وذلك ينقسم ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْإِمَامَةُ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. الثاني: الْإِمَامَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. وَالثَّالِثُ: الْإِمَامَةُ فِي صلاة النَّدْبِ. فَأَمَّا الْإِمَامَةُ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. فَنَصْبُ الأئمة فيها معتبر بحال المساجد التي تقام الصلوات فيها. وهي ضربان: مساجد سلطانية، ومساجد عامية. أما المساجد السلطانية: فهي الجوامع وَالْمَشَاهِدُ، وَمَا عَظُمَ وَكَثُرَ أَهْلُهُ، مِنْ الْمَسَاجِدِ الَّتِي يَقُومُ السُّلْطَانُ بِمُرَاعَاتِهَا.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ ينتدب للإمامة فيها إلا من يندبه السلطان لها، لئلا تفتات الرعية عليه فيما هو موكول إليه. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية مهنا، وقد سأله: هل يجتمع القاضي إذا لم يخرج الوالي؟ فقال " إذا أمره، فإن لم يأمره لا يخرج إلا بإذنه". فَإِذَا قَلَّدَ السُّلْطَانُ فِيهَا إمَامًا كَانَ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ منه وأعلم. وهذه الولاية طريقها الأولى، لا طريق اللازم وَالْوُجُوبِ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالنِّقَابَةِ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ تَرَاضَى النَّاسُ بِإِمَامٍ وَصَلَّى بِهِمْ، أَجْزَأَهُمْ وَصَحَّتْ جَمَاعَتُهُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الصلوات الخمس من السنن المختارة، وليست من الفروض على قول كثير من الفقهاء، وإنما أوجبها أحمد وداود. فإذا ندب السلطان لها إمَامًا، لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِيهَا مع مع حضوره، فإن غاب واستناب كان الذي استنابه فيها أحق بالإمامة، فإن لَمْ يَسْتَنِبْ فِي غَيْبَتِهِ اُسْتُؤْذِنَ الْإِمَامُ فِيمَنْ يقدم فيها إن أمكن، فإن تعذر استئذانه تراضى أهل المسجد فِيمَنْ يَؤُمُّهُمْ، لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ جَمَاعَتُهُمْ، فَإِذَا حَضَرَتْ
[ ٩٤ ]
صَلَاةٌ أُخْرَى - وَالْإِمَامُ عَلَى غَيْبَتِهِ - فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمُرْتَضَى لِلصَّلَاةِ الْأُولَى يَتَقَدَّمُ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْإِمَامُ الْمُوَلَّى. وقيل: يختار للصلاة الثانية: بأن يُرْتَضَى لَهَا غَيْرَ الْأَوَّلِ، لِئَلَّا يَصِيرَ هَذَا الاختيار تقليدا سلطانيا. والأولى أَنْ يُرَاعَى حَالُ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، فإن حضرها مَنْ حَضَرَ فِي الْأُولَى كَانَ الْمُرْتَضَى فِي الأول أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ حَضَرَهَا غَيْرُهُمْ كَانَ الْأَوَّلُ كَأَحَدِهِمْ، وَاسْتَأْنَفُوا اخْتِيَارَ إمَامٍ يتقدمهم. فإذا صلى إمام هذا المسجد جماعة، وحضر من لم يدرك الْجَمَاعَةَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ جماعة، وصلوا فُرَادَى، لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمُبَايَنَةِ وَالتُّهْمَةِ بِالْمُشَاقَّةِ وَالْمُخَالَفَةِ.
وَإِذَا قَلَّدَ السُّلْطَانُ لِهَذَا الْمَسْجِدِ إمامين، فإن خص وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ جَازَ، وَكَانَ كل واحد منهما مقصورا على ما خص بِهِ، كَتَقْلِيدِ أَحَدِهِمَا صَلَاةَ النَّهَارِ، وَتَقْلِيدِ الْآخَرِ صلاة الليل، فلا يتجاوز وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا رَدَّهُ إلَيْهِ. وَإِنْ قَلَّدَ الْإِمَامَةَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ببعض الصلوات، ولكن رد إلى كل مِنْهُمَا يَوْمًا غَيْرَ يَوْمِ صَاحِبِهِ، كَانَ كُلُّ واحد منهما في يوم أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِيهِ مِنْ صَاحِبِهِ. فَإِنْ أَطْلَقَ تَقْلِيدَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ كَانَا فِي الْإِمَامَةِ سَوَاءً، وَأَيُّهُمَا سَبَقَ إلَيْهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَؤُمَّ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ فِي الْمَسَاجِدِ السُّلْطَانِيَّةِ جَمَاعَتَانِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَاخْتُلِفَ فِي السَّبْقِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ التقدم، فقيل: سبقه بالحضور في المسجد، وقيل: سَبْقُهُ بِالْإِمَامَةِ فِيهِ. فَإِنْ حَضَرَ الْإِمَامَانِ فِي حال واحدة، ولم يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَقْدِيمِ أحدهما كان أولى بالإمامة.
