وهذه الولاية ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى تَسْيِيرِ الْحَجِيجِ. وَالثَّانِي: عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ. فَأَمَّا تَسْيِيرُ الْحَجِيجِ فهو ولاية سياسية، وزعامة تدبير. وَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمُوَلَّى أَنْ يَكُونَ مُطَاعًا، ذَا رَأْيٍ، وَشَجَاعَةٍ وَهَيْبَةٍ وَهِدَايَةٍ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ من حُقُوقِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ:
[ ١٠٨ ]
أَحَدُهَا: جَمْعُ النَّاسِ فِي مَسِيرِهِمْ وَنُزُولِهِمْ حَتَّى لا يتفرقوا، فيخاف عليهم النَّوَى وَالتَّغْرِيرَ. وَالثَّانِي: تَرْتِيبُهُمْ فِي الْمَسِيرِ وَالنُّزُولِ، بِإِعْطَاءِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ مُقَادًا حَتَّى يَعْرِفَ كل قوم مِنْهُمْ مُقَادَهُ إذَا سَارَ، وَيَأْلَفَ مَكَانَهُ إذَا نَزَلَ، فَلَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ وَلَا يَضِلُّونَ عَنْهُ. الثالث: أن يرفق بهم في المسير حَتَّى لَا يَعْجِزَ عَنْهُ ضَعِيفُهُمْ، وَلَا يَضِلَّ عنه منقطعهم. رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ- أنه قال " المضعف أميرا لرفقه" يريد مَنْ ضَعُفَتْ دَابَّتُهُ كَانَ عَلَى الْقَوْمِ أَنْ يَسِيرُوا بِسَيْرِهِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَسْلُكَ بِهِمْ أَوْضَحَ الطرق وأخصبها، ويتجنب أوعرها وأجدبها. الخامس: أَنْ يَرْتَادَ لَهُمْ الْمِيَاهَ إذَا انْقَطَعَتْ، وَالْمَرَاعِيَ إذا قلت. السادس: أَنْ يَحْرُسَهُمْ إذَا نَزَلُوا، وَيَحُوطَهُمْ إذَا رَحَلُوا، حتى لا يتخطفهم داغل ولا يطمع فيهم متلصص. السابع: أَنْ يَمْنَعَ عَنْهُمْ مَنْ يَصُدُّهُمْ عَنْ الْمَسِيرِ، وَيَدْفَعَ عَنْهُمْ مَنْ يَحْصُرُهُمْ عَنْ الْحَجِّ بِقِتَالٍ، إن قدر عليه، وببذل مَالٍ إنْ أَجَابَ الْحَجِيجُ إلَيْهِ. وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يُجْبِرَ أَحَدًا عَلَى بَذْلِ الْخَفَارَةِ إنْ امْتَنَعَ مِنْهَا حَتَّى يَكُونَ بَاذِلًا لَهَا عَفْوًا، ومحيبا إلَيْهَا طَوْعًا، فَإِنْ بَذَلَ الْمَالَ عَلَى التَّمْكِينِ من الحج لا يجب.
[ ١٠٩ ]
الثامن: أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَيُتَوَسَّطَ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ، وَلَا يَتَعَرَّضَ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إجْبَارًا، إلَّا أَنْ يفوض إليه الحكم، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ. فَيَجُوزُ له حينئذ أن يحكم بَيْنَهُمْ، فَإِنْ دَخَلُوا بَلَدًا فِيهِ حَاكِمٌ جَازَ له ولحاكم البلد أن يحك بَيْنَهُمْ، فَأَيُّهُمَا حَكَمَ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَلَوْ كَانَ التنازع بين أحد الحجيج وأهل البلد لم يحكم بينهما إلا حاكم البلد. التاسع: أن يقوم زائغهم، ويؤدب جانبهم، ولا يتجاوز التعزير إلى حد، إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِيهِ فَيَسْتَوْفِيَهُ إذَا كان من أهل الاجتهاد، فَإِنْ دَخَلَ بَلَدًا فِيهِ مَنْ يَتَوَلَّى إقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَى أَهْلِهِ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ مَا أَتَاهُ الْمَحْدُودُ قَبْلَ دُخُولِ الْبَلَدِ، فَوَالِي الْحَجِيجِ أَوْلَى بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ مِنْ وَالِي الْبَلَدِ، وَإِنْ كَانَ مَا أَتَاهُ الْمَحْدُودُ فِي الْبَلَدِ، فَوَالِي الْبَلَدِ أَوْلَى بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ مِنْ والي الحجيج. العاشر: أَنْ يُرَاعِيَ اتِّسَاعَ الْوَقْتِ حَتَّى يُؤْمَنَ الْفَوَاتَ، وَلَا يُلْجِئَهُمْ ضِيقُهُ إلَى الْحَثِّ فِي السَّيْرِ. فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْمِيقَاتِ أَمْهَلَهُمْ لِلْإِحْرَامِ وَإِقَامَةِ سُنَنِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا عَدَلَ بِهِمْ إلَى مَكَّةَ لِيَخْرُجُوا مَعَ أَهْلِهَا إلَى الْمَوَاقِفِ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا عَدَلَ بِهِمْ عَنْ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِهَا فَيَفُوتَ الْحَجُّ بِهَا، فَإِنَّ زَمَانَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى طلوع الفجر مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَمَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَإِنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النحر فقد فاته الحج ويتحلل بعمرة. وقيل: يصير إحرامه بالفوات عمرة، جبرة بدم، وقضاة في العالم المقبل إن أمكن، وفيما بعد إن تعذر عليه.
