أباح الله ﷾ الغنيمة لهذه الأمة دون غيرها من الأمم السابقة، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالدليل من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢
وجه الدلالة من الآية:
دلت الآية بوضوح على مشروعية الغنيمة وإباحتها للغانمين. قال ابن كثير: "بين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصا لهذه الأمة الشريفة من بين سائر الأمم المتقدمة بإحلال الغنائم"٣
_________________
(١) ١ الغنيمة في اللغة الفوز والظفر والربح. المعجم الوسيط ٢/٦٦٤، وكشاف القناع ٣/٧٧. أما الغنيمة في الشرع فهي: كل ما أخذ من أموال الكفار المحاربين عنوةً وقهرًا حين القتال. انظر: المبدع ٣/٣٥٤، وكشاف القناع ٣/٧٧ ومعجم لغة الفقهاء ص٣٣٩. ٢ الأنفال: ٤١. ٣ انظر: تفسير القرآن العظيم ٢/٣١٠.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وجه الدلالة من الآية:
فأمر الله سبحانه عباده المؤمنين بالأكل من الغنيمة وأنها حلال طيب لهم دليل على إباحتها لهم دون غيرهم.
قال ابن سعدى: "وهذا من لطفه تعالى بهذه الأمة أن أحل لها الغنائم ولم تحل لأمة قبلها"٢
أما الدليل من السنة:
فحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال:"أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" ٣
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث ظاهر الدلالة في إباحة الغنيمة لهذه الأمة دون غيرها من
_________________
(١) ١ الأنفال: ٦٩. ٢ تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن ٣/١٩١. ٣ أخرجه البخاري ١/٧٠ كتاب التيمم واللفظ له. ومسلم ١/٣٧١ كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٥٠٣.
[ ٢ / ١٧٤ ]
الأمم، لقوله ﷺ: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي" ثم ذكر منها إحلال الغنيمة وما أحل له فهو لأمته إلا ما خص به ﷺ.
أما الإجماع:
فقد أجمعت الأمة الإسلامية على مشروعية الغنيمة١. وقد اتفق العلماء على جواز قسمة الغنيمة في دار الإسلام.٢
وكذلك اتفقوا على أنه يجوز للإمام أن يجتهد ويبيع الغنيمة أو يقسمها في دار الكفر الحربية إذا رأى أن المصلحة في ذلك.٣
واختلف الفقهاء في حكم تقسيم الغنائم في دار الكفر الحربية إلى قولين:
القول الأول: لا يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب.
وهو قول فقهاء الحنفية ما عدا محمد بن الحسن- فإنه قال: تكره القسمة، لكن الأفضل عنده ألا تقسم الغنيمة إلا في دار الإسلام، ولا تقسم في دار الحرب.
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع ٧/١٢١، وأسهل المدارك ٢/ ١٧، ورحمة الأمة ص ٢٩٧، والمبدع ٣/ ٣٥٤. ٢ المبسوط١٠/١٨، وقوانين الأحكام الشرعية ص ١٦٨، والأحكام السلطانية للمارودي ص ١٣٩. ٣ بدائع الصنائع ٧/ ١٢١، وفتح القدير ٥/ ٢٢٧، والخرشي على المختصر ٣/١٣٦، ورحمة الأمة ص ٢٩٧، والإفصاح لابن هبيرة ٢/٤٣٤.
[ ٢ / ١٧٥ ]
وقال أبو يوسف: "إن قسمت في دار الحرب جاز وأحب إلي أن تقسم في دار الإسلام. وهو رواية عند الحنابلة"١
وقال الإمام أبو حنيفة: "إذا غنم جند من المسلمين غنيمة في أرض العدو من المشركين فلا يقتسمونها حتى يخرجوها إلى دار الإسلام ويحرزوها"٢
القول الثاني: يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب بل يستحب.
وهو مروى عن الأوزاعي وأبي ثور.
وهو قول جمهور الفقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة في الصحيح من المذهب، والظاهرية.٣
_________________
(١) ١ انظر: المبسوط ١٠/١٧- ١٨، وتبيين الحقائق ٣/١٢٥٠، ومختصر الطحاوي ص٢٨٢، والجوهرة النيرة ٢/٣٦٦، والبحر الرائق ٥/٩١، وفتح القدير ٥/٢٢٤- ٢٢٥، وبدائع الصنائع ٧/١٢١، والخراج ص ١٧٦، والاختيار ٤/١٢٦، ومجمع الأنهر ١/ ٦٤١، والإنصاف ٤/ ١٦٣. ٢ انظر: الرد على سير الأوزاعي ص ٥. ٣ الرد على سير الأوزاعي ص٥، والمدونة ٣/ ١٢، وحاشية الدسوقي ٢/ ١٧٩، والمنتقى على الموطأ ٣/ ١٧٦، والشرح الكبير للدردير ٢/ ١٧٩، وحاشية العدوى ٢/٩، وقوانين ألحكام الشرعية ص ١٦٦، والأم ٧/٣٠٢، والمهذب ٢/٣١٣، ومغنى المحتاج ٣/١٠١، والأحكام السلطانية للمارودي ص١٣٩، ورحمة الأمة ص٢٩٧، والمغني ٨/٤٢١، ٤٤٧، والإنصاف ٤/ ١٦٣، والمبدع ٣/ ٣٥٨، وكشاف القناع ٣/ ٨٢، والمقنع بحاشيته ١/٥٠١، والإفصاح ٢/٤٣٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلي ص ١٥٠، والمحلى ٧/٣٤١.
[ ٢ / ١٧٦ ]
قال الإمام ابن حزم الظاهري: "تعجيل القسمة أولى فإن مطل ذي الحق لحقه ظلم وتعجيل إعطاء كل ذي حق حقه فرض"١
سبب الخلاف:
هو اختلافهم في هل الملك لا يثبت في الغنائم إلا بعد الاحراز بدار الإسلام، أو أنه يثبت بمجرد الاستيلاء عليها في دار الحرب. بعد الفراغ من القتال، قبل إحرازها بدار الإسلام.٢
فمن قال أن الملك لا يثبت في الغنائم إلا بعد الإحراز بدار الإسلام قال لا تجوز قسمة الغنيمة في دار الحرب وهم فقهاء الحنفية.
