ومن أحيى مواتا ملكه بإذن الإمام وغير إذنه.
والموات: مَا لَمْ يَكُنْ عَامِرًا، وَلَا حَرِيمًا لِعَامِرٍ وإن كان متصلا بعامر. وقد قال على بن سعيد: قلت لأحمد " يجعل للأرض حد من القرية حد من القربة في القرب والبعد؟ فقال: قد روى عن الليث بن سعد غلوة ونحوه، ولا أدري ما هذا؟. فقد أنكر قول الليث في اعتباره بعد الموات من العمارة بهذه المسافة. ويستوي في إحياء الموات بعده من العامر هذه المسافة وغيرها. وقد قال أحمد، في رواية أبي الصقر - وقد سئل عن رجل أحيى أرضا ميتة، وأحيى آخر إلى جنب أرضه قطعة أرض، وبقيت بين القطعتين رقعة، فجاء رجل، فدخل بينهما على الرقعة هل لهما أن يمنعاه؟ فقال " ليس لهما أن يمنعاه، إلا أن يكونا أحيوها". وقال أيضا في رواية على بن سعيد " إذا كانت أرض بجنب المدينة أو القرية، فإذا لم يكن في أخذها ضرر على أحد فهي لمن أحياها". وقال رواية يوسف بن موسى " الميتة التي لم يملكها أحد تكون في البرية، وإن كانت بين القرى فلا ". وهذا محمول على أنها حريم لعامر، أو متعلق بمصلحته. وصفة الإحياء فيما يراد للسكنى - حيازتها ببناء حائط، ولا يشترط فيه تسقيف البناء.
[ ٢٠٩ ]
وفيما يراد للزرع والغرس أحد شيئين: إما حيازتها بحائط، أو سوق الماء إليها إن كانت يبسا، أو حبسه عَنْهَا إنْ كَانَتْ بَطَائِحَ، لِأَنَّ إحْيَاءَ الْيَبِسِ بِسَوْقِ الْمَاءِ إلَيْهِ، وَإِحْيَاءَ الْبَطَائِحِ بِحَبْسِ الْمَاءِ عنها حتى يمكن زرعها وغرسها. ولا يقوم جَمْعُ التُّرَابِ الْمُحِيطِ بِهَا حَتَّى يَصِيرَ حَاجِزًا بينها وبين غيرها مقام الحائط. ولا يشترط فيه حرثها، وهو يَجْمَعُ إثَارَةَ الْمُعْتَدِلِ، وَكَسْحَ الْمُسْتَعْلِي، وَطَمَّ الْمُنْخَفِضِ.
وقد قال أحمد في رواية على بن سعيد، " الإحياء لا يكون إلا بأن يحوط عليها، فإن كرب حولها لم يستحق بذلك حتى يحوط" وقال " الإحياء من احتاط حائطا أو احتفر بئرا ومن احتاط يمنع الناس والدواب فهي له، زرع فيها أو لم يزرع، ومن حفر بئرا فحريمه خمسة وعشرون ذراعا، فلم يجعل جمع التراب بالكوب إحياء، واشترط الحائط أو حصول مائها. وكذلك قال في رواية عبد الله " والإحجار ليس بشيء إلا أن يرفعه بحائط" وكذلك قال في رواية أحمد بن أبي عبيدة في أرض سبخة لا رب ضرب عليها الناس، فقال: " هل بني عليها حائط؟.فقيل له: فقال: لا، إلا أن يبني عليها حائطا". وقال في رواية إسحاق " والأرض الموات إنما يكون إحياؤها بأن يعمل فيها أو يحفر، ويبني فيكون بهذا أحياها، ولا يكون بالزرع أحياها". وقد روى أبو بكر بإسناده عن جابر بن عبد الله عن النبي - ﷺ - " من احتاط حائطا على أرض فهي له". فظاهر هذا: أنه يملكها بالحائط ولم يعتبر التسقيف في ذلك ولا الحرث، كما قال " من قتل قتيلا فله سلبه" ولأن الموات هو الذي لا منفعة فيه. وإذا أحاط عليها حائطا انتفع بها بجبر وطيج وجمع الماشية فخرج بذلك عن حكم الموات. فإن أقام عليها بعد الإحياء من قام بزرعها وحراثتها كَانَ الْمُحْيِي مَالِكًا لِلْأَرْضِ، وَالْمُثِيرُ مَالِكًا لِلْعِمَارَةِ، فَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ الْأَرْضِ بَيْعَهَا جَازَ، وَإِنْ أراد مالك العمارة بيعها فقياس المذهب أنه يجوز له بيع العمارة التي هي الإثارة، سواء كان فيها أعيان قائمة: كشجر أو زرع أو لم يكن. ويكون الأكار شريكا في الأرض بعمارته لأنه قد قال في الغاصب " إذا كانت له آثار في العين كان شريكا بها ".