[ ١١٠ ]
وإذا وصل الْحَجِيجَ إلَى مَكَّةَ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى العود منهم فقد زال عنه ولاية الوالي على الحجيج فلم يكن له عليه يد، ومن كان منه عَلَى الْعَوْدِ فَهُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، وَمُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ طاعته. وإذا قَضَى النَّاسُ حَجَّهُمْ أَمْهَلَهُمْ الْأَيَّامَ الَّتِي جَرَتْ بِهَا الْعَادَةُ فِي إنْجَازِ عَلَائِقِهِمْ، وَلَا يُرْهِقُهُمْ فِي الْخُرُوجِ، فَيَضُرَّ بِهِمْ.
فَإِذَا عَادَ بِهِمْ سار على طَرِيقَ الْمَدِينَةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ-، رِعَايَةً لِحُرْمَتِهِ، وَقِيَامًا بِحُقُوقِ طاعته. وإن لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ فَهُوَ من مندوبات الشرع المستحبة، وعادات الحجيج المستحسنة. روى عمر أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ- قَالَ " من زار قبري وجبت له شفاعتي". ثم يكون في عوده بهم ملتزم فيهم من الحقوق ما التزمه في صدري حتى يصل بهم البلد فتنقطع ولايته عنهم بالعود إليه. وإن كان الْوِلَايَةُ عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ فَهُوَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الإمام في إقامة الصلاة.
[ ١١١ ]
فمن شروط الولاية عليها، مع شروط الْمُعْتَبَرَةِ فِي أَئِمَّةِ الصَّلَوَاتِ. أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَأَحْكَامِهِ، عَارِفًا بِمَوَاقِيتِهِ وَأَيَّامِهِ. وَتَكُونُ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ مُقَدَّرَةً بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ. أَوَّلُهَا: مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ ذِي الحجة. وآخرها: يوم النفر الثاني: وهو الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا أَحَدُ الرَّعَايَا، وَلَيْسَ مِنْ الْوُلَاةِ. فإذا كَانَ مُطْلَقَ الْوِلَايَةِ عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ، فَلَهُ إقَامَتُهُ فِي كُلِّ عَامٍ، مَا لَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ. وَإِنْ عُقِدَتْ لَهُ خَاصَّةً عَلَى عَامٍ لم يتعداه إلَى غَيْرِهِ إلَّا عَنْ وِلَايَةٍ. وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بولايته ويكون نظره نظره عليه مقصورا خَمْسَةُ أَحْكَامٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، وَسَادِسٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. أَحَدُهَا: إشْعَارُ النَّاسِ بِوَقْتِ إحْرَامِهِمْ، وَالْخُرُوجُ إلَى مشاعرهم ليكونوا له متبعين، وبأفعاله مقتدين. الثاني: ترتيبه لِلْمَنَاسِكِ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ فِيهَا فَلَا يُقَدِّمُ مُؤَخَّرًا وَلَا يُؤَخِّرُ مُقَدَّمًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّرْتِيبُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مُسْتَحَبًّا. الثالث: تقدر المواقيت بمقامه فيها، ومسيره عنها كما تتقدم صلاة المأمومين بصلاة الإمام. الرابع: اتباعه على الأذكار الْمَشْرُوعَةِ فِيهَا، وَالتَّأْمِينُ عَلَى أَدْعِيَتِهِ بِهَا لِيَتَّبِعُوهُ فِي الْقَوْلِ كَمَا اتَّبَعُوهُ فِي الْعَمَلِ، وَلِيَكُونَ اجتماع أدعيتهم أفتح لأبواب الإجابة. الخامس: إمامتهم في الصلوات التي شرعت خطب الحج فيها ويجتمع الحجيج عليها وهي خطبتان: يوم عرفة، ويوم النفر الأول، على ما نشرحه.
