والجزية والخراج حقان أوصل الله تعالى الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ. يَجْتَمِعَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. ثُمَّ تَتَفَرَّعُ أَحْكَامُهُمَا. فَأَمَّا الْأَوْجُهُ الَّتِي يَجْتَمِعَانِ فِيهَا: فَأَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ عَنْ مُشْرِكٍ صغارا له وذلة. والثاني: أنهما مالا فَيْءٍ يُصْرَفَانِ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا يَجِبَانِ بِحُلُولِ الْحَوْلِ، وَلَا يُسْتَحَقَّانِ قَبْلَهُ. وَأَمَّا الوجوه الَّتِي يَفْتَرِقَانِ فِيهَا.
فَأَحَدُهَا: أَنَّ الْجِزْيَةَ نَصٌّ، والخراج اجْتِهَادٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ أَقَلَّ الْجِزْيَةِ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ، وأكثرها مقدر بالاجتهاد. والخراج أكثره وأقله مُقَدَّرٌ بِالِاجْتِهَادِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مَعَ بقاء الكفر، وتسقط بحدوث الإسلام، والخراج قد يؤخذ مع الكفر والإسلام. فنبدأ بالجزية فنقول: هي مَوْضُوعَةٌ عَلَى الرُّءُوسِ، وَاسْمُهَا مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَزَاءِ، إمَّا جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ صَغَارًا، أو جَزَاءً عَلَى أَمَانِنَا لَهُمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ رِفْقًا. وتؤخذ الجزية ممن له كتاب أو شبهة كتاب.
[ ١٥٣ ]
أما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، وكتابهم التوراة والإنجيل؛ والعرب في أخذ الجزية منهم كغيرهم. وأما من له شبهة كتاب فهم المجوس، يجرون مجرى أهل الكتاب في أخذ الجزية وَإِنْ حَرُمَ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ. وَتُؤْخَذُ مِنْ الصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ إذَا وَافَقُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى في أصل معتقدهم وإن خالفوهم في فروعهم. ولا تؤخذ منهم إن خالفوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم. ولا تؤخذ جزية مرتد، ولا دهري، ولا عابد وثن. ومن دخل في اليهودية والنصرانية مقبل تَبْدِيلِهِمَا أُقِرَّ عَلَى مَا دَانَ بِهِ مِنْهُمَا، وَلَا يُقَرُّ إنْ دَخَلَ بَعْدَ تَبْدِيلِهِمَا. وَمَنْ جهلت حالة أخذت جزيته، ولم تؤكل ذبيحته، ولم تنكح نساؤه. وفيه رواية أخرى: تنكح، وتؤكل ذبيحته، نص عليها في نصارى بني تغلب. وَمَنْ انْتَقَلَ مِنْ يَهُودِيَّةٍ إلَى نَصْرَانِيَّةٍ لَمْ يقر في أحد الوجهين، وأخذ بالإسلام، وإن عَادَ إلَى دِينِهِ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ. فَفِي إقراره روايتان. ويهود خيبر وغيرهم في الجزية سواء. وَلَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ إلَّا عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْعُقَلَاءِ. وَلَا تَجِبُ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ ولا مجنون، ولو انفردت امرأة منهم على أن تكون تبعا لزوج أو لنسيب لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهَا جِزْيَةٌ، لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِرِجَالِ قومها وإن كانوا أجانب منها. ولو انفردت امرأة في دَارِ الْحَرْبِ فَبَذَلَتْ الْجِزْيَةَ لِلْمَقَامِ فِي دَارِ الإسلام ولم يَلْزَمْهَا مَا بَذَلَتْهُ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهَا كَالْهِبَةِ لا تؤخذ به إن امتنعت.
[ ١٥٤ ]
وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ.
فَإِنْ زال إشكاله وبان رجلا، أخذ بها في مستقبل أمره دون ماضيه. واختلف عن أحمد في قدر الجزية على ثلاث روايات. أحدها: أنها مقدرة الأقل والأكثر. فيؤخذ من الفقير المعتمل اثنا عشر درهما. ومن المتوسط أربعة وعشرون. ومن الموسر ثمانية وأربعون، نقلها الجماعة. والثانية: أنها غير مقدرة الأكثر والأقل، وهي إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان، نقلها الأثرم، فقال " تعاد الجزية على ما يطيقون، تزاد وتنقص. وما يرى الإمام". والثالثة: أنها مقدرة الأقل، غير مقدرة الأكثر، فيجوز للإمام أن يزيد على ما قدر عمر. ولا يجوز أن ينقص منه، نقلها يعقوب بن بختان فقال: " لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك، وله أن يزيد". والأولى: اختيار الخرقي، والثالثة: اختيار أبي بكر. وإذا صُولِحُوا عَلَى مُضَاعَفَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ ضُوعِفَتْ، كَمَا فعل عمر - ﵁ - مَعَ تَنُوخِ، وَبَهْرَاءَ، وَبَنِي تغلب بالشام. ويؤخذ من النساء والصبيان. والمنصوص عنه في الصبيان في رواية ابن القاسم، وذلك لأنها جزية مأخوذة على طريق الصلح فاستوى فيها النساء والصبيان. ويدل عليه: ما روي أبو عبيد بإسناده قال: كتب رسول الله - ﷺ - إلى معاذ " وفي الحالم والحالمة دينار أو عدله من المعافر".
[ ١٥٥ ]
ومعلوم أن ذلك على وجه الصلح. ولا يلزم عليه الجزية لأنها غير مأخوذة على طريق الصلح، لأن الصلح ما اعتبر فيه رضى كل واحد من المتصالحين. والجزية لا يعتبر فيها ذلك لأنهم لو بذلوها لزم الإمام قبولها من طريق الشرع. وقد صرح أحمد أنها جزية في رواية محمد بن موسى وقد سأله عن نصارى بني تغلب، فقال: " تضاغف عليهم الجزية" فقد سماه جزية. وقد علق القول في رواية ابن القاسم فقال " المال والمواشي والأرض سواء الصغير والكبير، إنما هي الزكاة". فسماها زكاة، ومعناه: حكمها حكم الزكاة في أنها تجب على الصغير والكبير.
وإذا صولحوا على ضيافة من يمر بهم من المسلمين قدرت عليهم، وأخذوا بها ثلاثة أيام لَا يُزَادُونَ عَلَيْهَا، كَمَا صَالَحَ عُمَرُ نَصَارَى الشَّامِ عَلَى ضِيَافَةِ مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ المسلمين ثلاثة أيام مما يأكلون. لا يكلفونهم ذبح شاة ولا دجاجة، وتبن دَوَابِّهِمْ مِنْ غَيْرِ شَعِيرٍ، وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَى أهل السواد دون المدن. وإن لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ الضِّيَافَةَ وَمُضَاعَفَةَ الصَّدَقَةِ، فَلَا صدقة عليهم في زرع ولا ثمر، ولا يلزمهم إضافة سائل ولا سابل. وقد روي عن أحمد كلام يدل على أن الذي شرط عليهم يوم وليلة. فقال حمدان بن علي: قلت لأحمد " عمر بن الخطاب جعل على أهل السواد يوما وليلة؟ قال: كنا إذا تولينا عليهم قالوا: شباشبا. قلت لأحمد: ما يوم وليلة؟ قال: يضيفونهم. قلت: ما قولهم: شباشبا؟ قال أحمد: هو بالفارسية ليلة ليلة". وقد رواه أبو بكر الخلال بإسناده عن الأحنف بن قيس " أن عمر - ﵁ - اشترط
[ ١٥٦ ]
على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته". وفي لفظ آخر " أن عمر اشترط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، فإن حبسهم مطر أو مرض فيومين. فإن مكثوا أكثر من ذلك أنفقوا من أموالهم، ويكلفوا ما يطيقون". وكذلك الضيافة في حق المسلمين الواجب يوم وليلة. قال في رواية حنبل " قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بذلك، وهو دين له: قلت: كم مقدار ما يقدر له؟ قال: ما يمونه في الثلاثة الأيام التي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: واليوم والليلة هو حق واجب". فقد بين أن المستحب ثلاثة أيام والواجب يوم وليلة. وقال في موضع آخر من مسائل حنبل وصالح " الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة". فكانت جائزته أوكد من الثلاثة. وقد روى أبو بكر الخلال ما دل على الاستحباب والإيجاب.
فروى بإسناده عن أبي كريمة - المقدام بن معد يكرب - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " ليلة الضيف حق واجبة، فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه إن شاء اقتضى الدين وإن شاء ترك ". يعني إذا لم يضف. وبإسناده عن أبي شريح الخزاعي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، ولا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قالوا: يا رسول الله، كيف يوثمه؟ قال: يقيم عنده، وليس عنده ما يقربه". فحديث أبي كريمة يدل على وجوب اليوم والليلة. وحديث أبي شريح يدل على استحباب الثلاث. فالضيافة في حق الكفار والمسلمين، يتفقان في قدر الوجوب والاستحباب، ويختلفان في حكمين آخرين. أحدهما: أنها في حق المسلمين تجب ابتداء بالشرع، وفي حق الكفار تجب بالشرط. والثاني: أنها في حق المسلمين تعم أهل القرى والأمصار. وفي حق الكفار تختص بأهل القرى.