[ ٩٥ ]
وإن تنازعاها احتمل أن يقرع بينهما، ويقدم من قرع منهما، واحتمل أن يَرْجِعُ إلَى اخْتِيَارِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ لِأَحَدِهِمَا. وَيَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ هَذَا الْإِمَامِ: تَقْلِيدُ الْمُؤَذِّنِينَ، مَا لم يصرح له بالصرف عنه، لأن الأذان من سنن الصلاة الَّتِي وَلِيَ الْقِيَامَ بِهَا فَصَارَ دَاخِلًا فِي الولاية عليها. وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمُؤَذِّنِينَ بِمَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إليه في الوقت والأذان. فإن كان حنبليا يرى تعجيل الصلوات في أول الأوقات ولا يرجع الأذان، ويرى إفراد الْإِقَامَةِ، أَخَذَ الْمُؤَذِّنِينَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ خلاف ذلك. وَإِنْ كَانَ حَنَفِيًّا يَرَى تَأْخِيرَ الصَّلَوَاتِ إلَى آخِرِ الْأَوْقَاتِ، إلَّا الْمَغْرِبَ، وَيَرَى تَرْكَ التَّرْجِيعِ في الأذان، ويرى تثنية الْإِقَامَةِ، أَخَذَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ بِخِلَافِهِ. ويعمل الْإِمَامُ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي أَحْكَامِ صَلَاتِهِ، فإن كان حنبليا يَرَى تَرْكَ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ وَتَرْكَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، عُمِلَ عَلَى رَأْيِهِ وَلَمْ يُعَارَضْ فِيهِ، وكذلك إن كان شافعيا يرى الجهر بالبسملة والقنوت في الصبح لم يعرض له.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ: أَنَّهُ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَارَضَ في اجتهاده والمؤذن يؤدي في حق غيره، فجاز أن يعارض على اجتهاده. وَالصِّفَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي تَقْلِيدِ هَذَا الْإِمَامِ خَمْسٌ: أن يكون رجلا، عدلا، قَارِئًا، فَقِيهًا، سَلِيمَ اللَّفْظِ مِنْ نَقْصٍ أَوْ لثغ، فإن كان صبيا أو فاسقا أو امرأة أو خنثي، أو أخرس، أو ألثغ، لم تصح إمامة الصبي في الفرض، وصحت في النفل.
[ ٩٦ ]
ولم تصح إمامة الفاسق في فرض ولا نفل لعدل ولا لفاسق. ولا تصح إمامة المرأة بالرجال، وكذلك الخنثي. وإن أمّ أخرس أو ألثغ، يُبَدِّلُ الْحُرُوفَ بِأَغْيَارِهَا، بَطَلَتْ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِثْلِ خَرَسِهِ، أَوْ لَثَغِهِ. وَأَقَلُّ مَا عَلَى هَذَا الْإِمَامِ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ: أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِأُمِّ الْقُرْآنِ، عَالِمًا بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْمُسْتَحَقُّ فيها، ولأن يكون حافظا لجميع القرآن، عالما بجميع الأحكام أَوْلَى. وَإِذَا اجْتَمَعَ فَقِيهٌ لَيْسَ بِقَارِئٍ، وَقَارِئٌ ليس بفقيه، كان القارئ أولى من الفقيه إذا كان عالما بأحكام الصلاة لأن القراءة والإكثار منها متحقق وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الْحَوَادِثِ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ متحقق، مع أنا قد اعتبرنا العلم بأحكامها.
