تمهيد
قبل أن نبين اختلاف الفقهاء في حكم دخول الكافر الحرم المدني وغيره من المساجد ينبغي أن نذكر بعض النصوص التي وردت في تحريم المدينة وبينت حدودها، وقد وردت أحاديث كثيرة في تحريم المدينة وبيان حدودها: منها:
١- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حرم ما بين لابتي١ المدينة على لساني".٢
وفي رواية أخرى: "ما بين لابتيها حرام".٣
٢- وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاضها ٤، ولا يصاد صيدها".٥
_________________
(١) ١ اللابة الحرة والحرة هي الأرض ذات الحجارة السوداء ولابتي المدينة حرتيها الشرقية والغربية. انظر: المصباح المنير ٢/٥٦١. ٢ أخرجه البخاري ١/٣٢١ كتاب الحج باب حرم المدينة واللفظ له ومسلم ٢/٩٩١ كتاب الحج باب فضل المدينة. ٣ أخرجه البخاري ١/٣٢١ كتاب الحج باب لابتي المدينة، ومسلم ٢/١٠٠٠ كتاب الحج باب فضل المدينة. ٤ عضاضها: العضاة كل شجر له شوك. المصباح المنير ١/٢١٥. ٥ أخرجه مسلم ٢/٩٩١ كتاب الحج باب فضل المدينة.
[ ١ / ٣٨٣ ]
٣- وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "المدينة حرم ما بين عير وثور فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".١
فهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة وغيرها كثير تدل دلالة واضحة على تحريم المدينة وبيان حدودها من الجهات الأربع.
فقد بينت أن حدها من الشرق والغرب ما بين لابتيها أي حرتيها الشرقية حرة واقم، والغربية حرة الوبرة، وتحديها من جهة الشرق والغرب باللابتين أي الحرة الشرقية والحرة الغربية هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.٢
كما بين ﷺ حدها من الجنوب والشمال، فقال: "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور".
أما عير يقال عاير، وعائر، فهو جبل كبير مشهور في قبلة المدينة يقرب من ذي الحليفة ميقات أهل المدينة، يشبه العير وهو الحمار، يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلف حتى قال بعض العلماء: "شهرة عير غير خافية
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ١/٣٢١ كتاب الحج باب حرم المدينة بلفظ: المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا. ومسلم ٢/٩٩٥- ٩٩٥ كتاب الحج باب فضل المدينة واللفظ له. ٢ إعلام الساجد ص ٢٢٦، ووفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ١/٩١، وفتح الباري ٤/٨٣، وشرح النووي على مسلم ٩/١٣٥،١٣٦، والقرى لقاصد أم القرى ص٦٧٢. وتحفة الراكع والساجد ص١٥٠، والدرة الثمينة في تاريخ المدينة ص٣٣٨، ونيل الأوطار ٥/٣٢، وسبل السلام ٢/٧٢٦.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وإنما الغرابة في ثور". ١
قلت: ويبعد عن الحرم بنحو ثماني كيلو مترات.
أما ثور فجبل صغير خلف أحد.
وقد أنكره جماعة من العلماء فاستشكلوا الحديث وقالوا ليس بالمدينة ثور وإنما هو بمكة، لهذا في أكثر روايات البخاري من عاير إلى كذا ولم يبين النهاية، فكأنه يرى أن ثورًا بمكة وليس بالمدينة.٢
وقال أبو عبيد: "أهل المدينة لا يعرفون جبلًا يقال له ثور وإنما ثور بمكة".٣
وقال ابن الأثير: ثور المعروف أنه بمكة. ٤
وبعد أن أنكر الكثير من فحول العلماء وجود جبل ثور بالمدينة وتأولوا الحديث أنه ما بين عير إلى أحد، أو أن المراد تحريم المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة.
_________________
(١) ١ وفاء بأخبار دار المصطفى ١/٩٢، ٩٤، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٦/١١٧ مع المراجع السابقة. ٢ وفاء الوفاء ١/٩٢،٩٣، وفتح الباري ٤/٨٣، وشرح النووي على مسلم ٩/١٣٥،١٣٦، والمغني لابن قدامة ٣/٣٥٤. ٣ نقلًا عن فتح الباري ٤/٨٢، ووفاء الوفاء ١/٩٣، ومعجم البلدان ٢/٨٧، وإعلام الساجد ص ٢٢٧. ٤ انظر: النهاية لابن الأثير ١/٢٣٠.
