وبلاد الإسلام تنقسم ثلاثة أقسام: حرم، وحجاز، وما عداهما. فأما مكة فقد ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِاسْمَيْنِ فِي كِتَابِهِ " مَكَّةَ، وبكة ". فقال تعال (٣: ٩٦ إن أول بيت وضع الناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين". وقال تعالى (٤٨: ٢٤ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وكان الله بما تعملون بصيرا) . وقد اختلف الرواية عن أحمد في دخول النبي - ﷺ - مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ هل دخلها عنوة أو صلحا؟ على الروايتين.
إحداهما: أنه دخلها، ولم يغنم بها مالا، ولم يسب فيها ذرية، لأن الأمان حصل من النبي - ﷺ - قبل تقضي الحرب، لأنه روي في الخبر " أن قائلا قال: لا قريش بعد اليوم". فقال النبي - ﷺ - " الأحمر والأسود آمن" فالحال لم يتصرم حتى حصل الأمان. وقال في رواية الميموني - وقد سئل عن مكة، هل فتحت صلحا؟ فالتفت إليّ وقال " أليس إنما أخذت بالسيف؟ ". وقال في رواية أبي داود - وقد سئل عن مكة: عنوة هي؟ قال " قد أقرت البلاد
[ ١٨٧ ]
في أيديهم، قيل له: بصلح؟ قال: ولكن أقرها رسول الله - ﷺ - في أيدي أهلها بقوله " من دخل داره فهو آمن". وقال في رواية حنبل " مكة إنما كره إجارة بيوتها لأنها عنوة، دخلها النبي - ﷺ - بالسيف، فكره من كره ذلك من أجل العنوة، فلما كانت عنوة كان المسلمون فيها شرعا واحدا، وقال عمر: لا تمنعوا نازلا بليل أو نهار، لأنه لم يجعل لهم ملكا دون الناس". وفيه رواية أخرى: دخلها صلحا عقده مع أبي سفيان، وكان المشروط فيه " أن من أغلق بابه فهو آمن، وَمَنْ تَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ إلَّا ستة نفر استثنى قتلهم " وَلِأَجْلِ عَقْدِ الصُّلْحِ لَمْ يَغْنَمْ وَلَمْ يَسْبِ". قال في رواية حرب بن إسماعيل " أرض العشر: الرجل يسلم نفسه من غير قتال، وفي يده الأرض فهي عشر، مثل المدينة ومكة". وقال في رواية سعيد بن محمد الرفا - وقد سئل عن مكة قال " دخلت صلحا " واستدل بقوله - ﷺ - " وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ ". وقال في رواية أبي طالب " إذا كانت أرض حرة: مثل مكة وخراسان، فإنما عليهم الصدقة، لأنهم يملكون رقبتها". قال أبو إسحاق: المسألة على روايتين.
[ ١٨٨ ]
قال أبو بكر الخلال، في كتاب الأموال " مكة افتتحت بالسيف وأقرهم رسول الله - ﷺ - بعد أن فتحها بالسيف في منازلهم ".
فأما بيع دور مكة وإجارتها فذلك مبني على الروايتين، إن قلنا إنها فتحت عنوة لم يجز بيعها ولا إجارتها".
[ ١٨٩ ]
قال في رواية صالح - وقد سأله: ما تري في شراء المنازل بمكة؟ قال " لا يعجبني، فيه نهي كثير، وبعض الناس يتأول (سواء العاكف فيه والباد) ". وقال في رواية أبي طالب " لا تكرى بيوت مكة إلا أن يعطى لحفظ متاعه، فقيل: أليس اشترى عمر دارا للسجن؟ قال: اشتراها للمسلمين يحبس فيه الفساق، فقيل له: فإن سكن الرجل لا يعطيهم كراء؟ قال: لا يخرج حتى يعطيهم، أنا أكره كراء الحجام ولكن أعطيه أجرته، ولا ينبغي لهم أن يأخذوه". وقال في موضع آخر، من مسائل أبي طالب - وقد سأله عن كراء دور مكة؟ فقال " إنما كره في الأفنية والدور الكبار". ففي أول كلامه المنع من إجارتها للسكنى على الإطلاق، وأجاز إعطاء الكراء لحفظ المتاع، لأن الأجرة تحصل في مقابلة الحفظ ثم قال " فإن سكن أعطاهم ولا ينبغي لهم الأخذ " لأنه يعتقد أنه لا يجوز كراؤها، وقوله في آخر كلامه " إنما كره ذلك في الأفنية والدور والكبار". لا يقتضي أنه لا يكره ساكنوها بالسكنى فيها لحاجتهم إليها فلا يكرونها، وإنما يكرون الكبار، فصرف الكلام إلى ذلك لهذا المعنى. وقال في رواية جعفر بن محمد " شراء دورها مكروه، ويحتجون بأن عمر اشترى دار السجن، وفيه مرفق للمسلمين". وقال في رواية ابن منصور - وقد سأله، هل تكره أجور بيوت مكة وشراؤها والبناء بمنى-؟ فقال " أبوا الكراء، وأما الشراء فقد اشترى عمر دارا للسجن، وأما البناء فأكرهه". فظاهر هذا أنه كره الكراء وأجاز الشراء، وليس هذا على ظاهره، لأنه قد قال في رواية ابنه صالح - وقد سأله: ما ترى في شراء المنازل بمكة، فقال " لا يعجبني". وكذلك قال في رواية جعفر بن محمد " شراء دورها وبيعها مكروه". فسوى بين الشراءة والبيع في المنع. وقوله في رواية ابن منصور " أما الشراء فقد اشترى عمر " معناه: دارا للسجن.
