وَأَمْوَالُ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ: مَا وَصَلَتْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ كَانُوا سَبَبَ وُصُولِهَا. وَيَخْتَلِفُ الْمَالَانِ فِي حُكْمِهِمَا، وَهُمَا مُخَالِفَانِ لِأَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الصَّدَقَاتِ مَأْخُوذَةٌ من المسلمين، تطهيرا لهم. الفيء وَالْغَنِيمَةَ مَأْخُوذَانِ مِنْ الْكُفَّارِ انْتِقَامًا مِنْهُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقَاتِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، لَيْسَ لِلْأَئِمَّةِ اجْتِهَادٌ فِيهِ. وَفِي أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ مَا يَقِفُ مَصْرِفُهُ عَلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ أَمْوَالَ الصَّدَقَاتِ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ أَرْبَابُهَا بِقِسْمَتِهَا في أهلها. ولا يجوز لأهل الفيء أَنْ يَنْفَرِدُوا بِوَضْعِهِ فِي مُسْتَحِقِّهِ حَتَّى يَتَوَلَّاهُ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْوُلَاةِ. وَالرَّابِعُ: اخْتِلَافُ الْمَصْرِفَيْنِ، على ما نذكره. والفيء والغنيمة متفقان من وجهين، مختلفان من وجهين.
أما وجها افتراقهما: فَأَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ وَاصِلٌ بِالْكُفْرِ. وَالثَّانِي: أَنَّ مَصْرِفَ خُمُسِهِمَا وَاحِدٌ. وَأَمَّا وجها افتراقهما: فأحدهما: أن مال الفيءمأخوذ عَفْوًا، وَمَالَ الْغَنِيمَةِ مَأْخُوذٌ قَهْرًا. وَالثَّانِي: أَنَّ مصرف أربعة أخماس الفيء مخالف لمصرف أربعة أخماس الغنيمة على ما نذكره. فنبدأ بِمَالِ الْفَيْءِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ مَالٍ وَصَلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَفْوًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَلَا بإيجاف خيل ولا ركاب: كَمَالِ الْهُدْنَةِ وَالْجِزْيَةِ وَأَعْشَارِ مَتَاجِرِهِمْ، أَوْ كَانَ واصلا بسبب من جهتهم، كمال الخراج، فظاهر كلام أحمد: أن ما أخذ بسبب من جهتهم جار مجرى ما أخذ منهم، لأنه قال في رواية إسحاق ". الفيء ما صولحوا عليه، وهو جزية الرءوس. وخراج الأرضين السواد، وغيرها. وهذا لكل المسلمين فيه حق". وقال في رواية ابن منصور وصالح " الخراج على الأرض مثل الجزية على الرقبة". فقد نص على أن الخراج من جملة الفيء وأنه للمسلمين. وإذا ثبت أن حكمه حكم الفيء، فهل يخمس ذلك أم لا؟ المنصوص عنه، أنه لا يخمس، ويصرف جميعه في المصالح العامة.
[ ١٣٦ ]
قال في رواية أبي طالب - في قوم حملتهم الريح فألقتهم في بعض السواحل، فقالوا جئنا للتجارة " فإن لم يعرفوا بالتجارة ولا يشبهون التجار لم يصدقوا ولا يخمس مالهم، إنما الخمس في الغنيمة وما قاتلوا عليه، وهذا لم يقاتلوت عليه، فلا يكون غنيمة ولا فيه خمس". وذكر الخرقي أن فيه الخمس لأهل الخمس، مقسوما عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةٍ. سَهْمٌ مِنْهَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي حَيَاتِهِ، يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَزْوَاجِهِ، وَيَصْرِفُهُ في مصالح المسلمين. وأما بعد موته فالمنصوص عنه أن مصرفه إلى أهل الديوان وهم الذين نصبوا أنفسهم للقتال في الثغور على قدر كفاياتهم. قال في رواية أبي طالب " سهم الله والرسول واحد فلما مات رسول الله - ﷺ - جعله أبو بكر في الكراع والسلاح فهو فيما جعله، لا يجوز صرفه لغير أهل الديوان".