[ ١ / ٣٨٥ ]
أثبت علماء آخرون أن ثورًا بالمدينة كما هو بمكة، وأن وجوده في مكة لا ينافي وجوده في المدينة.
فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "وثور جبل في ناحية أحد وهو غير جبل ثور الذي بمكة".١
وقال الفيروزبادي: "ثور جبل بالمدينة منه الحديث الصحيح المدينة حرم ما بين عير إلى ثور".
وأما قول أبي عبيد بن سلام وغيره من أكابر العلماء أن هذا تصحيف، والصواب إلى أحد لأن ثورًا إنما هو بمكة فغير جيد، ولا أدري كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في الحديث المتفق على صحته بمجرد ادعاء أن أهل المدينة لا يعرفون جبلًا يسمى ثورًا".٢
وقال جمال الدين المطري٣: "إن خلف جبل أحد جبل صغير مدور يسمى ثورًا يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلف".٤
_________________
(١) ١ انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٦/١١٧. ٢ انظر: القاموس المحيط ١/٣٩٨. ٣ هو أبو عبد الله جمال الدين محمد بن أحمد بن خلف الخزرجي الأنصاري المطري، ولد سنة ٦٧١ عالم فاضل عارف بالحديث والفقه والتاريخ وهو من أهل المدينة وتوفي بها سنة ٧٤١هـ. انظر: ترجمته في: الدرر الكامنة ٣/٣١٥، والأعلام ٥/٣٢٥. ٤ انظر: التعريف بما آنست الهجرة من معالم دار الهجرة ص ٦٨.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وقال أبو بكر المراغي١:"اعلم أن خلف أهل المدينة ينقل عن سلفهم أن خلف جبل أحد من جهة الشمال، جبل صغير مدور يميل إلى الحمرة يسمى ثورًا وقد تحققته بالمشاهدة ولله الحمد".٢
وإلى غير ذلك من أقوال العلماء المتقدمين التي أثبتت أن ثورًا بالمدينة وأنه خلف أحد وحد للحرم من جهة الشمال.
وأيضًا العلماء المعاصرون الذي اهتموا بالمدينة وبأخبارها وآثارها أثبتوا أن ثورًا بالمدينة وأنه خلف جبل أحد وهو حد الحرم من جهة الشمال.٣
وبهذا يتضح لنا قديما وحديثًا خلفًا عن سلف أن جبل ثور هو حد المدينة من جهة الشمال، وأنه خلف أحد من ناحية الشمال، صغير مدور، يشبه الثور، لونه يميل إلى الحمرة.
أما حكم دخول الكافر المسجد النبوي وغيره من المساجد فقد اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
_________________
(١) ١ هو أبو بكر بن الحسين بن عمر القرشي المراغي ولد سنة ٧٢٧ هـ بالقاهرة تاريخي استوطن المدينة خمسين عامًا وتوفي بها سنة ٨١٦هـ. انظر ترجمته: في شذرات الذهب ٧/١٢٠، والأعلام ٢/٦٢. ٢ انظر: تحقيق النصرة بتخليص معالم دار الهجرة ص١٩٧،١٩٨. ٣ في منزل الوحي لمحمد حسين هيكل ص ١٣٩، وعمدة الأخبار في مدينة المختار للعياشي ص ٢٤٩، وفصول في تاريخ المدينة ص ١١.
[ ١ / ٣٨٧ ]
القول الأول: يجوز للكافر الذمي أو المستأمن أو غيرهما دخول المسجد النبوي وغيره من المساجد.