[ ١٥٧ ]
قال في رواية أبي الحارث " الضيافة تجب على كل مسلم، من كان من أهل الأمصار وغيرهم من المسلمين". وقال في موضع آخر " تجب الضيافة على المسلمين كلهم، ومن نزل به ضيف عليه أن يضيفه. والفرق بينهما " أن عمر شرط تلك على أهل القرى، والأخبار الواردة في حق المسلمين عامة لقوله - ﷺ - " ليلة الضيف حق واجبة". وفي لفظ آخر " الضيافة ثلاثة أيام". وتجب الضيافة على المسلم للمسلمين والكفار، لعموم الخبر. وقد نص عليه أحمد في رواية حنبل - وقد سأله " إن أضاف الرجل ضيفان من أهل الكفر؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم". دل على أن المسلم والمشرك مضاف. والضيافة معناها معنى الصدقة التطوع على المسلم والكافر. فقد احتج بعموم الخبر، وأنه يعم المسلم والكافر. وإذا نزل به الضيف فلم يضفه كان دينا له على المضاف به. نص عليه في رواية حنبل. فقال " إذا نزل القوم فلم يضافوا، فإن شاء طلبه. وإن شاء ترك".
قال له " فكم مقدار ما يقدر له؟ قال " ما يمونه في الثلاثة الأيام، واليوم والليلة حق واجب".قال له: " فإن لم يضيفوه ترى له أن يأخذ من أموالهم بمقدار ما يضيفه؟ قال: لا يأخذ إلا بعلم أهله. وله أن يطالبهم بحقه". فقد نص على أن له المطالبة بذلك. وهذا يدل على ثبوته في ذمته، لقول النبي - ﷺ - في حديث أبي كريمة " فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك" ومنع من أن يأخذ من مال من تجب عليه الضيافة بغير إذنه، بناء على أصله، وهو " أن من كان له على رجل حق وامتنع من أدائه وقدر له على حق لم يجز له أن يأخذه بغير إذنه". ويلزم الذمي ترك ما فيه ضرر على المسلمين وآحادهم: في مال، أو نفس. وهي ثمانية أشياء: الاجتماع في قتال المسلمين، وأن لا يزني بمسلمة، ولا يصيبها باسم نكاح، ولا يفتن مسلما عن دينه. ولا يقطع عليه الطريق ولا يؤوي للمشركين عينا، أعني جاسوسا. ولا يعاون على المسلمين بدلالة، أعني لا يكاتب المشركين بأخبار المسلمين. لا يقتل مسلما ولا مسلمة. وكذلك يلزم ترك ما فيه غضاضة ونقص على الإسلام، وهي ثلاثة أشياء، ذكر الله تعالى، وكتابه، ودينه، ورسوله، بما لا ينبغي. فهذه الأشياء يلزمهم تركها، سواء شرط ذلك الإمام عليهم أو لم يشرط.
[ ١٥٨ ]
فإن فعلوا ذلك أو شيئًا منه، نقض العهد في إحدى الروايتين. قال في رواية أبي الحارث: في نصراني استكره مسلمة على نفسها " يقتل، ليس على هذا صولحوا، وإن طاوعته يقتل، وعليها الحد". وقال في رواية حنبل " كل من ذكر شيئا يعرض به بالرب ﷿ فعليه القتل، مسلما كان أو كافرا". وقال في رواية أبي طالب: في يهودي شتم النبي - ﷺ - " يقتل. قد نقض العهد". وفيه رواية أخرى " لا ينقض العهد إلا بالامتناع من بذل الجزية وجرى أحكامنا عليهم". وقال في رواية موسى بن عيسى الموصلي" في المشرك إذا قذف مسلما " يضرب".
كذلك في رواية الميموني: في الرجل من أهل الكتاب يقذف العبد المسلم وينكل به " يضرب ما يرى الحاكم". وظاهر هذا: أنه لم يجعله ناقضا للعهد بقذف المسلم وإن كان ضرر على المسلمين. فأما ما ليس فيه ضرر على المسلمين، ولا غضاضة على الإسلام، مثل إظهار منكر في دار الإسلام، بإحداث البيع والكنائس في دار الإسلام، ورفع أصواتهم بكتبهم، والضرب بالنواقيس، وإطالة البنيان على المسلمين، وإظهار الخمر والخنزير، وترك ما أخذ عليهم تركه من التشبه بالمسلمين في ملبوسهم، ومركوبهم، وكناهم، وشعورهم، فهل ذلك واجب عليهم تركه، أم هو مستحب؟. فقال في رواية أبي الحارث " ينبغي أن يؤخذ أهل الذمة بالنواصي والزنانير، يذلون بذلك".
[ ١٥٩ ]
وقال في رواية أبي طالب " السواد فتح عنوة، فلا يكون فيه بيعة، ولا يضرب فيه بنا قوس ولا تتخذ فيه الخنازير، ولا تشرب في الخمر، ولا يرفعون أصواتهم في دورهم". وقال في رواية إبراهيم بن هانئ، ويعقوب بن بختان " لا يتركون أن يجتمعوا في كل أحد، ولا يظهرون خمرا ولا ناقوسا". فقد أطلق القول في ذلك. فيحتمل أن يقتضي الوجوب، ويلزم بعقد الذمة، لأنها إظهار منكر في دار الإسلام، فلزم تركه بعقد الذمة. دليله: ما كان فيه ضرر على الإسلام والمسلمين. ويحتمل أن يكون ترك هذه الأشياء مستحب، لأنه لا ضرر على الإسلام والمسلمين فيه. فعلى هذا لا يلزم حتى يشترط عليهم فيصير بالشرط ملتزما. فإن ارتكبها بعد الشرط، فهل يكون نقضا لعهدهم؟. ظاهر كلام الخرقي يكون نقضا لأنه قال " ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه حل دمه وماله، لأنه بالشرط قد لزمهم، ويؤخذون به إجبارا، ويؤدبون على فعله" فكان ناقضا به، كالامتناع من أداء الجزية والأشياء التي في فعلها ضرر على الإسلام والمسلمين. ويثبت الإمام ما استقر من عهد الصُّلْحِ مَعَهُمْ فِي دَوَاوِينَ الْأَمْصَارِ لِيُؤْخَذُوا بِهِ إذَا تَرَكُوهُ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ صُلْحًا رُبَّمَا خَالَفَ مَا سِوَاهُ.
وَلَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ في السنة إلا مرة بعد انقضائها بشهور الأهلة. ومن مات فِيهَا أُخِذَ مِنْ تَرِكَتِهِ بِقَدْرِ مَا مَضَى منها. ومن أسلم منهم كان ماله مقرا عليه، وجزيته ساقطة عنه. وكذلك إن مات قبل أدائها. وَمَنْ بَلَغَ مِنْ صِغَارِهِمْ أَوْ أَفَاقَ مِنْ مجانينهم استقبل به حول الجزية. وتسقط الجزية عن الفقير، وعن الشيخ، وعن الزمن. وَإِذَا تَشَاجَرُوا فِي دِينِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مُعْتَقَدِهِمْ، لَمْ يُعَارَضُوا فِيهِ، وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْهُ.
[ ١٦٠ ]
وإذا تنازعوا في حق ارتفعوا فيه إلى حاكمهم لم يمنعوا منه. وإن تَرَافَعُوا فِيهِ إلَى حَاكِمِنَا حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِمَا يُوجِبُهُ دِينُ الْإِسْلَامِ. وَتُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ إذَا أتوها. ومن نقض منهم عهده لم يبلغ به مأمنه، وكان الإمام فيه بالخيار بين القتل والاسترقاق. هذا كلام أحمد في رواية أحمد بن سعيد " إذا منع الجزية ضربت عنقه". وقال في رواية أبي الحارث " إذا زنى بمسلمة قتل". وذلك لأنه عقد الذمة على أن يكف عنا ونكف عنه. فإذا نقض العهد عاد بمعناه الأول، فكأنه وجد لص حربي في دار الإسلام. وَلِأَهْلِ الْعَهْدِ - إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ - الْأَمَانُ على نفوسهم وأموالهم، ولهم أن يقيموا أقل من سنة بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، وَلَا يُقِيمُونَ سَنَةً إلَّا بِجِزْيَةٍ، وَيَلْزَمُ الْكَفُّ عَنْهُمْ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَا يَلْزَمُ الدَّفْعُ عَنْهُمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَإِذَا أَمَّنَ بالغ من عقلاء الْمُسْلِمِينَ حَرْبِيًّا لَزِمَ أَمَانُهُ كَافَّةَ الْمُسْلِمِينَ. وَالْمَرْأَةُ فِي بَذْلِ الْأَمَانِ كَالرَّجُلِ، وَالْعَبْدُ فِيهِ كَالْحُرِّ، سواء كان مأذونا له في القتال أو لم يكن. ويصح أمان الصبي، نص عليه. قال أبو بكر الخلال " إذا كان له سبع سنين وعقل التخيير بين أبويه فأمانه جائز". ولا يصح أمان المجنون، ومن أمنه فهو حرب، إلا أن يجهل حكم أمانه فيبلغه مأمنه. ثم يكون حربا. وإذا تظاهر أهل الذمة أو العهد بقتال المسلمين كانوا حربا لوقتهم تقتل مقاتلتهم. وإذا امتنع أهل الذمة من بذل الجزية كان نقضا لعهدهم. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَيْعَةً وَلَا كَنِيسَةً، فَإِنْ أَحْدَثُوهَا هُدِمَتْ عَلَيْهِمْ.
واختلفت الرواية عن أحمد في بناء ما استهدم من بيعهم وكنائسهم القديمة. فروي عنه، أنه ليس لهم ذلك. نقلها عبد الله. والثانية: لهم ذلك، والثالثة: إن خرب جميعها لم يكن لهم ذلك. وإن استهدم بعضها جاز.
