النكاح من مقاصد الإسلام الأساسية لما يترتب عليه من مصالح وفوائد وحكم كثيرة كحفظ الدين وتحقيق الأمن وإحصان الزوجين، وحفظ النسل والنسب والقيام على رعاية الأولاد والزوجة إلى جانب غرس كثير من الصفات الطيبة كحسن التعامل والصبر وتحمل المسؤولية، والترابط بين الأسر وتحقيق المودة والسكن والاستقرار بين الزوجين إلى غير ذلك من المقاصد والمصالح العظيمة التي تتحقق في النكاح، وقد رغب الإسلام في نكاح المؤمنة، ومراعاةُ الجانب الديني أهم وأول ما يجب اعتباره في اختيار الزوجة لقوله ﷺ: "فاظفر بذات الدين تربت يداك"١. وليحرص المسلم على الزواج بالمسلمة لأنها خير من الكافرة وقد حرَّم الإسلام الزواج بالمشركات فقال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ٣
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٣/٢٤٢ كتاب النكاح ومسلم ٢/٨٦ كتاب النكاح حديث ١٤٦٦. ٢ البقرة: ٢٢١. ٣ الممتحنة:١٠.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وتحريم النكاح بين المسلمين والمشركين ممن لا كتاب لهم محل إجماع بين العلماء.١
وكذلك يحرم زواج الكافر بالمسلمة مطلقًا سواء كان كتابيًا أم غيره٢.
أما زواج المسلم بالكتابية فقد ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف إلى جوازه٣، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٤
ولما ورد عن كثير من الصحابة ﵃ أنهم تزوجوا بالكتابيات وأباحوا الزواج بهن٥ إلا ما آثر عن ابن عمر ﵄
_________________
(١) ١ تبيين الحقائق ٢/١٠٩، بداية المجتهد ٢/٤٤، المهذب ٥٦١٢، المغني ٧/١٣١. ٢ انظر: بدائع الصنائع ٢/٢٧٧، الجامع لأحكام القرآن ٣/٧٢، المهذب ٢/٥٦، المغني ٧/١٣٠. ٣ المبسوط ٤/٢٠، فتح القدير ٣/١٣٥، المدونة ٢/٣٠٦، السراج السالك ٢/١٥٤، الكافي لابن عبد البر ١/٤٤٥، الأم ٥/٧، روضة الطالبين ٧/١٣٥، مغني المحتاج ٣/١٨٧، المبدع ٧/٧٠، كشاف القناع ٥/٨٤، أحكام أهل الذمة ١/٨٧، المحلى ٩/٤٤٨. ٤ المائدة: ٥. ٥ انظر: السنن الكبرى ٧/١٧٢، مصنف عبد الرزاق ٦/٧٨، ٧٩ كتاب النكاح، مصنف ابن أبي شيبة ٤/١٥٨، وسنن سعيد بن منصور ١/١٩٣، والأم ٥/٧، والتلخيص الحبير ٣/١٧٤، الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٦٥.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
أنه حرم نكاح المسلم بالكتابية، فقد ثبت في الصحيح عن نافع أن ابن عمر ﵄ كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية فقال: إن الله تعالى حرم المشركات على المؤمنين ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله.١
وقوله هذا حمله بعض العلماء على الكراهة، وأنه كان متوقفًا في ذلك.٢
وعلى فرض ثبوته فهو فهم منه واجتهاد ولا يقوى على معارضة الآية التي صرحت بإزاحة نساء أهل الكتاب.٣
إن قوله ﷾: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٤
جاء عامًا في إباحة تزوج نساء أهل الكتاب، لم يفرق بين أن يتزوجها المسلم في دار الإسلام، أو في دار الحرب، ولكن الفرق إنما بين من يتزوجها في دار الإسلام أو في دار الحرب لأن السلطة وغلبة الأحكام والهيمنة في دار الإسلام للمسلمين، فهم الذين يحكمون بما أنزل الله، ويرفعون راية الإسلام، ويظهرون شعائره، فالكتابية في هذه الدار ذمية، تدفع الجزية عن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٣/٢٧٤، ٢٧٥ كتاب الطلاق باب قوله تعالى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٢ انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/٣٢٥، الجامع لأحكام القرآن ٣/٦٨. ٣ انظر: السيل الجرار ٢/٢٥٢. ٤ المائدة:٥.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