[ ٩٧ ]
ويجوز أن يأخذ هذا، لإمام ومؤذنوه رِزْقًا عَلَى الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، من سهم المصالح، لأن هذا ليس بأجرة على الصلاة والأذان، وإنما هو حق ثابت في بيت المال. وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب تعظيم حرمة الصلاة، قال: وقد كان على بن عيسى الوزير نصب للجوامع - مثل جامع الرمالة وغيره - أصحاب ابن مجاهد، في كل يوم رجلا يصلي بالناس الخمس الصلوات، وجعل لهم الأرزاق. قال أبو جعفر: وقد كان أبو بكر الخلال في مجلس في جامع الرصافة، وكان يصلي الجمعة والعصر خلف هؤلاء الذين يأخذون الأجرة، ثم خلفه بعده غلامه عبد العزيز، وأبو القاسم الخرقي. وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب الإمامة " باب ذكر الصلاة خلف من يأخذ أجرا على الصلاة.
وروي عن أحمد في رواية المروزي، وصالح، وأبي الحارث، ومهنا، وإسحاق بن إبراهيم " لايصلي خلفه" وذكر بعد أبواب أخر، فقال "باب الصلاة خلف من يأخذ الأجرة من السلطان على الإمامة في المساجد، وروي عن أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه وقد سأله عن الرجل يصلي في مسجد الجامع غير صلاة الجمعة والإمام يعطي أجر الإمامة والأذان - أحب إليك، أم يصلي في مساج القبائل؟ - فقال: مازلنا نصلي ف المسجد الجامع خلف هؤلاء الذين يعطوا أجرا". وإنما أراد بالأجر ههنا: الرزق، لأن السلطان يعطي رزقا. وأما المساجد العامية، الَّتِي يَبْنِيهَا أَهْلُ الشَّوَارِعِ وَالْقَبَائِلِ فِي شَوَارِعِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، فَلَا اعْتِرَاضَ لِلسُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ فِي أَئِمَّةِ مَسَاجِدِهِمْ، وَتَكُونُ الْإِمَامَةُ فِيهَا لِمَنْ اتَّفَقُوا عَلَى الرِّضَا بِإِمَامَتِهِ وَلَيْسَ لَهُمْ بَعْدَ الرِّضَا بِهِ أَنْ يَصْرِفُوهُ عَنْ الْإِمَامَةِ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ حاله، وليس له بعد رضاهم به أن يستخلف مكانه نائبا عنه، ويكون أهل المسجد أحق بِالِاخْتِيَارِ. وَإِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فِي اخْتِيَارِ إمام أو مؤذن، قرع بين المختلف فيهما، نص عليه في رواية أبي داود: في رجلين تشاحا في الأذان، وقالا: يجمع أهل المسجد، فينظر من يختارون. فقال أحمد " لا، ولكن يقترعا، على ما فعل سعد".
[ ٩٨ ]
وقال في رواية حنبل " وإذا اختلفا في الإمامة يقرع بينهما، على ما فعل سعد". وقد قيل: يعمل على قول الأكثر، وقد أومأ إليه أحمد في رواية صالح والمروذي: في الإمام إذا كرهه قوم ورضي به قوم، فإن أكثرهم قد رضي به يؤمهم. فاعتبر رضا الأكثر في الواحد اختلفوا فيه. فعلى هذه الرواية: إن تكافأ المختلفون احتمل القرعة، واحتمل أن يختار السُّلْطَانُ لَهُمْ - قَطْعًا لِتَشَاجُرِهِمْ - مَنْ هُوَ أَدْيَنُ وأسنّ وأقرأ فيه. وَهَلْ يَكُونُ اخْتِيَارُهُ مَقْصُورًا عَلَى الْعَدَدِ الْمُخْتَلَفِ فيهم، أو يكون عاما في أهل المسجد! يحتمل أن يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ الْمُخْتَلِفِ فِي اختيار أَحَدُهُمْ، وَلَا يَتَعَدَّاهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ترك من عداهم.
