لقد دل الكتاب والسنة والمأثور والإجماع على تقسيم الأرض إلى دارين: دار إسلام، ودار كفر.
أولًا: دليل ذلك من الكتاب:
إن المتتبع لكتاب الله ﷾، بتمعن وطمأنينة يجد ما فيه الكفاية من الآيات التي تدل بمعناها على أن الأرض تنقسم إلى دارين، دار إسلام، ودار كفر.
والقاعدة العامة التي تجمع شتيت المعاني التي دلت عليها تلك الآيات هي أن دار الإسلام ما يتسلط عليها المسلمون، وتغلب فيها أحكام الله، من إعلاء كلمته، ونشر دينه، وإظهار توحيده وطاعته.
ودار الكفر ما يتسلط عليها أعداء الله وتغلب فيها أحكامهم كالإشراك بالله وإظهار الظلم والفساد.
ومن هذه الآيات الدالة على ما ذكرناه ما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ
[ ١ / ٣٠١ ]
أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ .١
وجه الدلالة من الآية الكريمة:
الآية بمعناها العام تدل على أن الأرض التي يستضعف فيها أعداء الله أحباب الله الذين يصل بهم الأمر إلى التضرع إلى الله ودعائه بأن يخرجهم من هذه الأرض الظالم أهلها التي يتسلط عليها الكفار، وتتغلب فيها أحكامهم من الظلم ونحوه. ليست دار إسلام وإنما هي دار كفر، فلو كانت دار إسلام لوجد فيها من يدافع عن المستضعفين ويحارب أعداءهم الذين تسلطوا على أرضهم واستضعفوهم فيها.
٢- قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ .٢
فالدار التي يخسف بها وبمن عليها بسبب ما يفعل فيها من المنكرات مما لا يرضاه الله ولا رسله ﵈ هي دار كفر وليست دار إسلام.
٣- قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ
_________________
(١) ١ النساء: ٧٥. ٢ القصص: ٨١.
[ ١ / ٣٠٢ ]
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ .١
وجه الدلالة من هذه الآية:
فالله ﷾ في هذه الآية الكريمة يبين لنا المعنى العام الذي تصير به الدار دار كفر، وهو سيطرة الظلم على أهلها، وبين سبحانه أن من أعظم الظلم الشرك به، وذكر بعض أجزائه وهو إخراج المظلومين من أرضهم وعشرتهم بدون حق، وكذلك تهديم أماكن العبادة.
ثم نص سبحانه على المعنى الذي تصير به الدار دار إسلام وهو تمكين المسلمين من السيطرة عليها وإظهار أحكام الله فيها من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.٢
٤- قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ .٣
فالأرض التي يفتحها المسلمون ويتسلطون عليها ويرثونها ويغنمون ما بها من أموال ومتاع دار إسلام وليست دار كفر.
_________________
(١) ١ الحج: ٣٩ – ٤١. ٢ الجهاد في سبيل الله ١/٦٠٠. ٣ الأحزاب: ٢٧.
[ ١ / ٣٠٣ ]
٥- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ .١
فالأرض التي يستضعف فيها المؤمن ويغلب فيها على أمره وتجب عليه المهاجرة منها إلى الأرض التي يعلو فيها شأنه ليست دار إسلام وإنما هي دار كفر.
وأيضًا تقسيم الأرض إلى دارين يعرف من مقصد الشارع بالهجرة، فمقصده سبحانه بالهجرة ألا يستضعف المؤمنون في الأرض التي تغلب فيهم أحكام الكفر وسلطانه، فغلبة أحكام الكفر في الدار يجعلها دار كفر، ويوجب الهجرة منها، إلى الدار التي تغلب فيها أحكام الإسلام وهي دار الإسلام، وقد صرح العلماء بذلك أنه تجب الهجرة على المؤمن العاجز عن إظهار دينه من دار الكفر إلى دار الإسلام، بنص هذه الآية وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
٦- قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ
_________________
(١) ١ النساء: ٩٧.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .١
وجه الدلالة من الآيتين:
ففي الآية الأولى يبين الله لنا أن الأرض التي يهاجر منها المسلمون تاركين أموالهم وأولادهم، راغبين في ابتغاء الله ورضوانه قاصدين نصرة الله ورسوله ﷺ هي دار كفر وليست دار إسلام.
