ١١٤ ]
وعقوبة جريمة القذف هي جلد القاذف ثمانين جلدة كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ .١
ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب إقامة حد القذف على المسلم إذا توفرت فيه الشروط٢، وكذلك اتفقت المذاهب الأربعة على عدم وجوب إقامة حد القذف على المسلم إذا قذف ذميًا أو مستأمنًا، لأنهم يشترطون أن يكون المقذوف محصناُ ومن شروط الإحصان الإسلام.٣
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ .٤
وجه الدلالة من الآية:
أن المحصنات معناها الحرائر، والغافلات معناه العفائف عن الزنا، والمؤمنات المسلمات.
_________________
(١) ١ النور: ٤. ٢ الاختيار ٤/٩٣، وحاشية العدوي ٢/٣٠٠، وكفاية الأخيار ٢/١١٤، والمبدع ٣/٨٣،٨٤. ٣ بدائع الصنائع ٧/٤١، والمبسوط ٩/١١٩، وقوانين الأحكام الشرعية ص ٣٨٦، مواهب الجليل ٦/٢٩٨، وبداية المجتهد ٢/٤٤١، ومغني المحتاج ٤/١٥٧، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٢٩، وكفاية الأخيار ٢/١١٤، وكشاف القناع ٦/١٠٥، ١١٤، والمغني ٨/٢٢٨، والمبدع ٩/٨٤، ٨٥، والأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى ص ٢٧٠. ٤ النور: ٢٣.
[ ٢ / ١١٥ ]
فبينت الآية أن الإيمان والعفة عن الزنا شرط لوجوب الحد على القاذف، وحيث أن الكافر غير متوفر فيه هذا الشرط فلا يحد قاذفه.١
وقد جاء الإحصان في القرآن بمعاني متعددة منها الإسلام كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنّ﴾ أي أسلمن هكذا قال عبد الله بن مسعود ﵁ وبهاذ يجب اعتبار الإسلام شرطًا في إحصان المقذوف.
ولقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر ﵄ "من أشرك بالله فليس بمحصن".٢
فالحديث ظاهر الدلالة في أن الإسلام شرط للإحصان، فقد نفى الرسول ﷺ الإحصان عن الكافر فلا إحصان إلا بالإسلام لأنه لو لم يشترط الإسلام لوجب الحد على قاذف الكافر وفي ذلك إكرام له، وكفره يقتضي إهانته وإذلاله لا إكرامه وعزته.٣
ولأن الحد إنما وجب بالقذف دفعا لعار الزنا عن المقذوف وما في الكافر من عار الكفر أعظم.٤
وخالف الظاهرية جمهور الفقهاء فقالوا يقام الحد على المسلم إذا قذف ذميًا أو مستأمنًا.٥
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع ٧/٤١، وتبيين الحقائق ٣/٢٠٠. ٢ فتح القدير ١/٤٥١، والآية ٢٥ من سورة النساء. ٣ بدائع الصنائع ٧/٤١، ومغني المحتاج ٤/١٥٧. ٤ بدائع الصنائع ٧/٤١. ٥ انظر: المحلى ١١/٢٦٨.
[ ٢ / ١١٦ ]
لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ .١
قال ابن حزم: "وهذا عموم تدخل فيه الكافرة والمؤمنة فوجب أن قاذفها فاسق إلا أن يتوب".٢
ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: " الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، قول الزور".٣
قالوا في وجه الدلالة من الحديث:
إن قذف الكافرة البريئة من قول الزور بلا خلاف من أحد، وقول الزور من الكبائر كما بين رسول الله ﷺ. ٤
ولكن يمكن أي يرد عليهم بأن العموم في الآية مخصص بالآيات الأخرى التي بينت أن الإحصان من معانيه الإسلام وأنه شرط له. كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنّ﴾ ٥ أي أسلمن.٦
_________________
(١) ١ النور: ٤. ٢ المحلى ١١/٢٦٨. ٣ أخرجه البخاري ٤/٤٨ كتاب الأدب باب عقوق الوالدين من الكبائر. ومسلم ١/٩١، ٩٢ كتاب الإيمان حديث رقم ٨٨. ٤ المحلى ١١/٣٦٩. ٥ النساء: ٢٥. ٦ فتح القدير ١/٤٥١.
[ ٢ / ١١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ .١
وكذلك مخصص بقوله ﷺ: "من أشرك فليس بمحصن".٢
وأما حديث الكبائر فليس لهم فيه دلاله بل غابة ما يدل عليه الحديث أن شهادة الزور وقول الزور أي التكلم بغير الحق من الكبائر، فالحديث وارد لهذا الشأن ولم يرد في بيان قذف المسلم الكافر، وليس قذف الكافر من قول الزور كما قالوا، وليس باتفاق كما قالوا، بل جميع العلماء على خلاف قولهم.
وبهذا يترجح رأي جمهور الفقهاء من أن المسلم إذا قذف ذميًا أو مستأمنًا لا يقام عليه الحد، لأن الإحصان من شروطه الإسلام، والكافر ليس بمحصن لأنه غير مسلم، ولأن عرض الكافر أي كافر كان لا حرمة له، ولأنه ليس هناك عار أعظم من عار الكفر، فلا يحد قاذف الكافر لأنه لا يستحق هذه المكرمة، ولكن للمحافظة على أعراض المعصومين في دار الإسلام من الذميين والمستأمنين يعزر القاذف لهم من قبل الإمام كما صرح بذلك بعض الفقهاء.٣
وفي هذا يقول ابن قدامة: "ولكن يجب تأديبه ردعًا له عن أعراض
_________________
(١) ١ النور: ٢٣. ٢ سبق تخريجه ١١٦. ٣ انظر: الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢٩، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٧٠.