ومن قال: إن الملك يثبت في الغنائم بمجرد الاستيلاء عليها، بعد نهاية القتال. قال: يجوز قسمة الغنيمة في دار الحرب وهم جمهور الفقهاء.
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول الذين قالوا بعدم جواز القسمة في دار الحرب. استدلوا بالسنة، والمأثور، والمعقول:
أ - دليلهم من السنة:
١- حديث ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ لم يقسم غنائم بدر إلا بعد مقدمه المدينة"٣
فدل هذا الحديث على أن الغنيمة لا يجوز قسمتها في دار الحرب
_________________
(١) ١ المحلى ٧/ ٣٤٢. ٢ بدائع الصنائع ٧/ ١٢١، وفتح القدير ٥/٢٢٤. ٣ المبسوط ١٠/ ١٧، والرد على سير الأوزاعي ص ٩.
[ ٢ / ١٧٧ ]
لأن النبي ﷺ قسمها بعدما رجع إلى المدينة وهي دار إسلام ولم يقسمها في بدر لأنها كانت دار حرب.١
ويدل على ذلك: أن الرسول ﷺ ضرب لعثمان وطلحة ﵄ بسهم، فقالا وأجرنا فقال وأجركما، ولم يشهدا وقعة بدر.٢
ويؤكد ذلك ما رواه ابن عمر ﵄ قال: إنما تغيب عثمان عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه.٣
وكذلك طلحة ﵁ بعثه رسول الله ﷺ لتجسس على خبر عير قريش فكان مشغولا بعمل المسلمين فجعله كمن شهد بدرا لأنه كان في طاعة الله ورسوله ﷺ.٤
فإعطاء النبي ﷺ عثمان وطلحة ﵄ من غنيمة بدر مع كونهما لم يشهدا الغزوة دليل واضح على أن الغنيمة لم تقسم في بدر وإنما قسمها النبي ﷺ في المدينة بعد رجوعه إليها من الغزوة.
_________________
(١) ١ المبسوط ١٠/ ١٧، والرد على سير الأوزاعي ص٩، والخراج ص ١٧٦. ٢ أخرجه البيهقي مطولا عن عروة بن الزبير ٩/ ٥٨، وذكره الإمام الشافعي في الأم ٧/ ٣٠٣ بهذا اللفظ. وذكره أيضا أبو يوسف في الرد على سير الأوزاعي ص ٩ بهذا اللفظ. ٣ أخرجه البخاري ٢/١٩٥ باب إذا بعث الإمام رسولا في حاجة. ٤ أخرجه البيهقي ٩/٥٨، وانظر: حاشية الرد على سير الأوزاعي ص٩.
[ ٢ / ١٧٨ ]
٢- حديث "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب"١
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث يدل على عدم جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب لأن فيها معنى البيع لاشتمالها على المبادلة معنى، وبيع الغنيمة لا يجوز في دار الحرب فكذلك قسمتها.٢
٣- وبما رواه الزهري ومكحول عن رسول الله ﷺ أنه لم يقسم غنيمة في دار الحرب.٣
وهذا يدل على عدم جواز قسمتها في دار الحرب اقتداء بفعله ﷺ لأنه لا يقسمها إلا في دار الإسلام ولم يقسمها في دار الحرب.٤
_________________
(١) ١ ذكره الزيلعي في نصب الراية ٣/ ٤٠٨، وقال غريب جدا. وذكره السرخسي في المبسوط ١٠/١٨، والموصلي في الاختيار ٤/١٢٦، وصاحب الغرة المنيفة ص١٧٦ ولم أجده في كتب السنن المشهورة. أما الحديث الذي ورد في النهي عن بيع الغنيمة قبل القسمة فأخرجه أحمد ٢/٣٨٧، وأبو داود ٣/٦٦٦ كتاب البيوع باب تفسير العرايا ونصه "عن أبي هريرة ﵁ نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغنائم حتى تقسم" ٢ تبيين الحقائق ٣/٢٥٠، والاختيار ٤/١٢٦، وفتح القدير ٤/٢٢٥، والبحر الرائق ٥/٩٠، والغرة المنيفة ص ١٧٦. ٣ ذكره أبو يوسف في الرد على سير الأوزاعي ص١٠، ولم أجده في كتب السنن المعروفة. ٤ الرد على سير الأوزاعي ص١٠، والغرة المنيفة ص ١٧٦.
[ ٢ / ١٧٩ ]
٤- وبما رفعه الكلبي١ إلى رسول الله ﷺ أنه بعث عبد الله بن جحش ﵁ إلى بطن نخلة٢ فأصاب هنالك عمرو ابن الحضرمي وأصاب أسيرا أو اثنين٣ وأصاب ما كان معهم من آدم وزيت٤ وتجارة من تجارة أهل الطائف، فقدم بذلك على رسول الله ﷺ ولم يقسم ذلك عبد الله ابن جحش حتى قدم المدينة وأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ٥، فقبض رسو ل الله ﷺ المغنم وخمسه. ٦
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على عدم جواز قسمة الغنائم في دار الحرب لأن عبد الله بن جحش ﵁ لم يقسم الغنائم التي غنمها في طريقه إلا عندما قدم
_________________
(١) ١ هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي، ولد بالكوفة عالم بالنسب، والتفسير، والأخبار وأيام العرب، متهم بالكذب وتوفي بالكوفة سنة ١٤٦هـ. انظر: تقريب التهذيب ٢/ ١٦٣ وميزان الاعتدال ١٣- ٦، والوافي بالوفيات ٣/ ٨٣. ٢ بطن نخلة: قرية من قرى المدينة. معجم البلدان ١/٤٥٠. ٣ الصحيح أنه أصاب أسيرين وهما الحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله كما ذكر ذلك البيهقي في السنن ٩/٥٨، وابن إسحاق في السيرة النبوية ١/٦٠٣، ٦٠٤. ٤ الصحيح وزبيب. كما ذكره البيهقي ٩/٥٨. ٥ البقرة: ٢١٧. ٦ أخرجه البيهقي مطولا عن عروة بن الزبير ٩/٥٨، وذكره أبو يوسف في الرد على سير الأوزاعي ص ١١، ١٢ وهذا لفظه.
