نصبة الإمام واجبة وقد قال أحمد - ﵁ - - في رواية محمد بن عوف بن سفيان الحمصي -: الفتنة إذا لم تكن يقوم بأمر الناس. والوجه فيه: أن الصحابة لما اختلفوا في السقيفة، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ودفعهم أبو بكر وعمر ﵄، وقالوا: " إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش " ورووا في ذلك أخبارًا، فلولا أن الإمامة واجبة لما ساغت تلك المحاورة والمناظرة عليها، ولقال قائل: ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم. وطريق وجوبها السمع لا العقل، لما ذكرناه في غير هذا الموضع، وأن العقل لا يعلم به فرض شيء ولا إباحته، ولا تحليل شيء ولا تحريمه. وهي فرض على الكفاية، مخاطب بها طائفتان من الناس. إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا. والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة. أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاث شروط. أحدها: العدالة. وَالثَّانِي: الْعِلْمُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ من يستحق الإمامة.
والثالث: أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وليس لمن كان في بلد مزية على غيره من أهل البلاد يتقدم بها، وإنما صار من يختص ببلد الإمام متوليًا لعقد الإمامة لسبق علمه بموته، ولأن من يصلح للخلافة في الغالب موجودون في بلده.
[ ١٩ ]
وأما أهل الإمامة فيعتبر فيهم أربع شروط. أحدها: أن يكون قرشيًا من الصميم. وهو من يكون من ولد قريش بن بدر بن النضر دليل بني كنانة، وقد قال أحمد في رواية مهنا: " لا يكون من غير قريش خليفة". والثاني: أن يكون عل صفة من يصلح أن يكون قاضيًا: من الحرية والبلوغ والعقل، والعلم، والعدالة. والثالث: أن يكون قيمًا بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود، لا تلحقه رأفة في ذلك، والذب عن الأمة. الرابع: أن يكون من أفضلهم في العلم والدين، وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل، فقال - في رواية عبدوس بن مالك القطان - " ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه، برًا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين ". وقال أيضًا في رواية المروزي " فإن كان أميرًا يعرف بشرب المسكر والغلول يغزو معه، إنما ذاك له في نفسه، وقد روى عنه في كتاب المحسنة: أنه كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين في غير موضع. وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن، وضربه عليه، وكذلك قد كان يدعو المتوكل بأمير المؤمنين، ولم يكن من أهل العلم، ولا كان أفضل وقته وزمانه. وقد روى عنه ما يعارض هذا؛ فقال في رواية حنبل " وأي بلاء كان أكبر من الذي كان أحدث عدو الله وعدو الإسلام: من إماتة السنة؟ " يعني الذي كان أحدث قبل المتوكل فأحيا المتوكل السنة. وقال فيما رأيته على ظهر جزء من كتب أخي ﵀ " حدثنا أبو الفتح بن منيع قال " سمعت جدي يقول: كان أحمد إذا ذكر المأمون قال: كان لا مأمون".
وقال في رواية الأثرم في امرأة لا ولي لها " السلطان" فقيل له: تقول السلطان، ونحن على ما ترى اليوم؟ وذلك في وقت يمتحن فيه القضاة. فقال " أنا لم أقل على ما نرى اليوم، إنما قلت السلطان". وهذا الكلام يقتضي الذم لهم والطعن عليهم، ولا يكون هذا إلا وقد قدح ذلك في ولايتهم، ويمكن أن يحمل ما قاله في رواية عبدوس وغيره، على أنه إذا كان هناك عارض يمنع من نصبة العدل العالم الفاضل وهو أن تكون النفوس قد سكنت إليهم وكلمتهم عليه أجمع، وفي العدول عنهم يكثر الهرج. وإذا وجدت هذه الصفات حالة العقد ثم عدمت بعد العقد نظرت، فإن كان جرحًا في عدالته وهو الفسق؛ فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقًا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات اتباعًا لشهوته، أو كان متعلقًا بالاعتقاد، وهو المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحق. وهذا ظاهر كلامه في رواية المروزي في الأمير يشرب المسكر ويغل، يغزي معه، وقد كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين، وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن.