وظاهر كلام الخرقي: أنه مصروف إلى مصالح المسلمين عامة، كأرزاق الجيش ن وَإِعْدَادِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَبِنَاءِ الْحُصُونِ وَالْقَنَاطِرِ، وَأَرْزَاقِ القضاة وَالْأَئِمَّةِ، وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِنْ وُجُوهِ المصالح، يبدأ بالأهم فالأهم، لأنه قال" سهم الرسول مصروف في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين". السهم الثاني: سهم ذوي القربى، وحقهم فيه ثابت وهم بنو هاشم، وبنو المطلب ابنا عبد مناف خاصة، ولا حَقَّ فِيهِ لِمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، يُسَوَّى فِيهِ بَيْنَ صِغَارِهِمْ وَكِبَارِهِمْ وَأَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ، ويفضل فيه بين الرجال والنساء، للذكر مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ بِاسْمِ الْقَرَابَةِ، وَلَا حَقَّ فِيهِ لِمَوَالِيهِمْ وَلَا لِأَوْلَادِ بَنَاتِهِمْ. وقد قال أحمد رواية حنبل وابن منصور " إذا وصى لبني هاشم لا يكون لمواليهم شيء". وهذا من كلامه يدل على أنه لا حق لهم في خمس الخمس، لأنه لما أسقط دخولهم في الوصية دل على أنهم لا يدخلون في خمس الخمس. وإنما لم يتبعوا مواليهم في استحقاق الفيء، لأنه مستحق بالقرابة ولا قرابة وتبعوهم في حرمان الزكاة.
[ ١٣٧ ]
وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بَعْدَ حُصُولِ الْمَالِ وَقَبْلَ القسمة، كان سهمه مستحقا لورثته. السهم الثالث لليتامى من ذوي الحاجات. واليتيم: موت الأب مع الصغر، يستوي فِيهِ حُكْمُ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ، فَإِذَا بَلَغَا زَالَ اليتيم عنهما. السهم الرابع: للمساكين: وهم من لَا يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ، لأن مساكين الفيء متميزون عن مساكين الصدقات، لاختلاف مصرفهما. السهم الْخَامِسُ. لِبَنِي السَّبِيلِ: وَهُمْ الْمُسَافِرُونَ مِنْ أَهْلِ الفيء، لا يجدون ما ينفقون، المجتاز منهم دون المنشئ للسفر، فهذا حكم خمس الفيء في القسمة. وأما أربعة أخماسه فهو مصروف في مصالح العامة الَّتِي مِنْهَا أَرْزَاقُ الْجَيْشِ وَمَا لَا غِنَى بالمسلمين عنه، ولا يختص ذلك بالجيش. وقد قال أحمد في رواية الحسن بن على بن الحسن الإسكافي - وقد سأله عن الفيء: للمسلمين عامة أو لقوم دون قوم؟ - فقال " للمسلمين عامة". فقد جوز أن تصرف الصدقة في أهل الفيء، ولا يصرف الفيء في أهل الصدقة.
وقد قال محمد بن يحيي الكحال: قلت لأبي عبد الله " يوجه من زكاته إلى الثغر؟ قال: نعم". فقد أجاز صرفها إلى المرابطين من أهل الفيء، خلافا لأصحاب الشافعي في قولهم: لا يجوز ذلك. وقالوا: وأهل الصدقة من لا هجرة له، ولا هو من المقاتلة عن المسلين، ولا من حماة البيضة. وأهل الفيء ذوو الهجرة، الذوابون عَنْ الْبَيْضَةِ، وَالْمَانِعُونَ عَنْ الْحَرِيمِ، وَالْمُجَاهِدُونَ لِلْعَدُوِّ. وَكَانَ اسْمُ الْهِجْرَةِ لَا يَنْطَلِقُ إلَّا عَلَى من هاجر من وطنه إلى المدينة، طلبا للإسلام ثُمَّ سَقَطَ حُكْمُ الْهِجْرَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَصَارَ الْمُسْلِمُونَ مُهَاجِرِينَ وَأَعْرَابًا، فَكَانَ أَهْلُ الصَّدَقَةِ يُسَمَّوْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أعرابا، ويسمي أهل الفيء مهاجرين. فإذا أراد الإمام أن يصل قوما لما يعود بمصالح المسلمين، كالرسل والمؤلفة قلوبهم، جاز أن يصلهم من مال الفيء، كما أعطى النبي - ﷺ - للمؤلفة يوم حنين، مثل عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي، والعباس بن مرداس السلمي.