وهو قول فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية.١
إلا أن الشافعية والحنابلة قيدوا الدخول بالإذن من الإمام أو من يقوم مقامه.٢
القول الثاني: لا يجوز للكافر دخول المسجد النبوي ولا غيره من المساجد، وهو قول الفقهاء المالكية٣واستحسنه الروياني من الشافعية.٤
_________________
(١) ١ شرح السيرة الكبير ١/١٣٥، وأحكام القرآن للجصاص ٣/٨٨، ومغني المحتاج ٤/٢٤٧، والمهذب ٢/٣٣١، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦٧، وروضة الطالبين ١٠/٣١٠، والمغني لابن قدامة ٨/٥٣٢، والمبدع ٣/٤٢٥، وكشاف القناع ٣/١٣٧، وأحكام أهل الذمة ١/١٩٠، والمحلى ٤/٢٤٣. ٢ مغني المحتاج ٤/٢٤٧، وروضة الطالبين ١٠/٣١٠، والمغني ٨/٥٣٢، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ٢/٣٨٦، والمبدع ٣/٤٢٥. ٣ المنتقى شرح الموطأ ٧/١٩٢، وقوانين الأحكام الشرعية ص ٦٤، والجامع لأحكام القرآن ٨/١٠٤،١٠٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٢/٩١٣. ٤ إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ٢٧١، وروضة الطالبين ١٠/٣١٠.
[ ١ / ٣٨٨ ]
ورواية أخرى للحنابلة قال في المبدع هي المذهب.١
سبب الخلاف:
هو اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ .٢
فمن فهم من الآية أنها خاصة بالمسجد الحرام دون غيره من المساجد، أباح دخول الكافر المسجد النبوي وغيره من المساجد وهم الجمهور.
ومن قال: إن الآية عامة تشمل المسجد الحرام وغيره من المساجد حرم دخول المشركين المسجد النبوي وسائر المساجد وهم فقهاء المالكية ومن وافقهم.٣
الأدلة:
أولًا: أدلة الجمهور القائلين بجواز دخول الكفار المسجد النبوي الشريف وغيره من المساجد:
_________________
(١) ١ المبدع ٣/٤٢٥، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ٢/٣٨٦، وكشاف القناع ٣/١٣٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٩٥. ٢ التوبة: ٢٨. ٣ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/١٠٤.
[ ١ / ٣٨٩ ]
استدلوا بالكتاب، والسنة، والمأثور، والمعقول:
أ- دليلهم من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١.
٢- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ٢ الآية خاصة بالمسجد الحرام، فدلت على أنهم لا يمنعون من دخول غيره.
قال القاسمي: تدل هذه الآية على أنه يجوز للكافر دخول المسجد لسماع كلام الله.٣
ب- أما دليلهم من السنة:
١- فبما روى عن أبي هريرة ﵁ "أنه سمع أن النبي ﷺ بعث خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة ابن أثال٤ سيد أهل
_________________
(١) ١ التوبة: ٦. ٢ التوبة: ٢٨. ٣ انظر: تفسير القاسمي ٨/٣٠٧٨. ٤ هو ثمامة بن أثل بن النعمان بن سلمة بن عتيبة بن ثعلبة الحنفي اليمامي أبو أمامة، صحابي كان سيد أهل اليمامة، ولما ارتد أهل اليمامة لحقب العلاء الحضرمي فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين ثم قتل يعد ذلك. انظر: ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة ١/٢١١، والاستيعاب ١/٢٠٣.
[ ١ / ٣٩٠ ]
اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: "ماذا عندك يا ثمامة، فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى إذا كان الغد ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ فأعاد مثل هذا الكلام فتركه حتى بعد الغد فذكر مثل هذا فقال رسول الله ﷺ أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"١. الحديث.
وجه الدلالة من هذا الحديث:
الحديث ظاهر الدلالة في جواز دخول الكفار المسجد النبوي لأن النبي ﷺ ربط ثمامة في مسجده وهو كافر ثم أكرمه الله بالإسلام بعد ذلك.
٢- وبما روى عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان يقول: "بينما نحن جالسون مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم أيكم محمد والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم فقلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل يا ابن عبد المطلب فقال له النبي ﷺ
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ١/٩٣ كتاب الصلاة باب دخول المشرك المسجد، ومسلم ٣/١٣٨٦ كتاب الجهاد باب ربط الأسر وحبسه، وأبو داود ٣/٢٩ كتاب الجهاد باب في الأسير يوثق.
[ ١ / ٣٩١ ]
قد أجبتك فقال الرجل للنبي ﷺ: إني سائلك"١. الحديث.
فالحديث ظاهر الدلالة في جواز دخول الكافر المسجد لأن ضمامًا كان كافرًا وكان رسولًا من جهة قومه ثم أسلم بعد هذه القصة.
