هُوَ الْمَنْعُ مِنْ إحْيَائِهِ إمْلَاكًا، لِيَكُونَ مُسْتَبْقَى الْإِبَاحَةِ لِنَبْتِ الْكَلَأِ، وَرَعْيِ الْمَوَاشِي، وقد حَمَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بالمدينة جبلا بالنقيع. وَقَالَ " هَذَا حِمَايَ " وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى الْقَاعِ، وَهُوَ قَدْرُ مِيلٍ فِي سِتَّةِ أَمْيَالٍ، حَمَاهُ لخيل المسلمين من الأنصار والمهاجرين. وأما حمي الأئمة بعده: فإن عموا بِهِ جَمِيعَ الْمَوَاتِ أَوْ أَكْثَرَهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ حَمَوْا أَقَلَّهُ لِخَاصٍّ مِنْ النَّاسِ، أَوْ لأغنيائهم لم يجز، وإن حموا لكافة المسلمين أو للفقراء والمساكين.
[ ٢٢٢ ]
فإنه لا يجوز حمي الأئمة بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قال في رواية أبي الحارث " ويحمى الكلأ لإبل الصدقة، لأنه لله ﷿ ولرسوله ﷺ". وقال أيضا في رواية عبد الله " ليس لرجل أن يحمي أرضا لا يملكها إلا ما كان لله ﷿ ولرسوله".
قال: ومعنى ما كان لله ولرسوله: فالإبل يحمل عليها في سبيل الله، أمر رسول الله قال: ومعنى ما كان لله ولرسوله: فالإبل يحمل عليها في سبيل الله، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أن يحمي لما ينوبه، فأما ما سوى ذلك فلا يحمى إلا من ملك أرضا لله أن يحميها". فقد منع أن يحمي الإنسان الموات لحاجته، وأجاز ذلك للمسلمين، وبين أن ذلك لله ولرسوله، فيكون تقدير قول النبي - ﷺ - " لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ". فَمَعْنَاهُ: لَا حِمًى إلَّا عَلَى مثل ما حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لمصالح كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا عَلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَفَرُّدِ الْعَزِيزِ مِنْهُمْ بالحمى لنفسه.
[ ٢٢٣ ]
فإذا جَرَى عَلَى الْأَرْضِ حُكْمُ الْحِمَى اسْتِبْقَاءً لِمَوَاتِهَا، نظرت فيه. فإن كان لكافة الناس تَسَاوَى فِيهِ جَمِيعُهُمْ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَمُسْلِمٍ وذمي، في رعي كلئه لخيله وماشيته. وإن خُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ اشْتَرَكَ فِيهِ أَغْنِيَاؤُهُمْ وَفُقَرَاؤُهُمْ، ومنع منه أهل الذمة. وإن خص به فقراء المسلمين مُنِعَ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ الْأَغْنِيَاءُ دُونَ الْفُقَرَاءِ، وَلَا أَهْلُ الذِّمَّةِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ خَصَّ بِهِ نَعَمَ الصَّدَقَةِ أَوْ خَيْلَ الْمُجَاهِدِينَ، لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ. ثُمَّ يَكُونُ الْحِمَى جَارِيًا عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مِنْ عُمُومٍ وَخُصُوصٍ، فَلَوْ اتَّسَعَ الْحِمَى الْمَخْصُوصُ لِعُمُومِ النَّاسِ جَازَ أَنْ يشتركوا فيه لارتفاع الضرر على من خَصَّ بِهِ، وَلَوْ ضَاقَ الْحِمَى الْعَامُّ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ أغنياؤهم. وفي جواز اختصاص فقرائهم احتمال. واذا استقر حكم الحمي عَلَى أَرْضٍ فَأَقْدَمَ عَلَيْهَا مَنْ أَحْيَاهَا وَنَقَضَ حماها، نظرت. فَإِنْ كَانَ مِمَّا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ الْحِمَى ثَابِتًا، وَالْإِحْيَاءُ باطلا.