[ ١٣٨ ]
وإن كان صلة لَا تَعُودُ بِمَصْلَحَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ الْمَقْصُودُ بها نفع المعطي خاصة كانت الصلة من ماله. ويجوز للإمام أن يعطي ذكور أولاده من مَالَ الْفَيْءِ، لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنْ كَانُوا صغارا فالحكم فيهم، وفي صغار أولاد غيره، وفي إناث أولاده وإناث أولاد غيره سواء. وظاهر كلام أحمد: جواز العطاء لهم. قال في رواية بكر بن محمد عن أبيه " الأموال - كالفيء، والغنيمة، والصدقة - فالفيء ما صولح عليه من الأرضين وجزية الرءوس، وخراج الأرضين السواد وغيره، وهذا لكل المسلمين فيه حق، وهو على ما يرى - يعني الإمام أليس عمر - ﵁ - قد فرض لأمهات المؤمنين في الفيء، ولأبناء المهاجرين سواء؟ وكان يقول: لكل أحد في هذا المال حق إلا العبد، وكان يقضي للمنفوس". فقد حكى قول عمر " لكل أحد فيه حق إلا العبد" وحكى فعله، وأنه فرض لنساء النبي - ﷺ - ولأبناء المهاجرين وللمنفوس، ولم ينكر ذلك. والظاهر أنه أخذ بذلك.
وَأَمَّا عَبِيدُهُ وَعَبِيدُ غَيْرِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مقاتلة فنفقاتهم في ماله وأموال ساداتهم. وإن كانوا، فظاهر كلام أحمد: لا يَفْرِضُ لَهُمْ فِي الْعَطَاءِ، وَلَكِنْ تُزَادُ سَادَاتُهُمْ في العطاء لأجلهم. فَإِنْ عَتَقُوا جَازَ أَنْ يَفْرِضَ لَهُمْ فِي العطاء، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية " لكل أحد في هذا المال حق إلا العبد".
[ ١٣٩ ]
وَيَجُوزُ أَنْ يَفْرِضَ لِنُقَبَاءِ أَهْلِ الْفَيْءِ فِي عَطَايَاهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْرِضَ لِعُمَّالِهِمْ، لِأَنَّ النُّقَبَاءَ مِنْهُمْ وَالْعُمَّالَ يَأْخُذُونَ أَجْرًا عَلَى عَمَلِهِمْ. وقد نقل المروزي عن أحمد في العاملين على الصدقة يكون الكتبة معهم قال: ما سمعت الكتبة". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِلُ الْفَيْءِ مِنْ ذَوِي القربى من بني هاشم وبني المطلب. وكذلك العامل في الصدقات إذا أراد سهمه منها وقد ذكرنا فيما تقدم. وَلَا يَجُوزُ لِعَامِلِ الْفَيْءِ أَنْ يَقْسِمَ مَا جَبَاهُ إلَّا بِإِذْنِ. وَيَجُوزُ لِعَامِلِ الصَّدَقَاتِ أَنْ يقسم ما جباه بغير إذن مالم ينه عنه، لأن مصرف مَالِ الْفَيْءِ عَنْ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَمَصْرِفِ الصَّدَقَةِ بنص الكتاب. وولاية العامل تنقسم ثلاثة أقسام أَحَدُهَا: أَنْ يَتَوَلَّى تَقْدِيرَ أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَتَقْدِيرَ وَضْعِهَا فِي الْجِهَاتِ الْمُسْتَحَقَّةِ مِنْهَا، كَوَضْعِ الْخَرَاجِ والجزية. فمن شرط هذه الولاية أربعة أوصاف: أن يكون مسلما، حرا، مجتهدا في أحكام الشريعة، متضلعا في الحساب وَالْمِسَاحَةِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَامَّ الْوِلَايَةِ على الجباية ما استقر من أموال الفيء، فلها ثلاثة أوصاف: الْإِسْلَامِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالِاضْطِلَاعِ بِالْحِسَابِ وَالْمِسَاحَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّهُ يَتَوَلَّى قَبْضَ ما استقر بوضع غيره. القسم الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ خَاصَّ الْوِلَايَةِ عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِ الْفَيْءِ خَاصٍّ، فَيُعْتَبَرُ مَا وَلِيَهُ منها. فإن لم يستقر فِيهِ عَنْ اسْتِنَابَةٍ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ، مع اضطلاعه بشروط ما ولي من حساب أو مساحة، ولم يجز أن يكون ذميا. ويجوز أن يكون عبدا على قياس العامل في الصدقات. وقد قيل: لا يجوز لِأَنَّ فِيهَا وِلَايَةً. وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ الِاسْتِنَابَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا، لِأَنَّهُ كَالرَّسُولِ الْمَأْمُورِ.