[ ٢١٠ ]
ونقل ابن المنصور عنه كلاما يدل على أنه لا يجوز بيع ذلك، فقال" قلت لأحمد: الأكار يريد أن يخرج من الأرض فيبيع الزرع؟ قال: لا يجوز بيعه حتى يبدو صلاحه. قلت: فيبيع عمل يديه وما عمل في الأرض وليس فيها زرع؟ قال: لم يجب له بعد شيء، إنما يجب بعد التمام".
وَإِذَا تَحَجَّرَ عَلَى مَوَاتٍ كَانَ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ مَنْ أَحْيَاهُ كان المحيي أحق به من المتحجر. فلو أَرَادَ الْمُتَحَجِّرُ عَلَى الْأَرْضِ بَيْعَهَا قَبْلَ إحْيَائِهَا لم يجز على ظاهر كلام أحمد، لأنه قال في رواية على بن سعيد " فإن كرب حولها لم يستحق بذلك حتى يحوط". وقوله " لم يستحق بذلك" يعني لم يستحق الملك، وإذا لم يملك لم يصح البيع. فإن تَحَجَّرَ وَسَاقَ الْمَاءَ وَلَمْ يَحْرُثْ فَقَدْ مَلَكَ الماء وما يحري فِيهِ مِنْ الْمَوَاتِ وَحَرِيمَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ مَا سواه من المحجور. وما أحياه من الموات معشور لم يجز أن يضرب عليه الخراج، سواء سقي بماء الخراج أو بماء العشر.
[ ٢١١ ]
وقد قال أحمد في رواية أبي الصقر في أرض موات في دار الإسلام لا يعرف لها أرباب ولا للسلطان عليها خراج، أحياها رجل من المسلمين فقال " من أحيا أرضا في غير أرض السواد فإن للسلطان عليه فيها العشر، ليس له غير ذلك". فأما حَرِيمُ مَا أَحْيَاهُ مِنْ الْمَوَاتِ لِسُكْنَى أَوْ زرع فهو مُعْتَبَرٌ بِمَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ تِلْكَ الْأَرْضُ من طريقها وفنائها ومجرى مائها شربا ومغيضا. وقد قال في رواية يوسف بن موسى " الميتة التي لا يملكها أحد تكون في البرية في الصحراء وإن كانت بين القرى فلا ". وقال في رواية على بن سعيد) وقد سأله عن مروج قرب المدينة: هي مرعى للدواب، ويقبر فيها الموتى ولا يعرف لها مالك؟ قال: " لا أرى أن يتعرض لها إذا كانت بهذه الحال قريبة من القرية". وقال بعد ذلك، إذا لم يكن في أخذها ضرر على أحد فهي لمن أحياها". وإذا انحسر نهر عظيم " كدجلة، والفرات، النيل، عن موضع لم يجز لأحد أن يجيبه. نص عليه في رواية ابن إبراهيم في دجلة يصير في وسطها جزيرة فيها طرق فحازها قوم، فقال: " كيف يحوزونها وهي شيء لا يملكه أحد؟ ". وقال في رواية يوسف بن موسى " إذا نضب الماء عن جزيرة إلى فناء رجل، هل يبني فيها؟ قال: لا، فيه ضرر على غيره، لأن الماء يرجع".
وقد مصرت الصحابة البصرة على عهد عمر، وَجَعَلُوهَا خُطَطًا لِقَبَائِلِ أَهْلِهَا، فَجَعَلُوا عَرْضَ
[ ٢١٢ ]
شَارِعِهَا الْأَعْظَمِ - وَهُوَ مِرْبَدُهَا - سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَجَعَلُوا عَرْضَ مَا سِوَاهُ مِنْ الشَّوَارِعِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَجَعَلُوا عَرْضَ كُلِّ زُقَاقٍ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلُوا وسط كل خطة رحبة فسيحة لمربط خَيْلِهِمْ وَقُبُورِ مَوْتَاهُمْ، وَتَلَاصَقُوا فِي الْمَنَازِلِ، وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إلَّا عَنْ رَأْيٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ أو نص لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ. وَقَدْ رَوَى بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " إذَا تَدَارَأَ القوم في طريق فلنجعل سبعة أذرع". وروى أبو حفص العكبري بإسناده عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: " إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوها سبعة أذرع". وفي لفظ آخر" إن اختصمتم في سكة فاجعلوها سبعة أذرع ثم ابنوا". وبإسناده عن عبادة بن الصامت قال: " إن من قضاء رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قضى في الرحبة تكون بين الناس ثم يريد أهلها البناء فيها قضى أن يترك الطريق منها سبعة أذرع، قال: وكانت تلك الطريق تسمى الميتاء". قال أحمد في رواية المروزي وقد سئل عن حديث النبي - ﷺ - " إذا اختلف في الطريق جعل سبعة أذرع" فقال " هذا قبل أن تقع الحدود، فإذا وقعت لم يحرك منها شيء". وقال في رواية ابن القاسم " إذا كان الطريق واسعا كبيرا مثل هذه الشوارع؟ قال " نعم وهو أشد ممن أخذ حدا بينه وبين شريكه، لأن هذا يأخذ من واحد، وهذا لجماعة المسلمين ". وقال أبو عبد الله بن بطة " إنما قال ذلك رسول الله - ﷺ - لأرباب الأموال المشتركة إذا احتاجوا إلى قسمتها واختلفوا في مبلغ حاجاتهم، ومقدار مسالكهم، فقال " اجعلوها سبع أذرع" وذلك كله قبل إخراج الطريق، فأما إذا طرقت الطرق وعرفت المعالم فقد حرم الله على واضع أن يضع فيها شيئا إلا باتفاق الأئمة".