وإن كان مما حمي الأئمة بعده احتمل وجهين: أحدهما: لا يقر، ويجري عليه حكم الْحِمَى، كَاَلَّذِي حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ويحتمل أن يُقَرُّ الْإِحْيَاءُ وَيَكُونُ حُكْمُهُ أَثْبَتَ مِنْ الْحِمَى، لعموم قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - " مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ ". وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْوُلَاةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي عِوَضًا عَنْ مَرَاعِي مَوَاتٍ أَوْ حِمًى، لقوله - ﷺ - " الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلأ". وأما الإرفاق فهو من ارتفاق النَّاسِ بِمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ، وَحَرِيمِ الْأَمْصَارِ، ومنازل الأسفار. فتنقسم ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِالصَّحَارَى وَالْفَلَوَاتِ. وَقِسْمٌ يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِأَفْنِيَةِ الْأَمْلَاكِ. وقسم يختص بالشوارع والطرقات. أما الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِالصَّحَارَى وَالْفَلَوَاتِ، كمنازل الأسفار وحلول المياه فذلك ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُ لِاجْتِيَازِ السَّابِلَةِ وَاسْتِرَاحَةِ الْمُسَافِرِينَ فِيهِ، فَلَا نَظَرَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ لِبُعْدِهِ
[ ٢٢٤ ]
عنه وضرورة السابلة إليه. وَيَكُونُ السَّابِقُ إلَى الْمَنْزِلِ أَحَقَّ بِحُلُولِهِ فِيهِ من المسبوق، حتى يرتحل إليه، لقوله - ﷺ - " مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إلَيْهَا". فَإِنْ وَرَدُوهُ عَلَى سَوَاءٍ وَتَنَازَعُوا فيه نظر في التعديل بينهم بما يُزِيلُ تَنَازُعَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْبَادِيَةُ إذَا انْتَجَعُوا أَرْضًا طلبا لكلأ، وارتفاقا بالمرعى، وانتقالا من أرض إلى أرض كانوا فيما تركوه، وَارْتَحَلُوا عَنْهُ كَالسَّابِلَةِ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ فِي تنقلهم ورعيهم. الضرب الثاني: أن يقصدوا بنزولهم بها الإقامة بها والاستيطان لها؛ فللسلطان في نزولهم بِهَا نَظَرٌ يُرَاعَى فِيهِ الْأَصْلَحُ، فَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِالسَّابِلَةِ مُنِعُوا مِنْهَا قَبْلَ النُّزُولِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالسَّابِلَةِ رَاعَى الْأَصْلَحَ فِي نُزُولِهِمْ فِيهَا أَوْ مَنَعَهُمْ مِنْهَا وَنَقَلَ غَيْرَهُمْ إلَيْهَا، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ حِينَ مَصَّرَ الْبَصْرَةَ والكوفة نقل إلى كل واحدة مِنْ الْمِصْرَيْنِ مَنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، لِئَلَّا يَجْتَمِعَ فِيهِ الْمُسَافِرُونَ، فَيَكُونَ سَبَبًا لِانْتِشَارِ الْفِتْنَةِ وسفك الدماء، كما يفعل في إقطاع الموات وما يرى.