وقد بين ذلك في رواية أبي طالب، وقال " اشتراه للمسلمين " ولم يرد بذلك جواز شرائها على الإطلاق. ويحتمل أن يكون عمر اشترى بنيان دار للسجن فسمى ذلك دارا، كما يقال فلان باع داره إذا باع الإطلاق. وقال في موضع آخر من مسائل ابن منصور: في الرجل يسكن مكة بأجرة " إن قدر أن لا يعطيهم فليفعل " لأن عنده أنه لا يجوز إجارتها. وقوله " فإن أعطاهم لم يأثم" لأنه مختلف في جوازه. وقال في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث " لايعجبني أجور بيوت مكة " وذكر له عن سفيان أنه كان يكتري ويخرج ولا يعطيهم، فأنكر ذلك وقال " سبحان الله، كيف يجئ هذا؟ "
[ ١٩٠ ]
وإنما أنكر هذا من فعل سفيان لأنه إذا اكترى فقد عقد عقدا مختلفا في صحته، فكره مخالفته لأجل اختلاف الناس، لأنه يقع الخبر بخلاف مخبره، لأنه بالعقد ملتزم. وإذا ثبت أنه لا يجوز بيعها ولا إجارتها، فمن سبق إلى شيء منها بقدر حاجته ليست لهم، والنبي - ﷺ - يقول يوم فتح مكة " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " ومن أغلق بابه فهو آمن " فكيف سماها داره، ودورهم، وليست لهم؟ وعمر اشترى من صفوان دارا للسجن كيف لا تكون لهم؟ ثم قال: يدخل على الرجل في منزله ومعه حرمته؟ ". وقال أيضا في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث " أما ما يقول بعض الناس ينزلون معهم، فإنما يكون هذا إذا كان عنده فضل كثير، وكانت دارا عظيمة فيها دور، مثل دار صفوان ابن أمية وما أشبهها، فأما رجل له منزل فيه حرمته فلا ينبغي لأحد أن ينزل عليه وهو كاره". واستعظم ذلك ممن قاله. فأما ما طاف بمكة من نصب حرمها فحكمه في تحريم البيع والإجارة حكمها. قال في رواية مثنى الأنباري وقد سأله: هل يشتري من المضارب - يعني التي بمنى؟ - قال " لا يعجبني أن يشتري ولا يباع، وكذلك الحرم كله". فقد بين أن جميع الحرم حكمه حكم مكة.
وقال في رواية أبي طالب " لم يكن لهم أن يتخذوا بمنى شيئا، فإذا اتخذوا فلا يدخله أحد إلا بإذنه، قد كان سفيان اتخذ بها حائطا وبنى فيه بيتين، وربما قال لأصحاب الحديث بقوها فلا يدخل رجل مضرب رجل إلا بإذنه". وظاهر هذا: أنه قد أجاز البناء بمنى على وجه ينفرد به. وقال في رواية ابن منصور " أما البناء بمنى فإني أكرهه". فظاهر هذا: المنع. فهذا كله إذا قلنا إنها فتحت عنوة. فأما إذا قلنا إنها فتحت عنوة صلحا فإنه يجوز بيعها وإجارتها. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب فيما تقدم " إذا كان أرضا حرة مثل مكة وخراسان فعليهم الصدقة لأنهم يملكون رقبتها". فقد نص على ملك رقبة مكة وشبهها بخراسان، ومعلوم أن أرض خراسان يجوز بيعها. فأما الحرم فهو ما طاف بمكة من جوانبها. وحده من المدينة دون التنعيم، عند بيوت بني غفار، عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ، عَلَى ثَنِيَّةِ جَبَلٍ بِالْمُنْقَطِعِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ، وَمِنْ طريق الجعرانة: في شعب أبي عبد الله
[ ١٩١ ]
ابن خلدون عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَةَ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ، عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ جُدَّةَ، مُنْقَطِعُ الْعَشَائِرِ، عَلَى عَشَرَةِ أميال. فهذا ما جعله الله حراما لِمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ التَّحْرِيمِ، وَبَايَنَ بِحُكْمِهِ سائر البلاد، قال الله تعالى (٢: ١٢٦ وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا أمنا وارزق أهله من الثمرات) يعنى مكة وحرمها. وقد اختلف في مكة وما حولها، هل صارت حراما بسؤال إبراهيم، أو كانت قبله كذلك؟ فمن الناس من قال: لم تزل حرما آمنا من الجبابرة المسلطين، ومن الخسوف والزلازل، وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعله آمِنًا مِنْ الْجَدْبِ وَالْقَحْطِ، وَأَنْ يَرْزُقَ أَهْلَهُ من كل الثمرات. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم، وقد سئل عن قول النبي - ﷺ - " مكة أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ وَلَمْ تَحُلَّ لأحد قبلي " ما وجهه؟ قال: " وجهه أنها كانت حراما ولم تزل". فقد نص على أنها لم تزل حراما.
والوجه فيه ما روى سعيد بن أبي سعيد - يعني المقبري - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: " إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا افتتح مكة قام خطيبا، فقال: يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات وَالْأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، أَوْ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرًا، ألا وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَلَمْ تَحِلَّ لِي إلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا، أَلَا وَهِيَ قَدْ رَجَعَتْ عَلَى حَالِهَا بِالْأَمْسِ، أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَمَنْ قَالَ إنَّ رسول الله - ﷺ - قاتل بها، فقولوا إن الله قد أحلها لرسوله، ولم يحلها لك". ومن الناس من قال: أَنَّ مَكَّةَ كَانَتْ حَلَالًا قَبْلَ دَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ كَسَائِرِ الْبِلَادِ، وَأَنَّهَا صَارَتْ بِدَعْوَتِهِ حَرَمًا آمِنًا، حِينَ حَرَّمَهَا، كَمَا صَارَتْ الْمَدِينَةُ بِتَحْرِيمِ رَسُولِ الله - ﷺ - حرما بعد أن كانت حلالا، لما روى أبو هريرة ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " إن إبراهيم كان عبد الله وخليله، وإني عبد الله ورسوله، وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها: عضاهها وصيدها، لا يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يقطع فيها شجر إلا لعلف بغير". والذي يختص به الحرم م الأحكام التي تباين سائر البلاد خمسة أحكام:
[ ١٩٢ ]
أحدها: أن لَا يَدْخُلُهُ مُحِلٌّ قَدِمَ إلَيْهِ حَتَّى يُحْرِمَ لِدُخُولِهِ إمَّا بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ يَتَحَلَّلُ بِهَا من إحرامه: إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَكْثُرُ الدُّخُولُ إلَيْهَا لِمَنَافِعِ أَهْلِهَا، كَالْحَطَّابِينَ، وَالسَّقَّايِينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْهَا غدوة ويعودون إليها عشاء، فَيَجُوزُ لَهُمْ دُخُولُهَا مُحَلِّينَ، لِدُخُولِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ في الإحرام كلما دخلوا. فَإِنْ دَخَلَ الْقَادِمُ إلَيْهَا حَلَالًا فَقَدْ أَثِمَ ولزمه إحرام على وجه القضاء. فإن أدّى به حجة الإسلام في سنته سقط عنه، وإن أخره إلى السنة الثانية لم يجز عن حجة الإسلام، ولزمه حجة أوعمرة.
