اختلف الفقهاء في دية المعاهد المجوسي وغيره من الكفار إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: دية غير الكتابي كالمجوسي وغيره من المعاهدين في دار الإسلام، كدية المسلم، ونساؤهم على النصف من ديات رجالهم كنساء المسلمين.
وهو مروي عن الشعبي والنخعي والثوري والحكم وحماد بن أبي سليمان١.
وهو قول فقهاء الحنفية.٢
القول الثاني: دية المجوسي المعاهد وغيره من الكفار ثلثا عشر دية المسلم أي ثمانمائة درهم، وديات النساء على النصف من ديات الرجال في العهد والخطأ أي أربعمائة درهم.
وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃
_________________
(١) ١ مصنف ابن أبي شيبة ٩/٢٨٧، والمغني ٧/٧٩٦، ومصنف عبد الرزاق ١٠/٩٥،٩٧، وتحفة الأحوذي ٤/٦٧٣، والجامع لأحكام القرآن ٥/٣٢٧. ٢ بدائع الصنائع ٧/٢٥٤، وجمع الأنهر ٢/٦٣٩، وتبيين الحقائق ٦/١٢٨، وأحكام القرآن للجصاص ٢/٢٤٠.
[ ٢ / ٧٩ ]
وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعكرمة والحسن البصري وعطاء وإسحاق.١
وهو قول فقهاء المالكية والشافعية الحنابلة.٢
إلا أنه روى عن الإمام أحمد أنه غلظ الدية على المسلم إذا كان القتل عمدًا فتكون ديته مضاعفة أي ١٦٠٠ درهم.٣
وكذلك روي عن الحنابلة أنهم قالوا دية النساء على النصف من دية الرجال إذا كان القتل خطأ أما إذا كان القتل عمدًا فهن كالرجال في تضعيف الدية أي ٨٠٠ درهم.٤
القول الثالث: دية المجوسي المعاهد وغيره من الكفار على النصف من دية المسلم وبه قال عمر بن عبد العزيز.٥
_________________
(١) ١ مصنف ابن أبي شيبة ٩/٢٨٧، وتكملة المجموع ١٧/٣٧٩، والمغني ٧/٧٩٦، ومصنف عبد الرزاق ١٠/٩٧، وتحفة الأحوذي ٤/٦٧٣، والجامع لأحكام القرآن ٥/٣٢٧. ٢ المنتقى شرح الموطأ ٧/٩٨، وقوانين الأحكام الشرعية ٣٧٦، وحاشية العدوي ٢/٢٧٥، ومغني المحتاج ٤/٥٧، والمهذب ٢/٢٥٢، وكفاية الأخيار ٢/١٠٣، والمغني ٧/٧٩٦، والمبدع ٨/٣٥٢، والهداية للكلوذاني ٢/٩٣، والإنصاف١٠/٦٦. ٣ الإفصاح لابن هبيرة ٢/٢١١. ٤ الإفصاح لابن هبيرة ٢/٢١١. ٥ المغني ٧/٧٩٦، ومصنف عبد الرزاق١٠/٩٥، وتكملة المجموع للمطيعي ١٧/٣٧٩.
[ ٢ / ٨٠ ]
الأدلة:
أ - أدلة أصحاب القول الأول:
استدل الحنفية بنفس الأدلة السابقة التي في دية الكتابي وقالوا بأنها عامة في الكتابي وغيره من غير فرق.
وكذلك قالوا: بأن المجوسي آدمي معصوم الدم كالمسلم فتكون ديته مثله، لأنهما في العصمة سواء، وإذا كان المجوسي يستوي مع المسلم في الملكية والإحراز وجب أن يستوي معه في الدية.١
رد عليهم بأن الأدلة التي استدلوا بها على أن دية الكافر الذمي أو المستأمن كدية المسلم من الأحاديث والآثار كلها ضعيفة ولم يسلم لهم إطلاق الدية في الآية لأنها مقيدة بالنصوص الصحيحة التي فرقت بين دية المسلم وغيره.
أما قولهم بأن المجوسي كالمسلم في العصمة، فهذا غير صحيح، لأنه لا مساواة بين المسلم والكافر حتى في العصمة، لأن المسلم معصوم الدم بالإيمان، بينما الكافر معصوم الدم بالأمان، فاختلف سبب العصمة، وأيضًا لا يستوي معه في الملكية والإحراز ومع انتفاء المساواة ينتفي وجوب الدية كاملة.
ب - أدلة الجمهور الذين قالوا بأن الدية ثمانمائة درهم:
استدلوا بالسنة، والمأثور، والمعقول:
_________________
(١) ١ انظر: تبيين الحقائق ٦/١٢٨، والمغني ٧/٧٩٦.
[ ٢ / ٨١ ]
أ - دليلهم من السنة:
ما روى عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله: "دية المجوسي ثمانمائة درهم".١
نوقش هذا الحديث بأنه ضعيف لأن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف وبهذا يبطل الاستدلال به.٢
ثانيًا: أدلتهم من المأثور:
١- بما رواه سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة كما روي عن عثمان بن عفان مثل ذلك.٣
٢- وبما روى عن علي وابن مسعود ﵄ أنها يقولان دية المجوسي ثمانمائة درهم.٤
٣- وبما روى عن عكرمة والحسن وعطاء أنهم قالوا: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة.٥
وقد انتشر هذا بين الصحابة والتابعين ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا.٦
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي في السنن ٨/١٠١، والطحاوي في معاني الآثار٤/٣٣٥. ٢ انظر: الجوهر النقي ٨/١٠١ ونيل الأوطار ٧/٦٥. ٣ أخرجه البيهقي ٨/١٠١، وابن أبي شيبة في المصنف ٩/٢٨٨، وعبد الرزاق١٠/٩٣. ٤ أخرجه البيهقي ٨/١٠١. ٥ أخرجه ابن أبي شيبة ٩/٢٨٩، وعبد الرزاق ١٠/٩٣. ٦ انظر: المغني لابن قدامة ٧/٧٩٦، والمنتقى ٧/٩٨.