فإن لم يستأذنوه حتى نزلوا فيه لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهُ، كَمَا لَا يَمْنَعُ مَنْ أحيى مَوَاتًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَدَبَّرَهُمْ بِمَا يَرَاهُ صَلَاحًا لَهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ إحْدَاثِ زِيَادَةِ مَنْ بَعْدُ إلَّا عَنْ إذْنِهِ. رَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: " قَدِمْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي عُمْرَتِهِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَكَلَّمَهُ أَهْلُ الْمِيَاهِ فِي الطَّرِيقِ أن يبنوا منازل فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذلك، فأذن لهم، واشترط أن ابن السبيل أحق بالماء والظل". الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ والأملاك. نظرت، فإن كان مضرا بأربابها منع المرتفق منها إلا أن يأذن بِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ فَيُمَكِّنُوا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مضر بهم، فهل يعتبر إذنهم؟ يحتمل أن يعتبر، لأن الحريم مرفق، ولا حاجة بهم إليه، وكانوا وغيرهم سواء. وقد قال أحمد في رواية إبراهيم بن هانئ: في الرجل يحفر العين حيث عين الرجل فقال " روي عن الزهري أنه قال: حريم العيون خمسمائة ذراع" وكأنه ذهب إليه. قيل له: فإن حفر على أكثر له التصرف فيما جاوز فناء غيره، ولم يعتبر إذنه. وقال في رواية الحسن بن ثواب: فيمن حفر بئرا في فنائه فعطب رجل، يعني بها " لزمه".
[ ٢٢٥ ]
وهذا يدل على أنه ليس له التصرف فيما جاوز فناءه. وأما حريم المساجد والجوامع، فينظر، فإن كان الارتفاق بها مضرا بأهل الجوامع والمساج مُنِعُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فيه، لأن المصلين بها أحق، وإن لم يكن مضرا جاز ارْتِفَاقَهُمْ بِحَرِيمِهَا. وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُ السُّلْطَانِ؟ يخرج على الوجهين في حريم الأملاك. وقد قال أحمد في رواية المروزي: في الرجل يحفر في فناء المسجد، وفي وسط المسجد بئر لماء " ما يعجبني أن يحفر، وإن حفر تطم". وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِأَفْنِيَةِ الشوارع والطرقات، نظرت، فإن كان مضرا بالمجتازين لضيق الطريق مُنِعُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فيه، وإن لم يكن مضرا لسعة الطريق، فعلى روايتين: إحداهما: المنع.
قال في رواية إسحاق بن إبراهيم - وقد سئل عن الرجل يبيع على الطريق الواسع: هل يشتري منه، إذا لم يجد حاجته عند غيره؟ فقال " ومن يسلم من هذا؟ البيع على الطريق مكروه". وقال في موضع آخر " لا ينبغي أن يبيع على طريق المسلمين شيئا " وكرهه جدا. والثانية: الجواز. قال في رواية حرب - وقد سئل عن الرجل يسبق إلى دكاكين السوق، فقال " إذا لم يكن لأحد فمن سبق إليه غدوة فهو له إلى الليل. قال: وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى". وهل يفتقر ذلك إلى السلطان؟ يخرّج على الوجهين. وظاهر كلامه في رواية حرب أنه لم يعتبر إذنه، وإذا اعتبرنا إذنه فهو موضع اجتهاد وهو كفهم عن التعدي، والاصلاح بينهم عند التشاجر، وإجلاس مَنْ يُجْلِسُهُ، وَمَنْعِ مَنْ يَمْنَعُهُ وَتَقْدِيمِ مَنْ يقدم، كَمَا يَجْتَهِدُ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِقْطَاعِ الموات ولا يجعل السابق أحق على هذا الوجه، وليس له أن يأخذ عَلَى الْجُلُوسِ أَجْرًا، وَإِذَا تَرَكَهُمْ عَلَى التَّرَاضِي كان السابق إلى المكان أحق من المسبوق، وإذا انصرف عنه كان هو وغيره فيه من الغد سواء يراعي السابق فيه على ظاهر كلامه في رواية حرب، لأنه لو كان أحق به أبدا خرج عن حكم الإباحة إلى حد الملك. وَأَمَّا جُلُوسُ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَالتَّصَدِّي لِلتَّدْرِيسِ وَالْفُتْيَا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زاجر من نفسه أن لَا يَتَصَدَّى لِمَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ، فَيَضِلُّ بِهِ الْمُسْتَهْدِي، وَيَزِلُّ بِهِ الْمُسْتَرْشِدُ، وَقَدْ جَاءَ الأثر " أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى جَرَاثِيمِ جَهَنَّمَ". وقد قال أحمد في رواية صالح " ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجود القرآن، عالما بالأسانيد الصحيحة، عالما بالسنن".