[ ٢ / ١٨٠ ]
إلى المدينة دار الإسلام ولم يقسمها في المكان الذي غنمها فيه لأنه كان دار حرب.
ب - دليلهم من المأثور:
بما رواه مجالد بن سعيد١ عن الشعبي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد بن أبي وقاص قد أمددتك بقوم فمن أتاك منهم قبل أن تتفقأ٢ القتلى فأشركه في الغنيمة.٣
وجه الدلالة من الأثر:
أن عمر ﵁ كتب إلى سعد أن يشرك المدد في الغنيمة وإشراكهم دليل على أن الغنيمة لاتحرز في أرض الحرب.٤
قال أبو يوسف: "وهذا يعلم أنهم لم يحرزوا ذلك في أرض الحرب"٥
_________________
(١) ١ هو: مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني، أبو عمرو الكوفي، رواية للأحاديث والأخبار، من أهل الكوفة اختلف في توثيقه. قال البخاري صدوق، وقال ابن حجر ليس بالقوي. توفي سنة ١٤٤. تقريب التهذيب ٢/ ٢٢٩، والأعلام ٦/٢٧٧. ٢ تتفقأ: الفقأ عبارة عن التميز والتشقق. المصباح المنير ٢/٤٧٩. ومعناه: ما لم يتميز قتلى المشركين من قتلى المسلمين بالدفن، أو ما لم يتفقأ القتلى بتطاول الزمان. الرد على الأوزاعي ص١١. ٣ أخرجه البيهقي ٩/٥٠ وذكره أبو يوسف في الرد على الأوزاعي ص ٦. ٤ فقه الأوزاعي ٢/٥١٩. ٥ الرد على سير الأوزاعي ص ٦.
[ ٢ / ١٨١ ]
ج - دليلهم من المعقول: من وجهين:
الوجه الأول: أن الإمام يجب عليه ألا يشغل بالقسمة في دار الحرب، ولا يشتغل إلا بأمور الحرب، لأن الوقت الذي توزع فيه الغنائم هم في أشد الحاجة إليه، ولأنهم إذا اشتغلوا بتقسيم الغنائم يتكاسلون في أمر الحرب، وربما يتفرقون، فيرجع عليهم العدو مرة أخرى، وهم مشغلون بتوزيع الغنائم.١
الوجه الثاني: أن الغنيمة لا تملك قبل الإحراز بدار الإسلام لأن الملك لا يتم إلا بالاستيلاء، والاستيلاء لم يتم في دار الحرب، ولا يتم إلا بإحراز الغنيمة في دار الإسلام.٢
قال المنبجي: "الأصل عندنا إنما يثبت الحق فيها بالإحراز بدار الإسلام ولا تملك إلا بالقسمة وحصولها في أيديهم في دار الحرب لا يثبت لهم فيها حقا"٣
ثانيا: أدلة الجمهور الذين قالوا إن الغنيمة تقسم في دار الكفر:
استدلوا بالكتاب، والسنة، والمعقول، والقياس:
_________________
(١) ١ المبسوط ١٠/ ١٧، ١٨، وفتح القدير ٥/ ٢٢٤. ٢ تبيين الحقائق ٣/٢٥٠، والبحر الرائق ٥/٩١، واللباب في شرح الكتاب ٤/١٢٥، والاختيار ٤/ ١٢٦، ١٢٧، والخراج لأبي يوسف ص١٧٦، والغرة المنيفة ص١٧٦. ٣ انظر: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب ٢/ ٨٠٣.
[ ٢ / ١٨٢ ]
أ - دليلهم من الكتاب:
١- بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١
وجه الدلالة من الآية:
الآية دلت على جواز قسمة الغنائم في دار الحرب، لأن قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ يقتضي ثبوت الملك في الغنيمة، وإذا حصل الملك لهم فيه وجبت القسمة لأنه لا معنى للقسمة على هذا التقدير إلا صرف الملك إلى المالك، وذلك جائز بالاتفاق، ولم تفرق الآية في ثبوت الملك بين دار الحرب ودار الإسلام.٢
٢- وبقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣
وجه الدلالة من الآية:
أن الأمر بالأكل من الغنيمة في الآية عام ولم يفرق بين أن يكون
_________________
(١) ١ الأنفال: ٤١. ٢ التفسير الكبير للفخر الرازي ١٥/ ١٦٦. ٣ الأنفال: ٦٩.
[ ٢ / ١٨٣ ]
ذلك في دار الإسلام أو في دار الحرب، فما غنمتموه حلالا طيبا لكم سواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام.
ب - دليلهم من السنة:
بفعله ﷺ حيث كان يقسم الغنائم في دار الحرب قبل رجوعه إلى دار الإسلام من ذلك غزوة بني المصطلق وحنين وخيبر.١
١- فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من٢ سبي العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل٣، فأردنا العزل وقلنا نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله فسألناه عن ذلك فقال ما عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة"٤
وجه الدلالة من هذا الحديث:
أن الصحابة ﵃ سألوا النبي ﷺ عن العزل عند وطء السبايا من غنائم غزوة بني المصطلق فلم ينكر الرسول ﷺ عليهم ذلك،
_________________
(١) ١ الأم ٧/ ٣٢٣، والمنتقى شرح الموطأ ٣/ ١٧٦، والمغني ٨/ ٤٢١، ٤٢٢. ٢ السبي: الأسرى من النساء والأطفال، المعجم الوسيط ١/ ٤١٥، ومعجم لغة الفقهاء ص٢٤٠. ٣ العزل هو: الإبعاد والتنحي. المصباح المنير ٢/ ٤٠٧، والمعجم الوسيط ٢/ ٥٩٩، والمراد به في الحديث إنزال مني الرجل خارج فرج المرأة. ٤ أخرجه البخاري ٣/ ٣٧ كتاب المغازي باب غزوة بني المصطلق.
[ ٢ / ١٨٤ ]
وهذا دليل على أن الغنائم قد قسمت في دار الحرب.