يد وهي صاغرة ذليلة، وتلتزم بأحكام الإسلام العامة، وتطلع على محاسن الإسلام، وعندئذ يكون ميلها لدين زوجها المسلم أقرب، فالكتابية في هذه الدار تختلف عن الكتابية في دار الحرب التي تكون السلطة فيها والهيمنة وغلبة الأحكام للكفار، لأنهم أهل الحل والعقد، ويحكمون بخلاف شرع الله، بقوانينهم الوضعية، المخالفة للإسلام، والراية المرفوعة والشعائر الظاهرة فيها، هي شعائر الكفر لا الإسلام، فالكتابية الحربية حرة تفعل ما تشاء، بل إن لها السيطرة والسلطة على زوجها في أكثر البلدان الكافرة، وتمسكها بدين أهلها وعقيدتهم وعاداتهم وأخلاقهم، هو الوارد، وتكون أقل ميلا وتمسكا بدين زوجها، لأن المحيط العام بها هو خلاف هذا الدين، بل ربما أثرت على زوجها الذي يعيش بين أحضانها، ليعتنق دينها، وأيضا على أولاده الذين يتربون بين يديها، ويتغذون بلبنها الملوث بالخمر والخنزير بهذا الفرق بين الدارين اختلف العلماء في حكم الزواج بالكتابية في دار الحرب إلى قولين:
القول الأول: يباح للمسلمين نكاح نساء أهل الكتاب في دار الحرب مع الكراهة.
وهو قول الجمهور الحنفية في الصحيح، والمالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح من المذهب.١
_________________
(١) ١ المبسوط ١٠/٩٦، بدائع الصنائع (٢/٢٧٠، وتبيين الحقائق ٢/١٠٩، والبحر الرائق ٣/١٠٩، والفتاوى الهندية ١/٢٨٨، والفتاوى البزازية١/٣٦٥، والمدونة٢/٣٠٦، والسراج المالك ٢/٥٤، والشرح الصغير٢/٤٢٠، وروضة الطالبين ٧/١٣٥، والمهذب ٢/٥٧، ومغنى المحتاج ٣/١٨٧، وحاشية الشرقاوي ٢/٣٢٨، وقليوبي وعميرة ٣/٢٥٠، والمبدع ٧/٧١، وكشاف القناع ٥/٥٤، وشرح منتهى الإرادات ٣/٣٦.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
القول الثاني: يحرم على المسلمين نكاح نساء أهل الكتاب في دار الحرب.
وهو قول ابن عمر١، وابن عباس ﵃ والنخعي، ومجاهد، والثوري، والحكم.٢
وبه قال فقهاء الحنفية في رواية، قال ابن عابدين: "إطلاقهم الكراهة في الحربية يفيد أنها تحريمية، والدليل عند المجتهد على أن التعليل يفيد ذلك، ففي الفتح ويجوز تزوج الكتابيات، والأولى أن لا يفعل، وتكره الكتابية الحربية إجماعًا، فقوله: الأولى أن لا يفعل يفيد أن الكراهة تنزيهية في غير الحربية، وما بعده يفيد كراهة التحريم في الحربية تأمل" ٣، وهو وجه لفقهاء الحنابلة، قال صاحب المحرر: "لا يحل لمسلم نكاح كافرة إلا حرائر أهل الكتاب غير الحربيات، وفي الحربيات وجهان"٤
وقال المرداوي: "قيل يحرم نكاح الحربية مطلقا، وقيل يجوز في دار الإسلام، لا في دار الحرب، وإن اضطر، وهو منصوص كلام أحمد"٥.
_________________
(١) ١ ولعل ما أثر عنه بتحريم نكاح الكتابية يحمل على هذا فليتأمل. ٢ الإشراف لابن المنذر ٤/٩١، وأحكام القرآن للجصاص ٢/٣٢٦، والجامع لأحكام القرآن ٣/٦٩. ٣ انظر: حاشية رد المحتار ٣/٤٥. ٤ انظر: المحرر في الفقه ٢/٢١. ٥ انظر: الإنصاف ٨/١٣٥.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وقال الخرقي: "ولا يتزوج بأرض العدو إلاّ أن تغلب عليه الشهوة فيتزوج مسلمة، ويعزل عنها ولا يتزوج منهم" ١
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بالكتاب، والمعقول:
دليلهم من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢.
وجه الدلالة من الآية الكريمة:
الآية عامة في إباحة نساء أهل الكتاب للمسلمين، ولم تفرق بين أن يكون الزواج بها في دار الإسلام، أو في دار الحرب، فاختلاف الدار لا أثر له في إباحة الزواج أو تحريمه.
