تمهيد:
قبل أن نبدأ بذكر الخلاف بين الفقهاء في حكم استيطان الكفار لجزيرة العرب ينبغي أن نمهد بتمهيد نعرف فيه بجزيرة العرب.
فجزيرة العرب هي اللفظة التي استعملها النبي ﷺ لتدل على بلاد العرب ووطنهم وأرضهم.
وسميت بذلك لانقطاعها عن معظم الأرض، وقيل لانحسار الماء عنها، وقيل لإحاطة البحار والنهار بأغلب جهاتها وأقطارها، وأطرفاها وصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر.١
وسميت بلاد العرب جزيرة لأن البحار بحر فارس، وبحر الحبشة والأنهار كنهر دجلة والفرات قد أحاطت بها.٢
وأضيفت الجزيرة إلى العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام، وبها أوطانهم ومنازلهم.٣
_________________
(١) ١ لسان العرب ٤/١٣٣، ومعجم متن اللغة ١/٥٢١، والمصباح المنير ١/٩٨، والقاموس المحيط ١/٤٠٤، وجزيرة العرب منذ أقدم العصور ص٨١،٨٢. ٢ انظر: تهذيب اللغة للأزهري ١٠/٦٠٤، ونهاية المحتاج ٨/٩٠، وإعلام الساجد ص٧٦،٧٧. ٣ فتح الباري ٦/١٧١، ونيل الأوطار ٨/٦٥، وسبل السلام ٤/١٣٦٧.
[ ١ / ٣٤٣ ]
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: "نسبت إلى العرب لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها".١
وقال ابن الهمام: "سميت جزيرة لانجزار المياه التي حواليها عنها كبحر البصرة وعمان، وعدن، والفرات، وقيل لأن حواليها بحر الحبشة، وبحر فارس، ودجلة والفرات".٢
أما تحديدها فقد اختلف العلماء في حدودها اختلافًا كثيرًا.
ونبدأ بتحديدها عند الفقهاء:
اتفقت كلمة الفقهاء على أن جزيرة العرب من أقصى عدن وما ولاها من أرض اليمن إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما ولاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام.٣
إلا ما روى عن الإمام مالك أنه قال: جزيرة العرب هي مكة والمدينة واليمن٤، وبالتأكيد أنه يقصد بها الجزيرة التي أمر الرسول ﷺ
_________________
(١) ١ نقلًا عن أحكام أهل الذمة ١/١٧٨،وفتح الباري ٦/١٧١، وكتاب المناسك للحربي ص ٥٣١. ٢ انظر: فتح القدير ٥/٣٠١. ٣ فتح القدير ٥/٣٠١ والمنتقى شرح الموطأ ٧/١٩٥ ونهاية المحتاج ٨/٩٠، وأعلام الساجد ص ٧٦،٧٧، والمبدع ٣/٤٢٤ وكشاف القناع ٣/١٣٦، وأحكام أهل الذمة ١/١٨٧،١٨٨. ٤ المنتقى شرح الموطأ ٧/١٩٥، وكتاب المناسك للحربي ص ٥٣١، وسنن البيهقي ٩/٢٠٩، وأحكام أهل الذمة١/١٨٧.
[ ١ / ٣٤٤ ]
بإخراج الكفار منها في الأحاديث السابقة وهي الحجاز لأنها هي المنهي عن استيطانها في الأحاديث عنده.