فأما الْمِيَاهُ الْمُسْتَخْرَجَةُ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مِيَاهُ أَنْهَارٍ، وَمِيَاهُ آبَارٍ، وَمِيَاهُ عُيُونٍ فَأَمَّا الْأَنْهَارُ فَتَنْقَسِمُ ثلاثة أقسام:
[ ٢١٣ ]
أحدها: ما أَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كِبَارِ الْأَنْهَارِ الَّتِي لم يحفرها الآدميةن، كدجلة والفرات فماؤها يتسع للزرع والشاربة، وَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ قُصُورٌ عَنْ كِفَايَةٍ، وَلَا ضرورة تدعو فيه إلى تنازع او مشاحة، فَيَجُوزُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا لِضَيْعَتِهِ شُرْبًا، وَيَجْعَلَ مِنْ ضَيْعَتِهِ إلَيْهَا مغيضا، لا يمنع من أخذ شربا، ولا من جعل لضيعته إليها مغيضا. والقسم الثاني: ما أجراه الله من صغار الأنهار، فهو عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلُوَ مَاؤُهَا وَإِنْ لم يحبس، ويكفي جميع أهله منغير تَقْصِيرٍ، فَيَجُوزُ لِكُلِّ ذِي أَرْضٍ مِنْ أَهْلِهِ أن يأخذ من شراب أرضه في وقت حاجته، لا يُعَارِضُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ أَنْ يَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ نَهْرًا يُسَاقُ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى أَوْ يَجْعَلُوا إلَيْهِ مَغِيضَ نَهْرٍ آخَرَ، نُظِرَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِأَهْلِ هَذَا النَّهْرِ منع منه، وإن لم يضر لَمْ يُمْنَعْ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَقِلَّ مَاءُ هَذَا النَّهْرِ وَلَا يَعْلُوَ لِلشُّرْبِ إلَّا بِحَبْسِهِ، فللأول من أهل هذا النهر أن يبتدئ يسقي أرضه حتى ي يكتفي منه ويرتوي ثُمَّ يَحْبِسَهُ مَنْ يَلِيهِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ أرضا آخرهم حبسا. وقدر ما يحبسه من الماء في أرضه إلى الكعبين، فإذا بلغ الكعبين أرسل إلى الآخر، نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، فقال: " والماء الجاري فإنه يحبس على أهل العوالي بقدر الكعب " وذكر الحديث. ولفظ الحديث ما رواه أبو بكر بإسناده عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: " قضى رسول الله - ﷺ - في مهزور، وادي بني قريظة، أن الماء إلى الكعبين، بحبس الأعلى على الأسفل. وبإسناده عن عَمْرو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أن رسول الله - ﷺ - " قضى في سيل مهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل".