٢- وبحديث أنس ﵁ قال: "اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين"١
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث صريح الدلالة في جواز قسمة الغنائم في دار الحرب لأن النبي ﷺ قسم غنائم حنين قبل رجوعه إلى دار الإسلام.٢
قال البيهقي: "بعد أن ذكر الحديث: وفي هذا دلالة على أنه ﷺ قسم غنائم حنين بها"٣
٣- وبحديث أنس ﵁ قال صلى النبي ﷺ الصبح قريبا من خيبر بغلس٤ ثم قال: "الله أكبر خربت خيبر أنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين فخرجوا يسعون في السكك فقتل النبي ﷺ المقاتلة وسبي الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي٥ ثم صارت إلى النبي ﷺ فجعل عتقها صداقها"٦
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٢/ ١٨١ كتاب الجهاد باب من قسم الغنيمة في غزوه وسفره. ٢ فتح الباري ٦/ ١٨٢. ٣ انظر: السنن الكبرى ٩/ ٥٦. ٤ غلس: جمع أغلاس وهو ظلمة آخر الليل. انظر: معجم لغة فقهاء ص ٣٣٣. ٥ هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي، صاحبي، حضر كثير من الوقائع، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة عاش إلى خلافة معاوية وتوفي سنة ٤٥هـ، الإصابة ٢/١٦١، ١٦٢، وطبقات ابن سعد ٤/١٨٤. ٦ أخرجه البخاري ٣/٤٩ كتاب المغازي باب غزوة خيبر.
[ ٢ / ١٨٥ ]
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث دل على أن النبي ﷺ قسم غنائم خيبر في طريقه قبل رجوعه إلى المدينة دار الإسلام، فوقوع صفية في سهم دحية ثم صيرورتها إلى النبي ﷺ وتزوجه بها في الطريق بين خيبر والمدينة دليل على أن الغنائم قسمت في دار الحرب قبل الوصول بها إلى دار الإسلام.١
٤- عن أبي بردة عن موسى قال: "قدمنا على النبي ﷺ بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا"٢
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث دل على أن النبي ﷺ قسم غنائم خيبر فيها وقد كانت دار حرب لأنه قسم لأبي موسى ﵁ ومن معه ولم يقسم لمن لم يشهد الغزوة، وقسمه غنائم خيبر فيها دليل على جواز قسمة الغنائم في دار الحرب.
ج - دليلهم من المعقول:
أن الغنيمة تملك بمجرد الاستيلاء عليها في دار الحرب، وعندئذ تجوز قسمتها والدليل على ثبوت الملك في دار الحرب ما يلي:
١- أن سبب الملك الاستيلاء التام وهذا يحصل بمجرد إحرازها بأيدي المسلمين لأننا قهرنا الأعداء ونفيناهم وأثبتنا أيدينا عليها، والاستيلاء يدل على حاجة المستولى فيثبت الملك كما في المباحات.
_________________
(١) ١ فقه الأوزاعي ٢/ ٥١٧. ٢ أخرجه البخاري ٣/ ٥٤ كتاب المغازي باب غزوة خيبر.
[ ٢ / ١٨٦ ]
٢- أن ملك الكفار قد زال عنها بمجرد قهرهم وهزيمتهم بدليل أن تصرفهم لا يصح وملكهم لم يزل إلى غير مالك، فعلم أن ملكهم زال إلى الفاتحين، فلو أعتق الكفار رقيقا لم ينفذ عتقهم.
٣- أنه لو أسلم عبد الحربي ولحق بجيش المسلمين صار حرا وهذا يدل على زوال ملك الكافر وثبوت الملك لمن قهره١ د - دليلهم من القياس:
قاسوا جواز القسمة في دار الحرب على جوازها في دار الإسلام.٢
المناقشة:
أولا: مناقشة أدلة الحنفية القائلين بعدم جواز قسمة الغنيمة في دار الكفر الحربية:
أ - مناقشة أدلتهم من السنة:
١- استدلالهم بأن الرسول ﷺ قسم غنائم بدر في المدينة.
يرد عليه: بأن النبي ﷺ قسمها بسير شعب من شعاب وادي الصفراء، قريب من بدر وهو وادي من أو ديتها فيكون تابعا لها لأنه أقرب إليها من المدينة، فبهذا تكون قسمة غنيمة بدر فيها وهي في ذلك الوقت كانت دار حرب.
_________________
(١) ١ المغني ٨/ ٤٢٢، وفتح الباري ٦/ ١٨٢، والمقنع بحاشيته ١/ ٥٠١. ٢ المنتقى شرح الموطأ ٣/ ١٧٧، والمغني ٨/ ٤٢٢.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وقولهم بأن الرسول ﷺ أعطى عثمان وطلحة ﵄ من الغنيمة مع أنهما لم يشهدا غزوة بدر، وهذا مما يدل على أنه قسمها في المدينة.
يرد عليه: بأن إعطاء من لم يحضر الوقعة من الغنيمة لا يدل على تأخير القسمة إلى دار الإسلام.
أما استدلالهم بحديث النهي "عن بيع الغنيمة في دار الحرب" فيرد عليه: بأن هذا الحديث لم يثبت عن الرسول ﷺ ولم تذكره كتب الصحاح والسنن المشهورة بل إن الحنفية أنفسهم قالوا بأنه غريب جدا.١
وأيضا حتى لو ثبت الحديث ليس لهم فيه دلالة على أن الغنائم لا تقسم في دار الحرب، لأن معناه النهي عن بيع الغنائم في دار الحرب قبل أن تقسم وهذا ما صرح به الرسول ﷺ في حديث آخر "حيث إنه ﷺ نهى عن بيع الغنائم حتى تقسم"٢
وكذلك النهي عن بيع الغنائم في دار الحرب، لا يستوجب النهي عن قسمتها في دار الحرب، لأن هناك فرقا بين البيع والقسمة.