قال الخطابي: "وفي الحديث من الفقه جواز دخول المشرك المسجد إذا كانت له في حاجة".٢
وقال السبكي: "الحديث يدل على جواز دخول الكافر المسجد إذا كانت له فيه حاجة".٣
٣- وبما روى عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى اليهود النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم في رجل وامرأة زنيا منهم".٤
فالحديث دل على جواز دخول الكافر المسجد لأن اليهود دخلوا على الرسول ﷺ وهو في المسجد فلم يمنعهم من الدخول ولم ينكر عليهم ذلك ولو كان غير جائز لمنعهم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ١/٢٢ كتاب العلم باب ما جاء في اعلم. ٢ انظر: معالم السنن مع سنن أبي داود ١/٣٢٧. ٣ انظر: المنهل العذب المورود ٤/١٠٩. ٤ أخرجه البخاري مطولًا ٤/١٢٨ كتاب الحدود باب أحكام أهل الذمة. ومسلم ٣/١٣٢٦ كتاب الحدود باب رجم اليهود في الزنى حديث رقم ١٦٩٩. وأبو داود ١/٣٢٨ كتاب الصلاة باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد وهذا اللفظ المختصر له.
[ ١ / ٣٩٢ ]
٤- عن عثمان بن أبي العاص ١ أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم فاشترطوا عليه أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا٢ فقال رسول الله ﷺ "لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا ولا خير في دين ليس فيه ركوع".٣
فالحديث يدل دلالة واضحة على جواز دخول الكافر المسجد لأن النبي ﷺ أنزل وفد ثقيف في مسجده.
وفي هذا يقول الخطابي: "وفي هذا الحديث من العلم أن الكافر يجوز له دخول المسجد لحاجة له فيه أو للمسلم إليه".٤
ج - دليلهم من المأثور:
_________________
(١) ١ هو: الصحابي الجليل عثمان بين أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهما الثقفي الطائفي، أبو عبد الله، من أهل الطائف، استعمله النبي ﷺ على الطائف، وتوفي في خلافة معاوية بالبصرة سنة ٥١هـ. انظر ترجمته في: الإصابة ٤/٢٢١، وتقريب التهذيب ٢/١٠، وطبقات ابن سعد ٥/٣٧٢. ٢ لا تحشروا: الحشر في الجهاد والنفير له، ولا يعشروا معناه الصدقة أي لا يؤخذ عشر أموالهم، ولا يجبوا: معناه لا يصلوا وأصل التجبية أن يكب الإنسان على مقدمه ويرفع مؤخره. انظر: معالم السنن ٣/٤٢١. ٣ أخرجه أبو داود ٣/٤٢١ كتاب الإمارة والخراج باب ما جاء في خبر الطائف، وعبد الرزاق في مصنفه ١/٤١٤ باب المشرك يدخل المسجد. وابن ماجة ١/٥٥٩ كتاب الصلاة باب فيمن أسلم في شهر رمضان. وابن خزيمة ٢/٢٨٥ أبواب الأفعال المباحة في المسجد والبيهقي ٢/٤٤٤،٤٤٥ كتاب الصلاة باب المشرك يدخل المسجد.
(٢) انظر: معالم السنن مع سنن أبي داود ٣/٤٢١.
[ ١ / ٣٩٣ ]
١- ما روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: "قد كان أبو سفيان بن حرب يدخل مسجد النبي ﷺ وهو مشرك".١
٢- وقد قدم عمير بن وهب٢ فدخل المسجد والنبي ﷺ فيه ليفتك به فرزقه الله الإسلام.٣
د - دليلهم من المعقول:
أن الأصل في دخول الكافر المسجد هو الجواز ما لم يخش الأذى منه، ولم يرد في الشرع ما يخالف هذا الأصل إلا في المسجد الحرام فيبقى على وفق الأصل. ٤
ثانيًا: أدلة المالكية ومن وافقهم القائلين بمنع الكافر من دخول المسجد مطلقًا:
استدلوا بالكتاب، والسنة، والمأثور، والمعقول:
_________________
(١) ١ انظر: المغني ٨/٥٣٢، وبحثت عنه في المصنفات فلم أجده. وأحكام القرآن لابن العربي ٢/٩١٤. ٢ عمر ين وهب بن خلف بن وهب بن حذافة بن جحح القرشي الجمحي أو أمية أبطأ في قبول الإسلام وشهد وقعة بدر مع المشركين، ثم من الله عليه بالإسلام في المدينة وشهد مع المسلمين غزوة أحد وما بعدها، توفي بعد السنة الثانية والعشرين من الهجرة. انظر ترجمته في: الإصابة ٥/٣٦، وطبقات ابن سعد ٤/١٤٦. ٣ انظر: قصته في المغني ٨/٥٣٢، وفي الإصابة ٥/٣٦. ٤ انظر: تفسير الفخر الرازي ١٦/٢٦.