[ ٢١٤ ]
وقد قيل: إن هذا القضاء ليس على العموم في الأزمان والبلدان وإنما هو مقدر بالحاجة وقد تختلف من خمسة أوجه: أحدها: بِاخْتِلَافِ الْأَرْضِينَ: فَمِنْهَا مَا يَرْتَوِي بِالْيَسِيرِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَرْتَوِي إلَّا بِالْكَثِيرِ. وَالثَّانِي: بِاخْتِلَافِ ما فيها فإن للزروع من الشرب قدرا، وللنخيل وَالْأَشْجَارِ قَدْرًا. وَالثَّالِثُ: بِاخْتِلَافِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، فَإِنَّ لكل واحد من الزمانين قدرا. والرابع: باختلافهما فِي وَقْتِ الزَّرْعِ وَقَبْلِهِ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَقْتَيْنِ قَدْرًا. وَالْخَامِسُ: بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَاءِ فِي بَقَائِهِ وَانْقِطَاعِهِ، فَإِنَّ الْمُنْقَطِعَ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يَدَّخِرُ وَالدَّائِمُ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يُسْتَعْمَلُ. فلاختلافه من هذه الأوجه الخمسة لا يمكن تَحْدِيدُهُ بِمَا قَضَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في أحدها، فكان معتبرا بالعرف والعادة المعهودة عند الحاجة إليه. فإن سَقَى رَجُلٌ أَرْضَهُ أَوْ فَجَّرَهَا فَسَالَ مِنْ مَائِهَا إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَغَرَّقَهَا لَمْ يَضْمَنْ، لأنه تصرف في ملكه بمباح. وقد نص أحمد على نظير هذا في رواية البرزاطي " إذا أحرق حقلا له فتعدت النار إلى زرع غيره فأحرقه لا ضمان عليه". فَإِنْ اجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ سَمَكٌ كَانَ الثاني أحق بصيده من الأول، لأنه في ملكه. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية موسى بن أبي موسى " في رجل اشترى قطعة باقلي أو شيء ونضب الماء عنها فصار فيها سمك فالسمك لصاحب الأرض" فحكم به لصاحب الأرض دون مشتري الباقلي. القسم الثالث من الأنهار ما احتفر الآدميون مِنْ الْأَرْضِينَ، فَيَكُونُ النَّهْرُ بَيْنَهُمْ مِلْكًا مُشْتَرَكًا، كالرزق المشترك بَيْنَ أَهْلِهِ لَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمْ بِمِلْكِهِ. فَإِنْ كان النَّهْرُ بِالْبَصْرَةِ يَدْخُلُهُ مَاءُ الْمَدِّ فَهُوَ يَعُمُّ جَمِيعَ أَهْلِهِ لَا يَتَشَاحُّونَ فِيهِ لِاتِّسَاعِ مَائِهِ.
وَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى حَبْسِهِ لِعُلُوِّهِ بِالْمَدِّ إلَى الحد الذي يرتوي منه جميع الأرضين، ثم يغيض بعد الارتواء في الجزائر، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْبَصْرَةِ مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي لا مدّ فيها ولا يجوز، فالنهر مملوك لم احتفره من أرباب الأرضين، لا حقّ لِغَيْرِهِ فِي شُرْبٍ مِنْهُ وَلَا مَغِيضَ، وَلَا يجوز
[ ٢١٥ ]
لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَصْبِ عِبَارَةٍ عليه، ولا يرفع ماءه لإدارة رحى فيه إلا عن مرضاة جَمِيعِ أَهْلِهِ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِيمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّفَرُّدِ بِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الزُّقَاقِ المشترك أَنْ يَفْتَحَ إلَيْهِ بَابًا، وَلَا أَنْ يُخْرِجَ إليه جَنَاحًا، وَلَا يَمُدَّ عَلَيْهِ سَابَاطًا إلَّا بِمُرَاضَاةِ جميعهم. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية صالح: في نهر ماؤه عيون يخرج من فوق بقدر، والماء لأقوام معروفين لهم أرضون فوق المدينة وتحتها، والذين لهم ضياع فوق يحتاجون أن يأخذوا الماء لأرضهم من فوق المدينة، وفيه ضرر على أخل المدينة فقال " إن كان هذا النهر لهؤلاء القوم احتفروه وأنفقوا عليه، فليس لأحد أن يمنعهم وإن كان هذا شيئا لم يزل هكذا فللقوم أن يمنعوهم حتى يستوي الناس في شربهم على ما كانوا ". فقد نص على أنه إن كان ملكهم كان على ما اتفقوا عليه، وليس لأحدهم أن ينفرد بشيء منه. ثم لا يخلو حال شربهم مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَنَاوَبُوا عَلَيْهِ بالأيام إن قلوا، وبالساعات إن كثروا، أو يقترعوا إنْ تَنَازَعُوا فِي التَّرْتِيبِ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ لَهُمْ تَرْتِيبُ الْأَوَّلِ وَمَنْ يَلِيهِ، وَيَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَوْبَتِهِ لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهَا، ثُمَّ هم من بعده على ما ترتبوا. القسم الثاني: أن يقتسموا فم النَّهْرِ عَرْضًا بِخَشَبَةٍ تَأْخُذُ جَانِبَيْ النَّهْرِ، وَيُقْسَمُ فيها حفور مقدرة بحقوقهم من الماء يدخل فِي كُلِّ حُفْرَةٍ مِنْهَا قَدْرُ مَا اسْتَحَقَّهُ صاحبها من خمس أو عشر، يأخذه إلى أرضه على الأدوار.