فأما كونه ذميا فينظر فيما وليه مِنْ مَالِ الْفَيْءِ، فَإِنْ كَانَتْ مُعَامَلَتُهُ فِيهِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَالْجِزْيَةِ، وَأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا. وَإِنْ كَانَتْ معاملته مَعَ الْمُسْلِمِينَ، كَالْخَرَاجِ الْمَوْضُوعِ عَلَى رِقَابِ الْأَرْضِينَ إذا صارت في أيدي المسلمين احتمل وجهين. وَإِذَا بَطَلَتْ وِلَايَةُ الْعَامِلِ فَقَبَضَ مَالَ الْفَيْءِ مَعَ فَسَادِ وِلَايَتِهِ بَرِئَ الدَّافِعُ مِمَّا عَلَيْهِ إذا لم ينه عن القبض، لأن القابض مأذون له مع فساد وِلَايَتُهُ، وَجَرَى فِي الْقَبْضِ مَجْرَى الرَّسُولِ. وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَفَسَادِهَا أَنَّ لَهُ الإجبار على الدفع مع صحة الولاية وليس له الْإِجْبَارُ مَعَ فَسَادِهَا.
[ ١٤٠ ]
فإن نهى عن القبض مع فساد الولاية لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَبْضُ وَلَا الْإِجْبَارُ، وَلَمْ يَبْرَأْ الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ إذَا عَلِمَ بِنَهْيِهِ. وفي براءته إن لم يعلم بالنهي وجهان: بناء على عزل الوكيل إذا تصرف من غير علم بالعزل، وفيه روايتان: فهذا حكم مال الفيء. فَأَمَّا الْغَنِيمَةُ فَهِيَ أَكْثَرُ أَقْسَامًا وَأَحْكَامًا، لِأَنَّهَا أصل تفرع عنه الفيء. وتشتمل على أربعة أقسام: أسرى، وسبي، وأرضين، وأموال. أما الأسرى: فهم الرجال الْمُقَاتِلُونَ مِنْ الْكُفَّارِ إذَا ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ بِأَسْرِهِمْ، فالإمام، أو من استنابه الإمام عليهم من أمراء الْجِهَادِ، مُخَيَّرٌ فِيهِمْ - إذَا أَقَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ - في فعل الْأَصْلَحِ: مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ. إمَّا الْقَتْلُ، وَإِمَّا الِاسْتِرْقَاقُ، وَإِمَّا الْفِدَاءُ بِمَالٍ أَوْ أَسْرَى، أو المن بِغَيْرِ فِدَاءٍ. فَإِنْ أَسْلَمُوا سَقَطَ الْقَتْلُ عَنْهُمْ، ورقوا في الحال، وسقط التخيير بين الرق والمن والفداء. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب: في العرب إبذا أسلموا بعتد أن أخذوا صاروا في حيز المسلمين وقبضهم، يجري فيه سهام المسلمين يقسمون بين من قال الله ﷿، وذلك أن الفداء عقوبة يؤخذ لأجل الكفر فسقطت بالإسلام كالقتل. ولا يلزم عليه الرق، لأنه لا تجب عقوبته، بدليل أنه يجري على النساء والصبيان وليسا من أهل العقوبة.
وإذا ثبت خياره بين الأمورالأربعة تصفح أحوالهم، واجتهد رأيه فيهم فم علم منه قوة بأسه، وشدة نكايته، وأيس من إسلامه، وعلم ما في قلبه مِنْ وَهَنِ قَوْمِهِ قَتَلَهُ صَبْرًا مِنْ غَيْرِ مثله.
[ ١٤١ ]
وَمَنْ رَآهُ مِنْهُمْ ذَا جَلَدٍ وَقُوَّةٍ عَلَى العمل، وكان مأمون الخيانة والجناية استرقه، فيكون عَوْنًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ رَآهُ مِنْهُمْ مَرْجُوَّ الْإِسْلَامِ، أَوْ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، وَرَجَا بِالْمَنِّ عَلَيْهِ إما إسلامه، أو تألف قومه من عليه وأطلقه. ومن وجده منه ذَا مَالٍ وَجَدَّةٍ وَكَانَ بِالْمُسْلِمِينَ خُلَّةٌ وَحَاجَةٌ فاداه على مال، وجعله عدة للمسلمين وقوة للإسلام، وإن كان في أسرى عشيرته أحد م الْمُسْلِمِينَ مِنْ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ فَأَدَّاهُ عَلَى إطلاقهم. فيكون خياره في الأربعة على الوجه الأحظ والأصلح. ويكون المال المأخوذ في الفداء غنيمة يضاف إلى الغنائم، ولا يختص به من بين المسلمين. ومن أباح الإمام دمع من المشركين لعظم نكايته، وشدة بأسه وأذيته ثُمَّ أُسِرَ جَازَ لَهُ الْمَنُّ عَلَيْهِ وَالْعَفْوُ عنه.