[ ١٦١ ]
وإذا نقض أهل الذمة عهدهم استبيح به قتلهم، وغنيمة أموالهم، وسبي ذراريهم. وهذا ظاهر ما نقلناه عنه في رواية أحمد بن سعيد " إذا امتنع الجزية ضربت عنقه". وفي رواية أبي الحارث " إذا زنى بمسلمة قتل". وقال الخرقي في أمر الجزية " ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه حل دمه وماله " وهذا صريح من الخرقي في ذلك. فإن هرب إلى دار الحرب من ذمتنا، ناقضا للعهد - وله مال في دار الإسلام - هل يكون فيئا؟ ظاهر كلام الخرقي أنه يكون فيئا، لأنه قال " ومن هرب إلى دار الحرب من ذمتنا ناقضا للعهد عاد حربا. وقال أبو بكر الخلال في كتاب الخلاف " إذا أودع الحربي المستأمن في دار الإسلام مالا، ثم لحق بدار الحرب فأسر أو قتل: إنه يرد إلى ورثته". وظاهر هذا: أنه لم ينقض أمانه في ماله. وهذا الكلام في الجزية. فأما الكلام في الخراج فهو ما وضع على رقاب الأرضين من حقوق تؤدي عنها. وَالْأَرْضُونَ كُلُّهَا تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا اسْتَأْنَفَ الْمُسْلِمُونَ إحْيَاءَهُ، فَهُوَ أَرْضُ عُشْرٍ لَا يجوز أن يوضع عليها الخراج. نص عليه في رواية أبي الصقر- وقد سأله عن أرض موات في الإسلام لا يعرف لها أرباب، ولا للسلطان عليها خراج، فأحياها رجل من المسلمين - فقال " من أحيا أرضا مواتا في غير أرض السواد كان للسلطان عليه فيها عشر، ليس له عليه غير ذلك".
[ ١٦٢ ]
وقال في رواية ابن منصور " والأرضون التي يملكها ربها ليس فيها خراج، مثل هذه القطائع التي أقطعها عثمان في السواد لسعد، وابن مسعود، وخباب". وظاهر هذا أنه لم يوجب في قطائع السواد خراجا، وهذا محمول على أنه أقطعهم منافعها وخراجها، وللإمام أن يسقط الخراج على وجه المصالحة.
القسم الثاني ما أسلم عليه أربابه، فَهُوَ أَرْضُ عُشْرٍ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عليها خراج نص عليه في رواية حرب، فقال " إذا فتح المسلمون الأرض عنوة فصارت فيئا لهم فهو خراج ". وقال " أرض العشر: الرجل يسلم بنفسه من غير قتال وفي يده أرض، فهي عشر". وقال في موضع آخر" أرض العشر، الرجل يسلم وفي يده أرض فهي عشر، مثل مكة والمدينة ". وقد علق القول في رواية حنبل، فقال " من أسلم على شيء فهو له، ويؤخذ منه خراج الأرض". وهذا محمول على أنه كان في يده من أرض الخراج أقره الإمام في يده، كما أقر النبي - ﷺ - أهل خيبر، فلا يسقط الخراج. القسم الثالث ما ملك عن المشركين عنوة وقهرا، ففيه روايتان: إحداهما: يكون غَنِيمَةً تُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَتَكُونُ أَرْضَ عُشْرٍ، لا يجوز أن يوضع عليها خراج، وفيه رواية أخرى: الإمام بالخيار بين أن يقسمها بين الغانمين، فلا يكون فيها خراج، وبين أن يقفها على جماعة المسلمين، فَتَصِيرُ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا خراجا يكون أجرة يقر على الأبد، وإن لم يتقدر بِمُدَّةٍ، لِمَا فِيهَا مِنْ عُمُومِ الْمَصْلَحَةِ. وَلَا يجوز بيع رقابها، اعتبارا بحكم الوقف، وهي الأرض المختصة بوضع الخراج عليها. القسم الرَّابِعُ مَا صُولِحَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَرْضِهِمْ فهي على ضربين: أحدهما: ما جلا عنه أهله حتى خصلت للمسلمين بغير قتال فيكون وقفا على مصالح المسلمين
[ ١٦٣ ]
ويضرب عليها خراج يكون أجرة يقر على الأبد وإن لم يتقدر بمدة، لما فيها من عموم المصلحة، فلا يَتَغَيَّرُ بِإِسْلَامٍ وَلَا ذِمَّةٍ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رقابها، اعتبارا بحكم الوقف. وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث وصالح " كل أرض جلا عنها أهلها بغير قتال فهي فيء". ومعناه: أنها وقف، وقد بينا ذلك من كلامه فيما قبل.
الضرب الثاني: ما أقام فيه أهله، وصالحونا عَلَى إقْرَارِهِ فِي أَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْزِلُوا عَنْ مِلْكِهَا لَنَا عِنْدَ صُلْحِنَا، فَتَصِيرُ هَذِهِ الْأَرْضُ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَاَلَّذِي انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ، ويكون الخراج المضروب عليها أجرة، ولا تسقط بإسلامه، وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ رِقَابِهَا، وَيَكُونُونَ أَحَقَّ بها ما أقاموا على صلحهم، لا تنقل من أيديهم سواء أقاموا على شركهم أو أسلموا، كما لا تنزع الأرض المستأجرة من مستأجرها، ولا تسقط عَنْهُمْ بِهَذَا الْخَرَاجِ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ إنْ صَارُوا أهل ذمة مستوطنين. وإن لم يستوطنوا ولم ينتقلوا إلى الذمة، وأقاموا على الْعَهْدِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَرُّوا فِيهَا سَنَةً بغير جزية. وقد قال أحمد في رواية حنبل " ما فتح عنوة فهو فيء للمسلمين، وما صولحوا عليه فهو لهم، يؤدون إلى المسلمين ما صولحوا عليه، ومن أسلم منهم تسقط عنه الجزية والأرض للمسلمين". فقد بين أن الأرض فيء، وهذا على أن الأرض لنا، فتكون فيئا: يعني وقفا. الضرب الثَّانِي: أَنْ يَسْتَبِقُوهَا عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَلَا يَنْزِلُوا عن رقابها، ويصالحونا عَنْهَا بِخَرَاجٍ يُوضَعُ عَلَيْهَا. فَهَذَا الْخَرَاجُ جِزْيَةٌ، يؤخذ منهم ما أقاموا على شركهم، ويسقط عنهم بإسلامهم وَيَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى مَنْ شاءوا منهم، أو من أهل الذمة، أو من المسلمين فإن تبايعوها بَيْنَهُمْ كَانَتْ عَلَى حُكْمِهَا فِي الْخَرَاجِ، وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى مُسْلِمٍ سَقَطَ عَنْهُ خَرَاجُهَا وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى ذِمِّيٍّ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنْهُ خَرَاجُهَا لِبَقَاءِ كُفْرِهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَسْقُطَ لخروجه بالذمة من عقد من صولح عليها. وقد قال أحمد في رواية ابن منصور، وذكر له قول سفيان " ما كان من أرض صولح عليها ثم أسلم أخلخا بعد وضع الخراج عنها، قال أحمد " جيد" قال " وما كان من أرض أخذت عنوة، ثم أسلم صاحبها، ووضعت عنه الجزية وأقر على أرضه بالخراج قال أحمد " جيد".
[ ١٦٤ ]
فقد نص على أن الخراج يسقط عن أرض الصلح بالإسلام، وهذا محمول على أن تلك الأرضين لهم، ولم يسقط عن أرض العنوة، لأنها لجماعة المسلمين هي أجرة عنها.
فأما قدر الخراج المضروب فمعتبر بما تحتمله الأرض. نص عليه أحمد في رواية محمد بن داود - وقد سئل عن حديث عمر " وضع على جريب الكرم كذا وعلى جريب كذا كذا " هو شيء موصوف على الناس لا يزاد عليهم، أو إن رأى الإمام غير هذا زاد ونقص؟ - قال " بل هو على رأي الإمام، إن شاء زاد عليهم، وإن شاء نقص - وقال- هو بين في حديث عمر " إن زدت عليهم كذا لا يجهدهم؟ " إنما نظر عمر إلى ما تطيق الأرض". فقد نص على أن ذلك موقوف على اجتهاد الإمام، وليس بموقوف على تقدير عمر، بل تعتبر الطاقة في الزيادة والنقصان. واحتج بقول عمر " إن زدت عليهم لا تجهدهم". ونقل العباس بن محمد بن موسى الخلال عن أحمد: أنه قال " الخراج يقر في أيديهم مقاسمة على النصف، وأقل إذا رضي بذلك الأكرة، يحملهم بقدر ما يطيقون " وقال بعد " ليس للإمام أن يغيرها على ما أقرها عليه عمر". وقال في رواية يعقوب بن بختان " لا يجوز للإمام أن ينقص، وله أن يزيد". وقال في رواية ابن منصور " ووضع - يعني عمر - عليها - يعني السواد- الخراج: على كل جريب درهم وقفيز من الحنطة والشعير. وما سوى ذلك من القصب والزيتون والنخل
[ ١٦٥ ]
أشياء موظفة يؤدونها". وقال " خراج السواد على حديث الحكم عن عمرو بن ميمون قفيز ودرهم". قال أبو بكر الخلال: أبو عبد الله يقول " إن للإمام النظر في ذلك، فيزيد عليهم وينقص على قدر ما يطيقون". وقد ذكر ذلك عنه غير واحد، وما قاله عباس الخلال عن أبي بكر فهو قول أول لأبي عبد الله. وقد اختلفت الرواية عن عمر في قدر الخراج: فروي أبو عبيد بإسناده عن عمرو بن ميمون قال " شهدت عمر بن الخطاب - وأتاه ابن حنيف - فجعل يكلمه، فسمعناه يقول له: آلله، لئن وضعت على كل جريب من الأرض درهما وقفيزا من طعام لا يشق ذلك عليهم، ولا يجهدهم؟ ". وبإسناده عن محمد بن عبد الله اليقفي قال " وضع عمر على أهل السواد على كل جريب عامر أو غامر درهما وقفيزا، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم".