[ ١ / ٣٩٤ ]
أ - دليلهم من الكتاب:
١- بقوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية.
قالوا في وجه الدلالة:
الآية عامة في سائر المشركين، وسائر المساجد، ودلت على المنع من دخول المسجد الحرام نصًا، والمنع من دخول سائر المساجد تعليلًا بالنجاسة.
وقالوا أيضًا: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فسماه الله تعالى نجسًا فلا يخلو أن يكون نجس العين أو نجس الذات، وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيه، والحرمة موجودة في المسجد.١
قال ابن العربي: "الآية دليل على أنهم لا يقربون مسجدًا سواه، فإن الله تعالى لم يقل لا يقرب هؤلاء المسجد الحرام فيكون الحكم مقصورًا عليه، ولو قال لا يقرب المشركون والأنجاس المسجد الحرام لكان تنبيهًا على التعليل بالشرك أو النجاسة أو العلتين جميعًا، بل أكد الحال ببيان العلة وكشفها فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ يريد
_________________
(١) ١ انظر: الجامع لأحكام القرآن ٨/١٠٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٢/٩١٣،٩١٤.
[ ١ / ٣٩٥ ]
ولابد لنجاستهم، فتعدت العلة إلى كل موضع محترم بالمسجدية".١
٢- وبقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه﴾ ٢ الآية.
قالوا في وجه الدلالة:
بأن دخول الكفار بيوت الله مناقض لترفيعها.٣
٣- وبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ٤.الآية
فالمسلم السكران والجنب يمنع من قربان الصلاة، والنهي عن قربان الصلاة نهى عن قربان موضعها وهو المسجد فمنع الكافر من باب أولى.٥
ب - دليلهم من السنة:
١- بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد عندما قال له رسول الله ﷺ: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا ولا القذر وإنما
_________________
(١) ١ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٢/٩١٣. ٢ النور: ٣٦. ٣ انظر: الجامع لأحكام القرآن ٨/١٠٤. ٤ النساء: ٤٣. ٥ انظر: تحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد ص ١٩٨.
[ ١ / ٣٩٦ ]
هي لذكر الله عزوجل والصلاة وقراءة القرآن".١
قالوا في وجه الدلال من هذا الحديث.
إن الكافر نجس ولا يخلو عن هذه القاذورات التي لا تصلح أن تكون في المسجد، وأيضًا المساجد لذكر الله عزوجل، وإقامة الصلاة، وقراءة القرآن، والكافر لا يفعل شيئًا منها فيمنع من دخول المساجد.٢
٢- وبحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يقرب المسجد مشرك".٣
فالحديث واضح الدلالة في النهي عن قربان المشرك لمساجد الله.
٣- وبحديث عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قال: "فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب".٤
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على أنه لا يجوز للحائض والجنب دخول المساجد مع
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ١/٢٣٧ كتاب الطهارة باب وجوب غسل البول من حديث أنس ابن مالك ﵁. ٢ الجامع لأحكام القرآن ٨/١٠٤. ٣ سبق تخريجه ص ٣٧٥. ٤ أخرجه أبو داود ١/١٥٩ كتاب الطهارة باب الجنب يدخل المسجد وابن ماجة ١/٢١٢ كتاب الطهارة باب ما جاء في اجتناب الحائض المسجد.