وكذلك روى عن الإمام أحمد أنه قال: جزيرة العرب المدينة وما ولاها وهي مكة واليمامة١ وخيبر وينبع وفدك وقراها٢ وبالتأكيد أيضًا أنه يقصد بهذا التحديد الحجاز، لأن الجزيرة المنهي عن استيطانها في الأحاديث عنده هي الحجاز، وفي هذا يقول البهوتي بعد أن ذكر قول الإمام أحمد "يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به هو المدينة وماولاها".٣
أما ما قاله علماء اللغة والبلدان وغيرهم عن حدودها:
فقال الزبيدي: "اختلفوا في حدودها اختلافًا كثيرًا كادت الأقوال تضطرب ويصادم بعضها بعضًا، فجزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام، ثم دجلة والفرات".٤
وقال أبو عبيدة: "جزيرة العرب هي ما بين حفر أبي موسى٥، إلى
_________________
(١) ١ اليمامة هي: مدينة بقرب اليمن على أربع مراحل من مكة ومرحلتين من الطائف. انظر: حاشية الشرقاوي ٢/٤١٥. ٢ المغني لابن قدامة ٨/٥٣١، والمبدع ٣/٤٢٤. ٣ انظر: كشاف القناع ٣/١٣٦. ٤ انظر: تاج العروس ٣/٩٨. ٥ مياه عذبة على طريق البصرة احتفرها أبو موسى الأشعري ليستعين بها السائرون في هذا الطريق. وتسمَّى الآن: حفر الباطن.
[ ١ / ٣٤٥ ]
أقصى تهامة١ في الطول، وأما العرض، فما بين رمل يبرين٢ إلى منقطع السماوة".٣
وقال الشعبي: "جزيرة العرب ما بين قادسية الكوفة٤ إلى حضر موت".٥
إلى غير ذلك من أقوال العلماء الكثيرة في تحديد جزيرة العرب منها ما هو موافق لما قاله الفقهاء ومنها ما هو مخالف.
ويتضح لي أن أحسن ما قيل في تحديد جزيرة العرب هو ما قاله الفقهاء ومن وافقهم من علماء اللغة والبلدان وغيرهم أنها من أقصى عدن وما والاها من أرض اليمن في الطول ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام في العرض.
_________________
(١) ١ تهامة هي الأرض الساحلية المنخفضة الممتدة من ينبع إلى نجران بمحاذاة ساحل البحر الأحمر وسميت تهامة لشدة حرها وركود ريحها. موضع بينه وبين هجر مرحلتان. ٢ يبرين: قرية من قرى حلب. انظر معجم البلدان ٥/٤٢٧. ٣ منقطع السماوة: ماء بالبادية وبادية السماوة بين الكوفة والشام. انظر: معجم البلدان ٣/٢٤٥. ٤ بينها وبين الكوفة ما يقارب خمسة عشر فرسخًا وبها كان يوم القادسية. انظر: معجم البلدان ٤/٢٩١. ٥ حضر موت ناحية واسعة في شرقي عدن يقرب البحر بينها وبين صنعاء اثنان وسبعون فرسخًا. انظر: معجم البلدان ٢/٢٧٠. وقول الشعبي ذكره العيني في عمدة القاري ١٤/٣٠٠.
[ ١ / ٣٤٦ ]
أما المراد بها في الأحاديث السابقة فهو على خلاف بين الفقهاء سنبينه بالتفصيل في المبحث الثاني.
أما تحديدها بالأميال:
فقيل أن طولها ألف وخمسمائة ميل، خمسون مرحلة بسير الإبل، وقيل: ألف ومئتا ميل.
أما العرض فقيل عرضها ٩٠٠ ميل ثلاثون مرحلة بسير الإبل وقيل ٧٠٠ميل.١
أما حكم استيطان الكفار لجزيرة العرب:
فقد اتفق الفقهاء أولًا على أن الكفار المستأمنون أو غيرهم يجوز لهم استيطان أي بلد من بلدان الإسلام ما عدا جزيرة العرب.٢
كما اتفقوا أيضًا على جواز دخول الكفار الذميين أو المستأمنين أو غيرهم الحجاز وغيرها من جزيرة العرب، والإقامة فيها أيامًا معدودة، منهم من حددها بثلاثة أيام مستدلًا: بما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة ثلاثة أيام يتسوقون فيها ويقضون حوائجهم، ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث.٣
_________________
(١) ١ جزيرة العرب منذ أقدم العصور ص ١. ٢ مراتب الإجماع لابن حزم ص ١٢٢. ٣ أخرجه البيهقي في السنن ٩/٢٠٩ كتاب الجزية باب الذمي يمر بالحجاز.