وروي أيضا بإسناده عن الشعبي " أن عمر بعث ابن حنيف إلى السواد، فطرز الخراج فوضع على جريب الشعير درهمين، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الكرم عشرة ". وروي أبو زيد عمر بن شبة النميري بإسناده عن عمرو بن ميمون " أنه وضع على كل جريب - وذكر الخبر إلى أن قال -: وعلى النخل: على الفارسية درهما، وعلى الدقلتين درهما ". وفي لفظ آخر عن عثمان بن حنيف حين بعثه عمر " فأخذ من الرطبة - وذكر الخبر إلى أن قال: وكان لا يعد النخل". وقد أخذ أحمد من هذه الأخبار بحديث عمرو بن ميمون في رواية على بن سعيد اللحياني وجعفر بن محمد، فقال " أعلى وأصح حديث في أرض السواد: حديث عمرو بن ميمون في الدرهم والقفيز". ويشهد لهذا: ما روي أبو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " إذا منعت العراق درهمها وقفيزها. ومنعت الشأم دينارها ومديها، ومنعت مصر دينارها وإردبها، وعدتم كما بدأتم فقد أثبت الجمع بين الدرهم والقفيز.
[ ١٦٦ ]
وهذا الاختلاف عن عمر يدل على اعتبار الطاقة، كذلك يجب أن يكون وضع الخراج مراعى في كل أرض تَحْتَمِلُهُ. فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، يُؤَثِّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي زِيَادَةِ الْخَرَاجِ وَنُقْصَانِهِ: أَحَدُهَا: مَا يَخْتَصُّ بِالْأَرْضِ مِنْ جَوْدَةٍ يَزْكُو بها زرعهم، أو رداءة يقل به ريعها. الثاني: ما يختص بالزرع من اختلاف أنواعه. فإن الحبوب والثمار ما يكثر ثمنه، ومنها ما لا يقل ثمنه، فيكون الخراج بحسبه. الثالث: ما يختص بالسقي والشرب، لأن ما التزمت المؤنة في سقيه بالدوالي والنواضح لا يحتمل من الخراج ما يحتمله ما سقي بالسيوح والأمطار. وشرب الزروع وَالْأَشْجَارِ يَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا سَقَاهُ الآدميون بغير آلة، كالسبةح من العيون والأنهار تساق إليها، فتسيح عليها عند الحاجة، وتمنع عنها عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ، وَهَذَا أَوْفَرُ الْمِيَاهِ مَنْفَعَةً وَأَقَلُّهَا كلفة.
القسم الثاني: ما سقاه الآدميون من نواضح أو دوالي، أو دواليب، وهذا أكثر المياه مؤنة وأشقها عملا. القسم الثالث: ما سقته السماء مطرا، أو ثلجا، أو طلا، ويسمى العذي. القسم الرابع: ما سقته الأرض بندواتها، وما أسكن من الماء قرارها، فشرب زَرْعُهَا وَشَجَرُهَا بِعُرُوقِهِ، وَيُسَمَّى الْبَعْلُ. فَأَمَّا الْغِيلُ: فهو مَا شَرِبَ بِالْقَنَاةِ، فَإِنْ سَاحَ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَسِحْ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي. وَأَمَّا الْكَظَائِمُ: فَهُوَ مَا شَرِبَ مِنْ الْآبَارِ، فَإِنْ نُضِحَ مِنْهَا بِالْغُرُوبِ فَهُوَ من القسم الثاني وإن استخرج من القنى، فهو غيل يلحق بالقسم الأول. وإذا ثبت هذا فلابد لواضع الخراج من اعتبار ما وصفنا مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ اخْتِلَافِ الْأَرْضِينَ، وَاخْتِلَافِ الزروع، واختلاف الشرب لِيَعْلَمَ قَدْرَ مَا تَحْمِلُهُ الْأَرْضُ مِنْ خَرَاجِهَا. فيقصد العدل فيما بين أهلها وأهل الْفَيْءِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ تُجْحِفُ بِأَهْلِ الْخَرَاجِ، ولا نقصان يضر بأهل الفيء.
[ ١٦٧ ]
وَلَا يَسْتَقْصِي فِي وَضْعِ الْخَرَاجِ غَايَةَ مَا تحتمله، ليجعل فِيهِ لِأَرْبَابِ الْأَرْضِ بَقِيَّةً يُجْبِرُونَ بِهَا النَّوَائِبَ والجوائح. ويعتبر واضع الخراج أصلح الأمور من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يضعه على مسائح الأرض. الثاني: أن يضعه على مسائح الزرع. الثالث: أن يجعله مُقَاسَمَةً. فَإِنْ وَضَعَهُ عَلَى مَسَائِحِ الْأَرْضِ كَانَ مُعْتَبَرًا بِالسَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ. وَإِنْ وَضَعَهُ عَلَى مَسَائِحِ الزرع، فقد قيل: يكون مُعْتَبَرًا بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ. وَإِنْ جَعَلَهُ مُقَاسَمَةً كَانَ مُعْتَبَرًا بِكَمَالِ الزَّرْعِ وَتَصْفِيَتِهِ. فَإِذَا اسْتَقَرَّ عَلَى أحدها مقدار بشروطه الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ صَارَ ذَلِكَ مُؤَبَّدًا لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ وَلَا يُنْقَصَ مِنْهُ، مَا كانت الأرضون على أحوالها، في شروبها ومصالحها. فإن تغيرت شروبها ومصالحها إلى زيادة أو نقصان فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِمْ، كَزِيَادَةٍ حَدَثَتْ بِشَقِّ أنهار، واستنباط مياه، أو نقصان حدث لتقصير في عمارة، أو لعدول عن مصلحة. فَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَيْهِمْ بِحَالِهِ، لَا يُزَادُ عَلَيْهِمْ فيه لزيادة عمارتهم، ولا ينقص منه لنقصانها.
ويؤخذون بالعمارة نظرا لهم، ولأهل الفيء، لئلا يستديم خرابه فيتعطل. الضرب الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ جهتهم، فيكون النقصان بشق انفجر أَوْ نَهْرٍ تَعَطَّلَ. فَإِنْ كَانَ سَدُّهُ وَعَمَلُهُ مُمْكِنًا وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَعْمَلَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ وَالْخَرَاجُ سَاقِطٌ عنهم ما لم يعمل. وإن لم يمكن عَمَلُهُ فَخَرَاجُ تِلْكَ الْأَرْضِ سَاقِطٌ عَنْ أَهْلِهَا إذَا عُدِمَ الِانْتِفَاعُ بِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بها في غير الزراعة: لمصائد، أو مراع، جاز أن يستأنف وضع الخراج بحسب ما يحتمله الصيد والمراعي، وليست كأرض الْمَوَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَلَى مَصَائِدِهَا وَمَرَاعِيهَا خَرَاجٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ مَمْلُوكَةٌ، وأرض الموات مباحة. وقد نقل خضر بن إسحاق: أن صيادا سأل أحمد عن الصيد في أجمة - يعني قطر بل - وأنهم يمنعون أن نصيد فيها حتى نعطيهم شيئا؟ فقال: " احرص أن لا تعطيهم فإن شارطتهم فلا تخنهم".
[ ١٦٨ ]
وقوله " احرص أن لا تعطيهم " محمول على أنها من أرض الموات، وقوله " فإن شارطتهم فلا تخنهم" محمول على قول من قال: ليس في أرض السواد موات. فأحب الخروج من الخلاف. وقد اختلفت الرواية عنه، هل في السواد موات يملك بالأحياء؟. فقال في رواية العباس بن محمد بن موسى الخلال - وقد سأله عما أحيى من أرض السواد: أيكون لمن أحياه-؟ فقال: " مثل التلول والرمال فيما بينك وبين الأنبار، فهو لمن أحياه". وقال في رواية ابنه عبد الله - وقد سأله: أيكون موات في أرض السواد؟ قال: " لا أعلمه يكون مواتا". وأما الزيادة التي أحدثها الله تعالى، كعين انفجر ينبوعها غالبا فساح ماؤها، أو أرض حفرها السيل حتى انخفضت وصارت سَائِحَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُسْقَى بِآلَةٍ، فَإِنْ كان هذا عارضا ضالا يُوثَقُ بِدَوَامِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَادَ فِي خراج تلك الأرض، وَإِنْ وُثِقَ بِدَوَامِهِ رَاعَى الْإِمَامُ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ لِأَرْبَابِ الضِّيَاعِ وَأَهْلِ الْفَيْءِ، وَعَمِلَ فِي الزِّيَادَةِ أو المشاركة بِمَا يَكُونُ عَدْلًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَخَرَاجُ الْأَرْضِ إذا أمكن زرعها مأخوذ وإن لم تزرع.