القسم الثالث: أن يحتفر كل واحد منهم في وجه أرضه شربا مُقَدَّرًا لَهُمْ بِاتِّفَاقِهِمْ، أَوْ عَلَى مِسَاحَةِ أَمْلَاكِهِمْ، ليأخذ من ماء النهر قدر حقه ما يساوي فيه جميع شركائه، ثم ليس لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ، وَلَا لَهُمْ أَنْ ينقصوا منه، وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤَخِّرَ شُرْبًا مُقَدَّمًا، كما ليس لواحد من أهل الزقاق المشترك أَنْ يُؤَخِّرَ بَابًا مُقَدَّمًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ شُرْبًا مُؤَخَّرًا وَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَدِّمَ بَابًا مُؤَخَّرًا، لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْبَابِ الْمُؤَخَّرِ اقْتِصَارًا عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ، وَفِي تَقْدِيمِ الشُّرْبِ المؤخر زيادة عَلَى الْحَقِّ. فَأَمَّا حَرِيمُ هَذَا النَّهْرِ الْمَحْفُورِ في الموات فقد قيل: إنه يعتبر بعرف الناس في مثله، وكذلك القناة، لأن القناة نهر باطن، وقيل: حريم النهر ملقى طينه، وقيل: حريم الْقَنَاةِ مَا لَمْ يَسِحْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وكان جامعا للماء، وقد قلنا في حريم ما أحياه لسكنى أو زرع: إنه مُعْتَبَرٌ بِمَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ تِلْكَ الْأَرْضُ في طريقها وفنائها.
[ ٢١٦ ]
فأما الْآبَارُ فَلِحَافِرِهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَحْفِرَهَا للسابلة فَيَكُونُ مَاؤُهَا مُشْتَرَكًا، وَحَافِرُهَا فِيهِ كَأَحَدِهِمْ. قَدْ وَقَفَ عُثْمَانُ - ﵁ - بِئْرَ رُومَةَ، وكان يَضْرِبُ بِدَلْوِهِ مَعَ النَّاسِ، وَيَشْتَرِكُ فِي مَائِهَا. إذا اتسع شرب وسقي الزروع. فإن ضاق عَنْهُمَا كَانَ شُرْبُ الْحَيَوَانِ أَوْلَى بِهِ مِنْ الزَّرْعِ، وَيَشْتَرِكُ فِيهَا الْآدَمِيُّونَ وَالْبَهَائِمُ. فَإِنْ ضَاقَ عَنْهُمَا كَانَ الْآدَمِيُّونَ بِمَائِهَا أَحَقَّ مِنْ الْبَهَائِمِ. الحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَحْتَفِرَهَا لِارْتِفَاقِهِ بِمَائِهَا، كَالْبَادِيَةِ إذَا انْتَجَعُوا أَرْضًا وَحَفَرُوا فِيهَا بِئْرًا لِشُرْبِهِمْ وَشُرْبِ مَوَاشِيهِمْ كَانُوا أَحَقَّ بِمَائِهَا مَا أَقَامُوا عَلَيْهَا في نجعهم، وَعَلَيْهِمْ بَذْلُ الْفَضْلِ مِنْ مَائِهَا لِلشَّارِبِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَإِذَا ارْتَحَلُوا عَنْهَا صَارَتْ الْبِئْرُ سَابِلَةً، فتكون خاصة الابتداء عامة الِانْتِهَاءِ، فَإِنْ عَادُوا إلَيْهَا بَعْدَ الِارْتِحَالِ عَنْهَا كانوا وغيرهم فيها سواء، ويكون السابق إليها أحق بها. وقد قال أحمد في رواية حرب: في رجل سبق إلى أفواه قني عتيبة، فذهب رجل فسبق إلى بعض أفواه القني من فوق أو من أسفل. فقال الأول: ليس لك ذلك لأني سبقت إلى أصل القناة.
فقال أحمد: " إذا لم يكن ملكا لأحد فلكل إنسان ما سبق إليه". الحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَحْتَفِرَهَا لِنَفْسِهِ مِلْكًا، فَمَا لَمْ يبلغ بالحفر إلَى اسْتِنْبَاطِ مَائِهَا لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا. وقد قال أحمد في رواية حرب " وإذا حفر بئرا ولم يبلغ الماء لا يكون إحياء". فقد نص على أنه لا يملكها بذلك. وإذا استنبط ماءها استقر ملكه عليها لكمال الْإِحْيَاءِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى طَيٍّ فَيَكُونُ طَيُّهَا مِنْ كَمَالِ الْإِحْيَاءِ وَاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ. ثُمَّ يصير مالكها لها ولحريمها وهو خمسة وعشرون ذراعا سواء كانت بئر الناضح أو بئر العطن، وهي التي تحفر لشرب الماشية. وإن سبق إلى بئر قد حفرها الكفار صارت ملكا له بالسبق إليها بحريمها، وهو خمسون ذراعا. وقد نص على هذا التقدير في رواية حرب فقال " من حفر بئرا فله خمسة وعشرون ذراعا حاليها حريمها، والعادية خمسون ذراعا وهي التي لم تزل ". قيل له: فبئر الزرع؟ قال: " ما أدري كيف هذا؟ قد روى ثلاثمائة واختلفوا".