[ ١ / ٣٤٧ ]
ومن الفقهاء من لم يحدد مدة الدخول والإقامة وإنما يقيم الكفار بقدر الحاجة ومصلحة المسلمين بشرط ألا تطول المدة بحيث يستوطنونها أو يسكنونها.١
واختلف الفقهاء في حكم استيطان الكفار لجزيرة العرب إلى قولين:
القول الأول: لا يجوز للكافر الذمي، أو المستأمن، استيطان وسكنى جزيرة العرب وهو قول فقهاء الحنفية، والمالكية٢
قال الكاساني: "ويمنع المشركون أن يتخذوا أرض العرب مسكنًا ووطنًا، تفضيلًا لأرض العرب على غيرها، وتطهيرًا لها عن الدين الباطل".٣
وقال ابن الهمام: "يمنعون أن يتخذوا أرض العرب مسكنًا ووطنًا، بخلاف أمصار المسلمين التي ليست في جزيرة العرب يمكنون من سكناها، ولا خلاف في ذلك".٤
_________________
(١) ١ فتح القدير ٥/٣٠١، والجامع لأحكام القرآن ٨/١٠٤، والمنتقى شرح الموطأ ٧/١٩٢، وأسنى المطالب ٤/٢١٣، والمغني ٨/٥٢٩. ٢ حاشية ابن عابدين ٤/٢٠٢، ٢٠٣، والبناية على الهداية ٥/٣١٥، وشرح السير الكبير ٤/١٥٤١، وبدائع الصنائع ٧/١١٤ والمنتقى ٧/١٩٥، وبلغة السالك ٢/١٢٠. ٣ انظر: بدائع الصنائع ٧/١١٤. ٤ انظر: فتح القدير ٥/٣٠١.
[ ١ / ٣٤٨ ]
القول الثاني: يجوز للكافر استيطان جزيرة العرب ما عدا الحجاز خاصة.
فالحجاز لا يجوز للكفار الذميين أو المستأمنين استيطانه وسكناه، ويجوز لهم دخوله والإقامة فيه ثلاثة أيام للحاجة أما ما عداه من الجزيرة العربية فيجوز للكفار سكناه واستيطانه.
وهو قول الشافعية والحنابلة.١
قال الإمام الشافعي: "ولم أعلم أحدًا أجلى أهل الذمة من اليمن، وقد كانت بها ذمة، وليست اليمن بحجاز فلا يجليهم أحدًا من اليمن ولا بأس أن يصالحهم على مقامهم باليمن".٢
سبب الخلاف بين الفقهاء:
هو اختلافهم في مفهوم ومراد النبي ﷺ في الأحاديث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ٣، وقوله: "لا يجتمع دينان في جزيرة
_________________
(١) ١ أسنى المطالب ٤/٢١٣، ونهاية المحتاج ٨/٩٠، وحاشية الشرقاوي ٢/٤٠٩، ومغني المحتاج ٤/٢٤٦،٢٤٧، والمهذب ٢/٣٣٠،٣٣١، وروضة الطالبين ١٠/٣٠٨، والمجموع شرح المهذب ١٨/٢٧١، والمغني ٨/٥٣٠، وكشاف القناع ٣/١٣٥،١٣٦، والمبدع ٣/٤٢٤،٤٢٥، وأحكام أهل الذمة ١/١٨٧، والإنصاف ٤/٢٣٥. ٢ نقلًا عن السنن الكبرى للبيهقي ٩/٢٠٩. ٣ سبق تخريجه ص ٣٤٠.
[ ١ / ٣٤٩ ]
العرب".١ فمن قال إنه أراد في الأحاديث جزيرة العرب عامة، منع من استيطانها وسكناها وهم فقهاء الحنفية والمالكية.