قال في رواية حرب: فيمن قدم من بلد بعيد تاجرا فدخل مكة بغير إحرام " يرجع إلى الميقات فيهل بعمرة إن كان في غير أيام الحج، وإن كان في أيام الحج أهل بحجة". والوجه فيه: أنه إذا أراد دخولها لزمه أن يحرم، فإذا لم يحرم فقد ترك إحراما قد لزمه، فعليه أن يأتي به، كما لو قال " لله عليّ إحرام" وتركه يلزمه الإتيان به. فإن قيل: إذَا خَرَجَ لِلْقَضَاءِ كَانَ إحْرَامُهُ الَّذِي يَسْتَأْنِفُهُ مُخْتَصًّا بِدُخُولِهِ الثَّانِي، فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ قضاء عن دخوله الأول، فيتعذر القضاء. قيل: إذا خرج للقضاء وحصل في الميقات لزمه أن يتجاوز إلى مكة محرما، فإذا فعل ذلك لم يلزمه معنى آخر. ومثل هذا ما نقوله جميعا لو أحرم بحجة الإسلام أو المنذورة صح، ولا نقول: قد لزمه بالدخول إحرام، وحجة الإسلام لازمة بالشرع، فيؤدي إلى تعذر الواجب. ولا دم عليه على ظاهر ما نقله جرب عنه، لأنه قد أتى بالواجب. الحكم الثَّانِي أَنْ لَا يُحَارَبَ أَهْلُهَا، لِتَحْرِيمِ رَسُولِ الله - ﷺ - قتالهم " لا يحل لامرئ مسلم يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دما". فإن بغوا على أهل العدل قاتلهم عَلَى بَغْيِهِمْ إذَا لَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُمْ عَنْ البغي إلا بالقتال
[ ١٩٣ ]
لِأَنَّ قِتَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ التي لا تجوز أن تضاع، وكونها مَحْفُوظَةً فِي حَرَمِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ تَكُونَ مُضَاعَةً فِيهِ. فَأَمَّا إقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْحَرَمِ فينظر، فإن أتاها في الحرم أقيمت عليه فِيهِ. وَإِنْ أَتَاهَا فِي الْحِلِّ ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ فِيهِ وَأُلْجِئَ إلى الخروج منه بترك مبايعته ومشاراته. فإذا خرج أقيمت عليه. الحكم الثَّالِثُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ٩ عَلَى الْمُحْرِمِينَ وَالْمُحِلِّينَ مِنْ أهل الحرم ومن طرأ عليه. فمن أصاب من صيده وجب عليه فِي الْحِلِّ ضَمِنَهُ، لِأَنَّهُ قَاتِلٌ فِي الْحَرَمِ، ونقل ابن مسور عنه لا يضمنه، وَهَكَذَا لَوْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الحرم ضمنه لأنه مقتول في الحرم. ولو صيد في الحل قَتْلُ مَا كَانَ مُؤْذِيًا مِنْ السِّبَاعِ وَحَشَرَاتِ الأرض.
فإن وقف طائر على غصن شجرة أصلها في الحرم والغصن في الحل فقتله محل في الحل، ففي ضمانه روايتان نقلهما ابن منصور. الحكم الرابع تحريم قطع الشجر الذي أنبته الله تعالى فيه، وَلَا يَحْرُمُ قَطْعُ مَا غَرَسَهُ الْآدَمِيُّونَ، كَمَا لَا يَحْرُمُ فِيهِ ذَبْحُ الْأَنِيسِ مِنْ الْحَيَوَانِ. ولا يجوز أن يرعى حشيش الحرم. قال في رواية الفضل " لا يجتش من حشيش الحرم". ويضمن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والغصن من كل واحدة منهما بسقط من ضمان أصلها، ولا يكون ما استخلف من قَطْعِ الْأَصْلِ مُسْقِطًا لِضَمَانِ الْأَصْلِ.
[ ١٩٤ ]
الحكم الخامس أن يمنع مَنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ مِنْ ذِمِّيٍّ أَوْ معاهد أن يدخل الحرم، لا مقيما ولا مارا به، قال في رواية ابن منصور " ليس لليهودي والنصراني أن يدخل الحرم " فقد منع منه. فإن دخل مشرك عزر إذا دخله بغير إذن ولم يستبح به قتله، فإن دَخَلَهُ بِإِذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ وَأُنْكِرَ عَلَى الْآذِنِ له ولم يستبح به قتله، وَعُزِّرَ إنْ اقْتَضَتْ حَالُهُ التَّعْزِيرَ، وَأُخْرِجَ مِنْهُ المشرك آمنا. وإن أراد مشرك دخول لِيُسْلِمَ فِيهِ مُنِعَ مِنْهُ حَتَّى يُسْلِمَ قَبْلَ دُخُولِهِ. وَإِذَا مَاتَ مُشْرِكٌ فِي الْحَرَمِ حَرُمَ دَفْنُهُ فِيهِ، وَدُفِنَ فِي الْحِلِّ، فَإِنْ دُفِنَ فِي الْحَرَمِ نُقِلَ إلَى الْحِلِّ، إلَّا أَنْ يكون قد بلي فيترك كما ترك فيه أموات الجاهلية. قال أحمد في رواية أبي طالب: " فضلت مكة بغير شيء: يصلي فيها أي ساعة شاء من ليل أو نهار، ولا يقطع الصلاة فيها شيء، تمر المرأة بين يدي الرجل، ومن دخل كان آمنا، والصيد". فأما سائر المساجد فهل يجوز أن يؤذن لهم في دخولها؟ على روايتين إحداهما: جواز ذلك، ما لم يقصدوا بالدخول استبذالها بأكل ونوم، فإن قصدوا ذلك منعوا. والثانية: لا يجوز أن يؤذن لهم بحال. فأما الحجاز فقال الأصمعي: سمي حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد، فما سِوَى الْحَرَمِ مِنْهُ مَخْصُوصٌ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ بِأَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَسْتَوْطِنَهُ مُشْرِكٌ من ذمي ولا معاهد.
قال أحمد في رواية بكر بن محمد - وقد سأله عن قول النبي - ﷺ -
[ ١٩٥ ]
" أخرجوا المشركين من بلاد العرب" قال: " إنما الجزيرة موضع العرب، وأما الموضع الذي يكون فيه أهل السواد والفرس فليس هي جزيرة العرب". وقال أيضا في رواية عبد الله في حديث النبي - ﷺ - " لا يبقى دينان بجزيرة العرب " وتفسيره: ما لم يكن في يد فارس والروم". وقال في رواية حنبل" قال: عمر: جزيرة العرب - يعني المدينة وما والاها، لأن النبي - ﷺ - أوصى بإجلاء اليهود منها، فليس لهم أن يقيموا بها".