ويستحب له في اليوم الثامن: أن يخرج من مكة فينزل بمنى، بخيف بني كِنَانَةَ حَيْثُ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- ويبيت بها، ويسير بهم من عنده، - وهو اليوم التاسع - مع طلوع الشمس إلى يوم عَرَفَةَ عَلَى طَرِيقِ ضَبٍّ، وَيَعُودُ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ-، وليكون عائدا في غير طريق التي صدر منها. فَإِذَا أَشْرَفَ عَلَى عَرَفَةَ نَزَلَ بِبَطْنِ عَرَفَةَ وأقام بها حتى نزول الشمس، ثم سار منها إلى مسجد إبراهيم ﵇ بوادي عرفة، فخظب الخطبة الأولة من خطب الحج قبل الصلاة الجمعة وجميع الْخُطَبِ مَشْرُوعَةٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ إلَّا خُطْبَتَيْنِ: خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ، وَخُطْبَةُ عَرَفَةَ، فَإِذَا خَطَبَهَا ذَكَّرَ النَّاسَ فِيهَا مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ، وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِمْ بَعْدَ الْخُطْبَةِ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، جَامِعًا بينهما في وقت الظهر، ويقصرها الْمُسَافِرُونَ، وَيُتِمُّهَا الْمُقِيمُونَ.
[ ١١٢ ]
اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- فِي جَمْعِهِ وَقَصْرِهِ، ثُمَّ يَسِيرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ منها إلى عرفة. وهي الموقف المفروض. وحد عرفة ما جاوز وادي عرنة الَّذِي فِيهِ الْمَسْجِدُ. وَلَيْسَ الْمَسْجِدُ وَلَا وَادِي عرنة مِنْ عَرَفَةَ إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ عَلَى عَرَفَةَ كلها. فيقف منها عند الأجبل الثلاثة: النبعه، والنبيعة، والنابت. فقد وقف النبي - ﷺ- عند النابت وجعل بطن ناقته إلَى الْمِحْرَابِ، فَهَذَا أَحَبُّ الْمَوَاقِفِ أَنْ يَقِفَ فيه الإمام. وأين وَقَفَ مِنْ عَرَفَةَ وَالنَّاسُ أَجْزَأَهُمْ. وَوُقُوفُهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ النَّاسُ أَوْلَى. ثُمَّ يَسِيرُ بعد غروب الشمس إلى مزدلفة، فيؤخر صَلَاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ الآخرة بمزدلفة، ويؤم الناس فيها، ويبيت بمزدلفة وحدها من حيث يفضي مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ، وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ مِنْهَا إلَى أَنْ يَأْتِيَ إلَى قَرْنِ مُحَسِّرٍ، وَلَيْسَ الْقَرْنُ منها، ويلتقط والناس منها حصى الجمار لعدد الأيام، مثل حصى الحذف، وَيَسِيرُ مِنْهَا بَعْدَ الْفَجْرِ. وَلَوْ سَارَ قَبْلَهُ وَبَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَجْزَأَ، وَلَيْسَ الْمَبِيتُ بِهَا ركن، ويجبر بدم إن تركه.
ثم يتوجه إذا سار منها إلى المشعر الحرام، فيقف فيه بِقُزَحَ دَاعِيًا، وَلَيْسَ الْوُقُوفُ بِهِ فَرْضًا. ثُمَّ يَسِيرُ إلَى مِنًى، فَيَبْدَأُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قبل الزوال بسبع حصيات، ثم ينحر هو ومن ساق هَدْيًا مِنْ الْحَجِيجِ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، يَفْعَلُ مِنْهُمَا مَا شَاءَ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ. ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلَى مَكَّةَ، فَيَطُوفُ بِهَا طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَيَسْعَى بَعْدَ طَوَافِهِ إنْ لَمْ يَسْعَ قَبْلَ عرفة، ويجزيه سعيه قبل عرفة، ولا يجزيه طَوَافُهُ قَبْلَهَا. ثُمَّ يَعُودُ إلَى مِنًى، فَيُصَلِّي بالناس الظهر، وليس فيه خطبة مسنونة بعد الصلاة، لأن الإمام يعلمهم في خطبة يوم عرفة ما يحتاجون إليه في يوم عرفة ما يبقى عليهم من مناسكهم فلا حاجة به إلى ذلك، ويبيت بمنى ليلة ليرمي من غدها - وهو يوم النفر الْحَادِيَ عَشَرَ - بَعْدَ الزَّوَالِ الْجِمَارَ الثَّلَاثَ، بِإِحْدَى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع، وَيَبِيتُ بِهَا لَيْلَتَهُ الثَّانِيَةَ، وَيَرْمِي مِنْ غَدِهَا - وَهُوَ يَوْمُ النَّفْرِ - الْجِمَارَ الثَّلَاثَ، ثُمَّ يَخْطُبُ بعد صلاة الظهر الخطبة الثانية،
