أفتى بعض علماء الحنفية كالاسبيجاني١ والحلواني٢، وأن الاستيلاء المجرد على دار الإسلام لا يجعلها دار كفر.٣
فمثلًا لو احتل الكفار بلدًا من بلدان المسلمين، فإن هذا الاحتلال وحده ليس كافيًا لأن يحول دار الإسلام هذه التي احتلت إلى دار كفر، بل لا بد من توافر أمور أخرى بجانب فقد سيادة المسلمين عليها، فعندما غلب التتار واجتاحوا البلاد الإسلامية واحتلوها، وأخضعوها لسلطانهم مع بقاء بعض القضاة المسلمين للقضاء بالأحكام الإسلامية، لم تتحول هذه البلاد التي استولى عليها التتار إلى دار كفر.
وقد استندا في هذه الفتوى إلى عدة أمور:
منها عدم اتصالها بدار الكفر، وأن التتار لم يظهروا أحكام الكفر فيها، بل كان القضاة من المسلمين.
_________________
(١) ١ هو بهاء الدين محمد بن أحمد الاسبيجاني، من علماء الحنفية في القرن السابع الهجري. الفوائد البهية ص ٤٢ – ٤٣. ٢ هو عبد العزيز أحمد بن نصر بن صالح الحلواني البخاري، فيقيه حنفي، ملقب بشمس الأئمة، توفي في كش سنة ٤٤٨هـ، وقيل في بخارى، له تصانيف كثيرة منها: المبسوط في الفقه، والنوادر في الفروع. انظر ترجمته في: الجواهر المضية ١/٣١٨، والفوائد البهية ص ٩٥، والأعلام ٤/١٣. ٣ الفتاوى الهندية ٣/٢٣٣.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وقالا: وقد تقرر أن بقاء شيء من العلة يبقي العلة.
وقد حكمنا بلا خلاف بأن هذه الديار قبل استيلاء التتار عليها كانت من ديار الإسلام، وأنه بعد الاستيلاء عليها بقيت شعائر الإسلام فتبقى دار إسلام.١
وخلاصة ما قاله هذان العالمان:
أن الاستيلاء المجرد من الكفار على دار الإسلام، دون غلبة أحكام الكفر فيها، لا يصيرها دار كفر مادام أن بعض سكانها من المسلمين وتجري فيها بعض الأحكام الإسلامية.
وبناءً على رأيهما هذا فإن بعض البلدان الإسلامية التي تخضع اليوم للسلطة والسيطرة الكافرة، تعتبر من دار الإسلام لجريان بعض أحكام الإسلام فيها، فما دام أن بعض شعائر الإسلام قائمة فيها فهي دار إسلام، وإن كانت تحت سيادة وسلطة غير المسلمين.
ولكن يرد عليهما بأن ما قالاه مخالف لقول الجمهور بما فيهم علماء الحنفية الذين وافقوا الجمهور في أن السلطة وغلبة الأحكام هما اللتان تغيران صفة الدار، فإذا وجدت السلطة والسيادة غلبت الأحكام، وغلبة الأحكام في الدار دليل على وجود السلطة والسيادة.
_________________
(١) ١ الفتاوى الهندية ٣/٢٣٣، وأحكام الذميين والمستأمنين ص ٢١، والعلاقات الخارجية في دولة الخلافة ص٦٠.
[ ١ / ٢٨٤ ]
لأن المعمول به في تغير صفة الدار هو وجود السلطة وسريان الأحكام، فإذا كانت الهيمنة المطلقة للحكومة الإسلامية مع غلبة أحكامها كانت الدار دار الإسلام، أما إذا انتفت السلطة والسيادة وغلبة الأحكام الإسلامية عن الدار فإنها تعد دار كفر.
ومما يدل على أن السلطة والسيادة تغير صفة الدار، أن الدار الخاضعة لسلطان المسلمين تعتبر دار إسلام وإن كان جميع سكانها كفارًا كقصة خيبر فإن النبي ﷺ بعد أن فتحها وأخضعها لسلطان المسلمين عين عليها واليًا من المسلمين وأهلها لم يزالوا على كفرهم.
وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بخلاف ما قالاه:
فإنه عندما سئل عن بلاد ماردين١ وقد زالت عنها السلطة الإسلامية قال: "وأما كونها دار حرب أو سلم، فهي مركبة فيها المعنيان، وليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام لكون أهلها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث، يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه".٢
وأيضًا مما يدل على أن قولهما مردود ما قاله الحنفية في تعريف دار الكفر حيث قالوا: هي التي يجري فيها أمر رئيس الكافرين من البلاد
_________________
(١) ١ ماردين: قلعة مشهورة على قمة الجزيرة مشرفة على دنيسر ودارا نصبين. معجم البلدان ٤/٣٩. ٢ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٨/٢٤١.
[ ١ / ٢٨٥ ]
ويخاف فيها المسلمون من الكفار، وهذا مخالف تمامًا لما قاله الاسبيجاني والحلواني من أن إجراء أمر الكفار واستيلائهم على البلاد لا يغير صفتها.
ويمكن أن يقال لهما أيضًا أن المسلمين الذين يقيمون بالدار التي يتسلط عليها الكفار، لا يستطيعون أن يقيموا من شعائر الإسلام إلا ما أذن به ذوو السلطان من الكفرة، مما لا تعلو به كلمة الله، ولا تسقط به راية الكفر، فإن هذا البلد الذي تحققت فيه هذه الأمور من السيادة للكفار، وعدم إعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه، كيف يمكن أن يقال عنه بأنه دار إسلام؟.
وأيضًا إن كثيرًا من البلدان الإسلامية قد صارت دار كفر بمجرد استيلاء وتسلط أعداء الله عليها وغلبة أحكامهم فيها، لأنهم إنما يأذنون لبعض المسلمين المقيمين في هذه الديار بإقامة بعض شعائر الإسلام التي يدركون أنه لا خطر منها على أحكامهم الكفرية، وإذا أدركوا وتلمسوا أن خطرًا ما سيتحقق من إقامة بعش الشعائر الإسلامية حظروه وضيقوا الخناق عليه وعلى أهله، ولو تنبه المسلمون لهذا المعنى لما ناموا عن الاستعداد للجهاد في سبيل الله، وإعداد العدة له لطرد من دنسوا ديارهم بإظهار أحكام الكفر فيها، وصيروها ديارًا كافرة بعد أن كانت ديارًا إسلامية وقد بين العلماء المعاصرين أنه إذا كانت الولاية والحل والعقد في الأرض لغير المسلمين، فتعتبر الدولة كافرة وإن كثر فيها المسلمون.١
_________________
(١) ١ نقلًا عن كتاب الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته ١/٦٠٩.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وبهذا يتضح لنا أن قول الاسبيجاني والحلواني من أن الاستيلاء المجرد من الكفار على دار الإسلام لا يقلبها إلى دار كفر مردود ولم يقل به أحد من العلماء المتقدمين والمتأخرين.
[ ١ / ٢٨٧ ]