[ ١٩٦ ]
وَقَدْ رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبة بن مسعود عن عائشة ﵂ قَالَتْ " كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ". وَأَجْلَى عمر أَهْلَ الذِّمَّةِ عَنْ الْحِجَازِ وَضَرَبَ لِمَنْ قَدِمَ منهم: تاجرا، أوصانعا مقام ثلاثة أيام يخرجون بَعْدَ انْقِضَائِهَا. فَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الحكم. فيمنع أهل الذمة من استيطان الحجاز، ويمكنون مِنْ دُخُولِهِ، وَلَا يُقِيمُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِذَا انْقَضَتْ صُرِفَ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَجَازَ أَنْ يُقِيمَ فِي غَيْرِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يُصْرَفَ إلَى غَيْرِهِ فَإِنْ أَقَامَ بِمَوْضِعٍ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثلاثة أيام عزر، ولم يكن معذورا. الحكم الثاني أن لا يدفن فيه أمواتهم وينقلون - إنْ دُفِنُوا فِيهِ - إلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ دَفْنَهُمْ فيه مستدام فصار كالاستيطان إلا أن تبعد مَسَافَةُ إخْرَاجِهِمْ مِنْهُ، وَيَتَغَيَّرُوا إنْ أُخْرِجُوا، فَيَجُوزُ لأجل الضرورة أن يدفنوا فيه. الحكم الثالث أن لمدينة الرسول - ﷺ - حرما محظورا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، يُمْنَعُ مِنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ، وَعَضُدِ شجره، كحرمة مكة. الحكم الرابع أرض الحجاز اختص رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِفَتْحِهَا، وهي تنقسم قسمين. أحدها: صدقات رسول الله - ﷺ - التي أخذها بحقيه. فإن حقيه: خمس الخمس من الفيء والغنائم.
وأما أربعة أخماس الفيء مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فهل كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحقا له؟ على وجهين: أحدهما: كان حقا له، ذكره أبو بكر في كتاب التفسير في سورة الحشر فقال: " جعل الله ما لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ لرسوله خاصة دون غيره، ولم يجعل فيه لأحد نصيبها".
[ ١٩٧ ]
واحتج بحديث عمر " كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله - ﷺ - مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله - ﷺ - خالصا دون المسلمين". والوجه الثاني: لم يكن له بل كان لجماعة المسلمين، لأن أحمد قال في رواية أبي النضر وبكر بن محمد " والفيء ما صولح عليه من الأرضين، وجزية الرؤوس وخراج الأرضين. فهذا لكل المسلمين فيه حق الغني والفقير على ما يرى الإمام". واحتج بأن عمر فرض لأمهات المؤمنين في الفيء ولأبناء المهاجرين سوى العطاء. وكان يقول " لكل أحد في المال حق إلا العبد". فلو كان النبي - ﷺ - خالصا لجعله بعد موته لأهل الديوان، كما جعل سهمه من خمس الغنيمة لأهل الديوان. فقال في رواية أبي طالب " سهم الله والرسول واحد، فلما مات رسول الله - ﷺ - جعله أبو بكر في الكراع والسلاح، فهو كما جعله لا يجوز صرف لغير أهل الديوان". وكذلك قال في رواية صالح " يعزل الخمس، يعطاه أهل الديوان: المقاتلة دون غيرهم ". والوجه لهذا القائل قول النبي - ﷺ -: " ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم". وهذا ينبغي أن يكون له أربعة أخماسه. فما صار إليه من أحد هَذَيْنِ الْحَقَّيْنِ فَقَدْ رَضَخَ مِنْهُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وترك باقيه لنفقته وصلاته ومصالح المسلمين، وحكمه حين مات عنه: أَنَّهَا صَدَقَاتٌ مُحَرَّمَةُ الرِّقَابِ مَخْصُوصَةُ الْمَنَافِعِ، مَصْرُوفَةٌ الارتفاع فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
وَمَا سِوَى صَدَقَاتِهِ فإنها أَرْضُ عُشْرٍ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَا بَيْنَ مَغْنُومٍ، مُلِكَ عَلَى أَهْلِهِ، أَوْ مَتْرُوكٍ أسلم عليه أهله، وكلا الأرضين معشور لا خراج عليه.
[ ١٩٨ ]
فأما الصدقات رسول الله - ﷺ - فمحصورة، لأنه قيض عنها فتعينت. هي ثمانية: أحدها: - وَهِيَ أَوَّلُ أَرْضٍ مَلَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - من وَصِيَّةُ مُخَيْرِيقٍ الْيَهُودِيِّ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ. حكى الواقدي: أن مخيريق الْيَهُودِيَّ كَانَ حَبْرًا، مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ. وَكَانَتْ لَهُ سَبْعَةُ حَوَائِطَ. وَهِيَ: المثبت، والصافية، والدلال وحسنى، وبرقة، والأعواف، والمشربة، فَوَصَّى بِهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ أَسْلَمَ، وَقَاتَلَ مَعَهُ بِأُحُدٍ حَتَّى قتل. وَالصَّدَقَةُ الثَّانِيَةُ: أَرْضُهُ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ أَرْضٍ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فَأَجْلَاهُمْ عَنْهَا وَكَفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ، وَجَعَلَ لَهُمْ مَا حَمَلَتْهُ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا الْحَلَقَةَ - وَهِيَ السِّلَاحُ - فَخَرَجُوا بِمَا اسْتَقَلَّتْ إبِلُهُمْ إلى الشام وخيبر، وحصلت أرضهم لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَّا ما كان ليامين بْنِ عُمَيْرٍ، وَأَبِي سَعْدِ بْنِ وَهْبٍ فَإِنَّهُمَا أسلما قبل المظفر، فَأَحْرَزَ لَهُمَا إسْلَامُهُمَا جَمِيعَ أَمْوَالِهِمَا، ثُمَّ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَا سِوَى الْأَرْضَيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
[ ١٩٩ ]
عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، دُونَ الْأَنْصَارِ، إلَّا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ، فإنهما ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله - ﷺ - وحبس الأرض عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَتْ مِنْ صَدَقَاتِهِ، يَضَعُهَا حَيْثُ شاء، وَيُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَزْوَاجِهِ ثُمَّ سَلَّمَهَا عُمَرُ إلَى الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا لِيَقُومَا بمصرفها. الصدقة الثالثة، والرابعة، والخامسة: ثلاث حصون من خيبر، وكانت خيبر ثَمَانِيَةَ حُصُونٍ: نَاعِمَ، وَالْقُمُوصَ، وَشَقَّ، وَالنَّطَاةَ، وَالْكَتِيبَةَ، والوطيح، والسلالم، وحصن الصعب ابن مُعَاذٍ، وَكَانَ أَوَّلَ حِصْنٍ فَتَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - منها: ناعم، ثم القموص، ثُمَّ حِصْنَ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ.