[ ٢٠ ]
وقال حنبل في رواية الواثق: اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله وقالوا" هذا أمر قد تفاقم وفشا - يعنون إظهار الخلق للقرآن - نشارك في أنا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه. فقال: وعليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين" وقال في رواية المروزي وذكر الحسن بن صالح فقال " كان يرى السيف، ولا نرضى بمذهبه". وإن كان الحادث على بدنه. فنظر، فإن كان زوال العقل، نظرت فيه، فإن كان عارضًا مرجوًا زواله كالإغماء، فهذا لا يمنع عقدها ولا استدامتها، لأنه مرض قليل اللبث، ولأن النبي - ﷺ- أغمي عليه في مرضه. وإن كَانَ لَازِمًا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، كَالْجُنُونِ وَالْخَبَلِ. فتنظر، فإن كان مطبقًا لا يتخلله إفاقة، فهذا يمنع الابتداء والاستدامة.
وإذا طرأ عليها أبطلها، لأنه يمنع المقصود الذي هو إقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحماية المسلمين. وإن كان يتخلله إفاقة يعود فيها إلى حال السلامة نظرت، فإن كان أكثر زمانه الخبل فهو كما لو كان مطبقًا، وإن كان أكثر زمانه الإفاقة فقد قيل: يمنع من عقدها، وهل بمنع مِنْ اسْتِدَامَتِهَا؟ فَقِيلَ: يَمْنَعُ مِنْ اسْتِدَامَتِهَا كَمَا يمنع من ابتدائها، لأن في ذلك إخلالًا بالنظر المستحق فيه: وقد قيل: لا يمنع من استدامتها، وإن منع من عقدها، لِأَنَّهُ يُرَاعِي فِي ابْتِدَاءِ عَقْدِهَا سَلَامَةً كَامِلَةً، وَفِي الْخُرُوجِ مِنْهَا نَقْصٌ كَامِلٌ. وَأَمَّا ذَهَابُ البصر فيمنع من عقدها واستدامتها، لأنه يبطل القضاء ويمنع مِنْ جَوَازِ الشَّهَادَةِ، فَأَوْلَى أَنْ يَمْنَعُ مِنْ صحة الإمامة. وأما عشي الْعَيْنِ، وَهُوَ أَنْ لَا يُبْصِرَ عِنْدَ دُخُولِ الليل، فلا يمنع من عقدها ولا استدامتها، لأنه مرض في زمانه الدعة يرجى زاله. وَأَمَّا ضَعْفُ الْبَصَرِ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ بِهِ الأشخاص إذا رآها لم يمنع الإمامة، وإن كان يدرك الأشخاص ولا يعرف منع من عقدها واستدامتها. فإن كان أخشم الأنف لا يدرك به شم الروائح، أو فقد الذوق الذي لا يفرق به بين الطعوم لم يؤثر ذلك فِي عَقْدِ الْإِمَامَةِ، لِأَنَّهُمَا يُؤَثِّرَانِ فِي اللَّذَّةِ دون الرأي والعمل. وأما الصمم والخرس فيمنعان ابتداء عقد الإمامة، لأنهما يؤثران في التدبير والعمل كما يؤثر العمى، وأما في الاستدامة فقد قيل: لَا يَخْرُجُ بِهِمَا مِنْ الْإِمَامَةِ لِقِيَامِ الْإِشَارَةِ مقامهما فراعينا في ابتدائها سلامة كاملة وفي الخروج نقصًا كاملًا. وأما تمتمة اللسان وثقل السمع مع إدراك الصوت إذا علا فلا يمنع الابتداء ولا الاستدامة، لأن موسى نبي الله ﵇ لم يمنعه عقدة لسانه من النبوة، فأولى أن لا يمنع الإمامة.