وبهذا يتضح لنا أنه لا دلالة للحنفية في هذا الحديث لأنه لم يثبت وحتى لو ثبت ليس لهم فيه دلالة على أن الغنائم لا تقسم في دار الحرب. وكذلك استدلالهم بأن النبي ﷺ لم يقسم غنيمة في دار الحرب، غير صحيح، بل الصحيح أن النبي ﷺ ما غنم غنيمة إلا وقسمها قبل أن يرجع
_________________
(١) ١ نصب الراية ٣/ ٤٠٨، وفتح القدير ٥/ ٢٢٤. ٢ سبق تخريجه ص ١٧٩.
[ ٢ / ١٨٨ ]
إلى دار الإسلام.١
وأيضا هذا الحديث لم يثبت عن الرسول ﷺ ولم تذكره إلا كتبهم٢، ولم يذكر في كتب الصحاح والسنن.
وعلى فرض ثبوته لا دلالة فيه: لأن الرسول ﷺ لم يقسم الغنائم في دار الحرب، إما لأنها لم تحرز ويستولي عليها الاستيلاء التام، وإما أن الرسول رأى أن المصلحة هو عدم قسمتها في دار الحرب لئلا تشغل الجيش عن الجهاد فأخر القسمة حتى الرجوع إلى دار الإسلام. ومما لا خلاف فيه بين العلماء أن الإمام إذا رأى أن المصلحة في عدم قسمتها في دار الحرب وإنما هي في تأخيرها حتى الرجوع إلى دار الإسلام جاز له ذلك
أما استدلالهم بقصة عبد الله بن جحش وعمرو بن الحضرمي. فقد رد عليهم الإمام الشافعي بقوله: "وأما ما احتج به من وقعة عبد الله بن جحش وابن الحضرمي، فذلك قبل بدر وقبل نزول الآية، وكانت وقعتهم في آخر يوم من الشهر الحرام فتوقفوا فيما صنعوا حتى نزلت: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ٣ وليس مما خالف فيه الأوزاعي بسبيل) .٤
_________________
(١) ١ الأم ٧/ ٣٢٣. ٢ الرد على سير الأوزاعي للإمام أبي يوسف ص ١٠٠، والمبسوط ١٠/١٩ والغر المنيفة ص ١٧٦. ٣ الآية ٢١٧ من سورة البقرة. ٤ الأم ٧/٣٣٥، والسنن الكبرى ٩/ ٥٨.
[ ٢ / ١٨٩ ]
قلت: وبهذا يكون استدلالهم بهذه القصة ضعيف لأنها كانت قبل بدر بل قبل نزول آية الغنائم كما أشار إلى ذلك الإمام البيهقي حيث قال:
بعد ذكر القصة: "وفي ذلك دلالة على أن ذلك كان قبل نزول الآية في الغنائم"١
ب - مناقشة دليلهم من المأثور:
يرد عليه من وجهين:
١- قال الإمام الشافعي: "أن هذا الأثر لم يثبت عن عمر ﵁ وفيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف" ٢
٢- وعلى فرض ثبوته ليس فيه ما يدل على أن الغنيمة لا تقسم في دار الحرب، بل غاية ما يدل عليه هو أنه يجوز للإمام أن يشرك المدد في الغنيمة قبل انتهاء القتال، وقبل الاستيلاء على الغنيمة، أما إذا انضموا إلى الجيش بعد انتهاء الحرب وبعد الاستيلاء على الغنيمة وإحرازها بدار الحرب، فلا يشركهم فيها، ولم يتعرض الأثر لقسمة الغنائم لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام.
ج - مناقشة دليلهم من المعقول:
قولهم إن الإمام يجب ألا يشتغل بالقسمة ولا يشتغل إلا بأمور
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ٩/ ٥٩. ٢ الأم ٧/٣٣٥، والسنن الكبرى ٩/٥٠.
[ ٢ / ١٩٠ ]
الحرب يرد عليه: بأن الاشتغال بتوزيع الغنائم لا يمنع من الاشتغال بأمور الحرب، لأن الإمام لا يوزع الغنائم إلا بعد الانتهاء من الحرب ليعلم بانتهائها تحقق الظفر واستقرار الملك.
أما إذا رأى الإمام أن المصلحة هو تأخير قسمة الغنائم عند الرجوع إلى دار الإسلام جاز له ذلك وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.١
وأما قولهم أن الغنيمة لا تملك قبل الإحراز بدار الإسلام لأن ملك لا يتم إلا بالاستيلاء. يرد على ذلك: أن الغنيمة تحرز بدار الحرب ويتم الاستيلاء عليها بمجرد هزيمة الأعداء وقهرهم، وانتهاء الحرب لأن ملك الأعداء قد زال عنها بدليل أن تصرفهم فيها لا يصح.٢
وإذا أحرزت وتم الاستيلاء عليها تعجلت قسمتها كيدا للأعداء، وفرحا بالنصر، وحفظا للغنيمة.٣
ثانيا: مناقشة أدلة الجمهور القائلين بجواز قسمة الغنائم في دار الحرب:
أ - مناقشة دليلهم من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤ الآية لا دلالة فيها
_________________
(١) ١ الأحكام السلطانية للمارودي ص ١٣٩، والأحكام السلطانية لأبي يعلي ص١٥٠. ٢ المغني ٨/ ٤٢٢. ٣ الأحكام السلطانية للمارودي ص ١٣٩، والأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلي ص١٥٠. ٤ الأنفال: ٤١.
[ ٢ / ١٩١ ]
على جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب، بل غاية ما تدل عليه الآية هو إباحة الغنيمة للمجاهدين، الخمس منها للأصناف المذكورة في الآية والأربعة أخماس الباقية تقسم بينهم.
يجاب عن ذلك: بأننا لا ننكر أن الآية أباحت الغنيمة للمجاهدين ولكن إباحتها يقتضي ثبوت الملك لهم فيها، ومتى ثبت الملك جازت القسمة سواء ملكت في دار الحرب أو في دار الإسلام.١
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ ٢
لا تدل على جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب، بل غاية ما تدل عليه هو إباحة الغنائم للمجاهدين وأنها حلال طيب لهم.