وَكَانَ أَعْظَمَ حُصُونِ خَيْبَرَ، وَأَكْثَرَهَا مَالًا وَطَعَامًا وَحَيَوَانًا، ثُمَّ شق، والنطاة والكتيبة، فهذه الحصون الستة فتحها عنوة، ثم افتتح الوطيح والسلالم، وهو آخِرُ فُتُوحِ خَيْبَرَ صُلْحًا بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهُمْ، وَمَلَكَ مِنْ هَذِهِ الْحُصُونِ الثَّمَانِيَةِ: ثَلَاثَةَ حُصُونٍ: الكتيبة، والوطيح، وَالسَّلَالِمَ. أَمَّا الْكَتِيبَةُ: فَأَخَذَهَا بِخُمُسِ الْغَنِيمَةِ. وَأَمَّا الوطيح، وَالسَّلَالِمُ: فَهُمَا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛
[ ٢٠٠ ]
لأنه فتحهما صُلْحًا. فَصَارَتْ هَذِهِ الْحُصُونُ الثَّلَاثَةُ - بِالْفَيْءِ وَالْخُمُسِ - خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَتَصَدَّقَ بِهَا، وَكَانَتْ مِنْ صَدَقَاتِهِ. وَقَسَّمَ الْخَمْسَةَ الباقية بين الغانمين. الصدقة السادسة: النصف من فدك. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لما فتح خيبر خافه أَهْلُ فَدَكَ فَصَالَحُوهُ، بِسِفَارَةِ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، على أن له نصف أرضهم ونخيلهم. يُعَامِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَهُمْ النِّصْفُ الْآخَرُ، فَصَارَ النِّصْفُ مِنْهَا مِنْ صَدَقَاتِهِ مُعَامَلَةً مَعَ أَهْلِهَا بِالنِّصْفِ من ثمرها، والنصف خالص لهم إلى أن أجلاهم عمر فِيمَنْ أَجْلَاهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَنْ الْحِجَازِ. فَقَوَّمَ فَدَكَ، وَدَفَعَ إلَيْهِمْ نِصْفَ الْقِيمَةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ سِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَكَانَ الَّذِي قَوَّمَهَا مالك ابن التَّيْهَانِ، وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَصَارَ نِصْفُهَا مِنْ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونصفها لكافة المسلمين. ومصرف النصفين الآن سواء. الصدقة السابعة: الثلث من وَادِي الْقُرَى، لِأَنَّ ثُلُثَهَا كَانَ لِبَنِي عُذْرَةَ وثلثاها لليهود. فصالحهم رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى نِصْفِهِ، فَصَارَتْ أَثْلَاثًا: ثُلُثُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - هو صدقاته - وَثُلُثُهَا لِبَنِي عُذْرَةَ إلَى أَنْ أَجَلَاهُمْ عُمَرُ عنها، وقوم حقهم منها، فبلغت قيمته تسعين ألف دينار، فدفعها عمر إلَيْهِمْ وَقَالَ لِبَنِي عُذْرَةَ، " إنْ شِئْتُمْ أَدَّيْتُمْ نصف ما أعطيت ونعطيكم النصف" فأعطوا خمسة وأربعين أَلْفَ دِينَارٍ، فَصَارَ نِصْفُ الْوَادِي لِبَنِي عُذْرَةَ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ: الثُّلُثُ مِنْهُ فِي صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالسُّدُسُ مِنْهُ لكافة المسلمين، ومصرف جميع النصف سواء.
الصدقة الثامنة: موضع بسوق بالمدينة يقال له مهزور، استقطعها مروان من عثمان. فتقم بها الناس عليه. فاحتمل أن يكون إقطاع تصمين لَا تَمْلِيكٍ، لِيَكُونَ لَهُ فِي الْجَوَازِ وَجْهٌ. فَأَمَّا مَا سِوَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ الثَّمَانِيَةِ مِنْ أمواله، فذكر الْوَاقِدِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ أُمَّ أيمن الحبشية، واسمها بركة خمسة أجمال، وقطعة من غنم، وَمَوْلَاهُ شُقْرَانَ وَابْنَهُ صَالِحًا، وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا. وورث من أمه آمنة بنت وهب دارها التي ولد فيه بمكة فِي شِعْبِ بَنِي عَلِيٍّ. وَوَرِثَ مِنْ زَوْجَتِهِ خديجة بنت خويلد دَارَهَا بِمَكَّةَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ خَلْفَ سُوقِ الْعَطَّارِينَ، وَأَمْوَالًا. وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ اشْتَرَى لِخَدِيجَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مِنْ سُوقِ عُكَاظٍ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وأعتقه، وزوجه أم أيمن، فولدت منه أُسَامَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.
[ ٢٠١ ]
فَأَمَّا الدَّارَانِ، فَإِنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ باعهما بد هجرة النبي - ﷺ - فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قِيلَ لَهُ " فِي أَيِّ دورك تنزل؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ ". فلم يرجع فيما باعه عقيل لأنه غلب عَلَيْهِ، وَمَكَّةُ دَارُ حَرْبٍ يَوْمَئِذٍ، فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْمُسْتَهْلَكِ، فَخَرَجَتْ هَاتَانِ الدَّارَانِ مِنْ صَدَقَاتِهِ. وأما دور أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بالمدينة، فكان قد أعطى كل واحدة منهن الدار التي تسكنها، وَوَصَّى بِذَلِكَ لَهُنَّ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَطِيَّةَ تَمْلِيكٍ فَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ صَدَقَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَطِيَّةَ سُكْنَى وَإِرْفَاقٍ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ صدقاته، وقد دخلت اليوم في مسجده، وَلَا أَحْسَبُ مِنْهَا مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُ. وَأَمَّا رَحْلُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَدْ رَوَى هِشَامٌ الْكَلْبِيُّ عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الحكم: أن أبا بكر دفع إلى علي آلَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ورايته وَحِذَاءَهُ، وَقَالَ " مَا سِوَى ذَلِكَ صَدَقَةٌ". وَرَوَى الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ".
فَإِنْ كَانَتْ دِرْعُهُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْبَتْرَاءِ، فَقَدْ حُكِيَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ يَوْمَ قُتِلَ فَأَخَذَهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، فلما قتل المختار عبيد الله صار الدِّرْعُ إلَى عَبَّادِ بْنِ الْحُصَيْنِ الْحَنْظَلِيِّ ثُمَّ إن خالد بن عبد الله بن خالد بْنِ أُسَيْدٍ - وَكَانَ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ - سَأَلَ عَبَّادًا عَنْهَا فَجَحَدَهُ إيَّاهَا فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ " مِثْلُ عَبَّادٍ لا يضرب، إنما كان ينبغي أن تقتله، أو تعفو عنه" ثم لم يعرف للدرع خبر بعد ذلك. وأما البردة فقد حكى أبان بن تغلب: أن رسول الله - ﷺ - كان وهبها لكعب بن زهير فاشتراها منه معاوية، فهي التي تلبسها الْخُلَفَاءُ. وَحَكَى ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: أَنَّ هَذِهِ البردة كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أعطاها أهل أيلة فأخذها منهم عبد الله بْنُ خَالِدِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَكَانَ عَامِلًا عليهم من قبل مروان ابن محمد وبعث بها إليه، وكانت في خزانته حَتَّى أُخِذَتْ بَعْدَ قَتْلِهِ. وَقِيلَ: اشْتَرَاهَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ. وَأَمَّا الْقَضِيبُ فَهُوَ مِنْ تَرِكَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الَّتِي هِيَ صَدَقَةٌ، وَقَدْ صَارَ مَعَ البردة من شعار الخلفاء.