قال الجصاص: "وظاهر الآية يقتضي جواز نكاح الجميع، الذميات والحربيات، لشمول الاسم لهن" ٣.
وقال صاحب البحر المحيط: "عموم الآية يدل على جواز نكاح
_________________
(١) ١ انظر: مختصر الخرقي ص١١٥. ٢ المائدة: ٥. ٣ انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/٣٢٦.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
الكتابية الحربية، لاندراجها في عموم ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ١
وقال القاسمي: "استدل بعموم الآية من جوز نكاح الحربيات الكتابيات"٢
أما دليلهم على أن الزواج بالكتابية في دار الحرب أشد كراهة منه في دار الإسلام، فاستدلوا على ذلك بالمعقول. وهو:
أن نكاح الكتابية المقيمة في دار الحرب، يفضي إلى أمور سيئة منها:
- أن زوجها مقيم معها في دار الحرب، وهذا فيه تكثير لسواد الكفار، وقد تبرأ رسول الله ﷺ ممن أقام مع المشركين ولم يهاجر إلى ديار المسلمين.
- أن الكتابية التي في دار الحرب لم تخضع لأحكام الإسلام، بخلاف التي في دار الإسلام، وهذا مما يقوي سلطتها على زوجها، وشدة تأثيرها عليه، فيميل إلى حبها ومودتها، فتفتنه عن دينه، وتخلقه بأخلاقها، وتعوده على عاداتها الفاسدة.
- أن الكتابية في دار الحرب تشرب الخمر وتأكل الخنزير وغيرهما من المحرمات، عيانًا بيانًا، والدين المحيط بها هو الكفر، فميلها إلى دين
_________________
(١) ١ انظر: البحر المحيط ٣/٤٣٢. والآية ٥ من المائدة. ٢ انظر: تفسير القاسمي ٦/١٨٧٣.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
أهلها وقومها هو الأقرب، بل ربما أثرت على زوجها، فمال معها، بخلاف الكتابية في دار الإسلام، فإنها تشرب الخمر، وتأكل الخنزير، خفية ولا يسمح لها بالتظاهر به، والدين المحيط بها هو الإسلام بعزته وآدابه السامية، فميلها إلى دين زوجها هو الأقرب.
- تنشئة أولاده، فَلَذَات كبده، على دينها الخبيث، وخلقها وعاداتها السيئة، لأنها هي الأقرب لهم من أبيهم، فعطفها وحنانها له تأثير كبير على سلوكهم وأخلاقهم، ولكون الدين المحيط بهم هو الكفر، والخلق والعادات المحيطة بهم هي خلق وعادات الكفار، فهذا أيضا له الأثر البالغ في ميل أبنائه إلى دين أمهم وأخلاقها.
- تعريض الولد للاسترقاق، لأنها ربما تكون حاملا منه، فتنتشب الحرب بين المسلمين والكفار، وينتصر المسلمون على عدوهم، وتؤسر الأم، فلا تصدق بأن هذا الحمل من مسلم، فيترتب على ذلك أن يولد الولد رقيقا مملوكا، لمن وقعت الأم في أسره.
فلهذه المفاسد وغيرها كثير، كان النكاح بالكتابية في دار الحرب أشد كراهة منه في دار الإسلام.١
_________________
(١) ١ المبسوط ٥/٥٠، وفتح القدير ٣/١٣٥، ومجمع الأنهر ١/٣٢٨، وتبيين الحقائق ٢/١٠٩، والمدونة ٢/٣٠٦، والسراج السالك ٢/٥٤، والجامع لأحكام القرآن ٣/٦٩، والمهذب ٢/٥٧، ومغنى المحتاج ٣/١٨٧، وحاشية قليوبي وعميرة ٣/٢٥٠، وكشاف القناع ٥/٥٤، وشرح المنتهى الإرادات ٣/٣٦.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
ثانيا: أدلة أصحاب القول الثاني: الذين قالوا بتحريم نكاح الكتابية في دار الحرب.
استدلوا بالكتاب، والمأثور، والمعقول.