نص عليه في رواية الأثرم، ومحمد بن أبي حرب، وقد سئل عن رجل يده أرض من أراضي الخراج ولم يزرعها، يكون عليه خراجها؟ قال: " نعم، العامر والغامر". وَإِذَا كَانَ خَرَاجُ مَا أَخَلَّ بِزَرْعِهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ أُخِذَ مِنْهُ فِيمَا أَخَلَّ بِزَرْعِهِ خراج أَقَلِّ مَا يُزْرَعُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى زَرْعِهِ لَمْ يُعَارَضْ فِيهِ. وَإِذَا كَانَتْ أَرْضُ الْخَرَاجِ لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا فِي كُلِّ عام حتى تراح في عم وتزرع في الآخر. رُوعِيَ حَالُهَا فِي ابْتِدَاءِ وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا، واعتبر أصلح الأمور لِأَرْبَابِ الضِّيَاعِ، وَأَهْلِ الْفَيْءِ فِي خَصْلَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ: - إمَّا أَنْ يَجْعَلَ خَرَاجَهَا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ خَرَاجِ مَا يُزْرَعُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَيُؤْخَذُ مِنْ الْمَزْرُوعِ وَالْمَتْرُوكِ، وَإِمَّا أَنْ يَمْسَحَ كُلَّ جَرِيبَيْنِ مِنْهَا بِجَرِيبٍ، لِيَكُونَ أَحَدُهُمَا لِلْمَزْرُوعِ وَالْآخَرُ لِلْمَتْرُوكِ. وَإِمَّا أَنْ يَضَعَهُ بِكَمَالِهِ عَلَى مساحة المتروك ويستوفي على أربابه الشطر من رزاعة أَرْضِهِمْ. وَإِذَا كَانَ خَرَاجُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ، فَزُرِعَ أَوْ غُرِسَ مَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، اُعْتُبِرَ خَرَاجُهُ بِأَقْرَبِ الْمَنْصُوصَاتِ بِهِ شبها أو نفعا. وَإِذَا زُرِعَتْ أَرْضُ الْخَرَاجِ مَا يُوجِبُ الْعُشْرَ لم يسقط عشر الأرض خراج الأرض وجمع فيها بين الحقين.
[ ١٦٩ ]
ولا يجوز أن ينقل أَرْضُ الْخَرَاجِ إلَى الْعُشْرِ، وَلَا أَرْضُ الْعُشْرِ إلى الخراج. وقد سئل أحمد في رواية إسحاق عن دار البطيخ بطرسوس: كانت بيروما كان عليها فهو لها على الأرمني إلى خارج الخندق. ووضع عليها الخراج فقال: الحمالون لا يحمل فيها لم يكن عليها خراج، وقد وضع عليها الآن خراج فلا يغير. فقال " قد أحسنوا فقد أنكر وضع الخراج على أرض لم يكن عليها". وإذا استقى بِمَاءِ الْخَرَاجِ أَرْضُ عُشْرٍ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا عُشْرًا. وَإِذَا سُقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ أَرْضُ خَرَاجٍ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا خَرَاجًا، اعْتِبَارًا بِالْأَرْضِ دُونَ الماء. وعند أبي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ حُكْمُ الْمَاءِ.
فَيُؤْخَذُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ الْخَرَاجُ، وَيُؤْخَذُ بِمَاءِ الْعُشْرِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ الْعُشْرُ، اعْتِبَارًا بِالْمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ، وَاعْتِبَارُ الْأَرْضِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْمَاءِ، لِأَنَّ الْخَرَاجَ مَأْخُوذٌ عَنْ الْأَرْضِ، وَالْعُشْرُ مَأْخُوذٌ من الزَّرْعِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَاءِ خَرَاجٌ وَلَا عُشْرٌ، فلم يعتبر وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ مَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ صَاحِبَ الْخَرَاجِ أَنْ يَسْقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ، وَمَنَعَ صَاحِبَ الْعُشْرِ أَنْ يَسْقِيَ بِمَاءِ الْخَرَاجِ، ولم يمنع أحمد وَاحِدًا مِنْهُمَا أَنْ يَسْقِيَ بِأَيِّ الْمَاءَيْنِ شَاءَ. وقد قال أحمد في رواية صالح " الخراج على الرقبة". وقال في رواية ابن منصور " إنما هو جزية رقبة الأرض". فقد بين في رواية ابن منصور أنه عن رقبتها. وفي رواية صالح أنه على الأرض مثل الجزية على الرقبة، فاقتضى أنه عن رقبتها، وإذا كان عن رقبة الأرض كان الاعتبار بها، لا بالماء الذي يسقى به. وإذا بني في أرض الخراج أبنية دورا وحوانيتا، كَانَ خَرَاجُ الْأَرْضِ مُسْتَحَقًّا، لِأَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أن ينتفع بها كيف شاء.
[ ١٧٠ ]
وهذا ظاهر كلام أحمد، وأن الخراج لا يقف على الزرع أو الغراس. قال في رواية يعقوب بن بختان - وقد سأله: ترى أن يخرج الرجل عما في يده من دار أو ضيعة على ما وصف عمر على كل جريب فيتصدق به؟ - قال: " ما أجود هذا " قال له: فإنه بلغني عنك أنك تعطي عن دارك الخراج، تتصدق به؟ قال: " نعم". وقد قيل: إن مالا يستغني في زراعتها عن بنائه في مقامه في أرض الخراج لزراعها عفو يسقط عنه خراجه، لأنه لا يسقر في زراعتها إلا بمسكن يستوطنه، وما جاز قدر حاجته مَأْخُوذٌ بِخَرَاجِهِ. وَإِذَا أُوجِرَتْ أَرْضُ الْخَرَاجِ، أَوْ أُعِيرَتْ، فَخَرَاجُهَا عَلَى الْمَالِكِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ. وقد قال أحمد في رواية أبي الصقر - في أرض السواد تقبلها الرجل " يؤدي وظيفة عرم ويؤدي العشر بعد وظيفة عمر". وظاهر هذا: أن الخراج على المستأجر، لأن المتقبل مستأجر. وكذلك قال في رواية محمد بن أبي حرب " أرض السواد من استأجر منها شيئا ممن هي في يده فهو جائز، ويكون فيها مثله".
فقد جعل المستأجر بمنزلة الموجر. وقد صرح به أبو حفص في الجزء الثاني من الإجارة، فقال: " باب الدليل على أن من استأجر أرضا فزرعها كان الخراج والعشر جميعا عليه، دون صاحب الأرض - وساق فيه رواية أبي صقر". وعندي أن كلام أحمد لا يقتضي ما قال، لأنه إنما نص على رجل تقبل أرضا من السلطان فدفعها إليه بالخراج، وجعل ذلك أجرتها، لأنها لم تكن في يد السلطان بأجرة، بل كانت لجماعة المسلمين، والمسألة التي ذكرناها إذا كانت في يد رجل من المسلمين بالخراج المضروب فأجرها فإن الثاني لا يجب عليه الخراج، بل يجب على الأول، لأنها في يده بأجرة، هي الخراج. وَإِذَا اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْأَرْضِ فِي حُكْمِهَا، فَادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهَا أَرْضُ خَرَاجٍ، وَادَّعَى رَبُّهَا أَنَّهَا أَرْضُ عُشْرٍ - وَقَوْلُهُمَا مُمَكَّنٌ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ المالك دون العامل، فإن اتهم استحلف. وَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِي مِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَلَى شَوَاهِدِ الدَّوَاوِينِ السُّلْطَانِيَّةِ إذَا عَلِمَ صِحَّتَهَا، ووثق بكتابها. وَإِذَا ادَّعَى رَبُّ الْأَرْضِ دَفْعَ الْخَرَاجِ لَمْ يقبل قَوْلُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِي دَفْعِ الْخَرَاجِ على البروزات السُّلْطَانِيَّةِ إذَا عَرَفَ صِحَّتَهَا، اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْمُعْتَادِ فيها.
[ ١٧١ ]
ومن أعسر بخراجه أنظر به إلى يساره، ولم يسقط بالإعسار. وإذا مطل بالخراج مع يساره حبس، إلَّا أَنْ يُوجَدَ لَهُ مَالٌ فَيُبَاعُ عَلَيْهِ في خراجه، كالديون، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ غَيْرُ أَرْضِ الْخَرَاجِ؛ فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَرَى جَوَازَ بَيْعِهَا بَاعَ منها بقدر خراجه. وإن كان لا يراه أجرها عَلَيْهِ وَاسْتَوْفَى الْخَرَاجَ مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا فَإِنْ زَادَتْ الأجرة كان له زِيَادَتُهَا، وَإِنْ نَقَصَتْ كَانَ عَلَيْهِ نُقْصَانُهَا. وَإِذَا عَجَزَ رَبُّ الْأَرْضِ عَنْ عِمَارَتِهَا، قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تُؤَجِّرَهَا أَوْ تَرْفَعَ يَدَكَ عَنْهَا، لتدفع إلى من يقوم بعمارتها ولم تترك عَلَى خَرَابِهَا، وَإِنْ دَفَعَ خَرَاجَهَا لِئَلَّا تَصِيرَ بالخراب مواتا، أومأ إليه في رواية حنبل. فقال " من أسلم على شيء فهو له. ويؤخذ منه خراج الأرض، فإن ترك أرضه فلم يعمرها، فذلك إلى الإمام يدفعها إلى من يعمرها، لا تخرب، تصير فيئا للمسلمين".