[ ١٤٢ ]
فأما ضعفة الكفار: كالشيخ الهرم، والزمن، أو كان ممن قد تخلى من الرهبان، وأصحاب الصوامع، فينظر، فإن كانوا يمدون المقاتلة بآرائهم وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ جَازَ قَتْلُهُمْ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ وَكَانُوا فِي حُكْمِ الْمُقَاتِلَةِ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَإِنْ لَمْ يُخَالِطُوهُمْ فِي رَأْيٍ وَلَا تَحْرِيضٍ لم يجز قتلهم، فهذا حكم القتل. وَأَمَّا السَّبْيُ فَهُمْ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ. فَلَا يَجُوزُ قتلهم، سواء كانوا من أهل الكتاب، أو كانوا مِنْ قَوْمٍ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ، كَالدَّهْرِيَّةِ، وَعَبَدَةِ الأوثان. ويكونون سبيا مسترقا، يقسمون بين الغانمين، وهذا ظاره كلام الخرقي؛ لأنه قال " وإنما يكون له استراقاقهم إذا كانوا من أهل الكتاب أو مجوس. فأما ما سوى هؤلاء من العدو فلا يقبل من بالغي رجالهم إلا الإسلام أو السيف أو الفداء". وظاهر هذا أن غير البالغين من الرجال والنساء لا يقتلون. وليس يمتنع أن لا يجري القتل على النساء والصبيان من غير أهل الكتاب. ويجري على الرجال والبالغين، كما وجب حقن دماء أهل الكتاب ولم يجب حقن دماء الرجال منهم.
ولا يفرق - ممن استرق - بين ذوي الرحم المحرم، كالوالدين، والمولودين، الإخوة، والأخوات. ولا يجوز أن يفادى بالسبي على مال. ولا يفادونهم على أسرى من المسلمين في أيدي قومهم. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه: في الصغير يسبى، هل يفادى به، وهو مع أبويه، وهو على دينهم؟ قال " لا" وإن كان على دينهم، ولا يفادي وهم صغار، يطمع أن يموت أبواهم وهم صغار، فيكونون مسلمين".فقد نص على المنع في الصبيان.
[ ١٤٣ ]
وحكم في النساء كذلك لاشتراكهم في المعنى، خلافا لأصحاب الشافعي في قولهم: يجوز الفداء بالمال، ويكون المال مغنوم. وإن كان الفداء بالأسارى عوض الغانمين مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ. وَإِنْ أَرَادَ الْمَنَّ عَلَيْهِمْ، لم يجز إلا باستطابة نفوس الغانمين بالعفو عنهم أو بمال يعوضهم من سهم المصالح. وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْغَانِمِينَ عَنْ تَرْكِ حَقِّهِ، لم يجبر. وإنما لم يجز الفداء لأن حقهم ثابت في السبي، فلم تجز المعاوضة عليه. دليله سائر أموالهم، وكما لو قسمها بينهم، ولأنه لو جاز الفداء لجاز المن عليهم كالبالغين ولأن من أصلنا أنه لا يجوز بيع السبي من أهل الذمة، فالفداء كذلك، لأنه معاوضة. وإذا كان في السبايا ذوات أزواج، نظرت، فإن سُبِينَ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ فَهُنَّ عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ سبين منفردات بطل النكاح. وإذا أَسْلَمَتْ مِنْهُنَّ ذَاتُ زَوْجٍ قَبْلَ حُصُولِهَا فِي السبي، فهي حرة، ونكاحها يبطل بانقضاء العدة.
[ ١٤٤ ]
وَإِذَا قَسَمَ السَّبَايَا فِي الْغَانِمِينَ حَرُمَ وَطْؤُهُنَّ حتى يستبرئهن بِحَيْضَةٍ، إنْ كُنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ أَوْ بوضع الحمل إن كن حوامل. وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وأحرزوه ملكوه فإن أَدْرَكَهُ مَالِكُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ، وإن أدركه بعدها فعلى روايتين: إحداهما: هو أحق به بالثمن. والثانية: لا حق له فيه، وغانمه أحق به. ويجوز شراء أولاد الْحَرْبِ مِنْهُمْ، كَمَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ. وَيَجُوزُ شِرَاءُ أولاد العهد منهم، ولا يجوز سبيهم.
وما غنمه الواحد والاثنان هل يجري عليه حكم الغنيمة في أخذ خمسه؟ على ثلاث روايات: إحداها: يجري، والثانية: لا يؤخذ خمسه حتى يكونوا سرية عددا ممتنعا، والثالثة: لا حق للغانمين فيه، وجميعه فيء للمسلمين، عقوبة لهم لخروجهم بغير إذن الإمام. وإذا أسلم أحد الأبوين كان إسلاما لصغير أَوْلَادِهِمَا مِنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ وَلَا يَكُونُ إسْلَامًا لِلْبَالِغَيْنِ مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَالِغُ مَجْنُونًا، وكذلك من مات من الأبوين حكم بإسلام أولاده الأصاغر. وإذا كان الصغير مميزا فأسلم، صح إسلامه بنفسه، وتصح ردته، ولكن لا يقتل حتى يبلغ.