أما في الآية الثانية فقد نص ﷾ على المعنى الذي تكون به الدار دار إسلام وهو تمكن المسلمين منها وإظهار أحكام الله فيها كالإيمان بالله وإخلاصه له، ونبذ الشح والحسد من قلوب أهلها، وانتشار المحبة والمودة بين أهلها، حتى يصل بهم الأمر إلى تقديم المؤمن أخيه المؤمن في جميع الأشياء على نفسه ولو كان محتاجًا إليها.
٧- قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ .٢
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ .٣
_________________
(١) ١ الحشر: ٨ – ٩. ٢ الأعراف: ٨٨. ٣ إبراهيم: ١٣.
[ ١ / ٣٠٥ ]
فالأرض التي يتسلط عليها الكفار، ويهددون المسلمين فيها بالعودة إلى دينهم من الشرك بالله وغيره، أو الخروج منها، لا يمكن أن يقال عنها بأنها دار إسلام بل هلي دار كفر.
٨- وقوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ .١
فقد نص ﷾ على أن هناك دارًا غير دار المؤمنين وهي دار الفاسقين، والدار التي ينتشر فيها الفسق والغش والفساد، ليست دار إسلام.
٩- وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ .٢
فالدار التي يعلن فيها حكامها الكفرة غير أحكام الله، من إظهار الفواحش، والتفاخر بها، وانتقاص الفضائل، والاستهزاء بها، لا يمكن أن تتصف بصفة الإسلام، بل يجب اتصافها بصفة الكفر وإطلاقه عليها.
١٠- قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا
_________________
(١) ١ الأعراف: ١٤٥. ٢ الأعراف: ٨٠ - ٨٢.
[ ١ / ٣٠٦ ]
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ .١
وجه الدلالة من الآيات:
فالآية الأولى تدل بمعناها على دار الكفر- لأن الأرض التي يعلو فيها شأن الكفرة ويتسلط عليها أعداء الله، ويستضعف فيها أحبابه، حتى يبلغ بهم الأمر إلى ذبح أبنائهم واستحياء نسائهم خوفًا من كثرتهم، وقوة شأنهم، وسحب الملك والسلطة منهم لا يمكن أن يقال عنها أنها دار إسلام بل دار كفر.
والآية الثانية تدل بمعناها على دار الإسلام لأن الأرض التي تفضل الله بها على المسلمين، وجعلهم فيها دعاة إلى الخير، نهاة عن الشر ومكنهم منها بالاستيلاء عليها ووراثة ملكها، هي دار إسلام وليست دار كفر.
ثانيًا: الدليل من السنة على انقسام الأرض إلى دارين: دار إسلام، ودار كفر:
إن دلالة السنة النبوة على أن الأرض داران، ظاهر، لأن الناظر والمتتبع لسنة الرسول ﷺ يرى أنها قد دلت على انقسام الأرض إلى دارين،
_________________
(١) ١ القصص: ٤ - ٦.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وذلك من واقع مكة والمدينة والأمر بالهجرة من مكة إلى المدينة.
فمكة كانت قبل الفتح وبعد الهجرة دار كفر والعداء قائم بين أهلها من المشركين وبين المسلمين.
والمدينة صارت دار إسلام ولذا هاجر المؤمنون إليها من مكة التي كانت دار كفر قبل أن يمن الله بفتحها على المسلمين.