فقد منع من ترك عمارة أرض الخراج على وجه الخراب. وقال في رواية حرب " في رجل أحيا أرض الموات، فحفر فيها بئرا، أو ساق إليها الماء من موضع أو أحاط عليها حائطا ثم تركها فهي له، قيل له: فهل في ذلك وقت إذا تركها؟ قال: لا ". وكذلك قال في رواية أبي الصقر " إذا أحيا أرضا ميتة وزرعها ثم تركها حتى عادت خرابا فهي له، وليس لآخر أن يأخذها منه، وإنما جاز له لأن بإحيائها قد صارت ملكا
[ ١٧٢ ]
له، فهو مخير في الانتفاع بها أو تركه، ويفارق هذا أرض الخراج لأنها ليست بملك له، وإنما هي لجماعة المسلمين، ولهذا فرقنا بينهما. وَعَامِلُ الْخَرَاجِ، يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ: الْحُرِّيَّةُ، والأمانة، ثم ينظر. فإن ولي وَضْعَ الْخَرَاجِ اُعْتُبِرَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا من أهل الاجتهاد، وإن ولي جبابة الْخَرَاجِ صَحَّتْ وِلَايَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا مجتهدا. ورزق عامل الخراج من مَالِ الْخَرَاجِ، كَمَا أَنَّ رِزْقَ عَامِلِ الصَّدَقَةِ من مال الصدقة، من سهم العاملين، وكذلك أجرة المساح. فأما أجرة القسام في العشر والخراج فهي من الحق الذي استوفاه السلطان منهما. وَالْخَرَاجُ حَقٌّ مَعْلُومٌ عَلَى مِسَاحَةٍ مَعْلُومَةٍ فَاعْتُبِرَ في العلم بها ثلاثة مقادير: أحدها: مقدار الجريب بالذراع الممسوح بها. وَالثَّانِي: مِقْدَارُ الدِّرْهَمِ الْمَأْخُوذِ بِهِ. وَالثَّالِثُ: مِقْدَارُ الكيل المستوفى به. أما الْجَرِيبُ فَهُوَ عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي عَشْرِ قَصَبَاتٍ. وَالْقَفِيزُ: عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي قَصَبَةٍ. وَالْعَشِيرُ: قَصَبَةٌ فِي قَصَبَةٍ، وَالْقَصَبَةُ: سِتَّةُ أَذْرُعٍ. فَيَكُونُ الْجَرِيبُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَسِتِّمِائَةِ ذِرَاعٍ مُكَسَّرَةٍ، وَالْقَفِيزُ: ثَلَاثُمِائَةٍ وستين ذِرَاعًا مُكَسَّرَةٌ، وَهُوَ عُشْرُ الْجَرِيبِ، وَالْعَشِيرُ: سِتَّةٌ وثلاثين ذراعا، وهو عشر القفيز. والأذرع سبعة أَقْصَرُهَا الْقَاضِيَةُ، ثُمَّ الْيُوسُفِيَّةُ، ثُمَّ السَّوْدَاءُ، ثُمَّ الْهَاشِمِيَّةُ الصُّغْرَى، وَهِيَ الْبِلَالِيَّةُ، ثُمَّ الْهَاشِمِيَّةُ الْكُبْرَى، وهي الزياديةن ثم العمرية، ثم الميزانية.
[ ١٧٣ ]
فأما القاضية - وهي تسمى ذِرَاعُ الدُّورِ - فَهِيَ أَقَلُّ مِنْ ذِرَاعِ السَّوْدَاءِ بأصبع وثلثي أصبع، وأول من ضعها ابْنُ أَبِي لَيْلَى الْقَاضِي، وَبِهَا يَتَعَامَلُ أَهْلُ كلواذى.
وأما اليوسفية: فهي التي يذرع بها القضاة الدور بمدينة السلام، وهي أَقَلُّ مِنْ الذِّرَاعِ السَّوْدَاءِ بِثُلُثَيْ أُصْبُعٍ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَهَا أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي. وَأَمَّا الذِّرَاعُ السَّوْدَاءُ: فَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ ذِرَاعِ الدُّورِ بِأُصْبُعٍ وثلثي أصبع، وأول من وضعها الرشيد، قَدَّرَهَا بِذِرَاعِ خَادِمٍ أَسْوَدَ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ، وهي التي يتعامل بها الناس في ذرع الْبَزِّ وَالتِّجَارَةِ وَالْأَبْنِيَةِ وَقِيَاسِ نِيلِ مِصْرَ. وَأَمَّا الذراع الهاشمية الصغرى: فَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ الذِّرَاعِ السَّوْدَاءِ بِأُصْبُعَيْنِ وَثُلُثَيْ أُصْبُعٍ. وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهَا بِلَالُ بْنُ أَبِي بردة، وذكر أنه ذراع جده موسى الأشعري، وَهِيَ أَنْقَصُ مِنْ الزِّيَادِيَّةِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عُشْرٍ، وَبِهَا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ. وَأَمَّا الْهَاشِمِيَّةُ الكبرى فهي ذِرَاعُ الْمِلْكِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَقَلَهَا إلَى الْهَاشِمِيَّةِ المنصور، وهي أطول من ذراع السوداء بخمس أصابع وثلثي إصبع، يكون ذراعا وثمنا وعشرا بالسوداء وتنقص عنها بالهاشمية الصغرى ثلاثة أرباع عشرها، وسميت زيادية لأن زيادا مسح بها أرص السَّوَادِ، وَهِيَ الَّتِي يَذْرُعُ بِهَا أَهْلُ الْأَهْوَازِ. وَأَمَّا الذِّرَاعُ الْعُمَرِيَّةُ فَهِيَ ذِرَاعُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - الَّتِي مَسَحَ بِهَا أرض السواد قال موسى بن طلحة: رأيت ذراع عمر الَّتِي مَسَحَ بِهَا أَرْضَ السَّوَادِ، وَهِيَ ذِرَاعٌ وقبضة وإبهام قائمة". قال الحكم بن عتيبة " إنَّ عُمَرَ - ﵁ - عَمَدَ إلَى أطولها ذراعا وأقصرها، فَجَمَعَ مِنْهَا ثَلَاثَةً وَأَخَذَ الثُّلُثَ مِنْهَا، وَزَادَ عليها قَبْضَةً وَإِبْهَامًا قَائِمَةً، ثُمَّ خَتَمَ فِي طَرَفَيْهِ بِالرَّصَاصِ، وَبَعَثَ بِذَلِكَ إلَى حُذَيْفَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ حَتَّى مَسَحَا بِهَا السَّوَادَ، وَكَانَ أَوَّلَ من مسح بها عمر بن هبيرة". وأما الذراع المأمونية: فتكون بالذراع السوداء ذراعين وثلثي ذراع وثلاث أصابع، وأول من وضعها المأمون، وهي التي يتعامل الناس بها في ذرع البرندات، والسكور، وكري الأنهار، والحفائر وقد اعتبر أصحابنا الذراع الهاشمي في مساحة الفراسخ التي تقصر فيها الصلاة. وَأَمَّا الدِّرْهَمُ فَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مَعْرِفَةِ وَزْنِهِ ونقده.
فأما وزنه فقد استقر فِي الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ وَزْنَ الدِّرْهَمِ سِتَّةُ دوانيق، وزن كل عشرة منها سبعة مثاقيل. وقد نص على هذا في الزكاة في رواية الميموني - وقد سأله عمن عنده شيء وزنه درهم أسود، وشيء وزنه دانقين، وهي تخرج في مواضع: ذا مع نقصانه على الوزن سواء؟ فقال " يجمعها ثم يخرجها على وزن سبعة".
[ ١٧٤ ]
وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه - وقد سأله عن الدراهم السود؟ فقال: " إذا حلت الزكاة في مئتين من درهمنا هذه أوجبت فيها الزكاة " فأخذ بالاحتياط " فأما الدية فأخاف عليه". وأعجبه في الزكاة أن يؤدي من مئتين من هذه الدراهم، وإن كان على رجل دية أن يعطي السود الوافية، وقال " هذا كلام لا يحتمله العامة". وظاهر هذا: أنه إنما اعتبر وزن سبعة في الزكاة، والخراج محمول عليها، واعتبر في الدية أوفى من ذلك. وقال في رواية المروذي - وذكر دراهم باليمن صغارا، في الدرهم منها دانقين ونصف - فقال: ترد إلى المثاقيل، كيف تزكى هذه؟. فقد نص على اعتبار كل عشرة منها سبع مثاقيل. واختلف في سبب استقرارها عَلَى هَذَا الْوَزْنِ. فَذَكَرَ قَوْمٌ: أَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ فِي أَيَّامِ الْفُرْسِ مَضْرُوبَةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْزَانٍ: مِنْهَا دِرْهَمٌ عَلَى وَزْنِ الْمِثْقَالِ عِشْرُونَ قيراطا، ودرهم وزنه عشرة قراريط، ودرهم وزنه اثنا عشر قيراطا، فَلَمَّا اُحْتِيجَ فِي الْإِسْلَامِ إلَى تَقْدِيرِهِ فِي الزَّكَاةِ أُخِذَ الْوَسَطُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْزَانِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ قِيرَاطًا، فَكَانَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا مِنْ قَرَارِيطِ الْمِثْقَالِ، فَلَمَّا ضُرِبَتْ الدَّرَاهِمُ الإسلامية على الوسط من هذا الوزن الأوسط من الْأَوْزَانِ الثَّلَاثَةِ قِيلَ فِي عَشَرَتِهَا: وَزْنُ سَبْعَةِ مثاقيل لأنها كذلك.
[ ١٧٥ ]
وَذَكَرَ آخَرُونَ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، لَمَّا رَأَى اخْتِلَافَ الدَّرَاهِمِ، وَأَنَّ مِنْهَا الْبَغْلَيَّ وَهُوَ ثمانية دوانيق، ومنها الطبري، وهو أربعة دوانيق، ومنها اليمني هو دانق، قال: انظروا إلى أغلب ما يتعامل الناس به مِنْ أَعْلَاهَا وَأَدْنَاهَا، فَكَانَ الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ وَالدِّرْهَمُ الطَّبَرِيُّ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَكَانَا اثْنَيْ عَشَرَ دَانَقًا، فأخذ نصفهما فكان ستة دوانيق، فَجَعَلَ الدِّرْهَمَ الْإِسْلَامِيَّ فِي سِتَّةِ دَوَانِيقَ، وَمَتَى زِدْتَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَسْبَاعِهِ كَانَ مِثْقَالًا، وَمَتَى نَقَصْتَ مِنْ الْمِثْقَالِ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِهِ كَانَ دِرْهَمًا، فَكُلُّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَكُلُّ عَشَرَةِ مثاقيل أربعة عشر درهما وسبعان.