فإن كان مقطوع الذكر والأنثيين لم يمنع من الإمامة ولا من استدامتها، لأن فقد ذلك مؤثر في التناسل دون الرأي والحركة، فجرى مَجْرَى الْعُنَّةِ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى يَحْيَى بن زكريا ﵉، بذلك وأثنى عليه فقال تعالى (وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين) وقد روي عن ابن عباس ﵄ " أنه لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَكَرٌ يَغْشَى بِهِ النِّسَاءَ وكان كالنواة". فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ النُّبُوَّةِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ الْإِمَامَةِ.
[ ٢١ ]
وَكَذَلِكَ قَطْعُ الْأُذُنَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَا يُؤَثِّرَانِ فِي رأي ولا عمل، ولهما ستر خفي يمكن أن يستر فلا يظهر. وأما ذهاب اليدين الذي يمنع العمل، وذهاب الرجلين الذي يذهي البطش فيمنع من ابتداء عقدها ومن استدامتها، لعجزه عما يلزم من حقوق الأمة في عمل أو نهضة. وأما ذهاب إحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ فَلَا يَصِحُّ مَعَهُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِعَجْزِهِ عَنْ كَمَالِ التَّصَرُّفِ ولا يخرج به من الإمامة إذا طرأ عليها، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي عَقْدِهَا كَمَالُ السَّلَامَةِ وَفِي الخروج كمال النقص. فإن كان أجدع الأنف، أو سمل إحدى العينين لم يؤثر في ابتداء العقد ولا في استدامته، لأنه غير مؤثر في الحقوق. وقد قيل: يمنع من عقدها دون الاستدامة، لأنه نقص يزري فتقل به الهيبة، وبقلة الهيبة تقل الطاعة، وهذا يلزم عليه القصور. فإن حجر عليه وقهره مِنْ أَعْوَانِهِ مَنْ يَسْتَبِدُّ بِتَنْفِيذِ الْأُمُورِ مِنْ غير تظاهر بمعصية ولا مجاهرة بمشاقة لم يمنع ذلك من إمامته ولا قدح في ولايته. ثم تنظر فِي أَفْعَالِ مَنْ اسْتَوْلَى عَلَى أُمُورِهِ، فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً عَلَى أَحْكَامِ الدِّينِ وَمُقْتَضَى الْعَدْلِ جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا تَنْفِيذًا لَهَا وَإِمْضَاءً لِأَحْكَامِهَا، لئلا يقف من العقود الدِّينِيَّةِ مَا يَعُودُ بِفَسَادٍ عَلَى الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ خَارِجَةً عَنْ حُكْمِ الدِّينِ وَمُقْتَضَى الْعَدْلِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا، وَلَزِمَهُ أَنْ يستنصر من يقبض يده ويزيل تغلبه. فإن صار مأسورًا في يد عدو ثاهر لا يقدر على الخلاص منه منع ذلك من عَقْدِ الْإِمَامَةِ لَهُ لِعَجْزِهِ عَنْ النَّظَرِ فِي أمور المسلمين، سواء كان العدو مسلمًا باغيًا أو كافرًا.