ومن قال إن مراده من الأحاديث الحجاز خاصة منع من استيطانها وسكناها وأجاز الإقامة والاستيطان فيما عداها من جزيرة العرب، وهم فقهاء الشافعية والحنابلة.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول المانعون من الاستيطان بما يلي:
بالنصوص الواردة في المنع، وقد تقدمت، والتي منها:
قوله ﷺ: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ٢ وقوله: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب" ٣. قوله: "اخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب".٤
فأمر النبي ﷺ بإجلاء اليهود من نجران وهي من جزيرة العرب. وقوله: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان".٥
_________________
(١) ١ سبق تخريجه ص ٣٤١. ٢ سيق تخريجه ص ٣٤٠. ٣ سبق تخريجه ص ٣٤٠. ٤ سبق تخريجه ص ٣٤٠. ٥ سبق تخريجه ص ٣٤٠.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وحديث أبي عبيدة صريح في أن أرض نجران من جزيرة العرب وكذا قوله لعلي ﵁ أخرج أهل نجران من جزيرة العرب.١
وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
الأحاديث ظاهرة الدلالة في وجوب إخراج المشركين من جزيرة العرب لأن قوله ﷺ: "أخرجوا" أمر والأمر يفيد الوجوب، وقوله ﷺ: "لا يجتمع" وهذا نفي بمعنى النهي والنهي يفيد التحريم وأنه لا يجوز لهم استيطان جزيرة العرب وسكناها.
وفي هذا يقول الشوكاني: "ظاهر الأحاديث يدل على أنه يجب إخراج المشركين من كل مكان داخل جزيرة العرب".٢
وقال الصنعاني: "الحديث دليل على وجوب إخراج اليهود والنصارى والمجوس من جزيرة العرب، إلى أن قال: تضمنت الأحاديث وجوب إخراج من له دين غير الإسلام من جزيرة الهرب".٣
وقال الباجي في المنتقى: "ويريد لا يبقى فيهادين غير دين الإسلام وأن يخرج منها كل من يتدين بغير دين الإسلام"٤
_________________
(١) ١ انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم ١/١٧٨. ٢ انظر: نيل الأوطار للشوكاني ٨/٦٥. ٣ انظر: سبل السلام للصنعاني ٤/١٣٦٧. ٤ انظر: المنتقى شرح الموطأ للباجي ٧/١٩٥.
[ ١ / ٣٥١ ]
وبهذا يتضح أن الأحاديث وردت عامة في جزيرة العرب وليس فيها ما يخص الحجاز فقط.
واستدلوا أيضًا بدليل من المعقول فقالوا: لا يجوز للكافر استيطان جزيرة العرب تفضيلًا لأرض العرب على غيرها من الأراضي، وتطهيرًا لها عن الأديان الباطلة والفاسدة، وكرامة لرسول الله ﷺ فإنها موضع ولادته ونشأته.١
ثانيًا: أدلة الشافعية والحنابلة:
استدلوا بنفس الأحاديث المتقدمة وقالوا إن جزيرة العرب المراد بها في الأحاديث الحجاز خاصة.٢
قال الرملي في نهاية المحتاج: "ليس المراد جميعها بل الحجاز منها لأن عمر أجلاهم منه وأقرهم باليمن مع أنه منها".٣
وقال ابن مفلح: "المراد الحجاز بدليل أنه ليس أحد من الخلفاء أخرج أحدًا من اليمن وتيماء ".٤
٢- وبقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ عندما ما بعثه إلى اليمن:
_________________
(١) ١ انظر: بدائع الصنائع ٧/١١٤، وشرح السير الكبير ٤/١٥٤١. ٢ انظر: المهذب ٢/٣٣٠، ومغني المحتاج ٤/٢٤٦. ٣ انظر: نهاية المحتاج ٨/٩٠. ٤ انظر: المبدع ٣/٤٢٤.
[ ١ / ٣٥٢ ]
"خذ من كل حالم دينارًا". ١
فاليمن من جزيرة العرب وقد أقرهم ﷺ بها.
٣- وبما روى عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ "أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر".٢
وهجر مدينة من مدن البحرين، وهي من جزيرة العرب.