أولا: دليلهم من الكتاب:
أ- بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
وجه الدلالة من الآية الكريمة:
أن الله ﷾ أباح نكاح أهل الكتاب للمسلمين، والمراد بهن في هذه الآية، الذميات دون الحربيات، لأنهن يلتزمن بأحكام الإسلام، ويد فعن الجزية، ويتمكن المسلمون من الركون إليهن، وتطمئن النفوس إلى نكاحهن في الجملة.١
ب- وبقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٢
وجه الدلالة من الآية:
أن الله ﷾ أمر بقتال الكفار من أهل الكتاب الحربيين
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ٦/٧٩، والبحر المحيط ٣/٤٣٢، والعلاقات الاجتماعية ص٦٢. ٢ التوبة: ٢٩.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
الذين لايؤدون الجزية، والأمر بقتالهم يوجب عدم محبتهم ومودتهم، فعلى هذا لا يحل التزوج من نسائهم الحربيات، لأن الزواج مودة ومحبة.١
ج- وقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٢
وجه الدلالة من الآية:
أن الله ﷾ نفى عن المؤمنين بالله حقا، محبة ومودة أعداء الله، الذين عصوا ربهم، ونصبوا أشد العداوة والبغضاء لعباده المسلمين، وبما أن هذه الصفات المذكورة متحققة في الكتابية الحربية، تكون مندرجة تحت ما نفاه الله عن عباده المؤمنين، من محبة ومودة أعدائه.
فبهذا لا يحل التزوج بالحربية، لأن الزواج مودة ومحبة.٣
د - وقوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ ٤
وجه الدلالة من الآية:
فقد بين ﷾ في هذه الآية أن الخبيثة للخبيث، والعكس، والكتابية الحربية خبيثة، فلا تكون للمسلم الطيب، لأن الطيبين للطيبات.٥
_________________
(١) ١ أحكام القرآن للجصاص ٢/٣٢٦. ٢ المجادلة: ٢٢. ٣ أحكام القرآن للجصاص٢/٣٢٦، وروح المعاني٦/٥٩، والعلاقات الاجتماعية ص٣٦. ٤ النور: ٢٦. ٥ تفسير الآية القاسمي ٦/١٨٧٤.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
ثانيا: دليلهم من المأثور:
بما ورد عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن نكاح الكتابية الحربية، فقال: لا تحل وتلا قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾
قال: فمن أعطى حل، ومن لا فلا.١
وجه الدلالة:
أن ابن عباس ﵄ حرم الزواج بالكتابية في دار الحرب، مستندا في ذلك إلى كتاب الله ﷿، فالتي تدفع الجزية هي التي تحل، وهي الذمية، أما الحربية التي لا تدفع الجزية فلا تحل.
قال القاسمي: "وهذا الاستدلال دقيق جدا فليتأمل"٢
ثالثا: دليلهم من المعقول: من أربعة أوجه:
_________________
(١) أن المسلم الذي يتزوج الكتابية الحربية، يكون مقيما معها في دار الحرب، مع أنه مأمور بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ بالهجرة منها، فقال ١ أحكام القرآن للجصاص ٢/٣٢٦، والجامع لأحكام القرآن ٣/٦٩، وتفسير القاسمي ٦/١٨٧٣، والبحر المحيط ٣/٤٣٢. ٢ تفسير القاسمي ٦/١٨٧٣.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ١
والرسول ﷺ يقول: "نا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" والبراءة لا تكون إلا على فعل محرم، فالتزوج بالكتابية الحربية محرم، لأنه يفضي إلى الإقامة معها في دار الحرب وفي هذا مخالفة لأمر الله، وأمر رسوله ﷺ الهجرة منها، وتكثير لسواد الكفار، وتقليل لعدد المسلمين.٢
٢- أن المسلم الذي يفعل هذا الزواج، يخشى عليه من موالاة أعداء الله ورسوله والمسلمين، وقد نهى الله ﷾ عن موالاتهم، ومحبتهم، في أكثر من آية. فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٣
٣- لأن المسلم بفعله هذا يعرض نفسه وولده لمخاطر سيئة لا يستطيع الإفلات منها، فربما أثرت عليه وعلى ولده فتخلقوا بأخلاقها، وشبوا على عاداتها وعادات قومها الفاسدة، وأخطر من هذا ربما مالوا إلى دينها وارتدوا عن الإسلام، مع ما يحصل من الاسترقاق لأولاده عندما تؤسر أمهم وهي حامل منه، فلا تصدق بأن هذا الحمل من مسلم.