[ ١٧٨ ]
وأما النقد فَمِنْ خَالِصِ الْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِمَغْشُوشِهِ مَدْخَلٌ فِي حُكْمِهِ. وَقَدْ كَانَ الْفُرْسُ عِنْدَ فَسَادِ أُمُورِهِمْ فَسَدَتْ نَقُودُهُمْ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَنَقُودُهُمْ مِنْ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ غَيْرُ خَالِصَةٍ، إلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَقُومُ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقَامَ الْخَالِصَةِ، وَكَانَ غِشُّهَا عَفْوًا لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ بَيْنَهُمْ إلَى أَنْ ضُرِبَتْ الدَّرَاهِمُ الإسلامية فتميز المغشوش من الخالص. وقد قال أحمد في رواية حنبل: " ولو أن رجلا له على رجل ألف درهم أعطاه من هذه الدراهم كان قد قضاه، لأنها ليست على ما يعرف الناس من صحة السكة بينهم ونقاء الفضة ثم أرأيت لو اختلفا؟ فقال هذا: لم يقضني، وقال هذا: قد قضيتك، فرجعا إلى اليمن أكان يحلف أنه قد أوفاه، لأنها ليست بوافية إلا بالفضة التي يتعامل بها المسلمون بينهم؟ ". فأما إنفاق المغشوشة فينظر، فإن كان غشها يخفى لم يجز إنفاقها رواية واحدة، وإن كان عيبا ظاهرا فعلى روايتين: إحداهما: المنع أيضا، قال في رواية محمد بن إبراهيم) وقد سأله عن المزيفة فقال " لا يحل، قيل له: إنه يراها ويدري أي شيء هي؟ قال: الغش حرام وإن بين". وكذلك قال في رواية جعفر بن محمد " لا تنفق المكحلة حتى يغسلها. ولا المزيفة والزيوف حتى يسبقها".
والرواية الثانية الجواز، قال في رواية الأثرم، وإيراهيم بن الحارث - في الرجل يبيع الدراهم فيها رديئة بدينار؟ قال " ما ينبغي له، لأنه يغر بها المسلمين " فقال له الأثرم: ولا تقول إنها حرام؟ فقال: لا أقول إنها حرام، وإنما كرهته لأنه يغر بها مسلما". وقال أيضا في رواية صالح: في دراهم ببخارى يقال لها المسيبية، عامتها نحاس إلا شيئا يسيرا منها فضة، فقال " إن كان شيئا قد اصطلحوا عليه فيما بينهم، مثل الفلوس التي قد اصطلح الناس عليها، أرجو أن لا يكون به بأس".
[ ١٧٩ ]
فوجه المنع: ما رواه أحد أن ابن مسعود باع نفاية بيت المال، فنهاه عمر، فسبكها. ووجه الإباحة: مارواه أبو بكر بإسناده عن عمر قال " من زافت عليه دراهم فليدخل السوق فيشتر بها سحق ثوب". وقد أجاب أحمد عن هذا الحديث في رواية حنبل فقال " قول عمر: من زافت عليه دراهم يعني نفيت " ولم يكن عمر يأمر بإنفاق الرديئة، وهذا لم يكن في عهد عمر، وإنما حدث بعده. وقد اختلف في أول من ضربها في الإسلام. فحكى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ الْمَنْقُوشَةَ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَكَانَتْ الدَّنَانِيرُ ترد رومية، والدراهم كسروية. قال أبو الزناد: فأمر عبد الملك الحجاج أن يضرب الدراهم فَضَرَبَهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: بَلْ ضَرَبَهَا الْحَجَّاجُ فِي آخِرِ سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِضَرْبِهَا فِي النَّوَاحِي سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ. وَقِيلَ: إنَّ الْحَجَّاجَ خَلَّصَهَا تَخْلِيصًا، لَمْ يستقصها، وكتب عليها " الله أحد الله الصمد" فسميت المكروهة. وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ. فَقَالَ قَوْمٌ: لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ كَرِهُوهَا، لِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَقَدْ يحملها الجنب والمحدث. وقد اختلفت الرواية عن أحمد في حمل المحدث لها. فقال في رواية المروزي " لا يمس الدراهم إلا طاهرا، كما لو كان مكتوبا في ورقة". وقال في رواية أبي طالب وابن منصور " يجوز، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، والبلوى تعم فعفي عنه".
[ ١٨٠ ]
وقال آخرون: لأن الأعاجم كرهوا نقصها، فسميت مكروهة.
ثم تولى بَعْدَ الْحَجَّاجِ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَضَرَبَهَا أَجْوَدَ مِمَّا كانت. ثم تولى بَعْدَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ فَشَدَّدَ فِي تَجْوِيدِهَا. وَضَرَبَ بَعْدَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، فأفرط في التشديد فيها والتجويد، وكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية. وكان المنصور لا يأخذ في الخراج من الدراهم غيرها. وحكي يحيى بن النعمان عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ مصعب بن الزبير عن أمر عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ سَنَةَ سَبْعِينَ، عَلَى ضرب الأكاسرة، وعليها " بركة" من جانب و"الله" من جانب. ثم غيرها بَعْدَ سَنَةٍ وَكَتَبَ عَلَيْهَا " بِسْمِ اللَّهِ" فِي جانب و" الحجاج " في جانب وقد قال أحمد في رواية محمد بن عبد الله المنادي " ليس لأهل الإسلام أن يضربوا إلا جيدا". وذاك أنه كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يتعاملون بدراهم العجم، فكان إذا زافت عليهم أتوا بها السوق. فقالوا: من يبيعنا بهذه. وذاك أنه لم يضرب النبي - ﷺ - ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا معاوية. وَإِذَا خَلَصَ الْعَيْنُ وَالْوَرِقُ مِنْ غِشٍّ كَانَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ فِي النُّقُودِ الْمُسْتَحَقَّةِ. وَالْمَطْبُوعِ مِنْهَا بالسكة السلطانية الموثوق بسلامة طبعها، المأمون من تبديلها وتلبيسها هي المستحقة، دُونَ نِقَارِ الْفِضَّةِ وَسَبَائِكِ الذَّهَبِ، لِأَنَّهُ لَا يوثق بهما إلا بالسبك وَالتَّصْفِيَةِ. وَالْمَطْبُوعُ مَوْثُوقٌ بِهِ. وَلِذَلِكَ كَانَ هُوَ الثَّابِتَ فِي الذِّمَمِ فِيمَا يُطْلَقُ مِنْ أَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ. وَلَوْ كَانَتْ الْمَطْبُوعَاتُ مُخْتَلِفَةَ القيم مَعَ اتِّفَاقِهَا فِي الْجَوْدَةِ فَطَالَبَ عَامِلُ الْخَرَاجِ بأعلاها قيمة نظر، فإن كانت من ضرب سلطان الوقت أجيب إليها، لِأَنَّ فِي الْعُدُولِ عَنْ ضَرْبِهِ مُبَايَنَةً لَهُ في الطاعة. وإن كانت من ضرب غيره نظر، فإن كانت هي المأخوذة في خراج من تقدمه. أجيب إليها استصحابا لما تقدم. وإن لم تكن مأخوذه فيما كانت المطالبة بها عبثا وحيفا.
وقد قال أحمد، في رواية جعفر بن محمد " لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان، لأن الناس إن رخص لهم ركبوا العظائم". فقد منع من الضرب بغير إذن سلطان لما فيه من الافتيات عليه.
[ ١٨١ ]
فأما مكسور الدراهم والدنانير فلا يلزم أخذه في الخراج؛ لالباسه، وَجَوَازِ اخْتِلَاطِهِ، وَلِذَلِكَ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا عَنْ الْمَضْرُوبِ الصحيح. وقد قال أحمد، في رواية ابن منصور - وذكر له قول سفيان: إذا شهد رجل على رجل بألف درهم، أو مائة دينار فله دراهم ذلك البلد ودنانير ذلك البلد - قال أحمد " جيد": فقد اعتبر نقد البلد ولم يتعرض لذكر الصحاح. وقد كره أحمد كسره على الإطلاق، لحاجة ولغير حاجة. فقال في رواية جعفر بن محمد - وقد سئل عن كسر الدراهم - فقال " هو عندي من الفساد في الأرض". وقال في رواية المروزي - وقد سئل عن كسر الدراهم الرديئة - فكرهه كراهة شديدة. وقد قال في رواية حرب - وقد سئل عن كسر الدراهم - فكرهه كراهة شديدة. وقال في رواية أبي داود - وقد سئل عن رجل رأي سائلا ومعه درهم صحيح، فأراد أن يعطيه قطعة، هل يكسر منه؟ - فقال " لا، كسر الدراهم وقطعها مكروه". وسئل عن كسر المكسرة من الدراهم، فكرهه وقال " يزيدها كسرا". وقال في رواية بكر بن محمد - وقد سأله عن الرجل يقطع الدراهم والدنانير يصوغ منها - قال " لا تفعل، في هذا ضرر على الناس، ولكن يشتري تبرا مكسورا بالفضة".
[ ١٨٢ ]
فقد أطلق القول في رواية جعفر بن محمد والمروزي وحرب بالمنع. وصرح به في رواية أبي داود وبكر بالمنع مع الحاجة، وهو الصدقة والصياغة. وقد صرح في رواية أبي طالب أنها كراهة تنزيه. فقال: سألت أحمد عن الدراهم تقطع، فقال " لا نهي النبي - ﷺ - عن كسر سكة المسلمين " قيل له: فمن كسره عليه شيء؟ قال " لا، ولكن قد فعل ما نهى عنه النبي - ﷺ - ". وقوله " لا شيء عليه " معناه: لا مأثم عليه.