وقد وردت أحاديث صريحة صحيحة في وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام منها:
١- عن جرير بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قيل يا رسول الله ولمَ؟ قال: لا تراءى ناراهما١".٢
_________________
(١) ١ تراءى ناراهما: قال الخطابي فيه وجوه أحدها أن معناها لا يستوي حكماهما قاله بعض أهل العلم، وقال بعضهم معناه أن الله قد فرق بين داري الإسلام والكفر فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها. وقيل: معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله. انظر معالم السنن ٣/١٠٥. ٢ أخرجه أبو داود ٣/١٠٥ كتاب الجهاد باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود. والترمذي ٤/١٥٥ كتاب السير حديث رقم ١٦٠٤. والنسائي ٨/٣٦ في القسامة. والبيهقي ٩/١٢،١٣، بلفظ: "من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة"، قال ابن حجر في بلوغ المرام: إسناده صحيح ورجح البخاري إرساله. بلوغ المرام مع سبل السلام ٤/١٣٣٤. وقال الشوكاني: رجال إسناده ثقات ٨/٢٥، وقال الألباني في إرواء الغليل حديث صحيح ٥/٣٠.
[ ١ / ٣٠٨ ]
فهذا الحديث ظاهر الدلالة على أن الأرض تنقسم إلى دار إسلام ودار كفر لأن النبي ﷺ برئ من المسلم الذي يقيم مع المشركين في دارهم دار الكفر، وأمره بالهجرة إلى دار الإسلام.
قال البغوي: "من أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الدار ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام".١
٢- وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها".٢
فالحديث دل على أن الأرض داران دار إسلام ودار كفر لأن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام باقية لم تنقطع.
قال البغوي: "لا تنقطع الهجرة أراد بها هجرة من أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الدار ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام".٣
٣- وعن بهز بن حكيم٤ عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا
_________________
(١) ١ انظر: شرح السنة ١٠/٣٧٣. ٢ أخرجه أحمد ٤/٩٩، وأبو داود ٣/٧، كتاب الجهاد باب في الهجرة هل انقطعت، والدارمي ٢/٢٣٩، ٢٤٠ باب إن الهجرة لا تنقطع، قال ابن حجر في بلوغ المرام مع سبل السلام ٤/١٣٣٧ صححه ابن حبان. وقال الألباني في إرواء الغليل ٥/٣٣ صحيح، رجال إسناده ثقات وصححه أيضًا في صحيح الجامع الصغير ٦/١٧٦. ٣ انظر: شرح السنة ١٠/٣٧٣. ٤ هو: بهز بن حكيم بن معاوية القشيري، أبو عبد الملك، صدوق من السادسة، مات قبل الستين. انظر: تقريب التهذيب ١/١٠٩.
[ ١ / ٣٠٩ ]
يقبل الله عزوجل من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملًا أو يفارق المشركين إلى المسلمين".١
فهذا الحديث نص صريح في أن الأرض داران، دار إسلام ودار كفر لأن النبي ﷺ نفى فيه قبول عمل السلم المقيم في ديار الكفار حتى يفارقها، ويهاجر إلى ديار المسلمين، وإلى غير ذلك من الأحاديث التي أوجبت الهجرة، ووجوبها دليل على أن الأرض دار إسلام ودار كفر - لأن الهجرة لا تكون إلاّ من دار الكفر إلى دار الإسلام.
ومن الأحاديث التي دلت على انقسام الأرض إلى دارين: حديث سليمان بن بريدة ﵁ عن أبيه قال: كان رسول الله إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية٢ أوصاه في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ٣ ولا تغدروا ٤ ولا تمثلوا ٥ ولا تقتلوا وليدًا ٦، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن ما أجابوك
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ٥/٤، ٥، والنسائي ٥/٨٢ – ٨٣ باب من سأل بوجه الله عزوجل، وابن ماجة ٢/٨٤٨ كتاب الحدود باب المرتد عن دينه حديث رقم ٢٥٣٦، قال الألباني: إسناده حسن. إرواء الغليل ٥/٣٢. ٢ السرية: القطعة من الجيش. المصباح المنير ١/٢٧٥. ٣ لا تغلوا: أي لا تخونوا في الغنيمة.