مع ما يحصل للزوج من الانغماس في المحرمات، ومشاهدة المنكرات التي لا يقدر على إنكارها، بل قد يموت قلبه فيقرها، وقد تمارس امرأته
_________________
(١) ١ النساء: ٩٧. ٢ فتح القدير ٣/١٣٥، والمدونة ٢/٣٠٦، والمهذب ٢/٥٧. ٣ المائدة: ٥١.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
أنواعا منها، وهو لا يقدر على منعها، بل ربما مع طول الزمن صار مثلها.١
فلهذه المفاسد والمخاطر وغيرها كثير، يحرم على المسلم أن يتزوج بالكتابية في دار الحرب.
المناقشة:
أ- مناقشة أدلة الجمهور القائلين بإباحة نكاح الكتابية الحربية مع الكراهة:
بالنسبة لاستدلالهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾
يقال لهم: بأن الآية خاصة بنكاح الكتابيات في دار الإسلام، وهن الذميات، لأنهن يدفعن الجزية، ويلتزمن بالأحكام الإسلامية العامة، فرجاء إسلامهن هو الأقرب، كما فهم ذلك ابن عباس ﵄.
والله ﷾ عندما أباح نكاحهن للمسلمين، ليس فقط لقضاء العشرة الزوجية معهن، بل الأهم من ذلك هو ميلهن إلى دين أزواجهن وهو الإسلام.
أما الكتابية الحربية، فخرجت من عموم الآية، لأنها لم تجر عليها
_________________
(١) ١ المبسوط ٥/٥٠، وفتح القدير ٣/١٣٥، والمدونة ٢/٣٠٦، والجامع لأحكام القرآن ٣/٦٩، والمهذب ٢/٥٧، ومغنى المحتاج ٣/١٨٧.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
الأحكام الإسلامية، ولم تدفع الجزية، فالهدف الذي من أجله أباح الله نكاحها للمسلمين قد لا يحصل، بل ربما حصل العكس، وهو تأثيرها على زوجها المسلم وأولاده، فمالوا إلى دينها ودين قومها، وهو الكفر.
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنه لا دليل على تخصيص الآية بالذميات، فالآية عامة في إباحة الزواج بالكتابيات حربيات أو ذميات، وهذا هو ما فهمه أكثر أهل العلم.١
ويرد على ذلك: بأن الآثار المروية عن بعض الصحابة في تحريم الزواج بالكتابيات في دار الحرب، وما سبق ذكره من المخاطر والمفاسد التي تعود على المسلمين بزواجهم من الكتابيات الحربيات، قد يخصص العموم، فتخرج الكتابية الحربية من هذا، وتبقى الآية خاصة بالذمية.
أما الرد على ماستدلوا به من المعقول على كراهة الزواج بهن كراهة تنزيهية:
فيمكن أن يجاب عن ذلك: بأن حمل هذه المفاسد والمخاطر، التي تعود على المسلم، بزواجه من الحربية على الكراهة التحريمية هو الأولى، لأن المسلم الذي يتزوج بالحربية، سيبقى مقيما معها في دار الحرب، والله ﷾ أمر
_________________
(١) ١ أحكام القرآن للجصاص ٢/٣٢٦، والبحر المحيط ٣/٤٣٢، وتفسير القاسمي ٦/١٨٧٣.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
المسلمين بالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ١
فبقاء المسلم مع زوجته الحربية في دارها فيه مخالفة لأمر الله بالهجرة، ومخالفة المسلم أمر ربه محرم، وبهذا يكون الزواج بالكتابية الحربية محرم، لأن ما أدى إلى الحرام فهو محرم، والزواج بالكتابية الحربية يؤدي إلى الإقامة في دار الحرب وتكثير سواد الكفار، وهذا محرم.
ولأن الرسول صلى الله عليه وسلمتبرأ من المسلم الذي يقيم بين المشركين، والبراءة لا تكون إلا على فعل محرم، وهو الإقامة مع المشركين في دارهم عندما يتزوج المسلم بالكتابية الحربية
ب- مناقشة أدلة القائلين بتحريم الزواج بالكتابية في دار الحرب:
بالنسبة لاستدلالهم بالكتاب. فيرد عليه بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
ففي هذه الآية لا دلالة على تحريم الزواج بالكتابية الحربية، لأن الآية نص صريح في الإباحة، وجاءت عامة، لم تفرق بين الحربيات والذميات، وتخصيصها بالذميات لا دليل عليه
ويجاب عن ذلك:
_________________
(١) ١ النساء: ٩٧.