[ ٢٠٢ ]
وأما الْخَاتَمُ فَلَبِسَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عثمان، حتى سقط من يد عثمان فِي بِئْرٍ فَلَمْ يَجِدْهُ. فَهَذَا شَرْحُ مَا قبض عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - من صدقته وتركته، والله أعلم. فأما عَدَا الْحَرَمَ وَالْحِجَازَ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ فَقَدْ تقدم ذكر انقسامه إلى أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ، فَيَكُونُ أرض عشر. وقسم أحياه المسلمون فيكون ما أحيوه معشورا. وقسم ملكه الغانمون عنوة ولم يقفه الإمام فيكون معشورا. وقسم صولح عليه أهله فَيَكُونُ فَيْئًا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ. وَهَذَا الْقِسْمُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا صُولِحُوا عَلَى زَوَالِ مُلْكِهِمْ عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيَكُونُ الْخَرَاجُ أجرة لا تسقط بإسلام أهله، ويؤخذ من المسلم والذمي.
وَالثَّانِي: مَا صُولِحُوا عَلَى بَقَاءِ مُلْكِهِمْ عَلَيْهِ فيجوز بيعه، ويكون الخراج أجرة يسقط بِإِسْلَامِهِمْ، وَيُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا يُؤْخَذُ من المسلمين. فأما أَرْضِ السَّوَادِ فَإِنَّهَا أَصْلُ، حُكْمِ الْفُقَهَاءِ فِيهَا يعتبر به نظائرها. وهذا السواد مشاربه إلَى سَوَادِ كِسْرَى الَّذِي فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عهد عمر من أرض العراق، سمي سوادا، لسواده بالزروع وَالْأَشْجَارِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ تَاخَمَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ الَّتِي لا زرع فيها ولا شجركانوا إذا خرجوا من أرضهم إليه ظهرت لهم خضرة الزروع وَالْأَشْجَارِ. وَهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْخُضْرَةِ وَالسَّوَادِ فِي الاسم. فَسَمُّوا خُضْرَةَ الْعِرَاقِ سَوَادًا. وَسُمِّيَ عِرَاقًا لِاسْتِوَاءِ أَرْضِهِ حِينَ خَلَتْ مِنْ جِبَالٍ تَعْلُو وَأَوْدِيَةٍ تَنْخَفِضُ. وَالْعِرَاقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الِاسْتِوَاءُ. وَحَدُّ السَّوَادِ طُولًا: مِنْ حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ إلَى عبادان، وعرضا: مِنْ عُذَيْب الْقَادِسِيَّةِ إلَى حُلْوَانَ. يَكُونُ طُولُهُ مائة وستين فرسخا، وعرضه ثمانين فرسخا، إلا قريات قد سماها أحمد، وذكرها أبو عبيد: الحيرة، وبانقيا، وأرض بني صلوبا، وقرية أخرى كانوا صلحا. وروى أبو بكر بإسناده عن عمر أنه كتب: " إن الله ﷿ قد فتح ما بين العذيب إلى حلوان".
[ ٢٠٣ ]
وأما العراق: فهو في العرض مستوعب لعرض السواد عرفا، ويقصر عن طوله في العرض، لأن أوله في شرقي دجلة: العلث. وعن غَرْبَيْهَا حَرْبِيٌّ، ثُمَّ يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ أَعْمَالِ الْبَصْرَةِ مِنْ جَزِيرَةِ عَبَّادَانِ، فَيَكُونُ طُولُهُ مِائَةً وخمسة وعشرين فرسخا، يقصر عن طول السواد بخمسة وثلاثين فرسخا، وعرضه: ثَمَانُونَ فَرْسَخًا كَالسَّوَادِ. قَالَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ: يكون ذلك مُكَسَّرًا عَشَرَةَ آلَافِ فَرْسَخٍ.
وَطُولُ الْفَرْسَخِ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ ذِرَاعٍ بِالذِّرَاعِ الْمُرْسَلَةِ، وَيَكُونُ بِذِرَاعِ الْمِسَاحَةِ – وَهِيَ الذِّرَاعُ الْهَاشِمِيَّةُ – تِسْعَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ فيكون ذلك إذا ضرب في مثله، وهو تَكْسِيرُ فَرْسَخٍ فِي فَرْسَخِ: اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ أَلْفَ جَرِيبٍ وَخَمْسِمِائَةِ جَرِيبٍ، فَإِذَا ضُرِبَ ذَلِكَ فِي عَدَدِ الْفَرَاسِخِ، وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ فَرْسَخٍ: بَلَغَ مِائَتَيْ أَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ، يَسْقُطُ مِنْهَا بِالتَّخْمِينِ مَوَاضِعُ التِّلَالِ وَالْآكَامِ، والسباخ، والآجام ومدارس الطرق والمحاج، ومجاري الانهار، وعراص المدن والقرى، ومواضع الأرحاء، والبريدات والقناطر، والشاذروانات، والبيادر، ومطارح القصب وأتانين الآجر وغير ذلك، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ يَصِيرُ الْبَاقِي مِنْ مِسَاحَةِ الْعِرَاقِ: مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ جريب، وخمسين وسبعون أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ يُرَاحُ مِنْهَا النِّصْفُ، وَيَكُونُ النِّصْفُ مَزْرُوعًا مَعَ مَا فِي الْجَمِيعِ مِنْ المخل والكرم والأشجار. وإذا أضاف إلَى مَا ذَكَرَهُ قُدَامَةُ فِي مِسَاحَةِ الْعِرَاقِ ما زاد عليها من بَقِيَّةَ السَّوَادِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ فَرْسَخًا كَانَتْ الزيادة على تلك المساحة السواد قَدْرَ رُبْعِهَا، فَيَصِيرُ ذَلِكَ مِسَاحَةَ جَمِيعِ مَا يصلح للزرع والغرس من أرض السواد. وَقَدْ يَتَعَطَّلُ مِنْهُ بِالْعَوَارِضِ وَالْحَوَادِثِ مَا لَا ينحصر. وقد قيل: إنه كانت بلغت مساحة السواد أيام كسرى مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف جريب، وكان مبلغ ارتفاعه مائتي ألف ألف وسبعة وثمانين أَلْفِ دِرْهَمٍ، بِوَزْنِ سَبْعَةٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عن كل جريب درهما وقفيزا، وأن مساحة ما كان يزرع عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁، مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ إلَى سِتَّةٍ وثلاثين ألف ألف جريب. وإذا ثبت بما ذكرنا حدود السواد ومساحة مزارعه فالكلام في فتحه وفي حكمه.