[ ١٤٥ ]
فأما الأرضون إذا استولى عليها المسلمون فتنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما ملكت عليهم عَنْوَةً وَقَهْرًا، حَتَّى فَارَقُوهَا بِقَتْلٍ أَوْ أَسْرٍ أو جلاء، ففيها روايتان، نقلهما عبد الله. إحداهما: أَنَّهَا تَكُونُ غَنِيمَةً، كَالْأَمْوَالِ تُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، إلَّا أَنْ يَطِيبُوا نَفْسًا بِتَرْكِهَا فَتُوقَفُ عَلَى مصالح المسلمين. ولفظ كلام أحمد رحمه الله تعالى قال: " كل أرض تؤخذ عنوة فهي لم قاتل عليها بمنزلة الأموال: أربعة أسهم لمن قاتل عليها، وسهم لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين، بمنزلة الأموال " نقلها أبو بكر الخلال في الأموال. والثانية: أن الإمام فيها بالخيار في قسمتها بين الغانمين، فتكون أرض عشر أَوْ يَقِفُهَا عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَصِيرُ هَذِهِ الْأَرْضُ دَارَ إسْلَامٍ، سَوَاءٌ سَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ أَوْ أعيد إليها المشركون. ولفظ كلام أحمد في ذلك أن قال " الأرض إذا كانت عنوة هي لمن قاتل عليها، إلا أن
[ ١٤٦ ]
يكون وقفها من فتحها على المسلمين، كما فعل عمر رضي اله عنه بالسواد، وضرب عليهم الخراج، فهي كما فعل الفاتح لها إذا كان من أئمة الهدى". وظاهر هذا أنها تصير وقفا بنفس الاستيلاء عليها حتى يقفها الإمام لفظا. وقد روي عنه ما دل على أنها تصير وقفا بالاستيلاء. فقال في رواية حرب " أرض الخراج ما فتحها المسلمون فصارت فيئا لهم ثم دفعوها إلى أهلها وأضافوا عليها وظيفة، فتلك الوظيفة جارية للمسلمين".
وكذلك نقل محمد بن أبي حرب " أرض الخراج ما فتحها المسلمون، فصارت فيئا لهم". فقد أطلق القول أنها تصير فيئا، ويجب الخراج، ولم يعتبر لفظ الوقف، وهو اختيار أبي بكر بن عبد العزيز في الأموال فقال " كل ما فتحه المسلمون عنوة فعليه الخراج حق الرقبة". وإذا ثبت أنها تصير وقفا، إما لفظا، أو بنفس الاستيلاء، فإنه لا يجوز بيعها ولا رهنها.
[ ١٤٧ ]
والإمام يضرب عليها خراجا يكون أجرة لرقابها، يؤخذ مِمَّنْ عُومِلَ عَلَيْهَا، مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ ويجمع بَيْنَ خَرَاجِهَا وَأَعْشَارِ زُرُوعِهَا وَثِمَارِهَا، إلَّا أَنْ تكون الثمار من نخل كان فيها عند الاستيلاء عليها، فيكون النَّخْلُ وَقْفًا مَعَهَا لَا يَجِبُ فِي ثَمَرِهَا عشر، ويضع الإمام عليها الخراج، ويكون ما استؤنف غرسه من النخل معشورا، وأرضه خراجا. والقسم الثاني فيها ما ملك عفوا، وهو إن أجلوا عنها خوفا فيكون وقفا. وقيل لا يصير وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ لَفْظًا وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا خراجا يكون أجرة لرقابها، يؤخذ ممن عومل عليها من مسلم ومعاهد، وَيَجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ خَرَاجِهَا وَأَعْشَارِ زُرُوعِهَا وَثِمَارِهَا، إلا أن يكون النخل من نخل كان فيها عند الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، فَتَكُونُ تِلْكَ النَّخْلُ وَقْفًا مَعَهَا لَا يَجِبُ فِي ثَمَرِهَا عُشْرٌ، وَيَكُونُ الْإِمَامُ فِيهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا، أَوْ المساقاة على ثمرها، ويكون ما ستؤنف غرسه من النخل معشورا وأرضه خراجا. وظاهر كلام أحمد أنها تكون وقفا، لأنه قال في رواية أبي الحارث وصالح " كل أرض جلا عنها أهلها بغير قتال فيه فيء". ومعناه وقف، كما قال في رواية حنبل " ما فتح عنوة هو فيء للمسلمين". وقال في رواية حرب ومحمد بن أبي حرب " الأرض الخراج ما فتحها المسلمون فصارت فيئا لهم، ثم دفعها إلى أهلها وأضافوا عليها وظيفة، فتلك الوظيفة جارية للمسلمين أبدا". فقد سمى أرض الخراج العنوة فيئا.