ويجاب عن ذلك: بأن الأمر بالأكل من الغنيمة جاء عاما ولم يفرق بين أن يكون أكلها في دار الإسلام، أو في دار الحرب ولم يرد ما يخصص هذا العموم، من أن الأكل لا يجوز إلا في دار الإسلام فتبقى الآية على عمومها، وهو إباحة الغنيمة للمجاهدين ولهم قسمتها متى أحرزوها واستولوا عليها سواء كان ذلك في دار الحرب أو في دار الإسلام.
ب - مناقشة أدلتهم من السنة:
١- استدلالهم بأن الرسول ﷺ قسم غنائم غزوة بني المصطلق فيها، وكان مكان الغزوة آنذاك دار حرب.
_________________
(١) ١ التفسير الكبير للفخر الرازي ١٥/١٦٦. ٢ الأنفال: ٦٩.
[ ٢ / ١٩٢ ]
يرد على ذلك: بأن الرسول ﷺ عندما قسم غنائم بني المصطلق قسمها بعد أن افتتح بلادهم، وظهر عليها، وصارت بلادهم دار إسلام بدليل أن الرسول ﷺ بعث الوليد بن عقبة يأخذ صدقاتهم.١
قال السرخسي: "وقسم غنائم بني المصطلق في ديارهم، وكان قد افتتحها يعني صيرها دار إسلام، ويدل على ذلك حديث مكحول قال: ما قسم رسول الله ﷺ الغنائم إلا في دار الإسلام،٢ وفي هذا دليل على أنها لا تقسم في دار الحرب"٣
وأجيب عن ذلك:
بأن دار بني المصطلق لم تزل دار حرب بعد غزوهم، لأن النبي ﷺ أغار عليهم وهم غارون في نعمهم، وسباهم، وقسم أموالهم وسبيهم في دارهم، سنة خمس، وإنما أسلموا بعدها بزمان ولذلك كان بعثه ﷺ للوليد ابن عقبة مصدقا سنة عشر، فعندما غزاهم الرسول ﷺ ورجع عن دارهم كانت دار حرب كما قال الإمام الشافعي.٤
قال الباجي: "إن هذا غير صحيح أي كون دار بني المصطلق دار إسلام، لأنهم لم يكونوا مسلمين وقت الغنيمة، ولو كانوا مسلمين ما قسم
_________________
(١) ١ الرد على سير الأوزاعي ص٢، وفتح القدير ٥/٢٤٤، وبدائع الصنائع ٧/١٢١، والغرة المنيفة ص ١٧٦. ٢ سبق تخريجه ص ١٧٧. ٣ المبسوط ١٠/١٩. ٤ الأم ٧/٣٣٥.
[ ٢ / ١٩٣ ]
النبي ﷺ غنائمهم والنبي ﷺ غنم بني المصطلق سنة خمس، وأسلموا سنة عشر وفي سنة عشر بعث إليهم الوليد بن عقبة مصدقا"١
٢- وكذلك استدلالهم بأن الرسول ﷺ قسم غنائم حنين بالجعرانة وكانت تابعة لمكة وهي دار حرب.
يرد عليه: بأن كون النبي ﷺ لم يقسم غنائم حنين إلا بعد رجوعه من الطائف، وقسمها بالجعرانة وكانت من دار الإسلام، دليل على أن الغنائم لا تقسم في دار الحرب.
وقولهم بأن الجعرانة كانت تابعة لمكة وهي دار حرب. فهذا غير صحيح، لأن الجعرانة كانت من دار الإسلام، لأن غزوة حنين كانت بعد فتح مكة، والجعرانة من نواحي مكة فتكون تابعة لها.
وروى أن الأعراب طالبوه بقسمتها، ومع كثرة مطالبتهم أخر القسمة حتى انتهى إلى دار الإسلام، فدل على أنها لا تقسم في دار الحرب.٢
وأجيب عن ذلك: بأن النبي ﷺ قسم غنائم حنين بها، لأن الجعرانة كانت على حدود مكة، فهي خارجة عنها وتعتبر تابعة للمكان الذي وقعت فيه غزوة حنين، حتى إن الإمام البيهقي قال: بعد ذكر الحديث
_________________
(١) ١ المنتقى شرح الموطأ ٣/١٧٦. ٢ المبسوط١٠/١٨،١٩، وبدائع الصنائع ٧/١٢١، وفتح القدير ٥/٢٢٤، والغرة المنفية ص ١٧٦.
[ ٢ / ١٩٤ ]
الذي فيه أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة حين قسم غنائم حنين. وفي الحديث دلالة على أنه ﷺ قسم غنائم حنين بها.١
وعلى فرض أن الجعرانة تابعة لمكة وتعتبر من دار الإسلام كما قال الحنفية يقال لهم يحتمل أن النبي ﷺ أخر قسمة الغنائم حتى رجع إلى دار الإسلام لأنه رأى أن المصلحة تقتضي التأخير وهذا مما لا خلاف بين العلماء.٢
٣- أما استدلالهم بأحاديث قسمة غنائم خيبر، فكذلك لا دلالة لهم فيها على جواز قسمة الغنائم في دار الحرب، لأن خيبر بعد الفتح صارت دار إسلام بدليل أن النبي ﷺ عقد الذمة مع أهلها وعاملهم على النخل، وعلى فرض أن جميع سكانها من أهل الذمة تعتبر دار إسلام، لأن النبي ﷺ بعدما فتحها أجرى فيها أحكام الإسلام، ومعاملة النبي ﷺ يهود خيبر وقسمته أراضيها أشهر من أن يعرف بها، لورود الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا، فكيف تصير دار حرب بعد إجراء أحكام الإسلام فيها.٣
قال السرخسي: "وأما خيبر فإنه افتتح الأرض وجرى فيها حكمه، فكانت القسمة فيها بمنزلة القسمة في المدينة، وقسم الغنائم فيها قبل أن
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي ٩/٥٦. ٢ الأحكام السلطانية للماوردى ص ١٣٩،والأحكام السلطانية ص ١٥٠. ٣ الرد على سير الأوزاعي ص ٢،٣، وبدائع الصنائع ٧/١٢، وفتح القدير ٥/٢٢٤، وتبيين الحقائق ٣/٢٥٠، والغرة المنيفة ص ١٧٧.