ويحتمل أن يَخْتَارُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مَنْ يَرَاهُ لإمامته، لأن السلطان لا يضيق عليه الاختيار. فإن بَنَى رَجُلٌ مَسْجِدًا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْإِمَامَةَ فِيهِ، وكان هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ سَوَاءً فِي إمامته، وأذانه، نص عليه في رواية حرب ويعقوب بن بختان. وقد سئل عن المؤذن وما رضيه أهل المسجد، أو الذي بنى المسجد؟ فقال: "هو ما رضيه أهل المسجد، ليس الذي بناه". فإن حضر جماعة بمنزل، رَجُلٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، كَانَ مَالِكُ الْمَنْزِلِ أَحَقَّهُمْ بِالْإِمَامَةِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُمْ فِي الْفَضْلِ. فإن حضر السلطان كان أحق من المالك، لعموم ولايته عليه، ولهذا يقدم على الولي في صلاة الجنازة. صـ ٩٩ وأما الإمامة في صلاة الجمعة فقد اختلفت الرواية عن أحمد في وجوب تقليدها فروي عنه أن التقليد فيها ندب، وحضور السلطان فيها ليس بشرط، وإن أقامها الناس على شروطها انعقدت وصحت.
[ ٩٩ ]
وروي عنه: أَنَّهَا مِنْ الْوِلَايَاتِ الْوَاجِبَاتِ، وَأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا بِحُضُورِ السُّلْطَانِ، أَوْ مَنْ يستنيبه فيها. وهل يجوز أن يكون الإمام فيها عبدا؟ على روايتين، بناء على وجوبها على العبد. فإن قلنا: لا تجب على العبد لم يجز أن يؤم فيها، وإن قلنا: تجب عليه، جاز أن يكون إماما فيها. ولا تجوز إمامة الصبي فيها. ولا تجوز إقامتها إلا في وطن يجمع الْمَنَازِلِ، يَسْكُنُهُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ، لَا يَظْعَنُونَ عَنْهُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، إلَّا ظَعْنَ حاجة، سواء كان مصرا أو قرية. وقد قال أحمد في رواية ابن القاسم وقد سئل: على من تجب، يعني الجمعة؟ قال " أما الواجب فالذي يسمع النداء أو أهل القرية إذا كانت مجتمعة" فقد اعتبر اجتماع المنازل في القرية. وقال في رواية أبي النضر العجلي " ليس على أهل البادية جمعة، لأنهم ينتقلون". فقد أسقط عنهم الجمعة، وعلل بأنه غير مستوطنين.
[ ١٠٠ ]
وتجب الجمعة على من كان خارج المصر إذا سمعوا نداءها منه، وقد حدّه أحمد بفرسخ، ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا من أهل القرية، ليس فيهم امرأة، ولا مسافر، وإن كان فيهم عبد ففيه روايتان بناء على وجوبها على العبد. وهل يكون الإمام زائدا على العدد. قال في رواية عبد الله " أقل ما يجزئ الإمام يوم الجمعة أن يصلي معه أربعون رجلا". فاعتبر أربعين غيره. وذلك لما روي عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه " أن أسعد بن زرارة صلى بهم بالمدينة وهم يومئذ أربعون رجلا".
[ ١٠١ ]
وهذا يقتضي أن الأربعين غيره، كما لو قال: أطعمنا ونحن أربعون، ولأن ما اعتبر في كان المتبوع غيره. دليله: الشهود في عقد النكاح، غير الولي، وكذلك الشهود عند الحاكم بالحق هم غير الحاكم، وهذا يلزمه عليه الجماعة. والثانية: يكونون أربعين مع الإمام. قال في رواية الأثرم " إذا كانوا أربعين يجمعون" وكذلك قال في رواية الميموني " إذا كانوا أربعين" وكذلك قال في رواية ابن القاسم " تجب الجماعة إذا كان أهل القرية أربعين رجلا". فاعتبر جملة العدد أربعين. والوجه فيه: ما وري عطاء عن جابر أنه قال " مضت السنة أن في كل ثلاثة إمام، وفي كل أربعين فما فوقها جمعة". فأخبر أن السنة في الأربعين، وإذا كان الإمام أحدهم فقد وجد الأربعون، ولأن العدد الذي يعتبر في الجماعة يكون الإمام واحدا منهم، كذلك في عدد الجمعة.
[ ١٠٢ ]
وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الْجُمُعَةِ، يَرَى أَنَّهَا لا تنعقد بأقل من أربعين، وكان المأمون - وهم أقل من أربعين - يَرَوْنَ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ بِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ. وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِأَقَلَّ من أربعين، والمأمون لَا يَرَوْنَهُ - وَهُمْ أَقَلُّ- لَمْ يَلْزَمْ الْإِمَامَ ولا المأمومين إقامتها، لأن المأمومين لا يرونها ولا الإمام يَجِدْ مَعَهُ مَنْ يُصَلِّيهَا.
وَإِذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ الإمام في الجمعة أن لا يصلي إلا بأربعين، لم يجز أَنْ يُصَلِّيَهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ وَإِنْ كَانَ يراه مذهبا، لأنه مقصور الولاية على الأربعين، ومصروف عما دونها. ولا يجوز أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُصَلِّيهَا، لِصَرْفِ وِلَايَتِهِ عنها. فإن أَمَرَهُ السُّلْطَانُ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ وهو لا يراه، فالولايه باطلة، لتعذرها من جهته. وَإِذَا كَانَ الْمِصْرُ جَامِعًا لِقُرًى قَدْ اتَّصَلَ بنيانها حتى اتسع بكثرة أهله كَبَغْدَادَ، جَازَ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوَاضِعِهِ الْقَدِيمَةِ، ولا يمنع البنيان من إقامتها في مواضعها. وقد نقل أو داود أن أحمد سئل عن المسجدين اللذين يجمع فيهما ببغداد: هل فيه شيء متقدم؟ فقال: " أكثر ما فيه: أمر علي - ﵁ - أن يصلي بالضعفة". وإن كان المصر واحدا موضوعا في الأصل على سعة وجامعه يسع جميع أهله، كمكة والمدينة لَمْ يَجُزْ أَنْ تُقَامَ الْجُمُعَةُ فِيهِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ الْمِصْرُ وَاحِدًا مُتَّصِلَ الْأَبْنِيَةِ لَا يَسَعُ جَامِعُهُ جَمِيعَ أهله لكثرتهم كالبصرة، ففيه روايتان: إحداهما: تجوز إقامة الجمعة في موضعين منه للضرورة. لكثرة أهله. وقد أومأ إليه أحمد في رواية المروذي. وقد سئل عن الصلاة يوم الجمعة في موضع يكون فيه مسجدان. فقال " صل. أذهب إلى قول على في العيد إنه أمر رجلا يصلي بضعفة الناس". وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: " وإذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع، فصلاة الجمعة في جميعها جائزة". وفيه رواية أخرى: لا يجوز. فإن ضَاقَ بِهِمْ اتَّسَعَتْ لَهُمْ الطُّرُقَاتُ، فَلَمْ يُضْطَرُّوا إلى تفريق الجمعة في مواضع منه. وقد أومأ إليه أحمد في رواية الأثرم وقد سئل: " هل علمت أن أحدا جمع جمعتين في مصر واحد؟ قال: لا أعلم أحدا فعله - أي من الماضين - وجمعة بعد جمعة لا أعرف". فعلى هذه الرواية: إن أقيمت الجمعة في موضعين من مِصْرٍ قَدْ مُنِعَ أَهْلُهُ مِنْ تَفْرِيقِ الْجُمُعَةِ، فقد قيل: أَنَّ الْجُمُعَةَ لِأَسْبَقِهِمَا بِإِقَامَتِهَا، وَعَلَى الْمَسْبُوقِ أَنْ يعيد صلاته ظهرا.
[ ١٠٣ ]
وقيل: الْجُمُعَةَ لِلْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ الَّذِي يَحْضُرُهُ السُّلْطَانُ، سَابِقًا كان أو مسبوقا، على من صلى في الأصغر إعادة صلاتهم ظهرا. وجه القائل الأول: أن الثانية استفتاج جمعة بمصر بعد انعقاد غيرها فيه لغير ضرورة، فأشبه إذا لم يحضر الثانية سلطان. ووجه القائل الثاني: أنا لو قلنا: إن جمعة الرعية أولى لافتتنا على الإمام وفوتنا الجمعة عليه، وذلك أنه لا يشاء شاء أن يخرج على الإمام إلا جمع بأربعين قبله، فيفوتها عليه. وهذا أشبه بقول أحمد لأنه قال في بعض رواياته في صوم يوم الشك " إنه يتبع الإمام في ذلك". وليس لمن قلد الجمعة أن يؤم في الصلوات الخمس، وكذلك من قلد الصلوات الخمس لا يستحق الإمامة في صلاة الجمعة بنا على الأصل، وهو أن الجمعة فرض مبتدأ وليس بظهر مقصورة. ويشهد له أيضا ما قاله في رواية مهنا - وقد سأله " هل يجمع القاضي إذا لم يخرج الوالي؟ فقال: إذا أمره، فإن لم يأمره لم يجمع". [الإمامة في غير الصلوات الخمس] وأما الإمامة في صلوات الندب المنسوبة إلى الجماعة فخمس: صلاة العيدين، والخسوفين، والاستسقاء.