[ ٢ / ٢٥١ ]
بأن عموم الآية يمكن أن تخصصه الآثار المروية عن بعض الصحابة في تحريم الزواج بالحربية، والمفاسد الخطيرة التي تعود على المسلم من الزواج بها، والفرق الكبير بين الزواج بها في دار الإسلام، والزواج بها في دار الحرب، كل ذلك يمكن أن يخصص هذا العموم فتبقى الآية محمولة على الذميات دون الحربيات.
وكذلك باقي الآيات التي استدلوا بها، ليس لهم فيها ما يدل على تحريم نكاح الكتابية في دار الحرب.
٢- فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾
أمرت بقتال من يمتنع عن دفع الجزية من المشركين، وعدم قتال من يدفعها منهم مع الصغار والذلة، فهذا ما دلت عليه، ولا علاقة لها بتحريم الزواج من الكتابية الحربية.١
يمكن أن يجاب عن ذلك:
بأن الآية الكريمة لها علاقة بتحريم الزواج بالكتابية الحربية، وهذا هو الذي فهمه حبر الأمة ﵁ فقال: من دفع الجزية فقد حل، ومن لم يدفع لا يحل٢، وهذا استدلال وجيه، لأن الكتابية الذمية، عندما تدفع الجزية وتلتزم لأحكام الإسلام وآدابه، فهذا من أكبر الدوافع لاعتناقها لدين الإسلام، الذي أباح الله نكاحها للمسلمين، وعلى العكس، الكتابية
_________________
(١) ١ العلاقات الاجتماعية ص ٦٥. ٢ التفسير الكبير ١١/١٤٨.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
الحربية التي لا تدفع الجزية، ولا تجري عليها الأحكام الإسلامية، فرجاء إسلامها بعيد، بل ربما أثرت على زوجها المسلم وأولاده، لاعتناق دينها، والارتداد عن الإسلام.
فمن أجل ذلك حرمها حبر الأمة ﵁ للفارق الكبير بينها وبين الكتابية الذمية.
وقد أيد القاسمي هذا الاستدلال، فقال هذا الاستدلال دقيق جدا فليتأمل.
٣- أما قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١
فغاية ما تدل عليه هذه الآية، النهي عن مودة ومحبة أعداء الله، ولا علاقة لها بتحريم الزواج من الكتابية الحربية٢، حتى لو شمل النهي مودة ومحبة المسلم لزوجته الكتابية الحربية، إنما يكون ذلك إذا أحبها لدينها وأخلاقها وعاداتها التي تخالف الدين الإسلامي، أما إن أحبها لشخصها، المحبة الطبيعية، التي تكون بين الزوجين، فهذا لا بأس به، ولا يضره بشيء، وعلى فرض أن ذلك شامل للكتابية الحربية فهو محمول على الكراهة التنزيهية.
_________________
(١) ١ المجادلة: ٢٢. ٢ العلاقات الاجتماعية ص ٦٥.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن النهي عن مودة ومحبة أعداء الله يشمل الكتابية الحربية، لأنها إذا كانت في دارها فهي من ألد الأعداء للإسلام والمسلمين، لأنها ربما تجسست على المسلمين عن طريق زوجها، وربما أثرت عليه ومال إلى دينها، وانضم إلى قومها لمحاربة المسلمين.
وبهذا لا يحل نكاحها، لأنه يؤدي إلى المودة والمحبة التي نهى الله عنها في هذه الآية.
٤- وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ﴾ .. الآية ١.
٥- وقوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ ﴾ الآية ٢.
فهذه عمومات خصصتها آية المائدة، التي أباحت نكاح الكتابية من غير فرق بين أن يكون ذلك في دار الإسلام، أو في دار الحرب، ولا دلالة لهم فيها على التحريم.٣
ثانيا: مناقشة استدلالهم بالمأثور:
ما روي عن ابن عباس ﵄ من أن الزواج بالكتابية الحربية لا يحل، لا يقوى على معارضة آية المائدة، التي صرحت بإباحة
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٢١. ٢ النور: ٢٦. ٣ أحكام القرآن للجصاص ٢/٣٢٥، ٣٢٦، والجامع لأحكام القرآن ٣/٦٩، والبحر المحيط ٣/٤٣٢، وتفسير القاسمي ٦/١٨٧٣، ١٨٧٤.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الكتابية، من غير فرق بين الذمية والحربية، وأيضا يمكن حمل قوله هذا على الكراهة التنزيهية، لا التحريمية، وهذا ما ذهب إليه أكثر أهل العلم.