القسم الثَّالِثُ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا صُلْحًا عَلَى أَنْ تُقَرَّ فِي أَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ عَنْهَا، فَهَذَا على ضربين: أحدهما: أن تصالحهم عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْأَرْضِ لَنَا، فَتَصِيرُ بِهَذَا الصلح وقفا من دار الإسلام، لا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا رَهْنُهَا، وَيَكُونُ الْخَرَاجُ أُجْرَةً لا يسقط عنهم بإسلامهم، ويؤخذ خَرَاجُهَا إذَا انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ صَارُوا بِهَذَا الصُّلْحِ أَهْلَ عَهْدٍ، فَإِنْ بذلوا الجزية عن رِقَابِهِمْ جَازَ إقْرَارُهُمْ فِيهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنْ منعوا الجزية لم يجبروا عليها، ولم يقروا فيها سنة بغير جزية. وقد قال أحمد في رواية " ما فتح عنوة فهو فيء للمسلمين، وما صولحوا عليه فهو لهم يؤدون إلى ما صولحوا عليه، ومن أسلم منهم تسقط عنه الجزية، والأرض فيء للمسلمين". فقد بين أن الأرض فيء وهذا محمول على أن الأرض لنا. والضرب الثاني: أن يصالحوا على أن ملك الْأَرْضِينَ لَهُمْ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا خَرَاجٌ يُؤَدُّونَهُ عَنْهَا، فهذا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ عنهم، نص عليه في رواية ابن منصور وذكر له قول سفيان " ما كان من أرض صولح عليها ثم أسلم أهلها فقد وضع الخراج عنهم". قال أحمد " جيد" قيل له: وما كان من أرض أخذت عنوة ثم سلم صاحبها وضعت عنها وأقر على أرضه بالخراج؟ قال أحمد "جيد". فقد نص على أن الخراج يسقط عن أرض الصلح بالإسلام. وهذا محمول على ملك الأرضين لهم. وَلَا تَصِيرُ أَرْضُهُمْ دَارَ إسْلَامٍ، وَتَكُونُ دَارَ عَهْدٍ، وَلَهُمْ بَيْعُهَا وَرَهْنُهَا. وَإِذَا انْتَقَلَتْ إلَى مُسْلِمٍ لَمْ يُؤْخَذْ خَرَاجُهَا،
[ ١٤٨ ]
وَيُقَرُّونَ فِيهَا مَا أَقَامُوا عَلَى الصُّلْحِ، وَلَا تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ، لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِ الإسلام. فإن نقضوا الصلح بعد استقرارهم، نظرت، فإن ملكت غير فهل تكون على حكمها دار عهد؟ يخرج على وجهين: ذكر الخرقي أنه ينتقض في الدار، فتحصل دار حرب. وذكر أبو بكر أنه لاينتقض، فعلى هذا تكون دار عهد. وإن لم يملك صارت الدار حربا وجها واحدا.