[ ٢ / ١١٨ ]
المعصومين وكفا له عن أذاهم.١
أما المستأمن الذي دخل دار الإسلام بأمان إذا قذف مسلمًا أو مسلمة.
فقال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في وجه، والحنابلة والظاهرية يقام عليه حد القذف.
وعللوا ذلك بأن الغالب في حد القذف أنه حق للعباد، والمستأمن قد التزم بعقد أمانه حقوق العباد. ٢
ولأن الأئمة الأربعة يشترطون في المقذوف أن يكون محصنًا ومن شروط الإحصان الإسلام، وهذا المقذوف مسلم فوجب إقامة الحد على قاذفه مسلمًا كان أو كافرا مستأمنًا أو ذميًا متى توفرت شروط إقامة الحد، ولأن المستأمن كالذمي، والذمي يقام عليه الحد بالاتفاق، فكذلك المستأمن.
وذهب فقهاء الشافعية في وجه إلى عدم إقامة حد القذف على المستأمن إذا قذف مسلمًا أو مسلمة، لأن حد القذف حق لله تعالى
_________________
(١) ١ انظر: المغني ٨/٢٢٨. ٢ انظر: المبسوط ٩/١٠٩ن وشرح فتح القدير ٥/٣٣٨، وحاشية ابن عابدين ٤/٥٦، وبداية المجتهد ٢/٤٤٢٠، وقوانين الأحكام الشرعية ص ٣٨٦، والمدونة ٦/٢٢٢، ومنح الجليل ٤/٥٠٣، وحاشية العدوي ٢/٣٠١، وروضة الطالبين ١٠/١٠٦، والمهذب ٢/٣٣٦، ومغني المحتاج ٤/١٥٧، والمغني ٨/٢١٦، وكشاف القناع ٦/١٠٥، والمحلى ١١/٢٧٤.
[ ٢ / ١١٩ ]
والمستأمن غير ملتزم بحقوق الله، بل إنه غير ملتزم بأحكام الإسلام لأن مدة إقامته بدار الإسلام مؤقتة غير مؤبدة كالذمي.١
ولكن الراجح هو قول الجمهور أن المستأمن إذا قذف المسلم يقام عليه حد القذف زجرًا له، وردعًا لغيره من المستأمنين، وحتى لا ينتشر الفساد في دار الإسلام، وحتى لا يقع الاستخفاف بالمسلمين، والتعدي على أعراضهم من قبل المستأمنين، ولأن المستأمن ما عصم دمه وماله إلا في مقابل التزامه بغالب الأحكام الإسلامية والتي من جملتها إقامة حد القذف إذا وقع منه في حق المسلم.
وبناء على هذا الاختيار يتضح لنا أن اختلاف الدار له أثر في ارتكاب جريمة القذف من المستأمن في دار الإسلام.
أما إذا قذف المستأمن مستأمنًا آخر أو ذميًا في دار الإسلام فجمهور الفقهاء قالوا لا يقام عليه الحد لأنهم يشترطون في المقذوف أن يكون محصنًا ومن شروط الإحصان الإسلام، وهنا لم يتحقق الشرط في المقذوف لأنه كافر.٢
وقال الظاهرية: الكافر المستأمن إذا قذف كافرًا مستأمنًا كان أو ذميًا يقام عليه حد القذف.
_________________
(١) ١ انظر: حاشية قليوبي وعميره ٤/١٨٤، وتحفة المحتاج ٩/١١٩. ٢ انظر: بدائع الصنائع ٧/٤١، والمبسوط ٩٨/١١٩، وبداية المجتهد ٢/٤٤١، وقوانين الأحكام الشرعية ص ٣٨٦، وكفاية الأخيار ٢/١١٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٢٩، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٧٠، والعدة ص ٥٦٢.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وفي هذا يقول ابن حزم: "وأما إذا قذف الكافر كافرًا فليس إلاّ الحد فقط، على عموم أمر الله تعالى فيمن قذف محصنة بنص القرآن".١
ولأن الظاهرية كما سبق لا يشترطون الإسلام للإحصان، فبذلك يجب عندهم الحد على قاذف الكافر، مسلمًا كان القاذف له أو كافرًا آخر.
وقد سبق الرد عليهم وبأن العموم الذي في الآية مخصص بالآيات الأخرى التي اشترطت الإسلام للإحصان وبالسنة التي بينت أن الإسلام شرط للإحصان.
وبهذا يكون قول الجمهور هو القول المختار وأن المستأمن إذا قذف مستأمنًا آخر أو ذميًا لا يقام عليه الحد، لأن الإسلام شرط للإحصان المشروط في المقذوف، والكافر ليس بمحصن لأنه غير مسلم.
ولكن يعزر ويؤدب المستأمن إذا قذف غيره من الكفار في دار الإسلام، زجرًا له، وردعًا لغيره، ومحافظة على أعراض المعصومين في دار الإسلام من الذميين والمستأمنين، ومحافظة على دار الإسلام من انتشار الفساد فيها.٢
_________________
(١) ١ انظر: المحلى لابن حزم ١١/٢٧٥. ٢ انظر: كشاف القناع ٦/١١٤.
[ ٢ / ١٢١ ]