[ ٢ / ١٩٥ ]
يخرج منها، ففي هذا دليل على أن الإمام إذا افتتح بلدة وصيرها دار إسلام بإجراء أحكام الإسلام فيها، فإنه يجوز له أن يقسم الغنائم فيها وقد طال مقام رسول ﷺ بخيبر بعد الفتح وأجرى أحكام الإسلام فيها، فكانت من دار الإسلام، القسمة فيها كالقسمة في غيرها من بقاع دار الإسلام"١
وأجاب الجمهور عن ذلك: بأن خيبر بعدما فتحها النبي ﷺ دار حرب، لأنه لم يكن فيها مسلم واحد وما صالح الرسول ﷺ إلا اليهود وهم على دينهم، وما حول خيبر كله كان دار حرب.٢
٤- أما استلالهم بحديث أبي موسى ﵁ فلا دلالة لهم فيه لأن النبي ﷺ قسم له وأصحابه، لأنهم شاركوا في الفتح قبل الهزيمة إحراز الغنيمة والاستيلاء عليها بدار الإسلام لأن خيبر صارت دار لإسلام بعد فتحها.٣
ولهذا قال أبو موسىرضي الله عنه: "ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا" وأجيب عن ذلك بأن قسم النبي ﷺ لأبي موسى وأصحابه ﵃ بعد الفتح والاستيلاء على الغنائم، يدل عليه قول أبي موسى: "قدمنا على رسول الله ﷺ بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا " ولا يلزم من مشاهدتهم الفتح اشتراكهم فيه.
_________________
(١) ١ المبسوط ١٠/١٩. ٢ الأم ٧/٣٣٥، والسنن الكبرى ٩/٥٦. ٣ فتح القدير ٥/٢٢٦.
[ ٢ / ١٩٦ ]
ج - مناقشة دليلهم من المعقول:
قولهم بأن الغنيمة تملك بمجرد الاستيلاء عليها في دار الحرب، هذا غير صحيح، لأن الملك لا يتم إلا بالاستيلاء، والاستيلاء التام لا يثبت إلا بإحراز الغنيمة في دار الإسلام، فما دامت في دار الحرب لم يستحكم الملك.١
أما قولهم بأن الدليل على إحرازها بدار الحرب هو أن ملك الكفار قد زال عنها.
فرد عليهم الحنفية بقولهم: قدرة الكفرة على الانتفاع بأموالهم ثابتة لأن الغزاة ماداموا في دار الحرب فالاسترداد ليس بنادر بل هو ظاهر أو محتمل احتمالا على السواء والملك كان ثابتا لهم فلا يزول مع الاحتمال.٢
أجاب الجمهور عن ذلك بقولهم: إن الغنيمة تملك ويتم الاستيلاء عليها بمجرد انتهاء القتال وهزيمة الأعداء، وإذا أحرزت وجمعت في دار الحرب تعجل قسمتها، لأن في ذلك كيدا الأعداء وأطيب لقلوب المجاهدين، وأحفظ للغنيمة، وأرفق بهم في التصرف لبلادهم.
أما الكفار فقد زال ملكهم عنها بمجرد قهرهم وهزيمتهم ولا يستطيعون الانتفاع منها بشيء.٣
_________________
(١) ١ الغرة المنيفة ص ١٧٦، والخراج لأبي يوسف ص ١٧٦، واللباب في شرح الكتاب ٤/١٢٥. ٢ بدائع الصنائع ٧/١٢١. ٣ الخرشي على المختصر خليل ٣/١٣٦، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٣٩، والأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلي ص١٥٠، والمغني ٨/٤٢٢.
[ ٢ / ١٩٧ ]
د - مناقشة دليلهم من القياس:
قياسهم جواز القسمة في دار الحرب على جوازها في دار الإسلام قياس مع الفارق، لأن الغنيمة بمجرد وصولها إلى دار الإسلام يتم إحرازها والاستيلاء عليها، بخلافها في دار الحرب ولأن السلطة والهيمنة في دار الإسلام للمسلمين، بخلافها في دار الحرب، لأنه ربما نتج عن الاشتغال بتقسيم الغنائم في دار الحرب عواقب سيئة من التكاسل عن الجهاد، وتفرقة المجاهدين، فربما أغار عليهم العدو كرة أخرى وهم لاهون بتوزيع الغنائم فهزمهم واستولى على غنائمهم، بخلاف ذلك في دار الإسلام.١
أجيب عن ذلك: بأن القياس صحيح، وليس مع الفارق كما قلتم، لأن الغنيمة كما تملك وتحرز في دار الإسلام فكذلك في دار الحرب، ولأن الاطمئنان يحصل للمجاهدين في دار الحرب بمجرد هزيمة أعدائهم وقهرهم، والاستيلاء على أموالهم، فتقسم الغنائم في دار الحرب كما تقسم في دار الإسلام، بل إنها قسمتها في دار الحرب أولى لأنه ربما نتج حرج ومشقة في حملها إلى دار الإسلام، ولأن الغنيمة حق للمجاهدين وتعجيل الحق لصاحبه أولى من تأخيره، ولأن في قسمتها في دار الحرب كيدا للأعداء وفرحا للمسلمين بالنصر.٢
_________________
(١) ١ المبسوط ١٠/١٨،١٩،وفتح القدير ٥/٢٢٤،٢٢٥،والغرة المنيفة ص ١٧٦. ٢ الخرشي على المختصر خليل ٣/١٣٦، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٣٩، والمغني ٨/٤٢٢، والمحلي٧/٣٤١.
[ ٢ / ١٩٨ ]
وإذا خيف من سوء العاقبة التي ربما تنتج عن قسمتها في دار الحرب فتأخيرها إلى دار الإسلام جائز بلا خلاف بين العلماء.١
الرأي المختار:
وبعد عرض آراء الفقهاء في قسمة الغنيمة في دار الحرب وأدلتهم ومناقشتها، اتضح لي أن الرأي المختار هو جواز قسمة الغنائم في دار الحرب وهو ما ذهب إليه الجمهور- وذلك للأسباب الآتية:
١- لقوة الأدلة التي استدلوا بها من ذلك قسمته ﷺ غنائم بدر قبل أن يصل إلى المدينة، وغنائم بني المصطلق وحنين وخيبر، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة السابقة.