وللأمة فسحة في اختيار من عداه من ذوي القدرة. وقد أومأ أحمد إلى إبطال الإمامة بذلك في رواية أبي الحرث: في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك فيفتتن الناس، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم مع من تكون الجمعة؟ قال " مع من غلب". وظاهر هذا أن الثاني إذا قهر الأول وغلبه زالت إمامة الأول، لأنه قال " الجمعة مع من غلب" فاعتبر الغلبة. وقد وري عنه ما يدل على بقاء إمامته لأنه قال في رواية المروذي، وقد قيل سئل أي شيء الحجة في أن الجمعة تجب في الفتنة؟ فقال: "أمر عثمان لهم أن يصلوا؟ قيل له: فيقولون إن عثمان أمر بذلك. فقال: إنما سألوه بعد أن صلوا". وظاهر هذا أنه لم يخرج عثمان من الإمامة مع القهر لأنه اعتبر إذنه. فإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة اسْتِنْقَاذُهُ، لِمَا أَوْجَبَتْهُ الْإِمَامَةُ مِنْ نُصْرَتِهِ، وَهُوَ على إمامته إذا كان يرجى خلاصة ويؤمل فكاكه إما بقتال أو فداء، وإن وقع الإياس منه نظرت فيمن أسره، فإن كان من المشركين خرج من الإمامة واستأنف أهل الاختيار بيعة غيره. فإن عهد بالإمامة في حال أسره، نظرت.فإن كان بعد الإياس من خلاصة لم يصح عهده لأنه لِبَقَاءِ إمَامَتِهِ، وَاسْتَقَرَّتْ إمَامَةُ وَلِيِّ عَهْدِهِ بِالْإِيَاسِ من خلاصة لزوال إمامته، فإن خلص من أسره بعد
[ ٢٢ ]
عهده، نظرت فِي خَلَاصِهِ؛ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ لَمْ يَعُدْ إلَى إمَامَتِهِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا بِالْإِيَاسِ، وَاسْتَقَرَّتْ فِي وَلِيِّ عَهْدِهِ، وَإِنْ خَلَصَ قَبْلَ الإياس منه فَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ وَيَكُونُ الْعَهْدُ فِي وَلِيِّ العهد ثابتًا. وَإِنْ كَانَ مَأْسُورًا مَعَ بُغَاةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كان يرجى خلاصه فَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ خَلَاصُهُ نظرت في البغاة؛ فإن كانوا لم ينصبوا لأنفسهم إمامًا فالإمام المأسور في أيديهم على إمامتهم، لأن بيعته لازمة لهم، وطاعته عليهم واجبة، فصار كونه معهم مثل كونه مع أهلالعدل إذا صار تَحْتَ الْحَجْرِ. وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَسْتَنِيبُوا عَنْهُ نَاظِرًا يَخْلُفُهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الاستنابة، وإن قَدَرَ عَلَيْهَا كَانَ أَحَقَّ بِاخْتِيَارِ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ منهم.
فإن خلع المأمور نَفْسَهُ أَوْ مَاتَ لَمْ يَصِرْ الْمُسْتَنَابُ إمَامًا، لأنها نيابة عن موجود فزالت بفقده. وخلف ولي العهد، لأنها ولاية بعد مفقود لا تنعقد بوجوده فافترقاه. فإن كان أهل البغي قد نصبوا إمامًا لأنفسهم دَخَلُوا فِي بَيْعَتِهِ وَانْقَادُوا لِطَاعَتِهِ، فَالْإِمَامُ الْمَأْسُورُ فِي أَيْدِيهِمْ خَارِجٌ مِنْ الْإِمَامَةِ بِالْإِيَاسِ مِنْ خلاصه، لأنهم قد انحازوا بدار انعزل حُكْمُهَا عَنْ الْجَمَاعَةِ وَخَرَجُوا بِهَا عَنْ الطَّاعَةِ، فلم يبق لأهل العدل بهم نصرة ولا لمأسور مَعَهُمْ قُدْرَةٌ. وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ فِي دَارِ العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوه، فإن تخلص الْمَأْسُورُ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِمَامَةِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا. فإن كان أفضل الجماعة فبايعوه ثم حدث من هو أفضل منه لم يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ وفي الابتداء لو عدلوا عن الأفضل لغير عذر لم يجز. وإن كان لعذر مِنْ كَوْنِ الْأَفْضَلِ غَائِبًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ كان المفضول أطوع في الناس جاز. وَالْإِمَامَةُ تَنْعَقِدُ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: بِاخْتِيَارِ أَهْلِ الحل والعقد. وَالثَّانِي: بِعَهْدِ الْإِمَامِ مِنْ قَبْلُ. فَأَمَّا انْعِقَادُهَا باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد. قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: " الإمام الذي يجتمع [قول أهل الحل والعقد] عليه كلهم". يقول: هذا إمام. وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم. وروي عنه ما دل على أنها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد. فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار " ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا، برًا كان أو فاجرًا". وقال أيضًا في رواية أبي الحرث - في الإمام يخرج عليه، من يطلب الملك، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم - " تكون الجمعة مع من غلب". واحتج بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة في زمن الحرة. وقال " نحن مع من غلب".