[ ٢١٧ ]
ويمكن أن يحمل هذا التقدير على قدر حاجته، وهو ممر الناضح، فأما إن كان دون حاجته فيكون له قدر الحاجة، والعدد المذكور. والوجه في هذا التقدير: ما روى أبو بكر الخلال في كتاب المزارعات والشرب قال: حدثنا الحسن - يعني ابن علي بن عفان - قال أخبرنا يحيى - يعني ابن آدم - قال أبنأنا أبو حماد عن سفيان بن سعيد عن إسماعيل بن أمية عن الزهري عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قال: " حريم البئر العادي خمسون ذراعا، وحريم البئر الهدئ خمسة وعشرون ذراعا". قال: وقال سعيد بن المسيب " حريم قليب الزرع ثلاثمائة ذراع". قال: وقال الزهري " للعين وما حولها ثلاثمائة ذراع". ورواه أبو الحسن الدارقطني في سننه بإسناده عن سعيد بن المسيب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " حريم البئر البدئ خمسة وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادي خمسون ذراعا، وحريم العين السائحة ثلاثمائة ذراع، وحريم الزرع ستمائة ذراع".
فقد رواه متصلا بهذه الزيادة. وإذا اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَى الْبِئْرِ وَحَرِيمِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بمائها، ولا تصير ملكا له قبل استقائه وحيازته، وإنما يملكه بعد الحيازة، وله أن يمنع من التصرف بالاستيفاء، فإن عاليه واستقى لم يسترجع فيه. وقد نص على هذا في رواية أبي طالب، فقال: " لا يبيع نقع ماء البئر لأحد، فإن استقاه وحمله فما باع يكون لعمله". وقال أيضا في رواية حرب في رجل له ماء في قناة أو شرب في قناة، وليست له أرض " فلا يبيع ذلك الماء، نهى النبي - ﷺ - عن بيع الماء، ولا نعلم أحدا رخص في بيع الماء إلا الحسن".
[ ٢١٨ ]
وقال أيضا في رواية أبي طالب - وقد سئل عن الرجل يكون له الماء فيشارك صاحب الأرض كرهه، وقال " نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الماء". فقد منع من المشاركة بالماء لصاحب الأرض، كما منع من بيعه لأنه في التحقيق معاوضة عن الماء. ونقل يعقوب بن بختان عن أحمد " أنه سئل عن رجل له أرض والآخر ماء، فقال صاحب الأرض لصاحب الماء: سق ماءك إلى أرضي والزرع بيننا قال: لا بأس به". فقد أجاز الشركة في الماء. وهذا يدل على أنه ملك له قبل استقائه وحيازته، وأنه يحدث عَلَى مِلْكِهِ فِي قَرَارِهِ قَبْلَ حِيَازَتِهِ كَمَا إذَا مَلَكَ مَعْدِنًا مَلَكَ مَا فِيهِ قَبْلَ أخذه، وعلى هذا يجوز قبل استقائه، ومن استقاه بغير إذنه استرجع منه، لأنه لما جاز الشركة فيه دل على أنه قد ملكه، وإذا لا يصح أن يشارك فيما لا يملك. واختار أبو بكر رواية يعقوب، وقال " الشركة ليست بيعا، وإنما نهى النبي - ﷺ - عن بيع الماء". وفي هذا بعد، لأن الشركة معاوضة بالماء لما يحصل له من الزرع، وهذا يختص البيع. وإذا ثبت اختصاصه بها فله أن يسقي مواشيه وزرعه ونخله وَأَشْجَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ كِفَايَتِهِ فَضْلٌ لم يلزمه بذل شيء منه إلا لمضطر على نفس. وقد نقل ابن منصور عن أحمد أنه سئل عن رجل جاء إلى أهل أبيات فَاسْتَسْقَاهُمْ فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ فَأَغْرَمَهُمْ عُمَرُ الدية.