[ ١٠٤ ]
فتقليد الإمام فيها ندب لجوازها جماعة وفرادى. وَلَيْسَ لِمَنْ قُلِّدَ إمَامَةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ إقامة الجمعة حتى فِي إقَامَتِهَا إلَّا أَنْ يُقَلَّدَ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ، فتدخل في عمومها. [صلاة العيد] فأما صلاة العيد، فوقتها بين طلوع الشمس وزوالها، ويختار له تَعْجِيلُ الْأَضْحَى، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ. وَيُكَبِّرُ النَّاسُ فِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ مِنْ بَعْدِ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى حِينِ أَخْذِهِمْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ. وَيَخْتَصُّ عِيدُ الأضحى بالتكبير له في أعقاب الصلوات المفروضات، من بعد صلاة الصبح، من يوم عرفة إلى بعد صلاة العصر مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَيُصَلِّي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الخطبة والجمعة بعدها اتباعا للسنة فيهما. وتختص صلاة العيدين بالتكبيرات الزوائد، وهي في الأولى ست سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس سوى تكبيرة القيام قبل القراءة فيهما.
[ ١٠٥ ]
وَيَعْمَلُ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَلَيْسَ لِمَنْ وَلَّاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْعَدَدِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ خَاصَّ الْوِلَايَةِ وَلَا يَصِيرُ بِذِكْرِ التَّكْبِيرِ فِي صلاة العيد خاص بالولاية، فافترقا. [صلاة الكسوف] وأما صلاة الخسوفين فيصليهما من ندبه السلطان، أو من عمت ولايته فاشتملت عليها.
[ ١٠٦ ]
وَهِيَ رَكْعَتَانِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ وَقِيَامَانِ، يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا، فَيَقْرَأُ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ من الركعة الأولى جهرا بعد الفاتحة سورة البقرة أو نحوها، ويركع مسبحا بقدر النصف، ثُمَّ يَرْفَعُ مُنْتَصِبًا، وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِسُورَةِ آل عمران أو نحوها، ويركع مسبحا بقدر النصف، ويسجد سجدتين كسائر الصلاة، ثم يصنع في الركعة الثانية كذلك ويقرأ في قيامها، ويسبح في ركوعها على النصف مما قرأ وسبح في الأولى. وهل يخطب بعدها؟ على روايتين مذكورتين في صلاة الاستسقاء. [صلاة الاستسقاء] وأما صلاة الاستسقاء فمندوب إلَيْهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمَطَرِ، وَخَوْفِ الْجَدْبِ. يَتَقَدَّمُ من قلدها بصيام ثلاثة أيام قبلها يكف فيها عن المظالم والتخاصم، ويصلح فيما بين المتشاحن والمتشاجر. وَهِيَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ فِي وَقْتِهَا. وَإِذَا قُلِّدَ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي عَامٍ جَازَ - مَعَ إطْلَاقِ وِلَايَتِهِ - أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ عَامٍ مَا لم يصرف. وإذا قلد صلاة الخسوف والاستسقاء في عام ولم يَكُنْ لَهُ مَعَ إطْلَاقِ وِلَايَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُقَلَّدَ، لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ رَاتِبَةٌ، وَصَلَاةَ الْخُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ عَارِضَةٌ. وَإِذَا مطروا في صلاة الاستسقاء أتموها.
وهل يخطب بعدها شكرا على روايتين:
[ ١٠٧ ]
وَلَوْ مُطِرُوا قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا لَمْ يُصَلُّوا، وشكروا بغير خطبة رواية واحدة. وكذلك في الخسوف إذا تجلى. وَلَوْ اقْتَصَرَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى الدُّعَاءِ أَجْزَأَ. روي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ الله - ﷺ- فقال: يا رسول الله، أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا بَعِيرٌ يَئِطُّ، وَلَا صَبِيٌّ يصطبح، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ثم قال: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا غَدَقًا مُغِيثًا سَحًّا طَبَقًا " وذكر الخبر.