[ ١ / ٣٩٧ ]
أنه مسلمون فالكافر من باب أولى، وهو أيضًا لا يخلو من الجنابة.١
ج - دليلهم من المأثور:
١- بما روى أن أبا موسى الأشعري ﵁ دخل على عمر بن الخطاب ﵁ ومعه كتاب قد كتب فيه حساب عمله فقال له عمر: "ادع الذي كتبه ليقرأه قال: إنه لا يدخل المسجد قال ولِمَ؟ قال إنه نصراني".٢
٢- وبما روى عن علي ﵁ "أنه بصر بمجوسي، وهو على المنبر وقد دخل المسجد فنزل وضربه وأخرجه من المسجد".٣
٣- وبما روى عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين وأتبع نهيه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ .٤
د - دليلهم من المعقول:
أن حدث الجنابة والحيض والنفاس بمنع المقام في المسجد فحدث الشرك أولى.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ٨/١٠٥. ٢ ذكره ابن قدامة في المغني ٨/٥٣٢ ولم أجده في كتب الآثار. ٣ المغني ٨/٥٣٢. ٤ جامع البيان ١٠/١٠٥ وتفسير القرآن العظيم ٢/٣٤٦.
[ ١ / ٣٩٨ ]
ولأن الكافر أسوأ حالًا من الحائض والجنب فإنه نجس بنص القرآن، والحائض والجنب ليسوا بنجس بنص السنة "المؤمن لا ينجس"١ ومع هذا لا يجوز لهم دخول المسجد والكافر من باب أولى.
ولأنه انضم إلى حدث جنابته حدث شركه فتغلظ المنع.٢
هـ - دليلهم من القياس:
قاسوا سائر المساجد على المسجد الحرام بجامع أن كلها بيوت لله. قالوا: إن المساجد كلها بيوت الله تعالى كبيت الله الحرام ويمنعون من دخوله فكذلك غيره من المساجد.٣
المناقشة:
ناقش المالكية أدلة الجمهور بما يلي:
قالوا: لا ننكر أن الآية دلت على منعهم من دخول المسجد الحرام نصًا، لكنها أيضًا دلت على منعهم من دخول غيره من المساجد تعليلًا بالنجاسة ولوجوب صيانة المسجد عن كل نجس، فدلت الآية على أنهم لا يقربون مسجدًا سواه لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم والحرمة موجودة في المسجد. ٤
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ١/٦٢ كتاب الغسل. ومسلم ١/٢٨٢ كتاب الحيض. ٢ المغني لابن قدامة ٨/٥٣٢، ومطالب أولي النهى ٢/٦١٧. ٣ انظر: المسائل الفقهية من كتاب الراويتين والوجهين ٢/ ٣٨٦. ٤ أحكام القرآن لابن العربي ٢/٩١٣ - ٩١٤.
[ ١ / ٣٩٩ ]
أما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ . فغاية ما تدل عليه هو جواز أمان الكفار ودخولهم دار الإسلام لا مساجده.١
أما حديث ثمامة، فلا نشك في صحته لكن النبي ﷺ كان قد علم بإسلامه وهذا وإن سلمناه فلا يضرنا لأن علم النبي ﷺ بإسلامه في المآل لا يحكم له به في الحال.٢
قال القرطبي: "أجاب علماؤنا عن هذا الحديث وإن كان صحيحًا بأجوبة:
أحدها: أنه كان متقدمًا على نزول الآية:
الثاني: أن النبي ﷺ كان قد علم بإسلامه فلذلك ربطه.
الثالث: أن ذلك قضية في عين فلا ينبغي أن تدفع بها الأدلة التي ذكرناها، لكونها مقيدة حكم القاعدة الكلية.
وقد يمكن أن يقال إنما ربطه في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها، وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد فيستأنس بذلك ويسلم وكذلك كان، ويمكن أن يقال إنهم لم يمكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد والله أعلم".٣
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ٨/٧٦. ٢ أحكام القرآن لابن العربي ٢/٩١٣. ٣ انظر: الجامع لأحكام القرآن ٨/١٠٥.
[ ١ / ٤٠٠ ]
أما بالنسبة للوفود التي أنزلها النبي ﷺ في مسجده كلها كانت قبل نزول الآية.
ولأنه كان بالمسلمين حاجة إليهم، وأنهم كانوا يخاطبون الرسول ﷺ ويحملون إليه الرسائل والأجوبة، وقد يسمعون منه الدعوة ولم يكن النبي ﷺ ليخرج لكل من قصده من الكفار.١
أما قول سعيد بن المسيب أن أبا سفيان كان يدخل المدينة ويدخل مسجدها وهو مشرك فهو ضعيف، ولو صح فإن الجواب عنه ظاهر، وهو أن دخول أبي سفيان كان قبل نزول الآية.٢
أقول وبالله التوفيق:
إنه يمكن الإجابة عن هذه المناقشة بما يلي:
١- بالنسبة للآية فهي خاصة بالمسجد الحرام، ولا تتعداه إلى غيره وليست عامة كما قال المالكية ومن وافقهم من العلماء بل خاصة بالمسجد الحرام.