٤- وقد بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى البحرين يأتي بجزيتها.٣
والبحرين من جزيرة العرب وقد أقر رسول الله ﷺ أهل الذمة فيها.
٥- ولأن الرسول ﷺ أقر أهل خيبر بها إلى أن قبضة الله وهي من جزيرة العرب.٤
٦- ولأن أبا بكر ﵁ أجلى قومًا من اليهود من الحجاز فلحقوا
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في سننه ٢/٢٣٤، ٢٣٥ كتاب الزكاة باب زكاة السائمة. والترمذي في جامعه ٣/٢٠ كتاب الزكاة باب ما جاء في زكاة الصغير حديث ٦٢٣ وقال حديث حسن، والنسائي ٥/٢٠ كتاب الزكاة باب زكاة البقر، وابن ماجة في سننه ١/٥٧٦ كتاب الزكاة باب صدقة البقرة حديث رقم ١٨٠٣. ٢ أخرجه البخاري ٢/٢٠٠ كتاب الجزية والموادعة. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه ٢/٢٠٠ كتاب الجزية والموادعة. ٤ انظر: أحكام أهل الذمة ١/١٨١، واصل الحديث في الصحيحين في البخاري ٢/٤٨ كتاب الحرث والمزارعة. وفي مسلم ٣/١١٨٧ حديث رقم ٦ كتاب المساقاة.
[ ١ / ٣٥٣ ]
بخيبر وأقروا فيها وهي من جزيرة العرب.١
٧- ولأن عمر ﵁ أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز وأجلاهم إلى تيماء وأريحاء.٢
وأجلاهم أيضًا إلى الشام والكوفة وهما من جزيرة العرب.٣
٨- وقالوا أيضًا لم ينقل عن أحد من الخلفاء أنهم أجلوا من كان باليمن من أهل الذمة وهي من جزيرة العرب.٤
المناقشة:
أولًا: مناقشة أدلة أصحاب القول الأول:
بالنسبة لاستدلالهم بالأحاديث التي أمر فيها النبي ﷺ بإخراج اليهود من جزيرة العرب، يقال لهم إن المراد بجزيرة العرب في هذه الأحاديث هي الحجاز خاصة.
بدليل ما رواه أبو عبيدة بن الجراح ﵁ أن آخر ما تكلم به النبي ﷺ أن قال: "أخرجوا اليهود من الحجاز".٥
_________________
(١) ١ انظر: المجموع شرح المهذب بتكملة المطيعي ١٨/٢٧٠،. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه ٢/٢٠٠ كتاب الزكاة ومسلم ٣/١١٨٧،١١٨٨ كتاب المساقاة. ٣ انظر: المجموع شرح المهذب بتكملة المطيعي ١٨/٢٧٠،٢٧١. ٤ المهذب ٢/٣٣١، وكشاف القناع ٣/١٣٥. ٥ سبق تخريجه ص ٢٤٦.
[ ١ / ٣٥٤ ]
قال صاحب مغني المحتاج: "المراد من الجزيرة في الأحاديث الحجاز ولم يرد جميع الجزيرة لأن عمر ﵁ أجلاهم من الحجاز وأقرهم في اليمن مع أنه من جزيرة العرب".١
وقالوا: "إنما قلنا بجواز تقريرهم في غير الحجاز لأن النبي ﷺ لما قال: "أخرجوهم من جزيرة العرب" ثم قال: "أخرجوهم من الحجاز" عرفنا أن مقصوده بجزيرة العرب الحجاز فقط، ولا مخصص للحجاز عن سائر البلاد إلا برعاية أن المصلحة في إخراجهم منه أقوى فوجب مراعاة المصلحة إذا كانت في تقريرهم أقوى منها في إخراجهم.٢
أما بالنسبة لأمر النبي ﷺ لأهل نجران فلأنه ﷺ صالحهم على شروط منها: ألا يأكلوا الربا، فأكلوه، ونقضوا العهد، فلذلك أمر بإجلائهم، فأجلاهم عمر ﵁ وغيره.٣
أما استدلالهم بالمعقول فيرد عليه، بأننا لا نشك أن أرض العرب لها فضائل وخصائص عن غيرها من الأراضي الإسلامية، ولكن الحجاز أفضل الأراضي في جزيرة العرب، لوجود الأماكن المقدسة فيه، فكان الأمر بإخراجهم منه هو مراد الرسول ﷺ في الأحاديث السابقة، ولأنه هو الذي
_________________
(١) ١ انظر: مغني المحتاج ٤/٢٤٦. ٢ نيل الأوطار ٨/٦٦. ٣ المغني ٨/٥٣١، والمجموع ١٨/٢٧٧، وأحكام أهل الذمة ١/١٨٧، وعمدة القاري ١٤/١٧٥، ومغني المحتاج ٤/٢٦٤، والمهذب ٢/٣٣١.