وجه الرواية الأولى: أنه لما اختلف المهاجرون والأنصار، فقالت الأنصار: " منا
[ ٢٣ ]
أميرومنكم أمير" حاجهم عمر وقال لأبي بكر ﵄ " مد يدك أبايعك " فلم يعتبر الغلبة واعتبر العقد مع وجود الاختلاف. ووجه الثانية: ما ذكره أحمد عن ابن عمر، وقوله " نحن مع من غلب" ولأنها لو كانت تقف على عقد لصح رفعه وفسخه بقولهم وقوله كالبيع وغيره من العقود، ولما ثبت أنه لو عزل نفسه أو عزلوه لم ينعزل دل على أنه لا يفتقر إلى عقد. وإنما اعتبر فيها قول جماعة أهل الحل والعقد أنه الإمام لأنه يجب الرجوع إليه، ولا يسوغ خلافه والعدول عنه كالإجماع. ثم ثبت أن الإجماع يعتبر في انعقاده جميع أهل الحل والعقد، كذلك عقد الإمامة. فإن توقفوا أثموا، عقد لا يتم إلا بعاقد كالقضاة لا يصير قاضيًا حتى يولى، ولا يصير قاضيًا وإن وجدت صفته، كذلك الإمامة. وإذا جمع أهل الحل والعقد على الاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجود فِيهِمْ شُرُوطُهَا فَقَدَّمُوا لِلْبَيْعَةِ مِنْهُمْ أَكْثَرَهُمْ فَضْلًا، وأكملهم شروطًا. فَإِذَا تَعَيَّنَ لَهُمْ مِنْ بَيْنِ الْجَمَاعَةِ مَنْ أداهم الاجتهاد إلى اختياره وعرضوها عَلَيْهِ، فَإِنْ أَجَابَ إلَيْهَا بَايَعُوهُ عَلَيْهَا، وَانْعَقَدَتْ له الإمامة ببيعتهم، ولزم كَافَّةَ الْأُمَّةِ الدُّخُولُ فِي بَيْعَتِهِ وَالِانْقِيَادُ لِطَاعَتِهِ. وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِمَامَةِ وَلَمْ يُجِبْ إلَيْهَا لم يجبر عليها وعدل إلى من سواه من مستحقيها فبويع عليها. فإن امتنع الجميع من الدخول فيها فهل يأثمون بذلك؟ وهل يتعين عليهم. قال في رواية المروذي: " لابد للمسلمين من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟ وقال في رواية محمد بن موسى - في الشاهد يأبى أن يشهد أيأثم؟ - قال." إذا كان يضر بأهل القرية ومثله يحتاج إليه فلا يفعل". وظاهر كلامه: أنه جعل القضاء والشهادة من فروض الكفايات، مع ما قد جاء عن النبي - ﷺ- في ذم القضاء، فأولى أن تكون الإمامة الكبرى كذلك، إذ ليس طلبها ولا الدخول فيها مكروها.
وقد تنازعها أَهْلُ الشُّورَى، فَمَا رُدَّ عَنْهَا طَالِبٌ وَلَا منع منها راغب. ولأن بالناس حاجة إلى ذلك لحماية البيضة، والذب عن الحوزة، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، فجرى مجرى حاجتهم إلى غسل الموتى وحملهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدم أسنهما، وإن لم يكن ذلك شرطًا، فإن بويع أصغرهما جاز. فإن كان أحدهما أعلم والآخر أشجع نظرت، فَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى فَضْلِ الشَّجَاعَةِ أَدْعَى لِانْتِشَارِ الثُّغُورِ وَظُهُورِ الْبُغَاةِ كَانَ الْأَشْجَعُ أَحَقَّ، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم لِسُكُونِ الدَّهْمَاءِ وَظُهُورِ أَهْلِ الْبِدَعِ كَانَ الْأَعْلَمُ أَحَقَّ. فَإِنْ وَقَفَ الِاخْتِيَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ اثنين فتنازعاها لم يكن ذلك قدحًا يمنعهما منها. لما بينا أن
[ ٢٤ ]
طلبها غير مكروه، لأنه قد تنازعها أهل الشورى. وبماذا نقطع تنازعهما مع تكافؤ أحوالهما؟ فقياس قول أحمد ﵀: أنه يقرع بينهما فيبايع من قرع منهما، لأنه قال في رواية عبد الله - في مسجد فيه رجلان تداعيا الأذان فيه "يقرع بينهما" واحتج بقول سعد. ولفظ الحديث ما رواه العكبري بإسناده عن ابن شبرمة " أن الناس تشاحوا في الأذان يوم القادسية، فأقرع بينهم سعد" وبإسناده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قال " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه استهموا". وصفة العقد: أن يقال "بايعناك على بيعة رضى، على إقامة العدل، والإنصاف، والقيام بفروض الإمامة" ولا يحتاج مع ذلك صفقة اليد. ولا يجوز عقد الإمامة لإمامين في بلدين في حالة واحدة.