قال عمر بن الخطاب ﵁ "لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي ﷺ خيبر"٢
وقال الإمام الأوزاعي: "لم يقفل رسول الله ﷺ من غزوة أصاب فيها مغنما إلا خمسة وقسمه قبل أن يقفل"٣
وقال الإمام الشافعي: "ما علمت للرسول ﷺ سرية قفلت من موضعها حتى تقسم ما ظهرت عليه وقال: إن أهل المغازى لا يختلفون في أن رسول الله ﷺ قسم غير مغنم في بلاد الحرب"٤
_________________
(١) ١ تكملة المجموع ١٨/١٦١، والأحكام السلطانية للماوردي ص١٣٩، والأحكام السلطانية لأبي يعلي ص١٥٠. ٢ أخرجه البخاري ٢/١٩٣كتاب الجهاد باب الغنيمة لمن شهد الوقعة. ٣ الرد على سير الأوزاعي ص ١، والأم ٧/٣٣٥. ٤ الأم ٧/٣٣٥.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وقال الإمام الباجي: "لم يزل الناس من لدن النبي ﷺ إلى زمن عمر وعثمان والخلفاء كلهم وجيوشهم في البر والبحر ما قسموا غنيمة قط إلا حيث غنموها وهذا معروف عند أهل السير والمغازي"١
وقال الخرشي: "السنة الماضية التي فعلها النبي ﷺ والعمل الذي مضى عليه السلف أن الإمام يقسم الغنيمة في أرض العدو"٢
وأقوال العلماء هذه تؤكد لنا أن الثابت من فعل النبي ﷺ وأصحابه قسمة الغنيمة في دار الحرب.
٢- ولأن الأدلة التي استدل بها الحنفية على عدم جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب، منها ما هو ضعيف ومنها ما هو صحيح، فالضعيف منها يسقط به الاستدلال، والصحيح منها لا دلالة لهم فيه، بل غاية ما دل عليه أن النبي ﷺ قسم الغنيمة في دار الإسلام، وهذا لا يمنع من قسمتها في دار الحرب.
ويمكن حمله على النبي ﷺ أخر القسمة إلى دار الإسلام لأن المصلحة تقتضي التأخير وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
٣- ولأنه ربما نتج عن تأخيرها إلى دار الإسلام الحرج والمشقة، لأن المجاهدين ربما لا يستطيعون حملها وهم في حاجة إليها وهذا مما يوقعهم في الحرج والمشقة وهما مرفوعان عن هذه الأمة بكتاب الله ﷾
_________________
(١) ١ المنتقى شرح الموطأ ٣/١٧٦. ٢ الخرشي شرح مختصر خليل ٣/١٣٦.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وسنة رسوله ﷺ، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١، وقال ﷺ: "إن الدين يسر" ٢
٤- ولأن الغنيمة بمجرد انتهاء القتال وهزيمة الأعداء وتفرق شملهم يتم الاستيلاء عليها، فتتعجل متى أحرزت، لأن الغنيمة حق من حقوق المجاهدين وتعجيل الحق لصاحبه أولى من تأخيره.
حتى أن بعض الفقهاء كره تأخير قسمتها إلى دار الإسلام، قال النووي: "يستحب قسمتها في دار الحرب ويكره تأخيرها إلى دار الإسلام من غير عذر" ٣
٥- ولأن قسمة الغنيمة في دار الحرب أنكى للعدو، وأطيب لقلوب المجاهدين، وأحفظ للغنيمة، لأنها ربما تعرضت للضياع أثناء حملها إلى دار الإسلام. وبناء على هذا الاختيار يتضح لنا أن اختلاف الدار لا أثر له في قسمة الغنيمة في دار الكفر الحربية فتجوز قسمتها في دار الكفر كما تجوز قسمتها في دار الإسلام.
تتمة:
ويتفرع عن اختلافهم في جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب مسائل منها:
_________________
(١) ١ الحج: ٧٨. ٢ أخرجه البخاري ١/١٦ كتاب الإيمان باب الدين يسر. ٣ انظر: روضة الطالبين ٦/٣٧٦.
[ ٢ / ٢٠١ ]
١- أن المدد الذي يصل إلى دار الحرب بعد انتهاء القتال وإحراز الغنيمة لا يسهم له منها عند الجمهور كما في حديث أبان ﵁ أن النبي ﷺ لم يقسم له ولأصحابه من الغنيمة لأنهم لم يشهدوا الغزوة١، والغنيمة لمن شهد الوقعة كما قال عمر ﵁.٢
ولأن الغنيمة تملك وتحرز بمجرد الاستيلاء عليها في دار الحرب، وإذا ملكت وأحرزت لا حق لهم فيها. وقال الأحناف: المدد الذي يصل إلى دار الحرب بعد انتهاء القتال، يسهم له من الغنيمة لأنها لا تملك إلا بإحرازها في دار الإسلام.
٢- ومنها أنه إذا مات أحد الغانمين في دار الحرب يسهم له ويورث نصيبه عند الجمهور. ولا يسهم له ولا يورث نصيبه عند الأحناف.
٣- ومنها: أنه إذا أتلف أحد الغانمين شيئا من الغنيمة، يضمنه عند الجمهور وعند الحنفية لا يضمن.
٤- ومنها: أن الإمام إذا باع شيئا من الغنيمة بدون حاجة جاز له ذلك عند الجمهور، ولا يجوز عند الحنفية.
٥- ومنها: أن الإمام إذا قسم الغنائم في دار الحرب من غير اجتهاد جاز له ذلك عند الجمهور، وعند الحنفية لا يجوز.٣
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٣/٥٥ كتاب المغازي، باب عزوة خيبر. ٢ سبق تخريجه ص ١٨٦. ٣ بدائع الصنائع ٧/١٢١، وتأسيس النظر للدبوسي ص ٧٩، وأحكام القرآن للجصاص ٣/، وأسهل المدارك ٢/١٢، والأم ٧/٣٣٥ والمغني ٨/٤٢٢.
[ ٢ / ٢٠٢ ]