[ ١ / ٣٥٥ ]
ولد نشأ فيه الرسول ﷺ ومنه انتشرت الدعوة الإسلامية سرًا وعلانية حتى عمت جميع أنحاء الجزيرة.
ثانيًا: مناقشة أدلة الشافعية والحنابلة:
فيرد عليهم أن الأحاديث نص صريح في إخراج اليهود من جزيرة العرب ولا تحتمل الحجاز فالحجاز من جزيرة العرب، والتخصيص بالحجاز يحتاج إلى دليل ولا دليل.١
قال الشوكاني: "وقد أجيب عن هذا الاستدلال- أي استدلال الشافعية والحنابلة - على أن المراد بجزيرة العرب في الأحاديث الحجاز بأجوبة:
منها: أن حمل جزيرة العرب على الحجاز وإن صح مجازًا من إطلاق اسم الكل على البعض، فهو معارض بالقلب وهو أن يقال المراد بالحجاز جزيرة العرب إما لانحجازها بالأبحار كانحجازها بالحرار الخمس، وإما مجازًا من إطلاق اسم الجزء على الكل فترجيح أحد المجازين مفتقر إلى دليل ولا دليل.
ومنها: أن في خبر جزيرة العرب زيادة لم تغير حكم الخبر، والزيادة كذلك مقبولة.
ومنها: أن هذا الحديث الذي فيه الأمر بالإخراج من الحجاز فيه
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ٨/٦٦، وسبل السلام ٤/١٣٦٧.
[ ١ / ٣٥٦ ]
الأمر بإخراج أهل نجران، وليس نجران من الحجاز، فلو كان لفظ الحجاز مخصصًا للفظ جزيرة العرب، أو دالاّ على أن المراد بجزيرة العرب الحجاز فقط، لكان في ذلك إهمال لبعض الحديث وإعمال لبعض وهو باطل.
وأيضًا غاية ما في حديث أبي عبيدة الذي صرح فيه بلفظ أهل الحجاز مفهومه معارض لمنطوق ما في حديث ابن عباس المصرح فيه بلفظ جزيرة العرب، والمفهوم لا يقوى على معارضة المنطوق فكيف يرجع إليه؟ ١
أقول وبالله التوفيق:
أن الإمام الشوكاني فحل من فحول العلماء وعالم له وزنه وثقله بين العلماء وقوله هذا يمكن الرد عليه بما يلي:
١- أن الأصل ثبوت التقرير للكفار في عهد الرسول ﷺ في جزيرة العرب فقد أقر مجوس هجر بالإقامة في البحرين وهي من جزيرة العرب، وأقر أهل الذمة باليمن وهي من جزيرة العرب وإلى غير ذلك من الوقائع التي تدل على أن الأصل هو تقرير الكفار في الجزيرة العربية، وأن المراد بعدم تقريرهم في الأحاديث السابقة إنما في الحجاز فقط ولا يمكن أن يترك الأصل إلا بدليل ولا دليل.
٢- أن إطلاق الكل وإرادة الجزء يدل عليه نفي اليهود من الحجاز،
_________________
(١) ١ انظر: نيل الأوطار ٨/٦٦.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وعدم نفيهم من غيرها من أراضي الجزيرة العربية، ما عدا أهل نجران، فقد نفاهم لسبب خاص بهم.