فإن عقدت لاثنين وجدت فيهما الشرائط نظرت، فإن كانا في عقد واحد فالعقد باطل فيهما، وإن كان العقد لكل واحد منهما على الانفراد نظرت، فإن علم السابق منهما بطل العقد الثاني، وإن جهل منالسابق منهما يخرج علىالروايتين، إحداهما: بطلان العقد فيهما، والثانية: استعمال القرعة، بناء على ما إذا زوج الوليان وجهل السابق منهما، فهو على روايتين، كذلك هاهنا. ويجوز للإمام أن يعهد إلى إمام بعده، ولا يحتاج في ذلك إلى شهادة أهل الحل والعقد وذلك لأن أبا بكر عهد إلى عمر ﵄، وعمر عهد إلى ستة من الصحابة ﵃، ولم يعتبرا في حال العهد شهادة أهل الحل والعقد، ولأن عهده إلى غيره ليس بعقد للإمامة، بدليل أنه لو كان عقدًا لها لأفضى ذلك إلى اجتماع إمامين في عصر واحد، وهذا غير جائز، وإذا لم يكن عقدًا لم يعتبر حضورهم، وكان معتبرًا بعد موت الإمام العاقد. وإذا عهد إلى رجل كان له أن يعزله قبل موته، لما بينا أن إمامة المعهود إليه غير ثابتة مادام العاهد باقيًا إمامًا، وإذا لم تكن ثابتة كان له أن يخرجه من ذلك، كما أن الموصي له أن يخرج الوصي، لأن الوصية غير ثابتة مادام حيًا. ويجوز أن يعهد إلى من ينتسب إليه بأبوة أو بنوة، إذا كان المعهود له على صفات الأئمة، لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين، والتهمة تنتفى عنه. ويعتبر قبول المعهود إليه، ويكون ذلك بعد موت المولى، لأن إمامته في تلك الحال تنعقد ويعتبر في المعهود إليه شروط الإمامة العهد إليه، واستدامتها إلى ما بعد موت المولي.
[ ٢٥ ]
فإن كان صغيرًا وقت العهد لم يصح، لأنها وإن كانت تلزم بعد موت العاقد فلا تمنع اعتبارها وقت العقد، كما قلنا في الوصى، يعتبر فيه شرائط الموصى وقت العقد، وإن كانت تلزم بالموت فإن عهد إلى غائب معلوم الحياة صح، وكان موقوفًا على قدومه.