٢- أما آية ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ فنحن
_________________
(١) ١ أحكام القرآن لابن العربي ٢/٩١٤، ومطالب أولي النهى ٢/٦١٧، وكشاف القناع ٣/١٣٧. ٢ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٢/٩١٤.
[ ١ / ٤٠١ ]
لا ننكر أنها تدل على جواز أمان الكافر لدخول دار الإسلام ولا بأس أن يستنبط منها جواز دخولهم مساجد المسلمين لسماع كلام الله لأن ذلك قد يكون سببًا في إسلامهم.
وبالنسبة لحديث ثمامة واضح الدلالة في جواز دخول الكافر المسجد النبوي ويقاس عليه غيره من المساجد، وقولهم إن النبي ﷺ قد علم بإسلامه قبل ربطه يحتاج إلى دليل ولا دليل، بل إن الفترة التي ربط فيها بمسجد رسول الله ﷺ لم يكن مسلمًا ولا يحكم بإسلامه إلا بعد إعلان الشهادة.
وأيضًا قولهم بأن الرسول ﷺ أدخل أبا سفيان مسجده وغيره من الوفود قبل نزول الآية، فهذا خطأ لأن كثيرًا من الوفود أدخلها النبي ﷺ مسجده بعد نزول الآية كوفد نصارى نجران.
وأيضًا الوفود سواء دخلت قبل نزول الآية أو بعدها لا فرق لأن الآية خاصة بمنعهم من دخول المسجد الحرام، فلم تتناول حرم المدينة ولا غيره من المساجد.
وبهذا تظهر قوة الأدلة القائلة بجواز دخول الكفار المسجد النبوي وغيره من المساجد.
مناقشة أدلة المالكية من قبل الجمهور القائلين بجواز دخول الكافر المسجد النبوي وغيره من المساجد:
[ ١ / ٤٠٢ ]
١- أولًا بالنسبة للآية فهي خاصة بالمسجد الحرام، ولا تتعداه إلى غيره.
٢- أما قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ فهذه الآية لا تدل على منع الكفار من دخول المسجد النبوي أو غيره، وإنما غاية ما تدل عليه هو: رفع مساجد الله بالبناء والصيانة لها من الأذى والأقذار، وذكر الله فيها بإقامة الصلاة فيها وقراءة القرآن وغيره من أنواع الذكر.
٣- أما قوله ﷺ أن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر، فنحن لا ننكر أن المساجد يجب تطهيرها عن ذلك والكافر أيضًا إذا أراد بالدخول توسيخها والعبث بها فلا يمكن من دخولها بالاتفاق، وهذا ما يدل عليه الحديث وهو وجوب تنظيف وتطهير المساجد عن الأوساخ والقاذورات.
وقد ذكره الإمام مسلم في باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد.
أما قوله ﷺ لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب فهو لا يخلو من مقال فقال عنه الخطابي "بأن العلماء ضعفوه" ١ وقال عنه ابن رشد "بأنه
_________________
(١) ١ انظر: معالم السنن مع سنن أبي داود ١/١٥٩.
[ ١ / ٤٠٣ ]
حديث غير ثابت عند أهل الحديث".١
وعلى فرض صحته فهو وارد في منع الحائض والجنب من دخول المسجد وليس فيه ما يدل على منع الكافر من دخوله.
وقوله ﷺ في حديث جابر ﵁: لا يقرب المسجد مشرك، المراد به قربان المسجد الحرام، لأنه قاله بعد نزول الآية مباشرة.
أما الآثار المروية عن بعض الصحابة في عدم الإذن بالدخول، فهي محمولة على أنهم رأوا منهم ما يوجب خروجهم، من ابتذال المساجد والعبث بها وتوسيخها، فمن أجل ذلك أخرجوهم منها.