قيل لأحمد: تقول به؟ قال: " أي شيء أقول؟ بقوله عمر، قيل له: تقول به أنت؟ قال: إي والله". ونقل الفضل بن زياد عنه - وقد سئل يوقف الماء؟ فقال " إن كان شيئا قد استجازوه بينهم جاز ذلك". وهذا محمول على وقف المكان الذي فيه الماء الدائم، لأن الماء لا ينتفع به إلا بإتلافه، فلا يصح وقفه. فإن فضل منه بعد كفايته فضل لزمه بذله للشاربة من أرباب المواشي والحيوان. وهل يلزم بذله للزرع؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه نص عليه في رواية حرب في رجل في داره بستان صغير، وفي البستان قناة تجري في الأرض التراب يستقى من تلك القناة دلي، ويستقي بستانه، قال: " لا، إلا أن يكون له شرب من القناة، أو هو شريك، لايسقي إلا بإذن أهله". فقد منعه من ذلك، وهذا يدل على أنه لا يلزم صاحب الماء بذل الفضلة. والثانية: يلزمه، قال في رواية إسحق بن إبراهيم: في القوم يكون لهم نهر يشربون فيه، فيجئ رجل فيغرس على جنب النهر بستانا، فقال " إذا كان يفضل عن شرب القوم ولا يضر بغير فلا بأس أن يستقي البستان".
[ ٢١٩ ]
فقد أجاز له أن يستقي بستانه من نهر مملوك بغير إذنهم، وهذا يدل على أنه يلزمه بذله للزرع. وقال في رواية البرزاطي: في الرجل يكون له الأرض وليس له فيها بئر ولجاره بئر في أرضه، فليس له أن يمنع جاره أن يسقي أرضه من بئره. والأولى أصح وأنه يلزمه بذله للحيوان دون الزروع. وقد روى أبو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: " مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ فَضْلَ الكلأ منعه الله رَحْمَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَبَذْلُ هَذَا الْفَضْلِ مُعْتَبَرٌ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي قَرَارِ البئر، فإن استقاه لم يلزمه بذله وجاز بيعه. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِكَلَأٍ يَرْعَى، فَإِنْ لَمْ يَقْرُبْ مِنْ الْكَلَأِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ. والثالث: أن لا تجد المواشي غيره من.
فإن وجدت غيره مباحا لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ، وَعَدَلَتْ الْمَوَاشِي إلَى الْمَاءِ الْمُبَاحِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْمَوْجُودِ مَمْلُوكًا لَزِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَالِكِي الْمَاءَيْنِ أَنْ يَبْذُلَ فَضْلَ مَائِهِ لِمَنْ وَرَدَ إلَيْهِ، فَإِذَا اكْتَفَتْ الْمَوَاشِي بِفَضْلِ أَحَدِ الْمَاءَيْنِ سَقَطَ الْفَرْضُ عن الآخر. والرابع: أن لا يكون عليه في ورود الْمَوَاشِي إلَى مَائِهِ ضَرَرٌ يَلْحَقُهُ فِي زَرْعٍ وَلَا مَاشِيَةٍ. فَإِنْ لَحِقَهُ بِوُرُودِهَا ضَرَرٌ مُنِعَتْ، وَجَازَ لِلرُّعَاةِ اسْتِقَاءُ فَضْلِ الْمَاءِ لَهَا. فَإِذَا كملت هذا الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ لَزِمَهُ بَذْلُ الْفَضْلِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ أن يأخذ له ثمنا، ويجوز الإخلال بهذا الشُّرُوطِ أَنْ يَأْخُذَ ثَمَنَهُ إذَا بَاعَهُ مُقَدَّرًا بكيل أو وزن، ولا يجوز بيعه جُزَافًا وَلَا مُقَدَّرًا بِرَيِّ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب " فإن كان له بئر في داره فيؤديه بالدخول عليه فلا بأس أن يمنع أو يكون له مكان يجعل فيه ماء السماء فلا يمنعه إذا خاف العطش". فقد أسقط عنه بذل الفضل إذا كان يتأذى ببذله. وقال في رواية صالح " ليس له أن يمنع الفضل لمن دعا إذا لم يجدوا ما يسقون، يكون قد منعهم شيئا مباحا". فقد اعتبر أن لا يجدوا غير ذلك في الماء وإذا احتفر بئر فملكها وحريمها، ثم احتفر بئرا فنصب ماء الأولة إليها وغار فيها، أو احتفرها لطهور فتغير بها ماء الأولة، فهل تطم عليه أم لا؟ فيه روايتان: إحداهما: تقر عليه ولا يمنع منها نص عليه في رواية أبي على الحسن بن ثواب: في رجل حفر في داره بئرا فجاء آخر فحفر في داره بئرا إلى جنب الحائط الذي بينه وبينه فجرت هذه البئر ماء تلك البئر فقال " لا تسد هذه من أجل تلك، هذه في ملك صاحبها".
[ ٢٢٠ ]
فقيل له: إن أبا يوسف كان يقول: تسد هذه، فإن رجع ماء تلك البئر لم تفتح، وإن لم يرجع الماء فتحت فلم ير ذلك. وكذلك قال في رواية محمد بن يحيى المتطبب: في الرجل يحفر إلى جنب قناة الرجل فقال: " ليس له أن يمنعه إذا جاوز حريمه، أضرّ به ن أو لم يضر". والثانية: لا يقر عليها وتطم عليه.