[ ١١٣ ]
وَهِيَ آخِرُ الْخُطَبِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الْحَجِّ. وَيُعْلِمُ الناس أن لهم في الحج نفرين، خيرهم الله تعالى فيهما بقوله (٢: ٢٠٣ - فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، ومن تأخر فلا إثم عليه) وَيُعْلِمُهُمْ أَنَّ مَنْ نَفَرَ مِنْ مِنَى قَبْلَ غروب الشمس فقط سقط عنه المبيت بها ورمى الجمار مِنْ غَدِهِ، وَمَنْ أَقَامَ بِهَا حَتَّى غَرَبَتْ الشمس لزمه المبيت بها والرمي من غده. وليس في اليوم السابع من العشر خطبة، لأنه يوم لم يشرع في نسك من مناسك الحج، فلم يشرع فيه خطبة كليلة اليوم الأخير من أيام التشريق، ولا يلزمه عليه يوم عرفة ويوم النفر الأول لأنه شرع فيه النسك. ولا في يوم النحر خطبة، لأن الإمام يعلمهم في خطبة يوم عرفة ما يحتاجون إليه في الغد وهو النفر الثاني، لم يحتج إلى إعادة الخطبة فيه. وليس لهذا الإمام يحكم وِلَايَتِهِ أَنْ يَنْفِرَ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ، وَيُقِيمَ بمنى لِيَبِيتَ بِهَا، وَيَنْفِرُ فِي النَّفْرِ الثَّانِي مِنْ غده من يوم الحلاق، وهو الثَّالِثَ عَشَرَ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ، لِأَنَّهُ متبوع، فلا يَنْفِرْ إلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الْمَنَاسِكِ.
فَإِذَا اسْتَقَرَّ حكم النفر الثاني انقضت ولايته وأدى مَا لَزِمَهُ. فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِوِلَايَتِهِ. فأما السَّادِسُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: إنْ فعل أحد الحجيج ما يقتضي تعزيره أو يوجب حدا، فينظر، فإن كان مما لا تعلق له بِالْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُهُ وَلَا حَدُّهُ، وإن كان مما يتعلق بالحج مثل أن فله تعزيره زجرا وتأديبا، وأما الحد فليس له إقامته، لأنه خارج عن أفعال الحج، وقد قيل له ذلك لأنه من أحكام الحج. الثاني: أنه لا يجوز له أن يحكم بين الحجيج فيما يتنازعونه من غير أحكام الحج، فأما حكمه بينهم فيما يتنازعونه مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ، كَالزَّوْجَيْنِ إذَا تَنَازَعَا فِي إيجاب الكفارة للوطء ومؤنة القضاء، فعلى ما ذكرنا من الاحتمال الثالث أن يأتي أحد الحجيج بما يوجب الفدية فله أن يخبره بموجبها ويأمره بإخراجها، وهل يستحق إلزامه له ويصير خصما له في المطالبة؟ عل ما ذكرنا من الاحتمال في إقامة الحد. ويجوز لوالي الحجيج أَنْ يُفْتِيَ مَنْ اسْتَفْتَاهُ إذَا كَانَ فَقِيهًا وإن لم يجز له أَنْ يَحْكُمَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ما يسوغ فعله، إلا ما يخاف أن يجعله الجاهل قدرة فيه، فقد أنكر عمر على طلحة لُبْسَ الْمُضَرَّجِ فِي الْحَجِّ، وَقَالَ " أَخَافُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِكَ الْجَاهِلُ". وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ فِي الْمَنَاسِكِ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَلَوْ أَقَامَ للناس الحج - وهو حلال غَيْرُ مُحْرِمٍ - كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَصَحَّ الْحَجُّ معه بِخِلَافِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فِيهَا وَهُوَ غَيْرُ مُصَلٍّ لَهَا.
[ ١١٤ ]
وَلَوْ قَصَدَ النَّاسُ فِي الْحَجِّ التَّقَدُّمَ عَلَى إمامتهم فيه أو التأخر فيه جَازَ وَإِنْ كَانَتْ مُخَالَفَةُ الْمَتْبُوعِ مَكْرُوهَةً، وَلَوْ قصدوا مخالفته في الصلاة فسدت عليهم، لِارْتِبَاطِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَانْفِصَالِ حَجِّ الناس عن حج الإمام.