فإن مات المولى وبعدت عيبته واستضر المسلمون بتأخير نظره استتاب أهل الاختيار نائبًا يبايعونه بالنيابة دون الخلافة فإذا قدم الغائب انعزل النائب. وإذا خلع الخليفة نفسه، إما بطريان عذر، أو قلنا له أن يخلع نفسه، انتقلت الولاية، إلَى وَلِيِّ عَهْدِهِ، وَقَامَ خَلْعُهُ مَقَامَ مَوْتِهِ. ولو عهد الخليفة إلى اثنين فأكثر، ولم يقدم أحدهما على الآخر، واختار أهل الاختيار أحدهما بعد موته جاز. والأصل فيه أهل الشورى، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الِاخْتِيَارِ - إذَا جَعَلَهَا الْإِمَامُ شُورَى فِي عَدَدٍ - أَنْ يَخْتَارُوا أَحَدَهُمْ فِي حَيَاةِ المستخلف العاهد، إلا أن يأذن لهم، لأنه بالإمامة أحق. فَإِنْ خَافُوا انْتِشَارَ الْأَمْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ اسْتَأْذَنُوهُ، فإن صار إلى حال الإياس نظرت". فإن زال عنه أمره وعزل عن رأيه فهو كحاله بعد موته في جواز الاختيار. وهل يجوز لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَنُصَّ عَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ، كَمَا ينص على أهل العهد؟ فقد قيل: يجوز، لأنها من حقوق خلافته. وقياس مذهبنا أنه لا يجوز لوجهين. أحدهما: أنها تقف على اختيار جميع أهل الحل والعقد. والثاني: أن إمامة المعهود إليه تنعقد بعد موته باختيار أهل الوقت. فإن قال: قد عهدت الأمر إلى فلان، فإن فلان مات قبل موتى أو تغيرت حاله فالإمام بعده فلان - وذكر آخر - جاز ذلك، وكان هذا عهدًا إليه بالشرط. فإن بقي الأول إلى وفاة العاهد سليمًا كان هو الإمام دون الثاني، وإن مات قبل موت الإمام أو تغيرت حاله بأحد ثلاثة أشياء كان الثاني هو الإمام المعهود إليه. وكذلك إن قال: فإن مات الثاني أو تغيرت حاله فالخليفة فلان صح، وكان ذلك على الترتيب.
والأصل فيه ما رواه الدارقطني في الإفراد بإسناده قال لما وجه رسول الله - ﷺ- القوم إلى مؤتة قال: عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة " وروى سيف بإسناده قال: " لما أنفذ عمر - ﵁ - بالجيش إلى نهاوند قال: قد أمرت حذيفة بن اليمان حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن، وقد كتبت إلى النعمان: إن حدث بك حدث فعلى الناس حذيفة، وإن حدث بحذيفة حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن". وذكر أيضًا أن أبا عبيد عهد إلى الناس فقال " إن قتلت فعلى الناس جبر، فإن قتل فعليكم
[ ٢٦ ]
فلان، فإن قتل فعليكم المرقال". وذلك في يوم الجسر. فإن عهد إلى رجل ثم قال: فإن مات المعهود إليه بعد نظره وإفضاء الخلافة إليه فالإمام بعده فلان، أخذ بذكره، فإن ذكره وعهد إليه أولا هو الإمام بعده، وإذا مات المعهود إليه أو انعزل بحدوث معنى لم يكن للذي بعده ولاية ولا عهد. لأن الأمر صار لمن جعله ولي عهده بعده فإذا صار إمامًا حصل التصرف والنظر إليه والاختيار إليه، وكان العهد إليه فيمن يراه. ويفارق هذا الفصل الذي قبله؛ لأنه جعل العهد إلى غيره عند موته وتغير صفاته في الحالة التي لم يثبت للمعهود إليه إمامة، بل كاننت إمامة الأول باقية، فلهذا صح عهده إلى من يراه. ولا يجب على كافة الناس معرفة الإمام بعينه واسمه، إلا من هو من أهل الاختيار الذين تقوم بهم الحجة وتنعقد بهم الخلافة. ويجوز أن يسمي خليفة لمن عقد له الأمر، ويسمي خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- لِأَنَّهُ خَلَفَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- في أمته. وهل يجوز أن يقال: خليفة الله تعالى؟ فقد قيل يجوز، لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى (هو الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بعض درجات) وقيل لا يجوز، لأنه إنما يستخلف من يغيب أو يموت، والله تعالى لا يغيب ولا يموت. وقيل لأبي بكر: يا خليفة الله.