ويجاب عن هذا الرد: بأن ابن عباس ﵄ لا يمكن أن يقول بخلاف ما في كتاب الله، وآية المائدة الصريحة في إباحة الكتابية فهم منها أنها خاصة بالذمية، دون الحربية، لأن - الذمية- تدفع الجزية، وتلتزم للأحكام الإسلامية.
أما حمل قوله بعدم الإباحة على الكراهة التنزيهية فلا دليل على ذلك، بل حمله على التحريمية هو الأولى، لأن أكثر العلماء نقل ذلك عنه فلا يفهم من قوله - لا تحل إلا التحريم
ثالثا: مناقشة أدلتهم من المعقول:
هذه المفاسد والمخاطر، التي ذكرت بأن المسلم يتعرض لها عند زواجه بالكتابية الحربية، يمكن حملها على الكراهة التنزيهية، وهو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم. لكني أقول بأن حملها على التحريم هو الأولى، لأنها تؤدي إلى فعل الحرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام.
الرأي المختار:
بعد عرض آراء الفقهاء في حكم الزواج بالكتابية في دار الحرب، وأدلة كل منهم، وما ورد عليها من نقد، اتضح لي بأن الرأي القائل
[ ٢ / ٢٥٥ ]
بتحريم الزواج بالكتابية في دار الحرب، هو الرأي الأولى بالاختيار، وذلك للأسباب الآتية:
١- أنه لا يجوز للمسلم الإقامة في دار الكفر، إذا لم يستطع إظهار شعائر دينه، كما صرحت بذلك الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ١، والسنة المطهرة حيث قال ﷺ: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" ٢. والمسلم بذهابه إلى ديار الكفار وزواجه بنسائهم الحربيات، يخاف عليه من الإقامة معهم والركون إليهم، والوقوع تحت سيطرتهم ورحمتهم، وهو بفعله هذا يكون مخالفة لأمر الله ورسوله ﷺ بالهجرة من ديارهم، ومخالفة أمرها محرم، ولأن المسلم لا يستطيع أن يظهر شعائر دينه في أرض أعدائه والمحاربين له، والذين يدعون دائما إلى الحرية المطلقة والقوانين الوضعية، فهم يمنعون المسلم أن يحكم زوجته حسب تعاليم الشريعة الإسلامية، والقوامة التي ذكرها الله في كتابه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ٣، فإنها لا توجد في قوانينهم الوضعية، فالمرأة عندهم حرة التصرف، تفعل ما تشاء، وتعاشر من تشاء، وتحب من تشاء، وما دام أنها كذلك، فمما لا شك فيه أنها ستؤثر على
_________________
(١) ١ النساء: ٩٧. ٢ سبق تخريجه في الجزء الأول، ص ٣٠٨. ٣ النساء: ٣٤.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
زوجها بأخلاقها القبيحة وعاداتها السيئة، وربما مال إلى دينها دين الهوان والمذلة، مرتدا عن دين العزة والكرامة.
٢- إباحة نكاح الكتابية في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وإن كانت عامة، لم تفرق بين حربية وغيرها، إلا أن من الصحابة ﵃ من فهم منها أنها خاصة بالذميات، دون الحربيات، - كابن عباس ﵄ - للفارق الكبير بين الكتابية الذمية، والكتابية الحربية، فالذمية تلتزم بأحكام الإسلام وآدابه، وتدفع الجزية صاغرة ذليلة، والدين المحيط بها هو دين زوجها، فإسلامها هو الأقرب، والذي من أجله أباحها الله للمسلمين، أما الكتابية الحربية فلا تجري عليها أحكام الإسلام، ولا تدفع الجزية، والدين المحيط بها هو الكفر، دين أهلها وقومها فإسلامها غير متوقع، بل ربما أثرت على زوجها وأولاده، بتعرضهم للكفر، وهذا مما يؤيد فهم ابن عباس ﵄ بأن الآية خاصة بالذمية، والصحابة ﵃ كما هو معلوم أقرب الناس إلى فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
٣- وللخوف على ذرية المسلم من الكتابية الحربية، لأن الأم هي المدرسة التي يتربى فيها الأولاد، فهي بعطفها وحنانها وحبها لهم، وكونها أقرب لهم من أبيهم، ستؤثر عليهم، فينشئون ويتربون على خلقها الفاسد، وعاداتها وعقيدتها السيئة، لأنها تغذيهم بلبها المستخلص من المشروبات والمأكولات المحرمة، كالخمر والخنزير، فهم من الصغر يشبون على أكل