(٢) لا تغدروا: أي لا تنقضوا العهد. ٥ لا تمثلوا: أي لا تشوهوا القتلى بقطع الأنوف والآذان وغيرها من أعضاء الجسم. ٦ وليدًا: أي صبيا.
[ ١ / ٣١٠ ]
فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين" ١ الحديث.
وجه الدلالة منه: دل الحديث دلالة واضحة على أن الأرض داران، دار إسلام، ودار كفر.
لأن قوله ﷺ ثم ادعهم إلى التحول من دارهم - دار الكفر- إلى دار المهاجرين - دار الإسلام- يدل على أن هناك دارًا غير دار الإسلام ألا وهي دار الكفر، التي يجب دعوة أهلها إلى الإسلام أولًا، فإن أبو دعوا إلى الجزية، فإن أبوا وجب قتالهم.
وبهذا يتضح لنا أن السنة النبوية دلت على أن الأرض تنقسم إلى دارين: دار إسلام، ودار كفر، كما دل على ذلك كتاب الله ﷾.
ثالثا: الدليل من المأثور على انقسام الأرض إلى دارين، دار إسلام ودار كفر:
ما ورد في بعض الآثار عن بعض الصحابة ﵃ أن مكة
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صححيه ٣/١٣٥٦، ١٣٥٧ كتاب الجهاد باب تأمير الإمام على البعوث حديث رقم ١٧٣٨ واللفظ له. والترمذي ٤/١٦٢ كتاب السير باب ما جاء في وصيته ﷺ في القتال حديث رقم ١٦١٧.
[ ١ / ٣١١ ]
كانت دار كفر بعد الهجرة والمدينة صارت دار إسلام.
فقد جاء في رسالة خالد بن الوليد في كتاب الخراج ما نصه: "وجعلت لهم - أي أهل الذمة - أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياُ فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقاموا بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام، فليس على المسلمين النفقة على عيالهم". ١
رابعًا: أما دليل التقسيم من الإجماع:
فقد وقع إجماع عامة أهل العلم ومن بينهم الفقهاء الأربعة على أن الأرض داران: دار إسلام، ودار كفر، وهذا من واقع تعريفاتهم للدارين- وقد سبق ذكر ذلك في تحديد معنى الدارين عندهم.
وقد ثبت بالاستقراء من أقوال الفقهاء على أن الأرض داران دار إسلام، ودار كفر.
فقال الإمام مالك: "كانت مكة دار حرب".٢
وقال الإمام الشافعي: "في وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام: ثم أذن الله ﵎ لرسوله ﷺ بالهجرة إلى المدينة ولم يحرم في هذا من بقي بمكة المقام بها وهي دار شرك، وإن قلوا بأن يفتنوا، ولم
_________________
(١) ١ انظر: الخراج لأبي يوسف ص ١٤٤. ٢ انظر: المدونة الكبرى ٣/٢٣.
[ ١ / ٣١٢ ]
يأذن لهم بجهاد، ثم أذن الله عزوجل لهم بالجهاد، ثم فرض بعض هذا عليهم أن يهاجروا من دار الشرك".١
وقال ابن قيم الجوزية: "وكانت دار الهجرة في زمن رسول الله ﷺ هي دار الإسلام".٢
وقال ابن قدامة: "وتجب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن يقدر عليها ولا يتمكن من إظهار دينه".٣
وقال ابن حزم الظاهري: "وكل موضع سوى مدينة رسول الله ﷺ فقد كان ثغرًا ودار حرب ومغزى وجهاد".٤
وأقوالهم هذه تدل على أنهم اتفقوا وأجمعوا على أن الأرض على قسمين: دار إسلام ودار كفر.
_________________
(١) ١ انظر: الأم ٤/١٦٠. ٢ انظر: أحكام أهل الذمة ١/٥. ٣ انظر: المغني لابن قدامة ٨/٤٥٦ - ٤٥٧. ٤ انظر: المحلى لابن حزم ٧/٣٥٣.
[ ١ / ٣١٣ ]