[ ١٤٩ ]
فأما الأموال المنقولة فإذا جمعت لم تقسم مع غنائم الْحَرْبِ حَتَّى تَنْجَلِيَ، لِيُعْلَمَ بِانْجِلَائِهَا تَحَقُّقُ الظَّفَرِ، واستقرار الملك؛ لأن لا يَتَشَاغَلَ الْمُقَاتِلَةُ بِهَا فَيُهْزَمُوا. فَإِذَا انْجَلَتْ الْحَرْبُ جاز تعجيل قسمتها في دار الحرب، وجاز تأخيرها إلى دار الإسلام، بحسب ما يراه أمير الجيش من الصلاح. وإذا أَرَادَ قِسْمَتَهَا بَدَأَ بِأَسْلَابِ الْقَتْلَى، فَأَعْطَى كُلَّ قاتل سلب قتيله، سواء شرط الأمير له بذلك أو لم يشرطه. وعنه رواية أخرى: إن أشرطه لهم استحقوه، وإن لم يشرطه لهم كان غنيمة يشتركون فيه، ولا يخمس السلب. فإذا فرغ من إعطاء السلب، فإنه يَبْدَأُ بَعْدَ السَّلَبِ بِإِخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ، فَيَقْسِمُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْخُمُسِ عَلَى خَمْسَةٍ أسهم، وهذا لا تختلف الرواية فيه، وإنما اختلفت في مال الفيء هل يخمس؟
[ ١٥٠ ]
وَأَهْلُ الْخُمُسِ فِي الْغَنِيمَةِ: هُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ في الفيء على ما شرحناه هناك. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب، وقد سئل: إذا جمعوا الغنائم هل يعطيهم النفل؟ قال: " لايعطيهم شيئا حتى يخمس جميع الغنيمة، فإذا خمس جميع الغنيمة أعطاهم النفل". وهو مقدم أيضا على أهل الرضخ، وهم مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ حَاضِرِي الْوَقْعَةِ: من العبيد، والنساء، والصبيان، والمرضى، و'أهل الذمة، على الرواية التي لا سهم لهم. فالخمس مقدم عليهم لا يرضخ لهم من الغنيمة بحسب غنائمهم. ولا يبلغ برضخ أحد منه سهم فارس ولا راجل. فإن زال نقص أهل الرضخ بعد حضور الواقعة، فعنق العبد، وبلغ الصبي، وأسلم الْكَافِرِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ أسهم لهم ولم يرضخ،، وإن كان بَعْدَ انْقِضَائِهَا رَضَخَ لَهُمْ وَلَمْ يُسْهِمْ. ثُمَّ تُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ، بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ وَالرَّضْخِ مِنْهَا، بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، وَهُمْ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ الْمُسْلِمُونَ الْأَصِحَّاءُ، يَشْتَرِكُ فِيهَا من قاتل ومن لم يقاتل، لأن غير المقاتل عون للمقاتل وردء له عند الحاجة. وقسمة الغنيمة بينهم قسمة استحقاق، لا يرجع فيها إلى اختيار القاسم، ووالي الجهاد، ولا يجوز أن يشترك معهم غيرهم ممن لم يشهد الواقعة.
واختلفت الرواية عن أحمد في تفضيل بعضهم على بعض، فروي عنه جواز ذلك، وروي عنه التسوية. وَإِذَا اخْتَصَّ بِهَا مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَجَبَ أن يفضل الفارس على الراجل بفضل غنائه، فيعطي الفارس ثلاثة أسهم، والراجل سهم واحد. وَلَا يُعْطَى سَهْمُ الْفَارِسِ إلَّا لِأَصْحَابِ الْخَيْلِ خاصة ويعطى لركاب البغال والحمير سهام الرجالة، ويعطى ركاب الإبل والفيلة سهام الهجين.
[ ١٥١ ]
وفي سهم الهجين روايتان: إحداهما: مثل سهام عتاق الخيل. والثانية: يعطى الهجين سهمان. وإذا شهد الواقعة بفرسه أسهم له وإن لمن يُقَاتِلْ عَلَيْهِ، وَإِذَا خَلَّفَهُ فِي الْعَسْكَرِ لَمْ يسهم له، وإذا حضر الوقعة بأفراس أعطي سهم فرسين. وَمَنْ مَاتَ فَرَسُهُ بَعْدَ حُضُورِ الْوَقْعَةِ أَسْهَمَ له، ومن مات قبلها لم يسهم له، وكذلك إن كان هو الميت. وإذا جاءهم مدد قبل انجلاء الحرب شركوهم في الغنيمة وغن جاءوا بعد انجلائها لم يشركوهم. ويستوي في قسمة الغنيمة بين مرتزقة والجيش وبين متطوعة إذَا شَهِدَ جَمِيعُهُمْ الْوَقْعَةَ. وَإِذَا غَزَا قَوْمٌ بغير إذا الإمام كان ماغنموه مخموسا والباقي لهم. وفيه رواية أخرى: لا يخمس وجميعه لهم. وفيه رواية أخرى ثالثة: لا يملك كالغنيمة. وإذا دخل دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، أَوْ كَانَ مَأْسُورًا مَعَهُمْ فَأَطْلَقُوهُ وَأَمَّنُوهُ. لَمْ يَجُزْ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي نفس ولا مال، وعليه أن يؤمنهم كما أمنوه. وإذا كان في المقاتلة من هر غناؤه، وَأَثَّرَ بَلَاؤُهُ؛ لِشَجَاعَتِهِ وَإِقْدَامِهِ، أَخَذَ سَهْمَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أُسْوَةَ غَيْرِهِ، وَزِيدَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ لأجل غنائه، وإن رأي تفضيله من سهم الغنيمة على إحدى الروايتين فله ذلك.
[ ١٥٢ ]