[ ٢ / ٨٢ ]
ونوقش هذا بأن هذه الآثار المروية عن بعض الصحابة والتابعين ليست بحجة ولا تقوى على معارضة الثابت عن رسول الله ﷺ وهو قوله "دية المعاهد نصف دية المسلم" ولفظ المعاهد عام يطلق على المعاهد الكتابي والمجوسي وغيرهما. ١
ثالثًا: دليلهم من المعقول:
قالوا لما كانت ذبائحهم ونساؤهم محرمة على المسلمين، بخلاف ذبائح أهل الكتاب ونسائهم، كان من الأولى أن تنقص ديتهم عن دية أهل الكتاب.٢
نوقش هذا المعقول: بأن تحريم نساء وذبائح المجوس، لا يمنع من مساواتهم بالكتابي في الدية، لأن الأمان يعقد مع الكتابي والمجوسي وغيرهم، فإذا دخلوا دار الإسلام بهذا الأمان لا فرق بينهم لا في العصمة ولا في الدين وتجري عليهم الأحكام الإسلامية وتكون دياتهم متساوية على النصف من ديات المسلمين لا فرق بين كتابي أو مجوسي أو غيره.
ج - أدلة من قال بأن ديته نصف دية المسلم:
استدل بالسنة، والمعقول:
أ - دليلهم من السنة:
حديث عمرو بن شعيب المتقدم والذي فيه "دية المعاهد نصف دية
_________________
(١) ١ انظر: نيل الأوطار ٧/٦٥. ٢ انظر: المغني لابن قدامة ٧/٧٩٦.
[ ٢ / ٨٣ ]
المسلم" وفي رواية أخرى: "دية عقل الكافر نصف عقل المؤمن".١
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث ظاهر الدلالة في أن دية المجوسي كدية الكتابي على النصف من دية المسلم لأن لفظ "المعاهد" و"الكافر" عام يطلق على أي معاهد وأي كافر كتابي أو مجوسي، فالمجوسي داخل تحت هذا العموم وكذلك كل من له ذمة من الكفار.٢
ويمكن أن يقال بأن الحديث ورد بلفظ "عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى".٣
يجاب عن ذلك بأن هذه اللفظة لم يخرجها إلا ابن ماجة بينما الألفاظ العامة أخرجها أكثر أهل السنن وهي الأشهر فيؤخذ بها.
٢- وبقوله ﷺ "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فالحديث عام في الجزية وغيرها كالدية.٤
فقد أمر الرسول ﷺ أن يعامل المجوسي معاملة أهل الكتاب، ومن المعاملة أن تكون ديتهم كديتهم، وحيث إن دية أهل الكتاب نصف دية المسلم فكذلك دية المجوسي على النصف من دية المسلم.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه ص ٥٧. ٢ انظر: نيل الأوطار ٧/٦٦. ٣ أخرجه ابن ماجة ٢/٨٨٣، كتاب الديات باب دية الكافر. ٤ سبق تخريجه في الجزء الأول، ص ١٦٢.
[ ٢ / ٨٤ ]
ب - دليلهم من المعقول:
أن المجوسي والكتابي يجمعهم لفظ واحد في دار الإسلام هو لفظ الذمة والأمان من المسلمين، فلا فرق بينهم في ذلك فكذلك أيضًا لا فرق بينهم في الدية - فالجميع دياتهم نصف ديات المسلمين.١
الرأي المختار:
وبعد أن ذكرت آراء الفقهاء في دية المجوسي وغيره من الكفار وأدلتهم وما ورد عليها من مناقشات يتضح لي بأن رأي الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز هو الرأي المختار والذي يقول: "أن دية المجوسي وغيره من الكفار كدية أهل الكتاب أي نصف دية المسلمين".
وذلك للأسباب الآتية:
١- لأن حديث عمرو بن شعيب أصح حديث ورد في دية المعاهد وهو عام يشمل الكتابي وغيره من الكفار كالمجوسي ولم يرد ما يقوى على تخصيصه.
٢- ولأن الأدلة من الأحاديث والآثار التي استدل بها من قال بأن ديته كدية المسلم كلها ضعيفة لا تقوم بها حجة ما عدا الآية فهي مطلقة مقيدة بالحديث السابق.
٣- وكذلك أيضًا أدلة من قال إنها ثمانمائة درهم ليست قوية ولا تقاوم عموم هذا الحديث.
_________________
(١) ١ انظر: نيل الأوطار ٧/٦٦.
[ ٢ / ٨٥ ]
٤- ولأنه لا فرق بين المعاهدين الذين يدخلون دار الإسلام بعهد وأمان من المسلمين فكلهم كفار يعاملون بمعاملة واحدة فيما لم يرد النهي عند بدليل خاص كالذبائح والزواج ويجب لهم دية واحدة وهي نصف دية المسلم للمساواة بينهم في العصمة والدين- والله أعلم.
[ ٢ / ٨٦ ]