قال في رواية ابن منصور " لا يحفر بئرا إلى جنب بئره أو كنيفا إلى جنب حائطه وإن كان في حده، قيل له: فيقدر أن يمنعه؟ قال: نعم". وإذا كان له منعه اقتضى أن له طمها. وقد صرح به في رواية الميموني: فقال عن الشعبي: إنه حدث في قاض قضى بين رجلين، لكل واحد منهما بستان إلى جنب صاحبه، فاحتفر أحدهما في بستانه بئرا فساق ماء بئر جاره، فقضى أن تسد بئر هذا، فإن رجع ماؤه فذاك، وإن لم يرجع كلف أن يخرج ما ألقى في بئر جاره، فقال الشعبي: أصاب القضاء وأعجب أحمد قضاؤه، وهو اختيار أبي بكر ذكره أبو إسحاق في تعاليقه، فقال: " إن كان الخلاء عمل قبل البئر كان صاحب البئر مفرطا في عمل البئر، وإن كانت البئر قد عملت قبل الخلاء فأفسد الخلاء، ماء البئر وجب على صاحب الخلاء إزالته". قال: ويعتبر البئر بأن يجعل في الخلاء نقط، ثم يعتبر ماء البئر، فإن خرج ريح النفط في الماء علم أن فساد البئر من قبل الخلاء. وَأَمَّا الْعُيُونُ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا أَنَبَعَ اللَّهُ تَعَالَى مَاءَهَا وَلَمْ يَسْتَنْبِطْهُ الْآدَمِيُّونَ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا أَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَنْهَارِ، وَلِمَنْ أَحْيَا أَرْضًا بِمَائِهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، فَإِنْ تَشَاحُّوا فِيهِ لِضِيقِهِ رُوعِيَ مَا أُحْيِيَ بِمَائِهَا مِنْ الموات، فإذا تقدم به بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَانَ لِأَسْبَقِهِمْ إحْيَاءً أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا شُرْبَ أَرْضِهِ ثُمَّ لِمَنْ يَلِيهِ، فَإِنْ قَصُرَ الشُّرْبُ عَنْ بَعْضِهِمْ كَانَ نُقْصَانُهُ
[ ٢٢١ ]
فِي حَقِّ الْأَخِيرِ، وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى سَوَاءٍ وَلَمْ يَسْبِقْ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، تَحَاصُّوا فِيهِ: إمَّا بِقِسْمَةِ الْمَاءِ وَإِمَّا بِالْمُهَايَأَةِ عليه. القسم الثَّانِي: أَنْ يَسْتَنْبِطَهَا الْآدَمِيُّونَ فَتَكُونَ مِلْكًا لِمَنْ استنبطها، ويملك معها حريمها وهو خمسمائة ذراع" كأنه ذهب إليه. وكذلك في رواية إبراهيم بن هانئ في الرجل يحفر العين إلى جنب عين الرجل قال: " يروى عن الزهري أنه قال: حريم العين خمسمائة ذراع " كأنه ذهب إليه ليس له منعه.
وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال " حريم العي السائحة ثلاثمائة ذراع، وحريم الزرع ستمائة ذِرَاعٍ". وَلِمُسْتَنْبِطِ هَذِهِ الْعَيْنِ سَوْقُ مَائِهَا إلَى حيث شاء، وكان ما جرى فيه ماؤه ملكا له وحريما لها. القسم الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَنْبِطَهَا الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ فَيَكُونَ أحق بمائها كشرب أَرْضِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ كِفَايَتِهَا فَلَا حَقَّ له عليه فيها إلَّا لِشَارِبٍ مُضْطَرٍّ، وَإِنْ فَضَلَ عَنْ كِفَايَتِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ بِفَضْلِهِ أَرْضًا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ لِشُرْبِ مَا أَحْيَاهُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ لِمَوَاتٍ أَحْيَاهُ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِأَرْبَابِ الْمَوَاشِي دون الزروع كَفَضْلِ مَاءِ الْبِئْرِ، فَإِنْ اعْتَاضَ عَلَيْهِ مِنْ أرباب الزروع جاز، وإن اعتاض عليه من أرباب المواشي لم يجز، ولا يجوز لِمَنْ احْتَفَرَ فِي الْبَادِيَةِ بِئْرًا فَمَلَكَهَا أَوْ عينا استنبطها أن يبيعها. وهذا على كلام أحمد في رواية أبي طالب " لا يبيع نقع ماء البئر لأحد، ولم يفرق بين أن يحفرها في البادية أو في ملكه لنفسه وقد قيل: يجوز بيعها".