٣- وقوله بأن النبي ﷺ أمر بإخراج أهل نجران وهي من جزيرة العرب يرد عليه بما سبق أنه نفاهم وأمر بإجلائهم لنقضهم العهد وأكلهم الربا وقد نهو عنه.
٤- وقوله بأن المفهوم من الأحاديث أن المراد بجزيرة العرب فيها هو الحجاز، هذا من مفاهيم اللقب وهو غير معمول به، يقال له وإن كان هذا من مفاهيم اللقب فقد أيدته وعضدته الأدلة التي أمر فيها النبي ﷺ بإخراج اليهود من الحجاز.
وقال الصنعاني: "لا يخفى أن الأحاديث الماضية فيها الأمر بإخراج من ذكر من أهل الأديان غير دين الإسلام من جزيرة العرب. والحجاز بعض جزيرة العرب، وورد في حديث أبي عبيدة الأمر بإخراجهم من الحجاز وهو بعض مسمى جزيرة العرب، والحكم على بعض مسمياتها بحكم لا يعارض الحكم عليها كلها بذلك الحكم، كما قرر في الأصول أن الحكم على بعض أفراد العام لا يخصص العام وهذا نظيره وليست جزيرة العرب من ألفاظ العموم كما وهم فيه جماعة من العلماء، وغاية ما أفاده حديث أبي عبيدة زيادة التأكيد في إخراجهم من الحجاز لأنه دخل إخراجهم من الحجاز تحت الأمر بإخراجهم من جزيرة العرب، ثم أفرد بالأمر زيادة تأكيد لا أنه تخصيص أو نسخ.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وقد كان آخر كلامه ﷺ: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" كما قال ابن عباس ﵄ أوصى به عند موته.١
وأما القول بأنه ﷺ أقرهم في اليمن بقوله لمعاذ بن جبل ﵁: "خذ من كل حالم دينارًا" فهذا كان قبل أمره ﷺ بإخراجهم، فإن الأمر بإخراجهم كان في آخر حياته، فالحق وجوب إجلائهم من اليمن وغيره من جزيرة العرب.٢
وكذلك أيضًا إقرار الرسول ﷺ لمجوس هجر كان قبل الأمر بإخراجهم من جزيرة العرب.
وفعل عمر ﵁ وغيره من الصحابة في إجلاء اليهود من الحجاز إلى بعض الأماكن في جزيرة العرب، لا يقاوم النص الصريح الثابت عن رسول الله ﷺ حيث أمر بإخراجهم من جزيرة العرب.
وأما قول الإمام الشافعي وغيره أنه لا يعلم أحدًا أجلاهم من اليمن، فليس ترك إجلائهم بدليل، فإن أعذار من ترك ذلك كثيرة، وقد ترك أبو بكر ﵁ إجلاء أهل الحجاز مع الاتفاق على وجوب إجلائهم لشغله بجهاد أهل الردة، ولم يكن ذلك دليلًا على أنهم لا يجلون، بل أجلاهم عمر ﵁.٣
_________________
(١) ١ انظر: سبل السلام للصنعاني ٤/١٣٦٧، ١٣٦٨. ٢ انظر: سبل السلام ٤/١٣٦٨. ٣ سبل السلام ٤/١٣٦٨.
[ ١ / ٣٥٩ ]
أما إقرار أهل خيبر فإنه لم يقرهم ﷺ إقرارًا لازمًا١، بل قال: نقركم ما شئنا وفي رواية "نقركم ما أقركم الله تعالى".٢
أما أفعال الصحابة وأقوالهم في إقرار اليهود في الجزيرة العربية ما عدا الحجاز، فإنها لا تقوى على معارضة عموم الأحاديث السابقة التي أمرت بإجلائهم وعدم تقريرهم في جميع أنحاء الجزيرة العربية.