فمذهب أحمد أنه فتح عنوة، ولم يقسمه عمر بين الغانمين، بل وقفه على كافة المسلمين وأقره في يد أَرْبَابِهِ بِخَرَاجٍ ضَرَبَهُ عَلَى رِقَابِ الْأَرْضَيْنِ، يَكُونُ أجرة لها، يؤدي في كل عام وإن لم
[ ٢٠٤ ]
يتقدر مدتها، لعموم المصلحة فيها؛ فصارت بِوَقْفِهِ لَهَا فِي حُكْمِ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ خَيْبَرَ وَالْعَوَالِي وَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ مِنْ خَرَاجِهَا مَصْرُوفًا فِي الْمَصَالِحِ، وَلَا يَكُونُ فَيْئًا مَخْمُوسًا لِأَنَّهُ قَدْ خمس. ويكون مقصورا على الجيش لأنه وقف على جميع الْمُسْلِمِينَ. فَصَارَ مَصْرِفُهُ فِي عُمُومِ مَصَالِحِهِمْ الَّتِي منها أرزاق الجيش، وتحصين الثغور، وبناء القناطر والجوامع، وكرى الْأَنْهَارِ، وَأَرْزَاقُ مَنْ تَعُمُّ بِهِمْ الْمَصْلَحَةُ: مِنْ القضاة، والفقهاء، والقراء، والأئمة، والمؤذنين، فإن فضل بعد ذلك كان لجميع المسلمين ممن تعم بهم المصلحة ومن لا مصلحة فيه الغني والفقير. وقد نص أحمد على أن عمر لم يقسمه بين الغانمين، بل وقفه. فقال في رواية حنبل " أوقفه عمر ولم يقسمه. أشار علي عليه بذلك". وقال في رواية المروزي " إنما أذهب إلى أن السواد وقف وعمر ترك السواد ولم يقسمه". وقال في رواية الميموني " السواد إنما أوقف على من يجئ من المسلمين". وقال في رواية الأثرم، وذكر قوله تعالى (والذين جاءوا من بعدهم) " تأول عمر في ذلك أن الأرض موقوفة لمن يجئ من بعدهم". فقد نص على أنها وقف، وأن عمر لم يقسمها. فعلى هذا لا يجوز بيع رقابها، رواية واحدة. وهل يجوز شراؤها، مع منعه لبيعها؟ على روايتين: إحداهما لا يجوز نقل ذلك الجماعة فقال: في رواية المروزي - وقد سئل عن الرجل يريد الخروج إلى العراق، ترى له أن يبيع داره؟ فلم ير له، وقال " لا يفعل". وقال في رواية إسحاق - وقد سئل عن الرجل يكون له الضيعة في السواد، وعليه دين، هل يبيع ويقضي دينه؟ قال " لا ". وقال أيضا في رواية محمد بن أبي حرب مثل ذلك. وقال في رواية حنبل" السواد وقف، ولا أرى بيع أرضه، ولا شراءه". فقد نقل الجماعة عنه المنع على الإطلاق.
والوجه فيه: أنها وقف عمر على جماعة المسلمين، فجرى مجرى سائر الوقوف وقد روى عن عمر منع الشراء.
[ ٢٠٥ ]
فروى أبو بكر بإسناده عن الشعبي قال " جاء عتبة بن فرقد إلى عمر فقال: إني اشتريت أرضا من أرض السواد، قال: من أهلها؟ قال: نعم. قال: فإن أهل الكوفة هم أهلها". وبإسناده عن ابن عباس " أنه كره شراء أرض الحيرة. وقال في رواية يعقوب بن بختان - وقد سأله عن سكنى بغداد وشراء دورها - فقال " اشتر منه ولا تسكنه أو غلة بقيمة ولا يعجبني بيعه". وقال أيضا في رواية أبي طالب " يشتري ما يفوته ويقوت عياله، فما كان أكثر من القوت فلا". وقد أجاز شراء ما تدعو الحاجة إليه منها، وقد أطلق القول في رواية مهنا، وقد سأله عن بيع أرض السواد وشراءهان فرخص في الشراء ولم يعجبه البيع. فقد أطلق جواز الشراء. وهذا محمول على قدر الحاجة، لأن للحاجة تأثيرا في جواز البيع، بدليل بيع العرايا، وهو بيع رطب بتمر خرصا يجوز للحاجة إلى شراء الرطب، وإن كان ممنوعا منه في غير العرايا وكذلك قرض الخبز والعجين يجوز للحاجة وإن كان ممنوعا منه في غير القرض ويكون الشراء في الحقيقة استنقاذا وفداء وغير ممتنع أن يقع العقد على وجه الاستنقاذ فيكون جائزا في حق الباذل للعوض. وهو ممنوع منه في حق الأخذ، بدليل فك الأسير من أيدي المشركين بعوض بذله لهم، فهو استنقاذ وفداء مباح من جهة الباذل، ومحرم من جهة الأخذ، وهما سواء، لأن ذلك العقد مع مشرك، وكذلك هاهنا سبب عقد الخراج مع المشركين. وكذلك إذا شهد شاهد على رجل أنه أعتق عبده أو طلق زوجتهن ورد الحاكم شهادته ثم إنه ابتاع العبد من سيده وخالع المرأة من زوجها بعوض بذله له، فإن ذلك جائزا في حق الباذل؛ لأنه استنقاذ للعبد من الرق، وللزوجة من وطء الحرام، وهو عوض محرم من جهة السيدة والزوج لأنه يأخذه بغير حق، كذلك البائع للسواد.
وقد قال أحمد في رواية المروزي " والحجة في شراء السواد ولا يباع فعل أصحاب رسول الله ﷺ، رخصوا في شراء المصاحف، وكرهوا بيعها". وهو استحسان، وليس هو القياس. وقد قيل: إن المعارضة عليها بالابتياع على طريق الإجارة. فتكون إجارة بلفظ البيع. وهذا لا يخرج عن قول أحمد؛ لأنه أجاز الشراء وكره البيع، ولأنه خص ذلك بالحاجة ولو كان على وجه الإجارة لم يمنع البائع منه، ولم يخصه بالحاجة. فأما المعاوضة على ما أحدث فيها من بناء وغراس، فالمنصوص عنه المنع في رواية يعقوب بن بختان، في الرجل يقول: أبيعك النقض ولا أبيعك رقبة الأرض " هذا خداع ". وكذلك قال في رواية المروزي إنه قالف " أبيعك النقض ولا أبيعك رقبة الأرض هذا خداع". فقد منع من ذلك، وقد قيل فيه: إنه إنما منع من ذلك لأن البناء في العادة يكون من تراب الأرض الوقف فلم يصح بيعه لأنه من جملته.