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وشرب المحرم، وعلى العقائد والأخلاق الباطلة، التي تخالف الدين الإسلامي، فهو بهذا يكون قد غرس لأعداء الإسلام غرسا جاهزا ناضجا ما عليهم إلا أن يقطفوا ثمرة هذا الغرس، ليتقووا به ضد المسلمين، الذين هم أولى بالغرس وثماره، لتكثير سوادهم، وتقليل سواد أعدائهم، ومما لا شك فيه أن حفظ الذرية من أهم متطلبات الحياة، والمقصد الأساسي لحفظ النسل، هو تحقيق عبادة الله وحده، لأنه ما خلقهم إلا لعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١
ولهذا صرح بعض العلماء بكراهية الزواج، حتى من المسلمة في دار الحرب، وإذا فعل، الأولى أن لا ينجب، ولا يطأ المسلم جاريته في فرجها، كل القصد من ذلك، هو حفظ الذرية المسلمة وعدم تعريضها لأخلاق الكفار وعاداتهم وعقائدهم الباطلة، هذا مع ما يتعرض له المسلم في أرض الكفر من المحرمات والمنكرات ومشاهدة البدع والضلالات، التي لا يستطيع الإفلات منها، لأن امرأته تمارس الكثير منها بل ربما ختمت على قلبه، فرضي بها وأقرها، حتى يرتد عن دينه.
وبناءً على هذه المخاطر والمفاسد، وغيرها كثير، أختار القول: بتحريم نكاح الكتابية في دار الحرب، لأن تناول الشيء المباح إذا أدى إلى مفاسد ومخاطر تفوق مصلحته، غلب جانب تلك المفاسد والمخاطر على مصلحته، ومفاسد ومخاطر ومساوىء نكاح المسلم للكتابية في دار الحرب
_________________
(١) ١ الذاريات: ٥٦.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
تفوق المصالح المترتبة على هذا النكاح، بل ربما غطت عليها.١
ولا يجوز للمسلم أن يتزوج بالكتابية في دار الحرب إلا عند الضرورة أي عند الخوف من الوقوع في الزنا، وإذا اضطر المسلم إلى الزواج بها في دار الحرب، فعليه أن يعمل شتى الطرق لعدم الإنجاب.
وبهذا الاختيار يتضح لنا بأن اختلاف الدار له أثر في زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب.
لأن زواجه منها في دار الإسلام مباح مع الكراهة.
أما في دار الحرب، فهو محرم، إلا عند الضرورة، بناءً على القول المختار. أما عند الجمهور فهو مباح، لكن مع الكراهة الشديدة، فحتى على رأي الجمهور، أثر اختلاف الدار في حكم نكاح الكتابية في دار الحرب، ففي دار الإسلام يباح مع الكراهة، وكذلك في دار الحرب لكن مع الكراهة الشديدة، التي قد تصل في بعض الأحوال إلى الكراهة التحريمية.
أما زواج المسلم بالكتابية في دار الكفر في هذا الزمان فالأولى تركه إلا عند الضرورة عندما يخاف المسلم على نفسه من الزنا، فلا بأس أن يتزوج بها، وعليه أن يعمل شتى الطرق لعدم الإنجاب لما يترتب على ذلك من المفاسد والمخاطر التي سبق ذكرها عند الكلام على زواج الكتابية.
_________________
(١) ١ حكم زواج المسلم بالكتابية ص ٢٩.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
ولأن غالب الدول الكافرة في هذا الزمان أقرب إلى دار الحرب، وإن كانت ظاهرها أنها دور عهد بينها وبين المسلمين معاهدات وعلاقات يترتب عليها تبادل السفراء والتعامل التجاري والاقتصادي إلا أنها في حقيقة الأمر تحارب المسلمين بطرق خفية غير مباشرة بمد يد العون والمساعدة بالمال والسلاح والرجال للدول المحاربة للمسلمين، وأيضًا إن المعاهدات والاتفاقات المبرمة بينها وبين المسلمين تتخذ صفة الدوام وليس على أسس وشروط إسلامية وغالب المصالح والفوائد تحظى بها الدول الكافرة، بل إن الضرر الذي يعود على المسلمين من وراء هذه المعاهدات أكثر من النفع، ولا يبالون بتلك المعاهدات والاتفاقات متى ما تهيأت لهم الفرصة في الإضرار بالمسلمين كما هو الحال والمشاهد في الوقت الحاضر.
[ ٢ / ٢٦٠ ]