الرأي المختار:
وبعد عرض آراء الفقهاء في حكم استيطان جزيرة العرب، وذكر أدلتهم ومناقشتها يتضح لي أن ما ذهب إليه الحنفية، والمالكية فيه احتياط لأرض الإسلام الأولى وهي جزيرة العرب، ولكن الذي يبدو لي من النصوص أن ما ذهب إلى الشافعية والحنابلة أقرب إلى المعنى المراد فالحجاز هبي المرادة في الأحاديث التي تأمر بإجلاء الكفار من جزيرة العرب، وذلك للأسباب الآتية:
١- لحديث أبي عبيدة ﵁ أن آخر ما تكلم به الرسول ﷺ أخرجوا يهود أهل الحجاز، فكان متأخرًا عن الأحاديث التي أمر الرسول ﷺ فيها بإخراجهم من جزيرة العرب عامة على فرض أنها هي المقصودة في
_________________
(١) ١ أحكام أهل الذمة ١/١٨١. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه ٢/٤٨ كتاب الحرث والزراعة باب إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك الله. ومسلم في صحيحه ٣/١١٨٧- ١١٨٨ كتاب المساقاة باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع.
[ ١ / ٣٦٠ ]
الأحاديث، فيكون حديث أبي عبيدة ﵁ مخصصًا للعموم الوارد في الأحاديث السابقة.
٢- ولأن الرسول ﷺ أقر اليهود بخيبر وهي من جزيرة العرب.
وكذلك أقرهم باليمن وأرسل معاذًا إليهم ليأخذ منهم الجزية وهي من جزيرة العرب، وأقر مجوس هجر بالبحرين وهي من جزيرة العرب وهذا مما يدل على أن المراد بالجزيرة في الأحاديث هي الحجاز خاصة.
٣- ولأن عمر وغيره من الصحابة ﵃ أمروا بإجلائهم من المدينة وغيرها إلى تيماء والشام والكوفة وكلها من جزيرة العرب.
٤- ولأن الحجاز له خصائص وأحكام يختص بها عن باقي جزيرة العرب منها أن الرسول ﷺ ولد ونشأ فيه، وفيه تلقى الرسالة النبوية، وفيه انتشرت الدعوة الإسلامية سرًا وعلانية حتى عمت جميع أنحاء الجزيرة العربية، وفيه أفضل الأماكن على وجه الأرض كالمسجد الحرام، والمسجد النبوي، فلهذه الخصائص، وغيرها كثير قد يكون هي المراد من الأحاديث التي يأمر فيها الرسول ﷺ بإجلاء اليهود من جزيرة العرب.
وبهذا يتضح لنا أن الكفار - ذميين - كانوا أو مستأمنين أو غيرهم لا يجوز لهم استيطان الحجاز أما دخولهم للتجارة ولمصلحة المسلمين فإنه لا بأس بذلك، ومن غير تقييد بمدة ثلاثة أيام كما قال عمر ﵁ لأن هذه المدة ربما تكون كافية في عهده لقضاء حوائجهم وبيع تجارتهم، أما في
[ ١ / ٣٦١ ]
وقتنا فقد لا تكفي، فتقدير المدة، إنما يخضع لولي أمر المسلمين الذي يسمح لهم بالدخول ويحدد لهم مدة البقاء بدون استيطان، بحسب الحاجة والمصلحة التي تعود على المسلمين، وله أن يوكل من يقوم مقامه بهذه المهمة من أفراد الرعية، وهذا هو ما عليه العمل في الوقت الحاضر.
أما جزيرة العرب غير الحجاز فلا بأس بإقامة غير المسلمين، فيها بدون تحديد لمدة الإقامة اتباعًا لفعل الصحابة ﵃ كأبي بكر وعمر فقد كانا أدرى بما يقصده النبي ﷺ من إخراج اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار من جزيرة العرب، وأن محل الإخراج هو الحجاز خاصة لما يتمتع به من المميزات والخصائص السابقة، وليكون القاعدة الأساسية للمسلمين ومركز الدعوة الإسلامية الذي يشع منه النور على سائر الأمة الإسلامية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
[ ١ / ٣٦٢ ]