[ ٢٠٦ ]
وتعليل أحمد خلاف هذا، لأنه قال " هذا خداع". ومعناه أنه يجعل بيع البناء طريقا إلى أخذ العوض عن الأرض، والذرائع معتبرة في الأصول. ونقل بكر بن محمد عن أبيه عن أحمد جواز بيع ذلك، فقال في رجل يري أن يوصي بثلث داره " أكره أن يبتاع الدار من أرض السواد، إلا أن يباع البناء فإذا كان لرجل مال وله دار نظر إلى بناء الدار والمال، فيكون قد أخرج ثلثه من المال والبناء". وهذه الرواية أصح؛ لأن البناء ملكه لم يدخل في الوقت فجاز له بيعه. فإن مات وعليه دين، وفي يده من أرض السواد، فهل فهل يتعلق قضاء دينه من إجازة ذلك؟ ظاهر كلام أحمد معلوم. قال المروزي وفوزان: مات أبو عبد الله وعليه خمسة وأربعون دينارا دين، فأوصى أن يعطي من الغلة واللفظ لفوزان. ولفظ المروزي " أن يعطي من الغلة حتى يستوفي حقه". والوجه فيه: أنها في يده بعقد الإجارة، والإجارة لا تبطل بموت المستأجر، فكانت باقية على حكم ملكه.
فإن كان عليه صداق أوجبه أو دين في ذمته، فسلم الأرض لمن له عليه الدين، جاز نص عليه في رواية محمد بن حرب في رجل لامرأته عليه صداق، ولهي ضيعة بالسواد فقال " امرأته وغيرها سواء، يسلمها إليها". ومعناه: أنه يسلم حقه في منافعها، ولم يرد تسليم رقبتها. قال في رواية المروزي " أنت تعلم أن هذه لا تقيمنا، وإنما آخذها على الاضطرار " يعني غلة السواد. وقال " التجارة أحب إليّ من غلة بغداد، إنما أختار التجارة على غلة بغداد، لأن الأصل فيه أنها وقف، وقد تداولتها أيدي السلاطين وغيرهم بالبيع والإقطاع، ورفع أيدي القوم الذين أقرهم عمر فيها، والخراج الذي هو أجرة، فجعلها في حكم المغصوبة. ومن أصله: الزرع في الأرض المغصوبة لصاحب الأرض، ولهذا اختار النقل منها لأنها مال ضرورة، والضرورة قد تؤثر في الإباحة. قال في رواية المروزي - وقد سئل: هل ترى أن يرث الرجل من أرض السواد؟ فقال: " وهل يجري فيه ميراث؟ ". وإنما منع من الميراث لأنه يقتضي نقل الملك في الرقبة، ولا يجوز ذلك. وقال في رواية حنبل " السواد وقفة عمر على المسلمين، فمثله كمثل رجل أوقف دارا على رجل وعلى ولده لاتباع، وهي للذي أوقف عليه، فإذا مات الموقوف عليه كان لولده بالوقف الذي أوقف الأب لا يباع، وكذلك السواد لا يباع، ويكون الذي بعده يملك منه مثل الذي ملك قبله على ذلك، وقفا أبدا للمسلمين". فقد بين أنه يكون في يد الوارث على ما كان في يده.
[ ٢٠٧ ]
فأما إجارة أرض السواد فيجوز نص عليه في رواية محمد بن أبي حرب والأثرم " إذا استأجر أرضا من أرض السواد ممن هي في يده بأجرة معلومة فجائز، ويكون فيها مثلهم " وذلك لأنها في يده بحكم الإجارة، لأن الخراج أجرة عنها، فجاز أن يؤجر ما استأجره كسائر الأشياء. ونقل الجماعة عنه في بيوت مكة " لا تكري".
قال في رواية حنبل " مكة إنما كره إجارة بيوتها لأنها عنوة، دخلها رسول الله - ﷺ - بالسيف، فلما كانت عنوة كان المسلمون فيها شرعا واحدا، وعمر إنما ترك السواد لذلك". وقال في رواية أبي طالب والأثرم وابن منصور " لا تكرى بيوت مكة". فقد منع من إجارة بيوت مكة مع كونها عنوة. والفرق بينها وبين أرض السواد: أن الفاتح لأرض السواد - وهو عمر - أذن في إجارتها، وهو أن ضرب الخراج على من انتفع بها وهو أجرة عنها والفاتح لمكة - وهو النبي - ﷺ - أذن في الانتفاع بها من غير أجرة فقال " مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤجر بيوتها". فإن قيل: فإذا كان الخراج أجرة فلم سماه أحمد صغارا؟. وقد قال في رواية حنبل، وقد سئل عن شراء الضياع والمساكن بالسواد فقال " مالك يؤدي الخراج، وهو الصغار " قيل: لما روى أبو بكر بإسناده عن أبي عياض أن عمر ابن الخطاب قال " لا تشتروا من رقيق أهل الذمة شيئا، فإنهم أهل خرج، ولا من أراضيهم، ولا يقر أحدكم بالصغار في عنقه وقد نجاه الله منه". فسماه صغارا. وبإسناده عن عمر قال: " إنكم على شريعة حسنة من دينكم، ما لم تشاركوا الكفار في صغارهم وقد نجاكم الله من ذلك". وبإسناده عن رجل من جهينة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " من أقر بالطسق بعد إذ أنقذه الله منه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". وبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال " سأخبركم من المرتد على عقبيه: رجل أسلم فحسن إسلامه، ثم هاجر فحسنت هجرته ثم جاهد فحسن جهاده، ثم عمد إلى نبطي بيده أرض فأخذها غرسها وورقها، ثم أقبل عليها يعمرها وترك جهاده، فذلك المرتد على عقبيه". ولأنه قد أخذ شبها من الجزية، وهو أنه لا يبتدأ به المسلم، وإنما يبتدأ به الكفار ولأنه يلحق بمال الفيء. قال في رواية إسحاق، وقد سئل عن الرجل يستأجر أرضا من أرض السواد فقال: " يزارع رجلا أحب إلى من أن استأجر أرضا".
إنما اختار أحمد المزارعة على الإجارة لأن الإجارة أخذ عوض عن المنفعة، وقد منع من المعاوضة عليها، والمزارعة هي بذل عوض منفعة العامل، فلهذا اختاره على الإجارة.
[ ٢٠٨ ]