والوجه في كراهة ذلك قوله تَعَالَى (١١: ٨٧ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نشاء) روي عن محمد بن كعب القرظي قال " عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم. فقالوا: يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ؟ " وقال زيد بن أسلم " أو أ، نفعل في أموالنا نا نشاء. قال: كان مما نهاهم الله عنه حذف الدراهم، أو قطع الدراهم". وما روي المروزي بإسناده عن علقمة بن عبد الله عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس ". قال أحمد في رواية المروزي، وحرب " البأس إذا كانت رديئة". واحتج بأن ابن مسعود كان يكسر الزيوف وهو على بيت المال. وَالسِّكَّةُ: هِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُطْبَعُ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمُ، فلذلك سميت الدراهم المضروبة سكة، وقد كان ينكره ولاة بني أمية حتى أسرفوا. فَحُكِيَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَخَذَ رَجُلًا قَطَعَ دِرْهَمًا مِنْ دَرَاهِمِ فَارِسٍ فَقَطَعَ يَدَهُ. وقال أحمد، في رواية أبي طالب " إنما كانت دراهمهم المثاقيل، هذه الدراهم البغلية الكبار، وكان يقطع الرجل من حوله وينفقه بالوافي فلذلك قطعه". وروى ابن منصور أنه قال لأحمد: إن ابن الزبير قدم مكة فوجد بها رجلا يقرض الدراهم، فقطع يده، فقال " كانت الدراهم تؤخذ برؤوسها بغير وزن فعده سارقا، وقال: هذا إفراط في التعزير". وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ " أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ كَانَ على المدينة فعاقب من قطع الدراهم ثلاثين سوطا".
[ ١٨٣ ]
وهذا محمول على أنه دس المقطوعة مع الثقال فيكون تدليسا، فيكون أبان مصيبا في هذا القدر من التعزير، ولأن هذا إدخال النقص على المال فهو سفه إذا كان لغير حاجة، وقد تكلم قوم على الخبر في النهي عن كسرها، فَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ - قَاضِي البصرة - يحمله على النهي عن كسره لتعود تبرا لتكون على حالها مرصدة للنفقة، وحمل آخرون النهي على كسرها لتتخذ منها أواني وزخزف.
وحمل آخرون النهي على من أخذ أطرافها قرضا بالمقاريض؛ لأن كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا، فصار أخذ أطرافها بخسا وتطفيفا. فأما الْكَيْلُ فَإِنْ كَانَ مُقَاسَمَةً، فَبِأَيِّ قَفِيزٍ كِيلَ تعدلت فيه القسمة. وقد اختلف كلام الإمام أحمد في المقاسمة. فقال في رواية العباس بن محمد بن موسى الخلال: فيمن كانت في يده أرض من أرض السواد: هل يأكل مما أخرجت من زرع أو تمر، إذا كان الإمام يأخذهم بالخراج مساحة أو صيرها في أيديهم مقاسمة على النصف أو الربع؟ فقال: " يأكل، إلا أن يخاف السلطان. وظاهر هذا: أنه قد أجاز المقاسمة في الخراج. وقال في رواية الحمال " السواد كله أرض خراج". وذكر المقاسمة فقال " المقاسمة لم تكن، إنما هو شيء أحدث". وظاهر هذا أنه لم ير ذلك، إلا أنه لم يصرح بالمنع، لكه أخبر أنه لم يكن في وقت عمر. وإن كان خراجا مقدرا بالقفيز الذي كان في وقت عمر، فَقَدْ حَكَى الْقَاسِمُ: أَنَّ الْقَفِيزَ الَّذِي وَضَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عَلَى أَرْضِ السَّوَادِ فَأَمْضَاهُ عمر بن الخطاب كان مكيلا لهم يعرف بالشابرقان، قيل وزنه ثمانية أرطال. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية بكر بن محمد عن أبيه - وقد سأل عن القفيز - فقال: ينبغي أن يكون قفيزا صغيرا " وقال: " قفيز الحجاج صاع عمر ينبغي أن يكون ثمانية أرطال".
[ ١٨٤ ]
فَإِنْ اُسْتُؤْنِفَ وَضْعُ الْخَرَاجِ كَيْلًا مُقَدَّرًا عَلَى نَاحِيَةٍ مُبْتَدَأَةٍ، رُوعِيَ فِيهِ مِنْ الْمَكَايِيلِ مَا اسْتَقَرَّ مَعَ أَهْلِهَا مِنْ مَشْهُورِ الْقُفْزَانِ بِتِلْكَ الناحية. وَكَانَ السَّوَادُ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْفُرْسِ جَارِيًا على المقاسمة إلى أن وضع الخراج عليه قباذ ابن فيروز. فارتفع مائة وخمسين ألف ألف درهم بوزن المثقال. وكان الْفُرْسُ عَلَى هَذَا فِي بَقِيَّةِ أَيَّامِهِمْ. وَجَاءَ الإسلام فأقره عمر على المساحة والخراج، فبلغ خراجه في أيام مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وجباه زياد مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف. وَجَبَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مِائَةَ أَلْفِ ألف وخمسة وثلاثين ألف ألف. وجباه الحجاج ثمانية عشر ألف ألف، بغشمة وإخراجه.
وجباه عمر بن عبد العزيز مائة وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ بِعَدْلِهِ وَعِمَارَتِهِ. وَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يَجْبِيهِ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ، سِوَى طَعَامِ الجند وأرزاق الفعلة. وكان يوسف بن عمر يحمل مِنْهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ سِتِّينَ أَلْفَ ألف إل سبعين ألف ألف، يحتسب بِعَطَاءِ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ سِتَّةَ عشر ألف ألف. ونفقة البريد أربعة آلاف ألف. وفي الطراز ألفي ألف، وفي بيوت الأحداث والعوانق عشرة آلاف ألف. وقال عبد الرحمن بن جعفر بن سليم: ارتفاع هذا الإقليم الحقير أَلْفَ أَلْفِ أَلْفٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَمَا نَقَصَ مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ زَادَ فِي مَالِ الرَّعِيَّةِ. وَلَمْ يَزَلْ السَّوَادُ عَلَى الْمِسَاحَةِ وَالْخَرَاجِ إلَى أن عدل بهم المنصور في الدولة العباسية عن الخراج إلى القسمة، لأن السعر رخص فلم تقف الغلات بخراجها. وضرب السواد فجعله مقاسمة. وأشار أبو عبيد عَلِيُّ الْمَهْدِيِّ أَنْ يَجْعَلَ أَرْضَ الْخَرَاجِ مُقَاسَمَةً بِالنِّصْفِ إنْ سَقَى سَيْحًا، وَفِي الدَّوَالِي عَلَى الثلث، وفي الداليب عَلَى الرُّبْعِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ سِوَاهُ، وَأَنْ يَعْمَلَ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالشَّجَرِ مِسَاحَةَ خَرَاجٍ، يقرر بحسب قربه من الأسواق، والفرض وإذا بلغ حاصل الغلة ما بقي بخراجين ألزم خَرَاجًا كَامِلًا، وَإِذَا نَقَصَ تَرَكَ.
[ ١٨٥ ]
فَهَذَا مَا جَرَى فِي أَرْضِ السَّوَادِ. وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ الْحُكْمُ: أَنَّ خَرَاجَهَا هُوَ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهَا أولا، وتغييره إلى المقاسمة إذا كان سبب حادث اقتضاه اجتهاد الأئمة أمضي مع بقاء سببه. وأعيد إلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ عِنْدَ زَوَالِ سَبَبِهِ، إذْ ليس للإمام أن ينقض اجتهاده من تقدمه. فأما تضمين العمال لأموال الخراج والعشر فَبَاطِلٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الشَّرْعِ حُكْمٌ، لأن العامل مؤتمن ليستوفي مَا وَجَبَ وَيُؤَدِّي مَا حَصَلَ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ الَّذِي إذَا أَدَّى الْأَمَانَةَ لَمْ يَضْمَنْ نُقْصَانًا ولم يملك زيادة، وضمان الأموال بمقدار معلوم يقتضي الاقتصاد عَلَيْهِ فِي تَمَلُّكِ مَا زَادَ، وَغُرْمِ مَا نقص وهذا مناف لموضوع العمالة وحكم الأمانة فبطل. وقد نبه أحمد ﵀ على معنى هذا في رواية أبي طالب: في الذي يتقبل الآجام لا يدري ما فيها، والطسوج يتقبله لا يدري ما فيه من الطعام فهو أشر ما يكون.
وكذلك قال في رواية حرب - وقد سئل عن تفسير حديث ابن عمر " القبالات ربا". قال: هو أن يتقبل بالقربة وفيها العلوج والنخل. ولفظ الحديث رواه سفيان عن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن ابن عمر " القبالة ربا " فسماه ربا. ومعناه: حكمه حكم الربا في البطلان وفساد العقد. وعن ابن عباس قال " إياكم والربا. وإياكم أيجعل الغل الذي جعل الله في أعناقهم في أعناقكم. ألا وهي القبالات، وهي الذل والصغار".
[ ١٨٦ ]
وقد وصى عمر بن الخطاب - ﵁ - العمال بالرفق والعدل. فروى أبو بكر بإسناده عن القاسم أن عمر بن الخطاب كان إذا بعث عماله قال " إنما أبعثكم أئمة، لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحرموهم فتظلموهم. وأدروا اللقحة للمسلمين يعني عطاياهم". وبإسناده عن إبراهيم " أن عمر بن الخطاب كان إذا بلغه عن عامله أنه لا يعود المريض، ولا يدخل عليه الضعيف عزله". وبإسناده عن أبي مجلز لا حق بن حميد " أن عمر بن الخطاب بعث عمار بن ياسر أميرا على الكوفة على جيوشهم وعلى صلاتهم، وبعث عبد الله بن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وبعث عثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وجعل لهم كل يوم شاة شطرها وسواقطها لعمار بن ياسروبقيتها لعبد الله بن مسعود، وعثمان ين حنيف، ثم قال عمر: ما أرى قرية يخرج منها كل يوم شاة لعمالها إلا سريعا خرابها".