[ ٢٢٦ ]
وقال في رواية حنبل " ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم وإلا فلا يفتى" وللسلطان فيهم من النظر ما يوجبه الاحتياط من إنكار وإقرار.
وإذا أَرَادَ مَنْ هُوَ لِذَلِكَ أَهْلٌ أَنْ يَتَرَتَّبَ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ لِتَدْرِيسٍ أَوْ فُتْيَا، نُظِرَ في حال المسجد، فإن كان من مَسَاجِدُ الْمُحَالِ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ الْأَئِمَّةُ فِيهَا من قبل السلطان لم يلزم من يترتب فيها لذلك اسْتِئْذَانُ السُّلْطَانِ فِي جُلُوسِهِ، كَمَا لَا يَلْزَمُ أن يستأذنه فيها من يترتب لِلْإِمَامَةِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ الْجَوَامِعِ وَكِبَارِ الْمَسَاجِدِ التي يترتب للإمامة فِيهَا بِتَقْلِيدِ السُّلْطَانِ رُوعِيَ فِي ذَلِكَ عُرْفُ الْبَلَدِ وَعَادَتُهُ فِي جُلُوسِ أَمْثَالِهِ فَإِنْ كَانَ لِلسُّلْطَانِ فِي جُلُوسِ مِثْلِهِ نَظَرٌ لَمْ يَكُنْ له أن يترتب للجلوس في إلَّا عَنْ إذْنِهِ، كَمَا لَا يَتَرَتَّبُ لِلْإِمَامَةِ فيه إلا عن إذنه لأنه لا يُفْتَاتَ عَلَيْهِ فِي وِلَايَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ فِي مِثْلِهِ نَظَرٌ مَعْهُودٌ لَمْ يَلْزَمْ استئذانه في ذلك وكان كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ. وَإِذَا ارْتَسَمَ بِمَوْضِعٍ مِنْ جامع أو مسجد ثم قَامَ عَنْهُ زَالَ حَقُّهُ مِنْهُ وَكَانَ السَّابِقُ إليه أحق، لقوله تعالى (سواء العاكف فيه والباد) . وَيُمْنَعُ النَّاسُ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ مِنْ اسْتِطْرَاقِ حَلَقِ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ، صِيَانَةً لِحُرْمَتِهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قال " لا حمى إلا في ثلاثة: ثُلَّةُ الْبِئْرِ، وَطِوَلُ الْفَرَسِ، وَحَلَقَةُ الْقَوْمِ ". فَأَمَّا ثُلَّةُ الْبِئْرِ فَهُوَ مُنْتَهَى حَرِيمِهَا، وَأَمَّا طِوَلُ الْفَرَسِ فَهُوَ مَا دَار فِيهِ بِمَقُودِهِ إذَا كَانَ مَرْبُوطًا، وَأَمَّا حَلَقَةُ الْقَوْمِ فَهُوَ اسْتِدَارَتُهُمْ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَاوُرِ وَالْحَدِيثِ. وَإِذَا تَنَازَعَ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِمْ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَحْدُثَ بَيْنَهُمْ تَنَافُرٌ فَيُكَفُّوا عَنْهُ. وَإِنْ حَدَثَ مُنَازِعٌ ارْتَكَبَ ما لا يسوغ في الِاجْتِهَادُ كُفَّ عَنْهُ وَمُنِعَ مِنْهُ. فَإِنْ أَقَامَ عليه وتظاهر باستواء من يدعو إليه لزم السلطان أن يحسمه بزواجر السلطنة ليبين ظُهُورَ بِدْعَتِهِ، وَيُوَضِّحَ بِدَلَائِلِ الشَّرْعِ فَسَادَ مَقَالَتِهِ، فَإِنَّ لِكُلِّ بِدْعَةٍ مُسْتَمِعًا، وَلِكُلِّ مُسْتَغْوٍ مُتَّبِعًا.