وهي أيضًا لا تقاوم النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة عن الرسول ﷺ في إباحة دخول الكفار مسجده وغيره من باب أولى كحديث ثمامة وضمام وغيرها من الأحاديث السابقة. وقد كانوا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ يدخلون المدينة، ويدخلون المسجد النبوي قادمين من الشام والعراق للتجارة ولما فيه مصلحة المسلمين، ولو لم يثبت هذا عن الرسول ﷺ لأنكر عمر ﵁ عليهم ذلك.
وكذلك أدلتهم العقلية لا تقوى على معارضة ومقاومة النصوص الواردة في إباحة الدخول.
_________________
(١) ١ انظر: بداية المجتهد ١/٤٨.
[ ١ / ٤٠٤ ]
أما قياسهم سائر المسجد على المسجد الحرام بجامع أنها كلها بيوت الله، فمما لا شك فيه أن المساجد كلها بيوت الله، لكن المسجد الحرام ليس كغيره من بيوت الله، فله مميزات وخصائص ينفرد بها عن غيره فمن أجل ذلك منع الكفار من دخوله.
الرأي المختار:
وبعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها يتضح لي أن رأي الجمهور هو الرأي المختار وهو جواز دخول الكفار المسجد النبوي وغيره من المساجد لكنه مقيد بعدم خرابها أو العبث بها أو توسيخها، وذلك للأسباب الآتية:
١- لصراحة وصحة النصوص الواردة في جواز دخول الكفار مسجد رسول الله ﷺ كحديث ثمامة وحديث ضمامة وحديث اليهوديين الذين زنيا، وأحاديث الوفود التي كانت تفد على رسول الله ﷺ في مسجده.
٢- ولعدم ورود نص صريح في منعهم من دخول المساجد.
٣- ولأن دخولهم المساجد لسماع كلام الله، أو مشاهدة أداء فروضه قد يكون هذا سببًا في إسلامهم وهو ما نشاهده الآن في وقتنا الحاضر فإن الكفار يدخلون مساجد المسلمين سواء كانت في دار الإسلام أو في دارهم - ليسألوهم عن الإسلام وما يتعلق به من أحكام، وبيان محاسنه مما أدى إلى إسلام كثير منهم.
[ ١ / ٤٠٥ ]
٤- ولأن الأدلة التي استدل بها المالكية خاصة بالمسجد الحرام ولا تتعداه إلى غيره كالآية، وحديث جابر ﵁ - وليس فيها علة صالحة لتعديها إلى غيره من المساجد، وما بقي من الأدلة ليس فيها ما يدل على منعهم من الدخول.
فلهذه الأسباب وغيرها اخترت رأي الجمهور.
أما ما عليه العمل في وقتنا الحاضر بالنسبة للمسجد النبوي فإنه لا يسمح للكافر بدخول مسجد المدينة ولا حرمها لأن الإمام رأى المصلحة في عدم الدخول وليس هناك حاجة تقتضي دخولهم المسجد النبوي.
ولأن دخول الكفار المسجد النبوي في عهد النبي ﷺ كان ذلك لما كان بالمسلمين حاجة. ولأنهم كانوا يخاطبون النبي ﷺ في عهودهم ويؤدون إليه الرسائل، ويحملون منه الأجوبة، ويسمعون منه الدعوة ولم يكن النبي ﷺ ليخرج من المسجد لكل من قصده من الكفار فكانت المصلحة في دخلوهم في ذلك أعظم وأمس من دخولهم في هذا الوقت.١
فلا مصلحة للمسلمين في دخولهم المسجد النبوي والجلوس فيه في هذا الوقت، فإن دعت إلى ذلك المصلحة فلا بأس بدخولهم بإذن من الإمام أو من يقوم مقامه.
ومع أني اخترت رأي الجمهور لصريح الأدلة في الإذن بالدخول،
_________________
(١) ١ أحكام أهل الذمة ١/١٩١.
[ ١ / ٤٠٦ ]
لكني أفضل عدم دخول الكفار المسجد النبوي في هذا الوقت، لأنه لا حاجة ولا مصلحة للمسلمين بهذا الدخول، ولأن المسجد النبوي له خصائص يمتاز بها عن غيره من المساجد، فلا يساوي بها، وإنما ينبغي أن يساوي بالمسجد الحرام في منعهم من الدخول.
[ ١ / ٤٠٧ ]