فقال: " لست خليفة اللَّهِ وَلَكِنِّي خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- ". ويلزم الإمام من أمور الأمة عشرة أشياء:
أحدها: حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة. فإن زاغ ذو شبهة عنه بين له الحجة وأوضح لَهُ الصَّوَابَ، وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ، لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا مِنْ خَلَلٍ وَالْأُمَّةُ ممنوعة من الزلل.
الثَّانِي: تَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَقَطْعُ الْخِصَامِ بينهم، حتى تظهر النَّصَفَةُ، فَلَا يَتَعَدَّى ظَالِمٌ وَلَا يَضْعُفُ مَظْلُومٌ.
الثالث: حماية البيضة والذب عن الحوزة لِيَتَصَرَّفَ النَّاسُ فِي الْمَعَايِشِ وَيَنْتَشِرُوا فِي الْأَسْفَارِ آمنين.
الرابع: إقَامَةُ الْحُدُودِ لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الِانْتِهَاكِ، وَتُحْفَظَ حُقُوقُ عِبَادِهِ مِنْ إتْلَافٍ وَاسْتِهْلَاكٍ.
الخامس: تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ، حَتَّى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرمًا ويسفكون فيها دمًا لمسلم أو معاهد.
السادس: جِهَادُ مَنْ عَانَدَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يسلم أو يدخل في الذمة.
[ ٢٧ ]
السابع: جِبَايَةُ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ نصًا واجتهادًا مع غير عسف.
الثامن: تقدير العطاء وَمَا يَسْتَحِقُّ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ سرف ولا تقصير فيه، وَدَفْعُهُ فِي وَقْتٍ لَا تَقْدِيمَ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرَ.
التَّاسِعُ: اسْتِكْفَاءُ الْأُمَنَاءِ وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يفوضه إلَيْهِمْ مِنْ الْأَعْمَالِ وَيَكِلُهُ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَمْوَالِ لا تقديم فيه ولا تأخير.
الْعَاشِرُ: أَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ مُشَارَفَةَ الْأُمُورِ وَتَصَفُّحَ الأحوال ليهتم بِسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ، وَلَا يُعَوِّلُ عَلَى التَّفْوِيضِ تَشَاغُلًا بِلَذَّةٍ أَوْ عِبَادَةٍ، فَقَدْ يَخُونُ الْأَمِينُ وَيَغُشُّ النَّاصِحُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (يَا دَاوُد إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فاحكم بين الناس بالحق لا تتبع الهوى) فلم يقتصر سبحانه على التفويض دون المباشرة. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ- "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته". وإذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب له عليهم: الطاعة، والنصرة، مالم يوجد من جهته ما يخرج به عن الإمامة، والذي يخرج به عن الإمامة شيئان.
الجرح في عدالته، والنقص في ذلك بما يقتضي صحة الإمامة، وتأولناه على أن هناك عذرًا يمنع من اعتبار العدالة حالة العقد، كما كان العذر مؤثرًا في الفاضل.
فصل في ولايات الإمام
وما يصدر عن الإمام من ولايات خلفائه أربعة أقسام: أحدها: مَنْ تَكُونُ وِلَايَتُهُ عَامَّةً فِي الْأَعْمَالِ الْعَامَّةِ، وهم الوزراء لأنهم مستنابون في جميع النظرات من غير تخصيص. الثَّانِي: مَنْ تَكُونُ وِلَايَتُهُ عَامَّةً فِي أَعْمَالٍ خاصة. وهم الأمراء للأقاليم وَالْبُلْدَانِ. لِأَنَّ النَّظَرَ فِيمَا خُصُّوا بِهِ مِنْ الأعمال عام في جميع الأمور. الثَّالِثُ: مَنْ تَكُونُ وِلَايَتُهُ خَاصَّةً فِي الْأَعْمَالِ العامة، وهم مثل قاضي الْقُضَاةِ وَنَقِيبِ الْجُيُوشِ وَحَامِي الثُّغُورِ، وَمُسْتَوْفِي الْخَرَاجِ، وَجَابِي الصَّدَقَاتِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْصُورٌ على نظر خاص في جميع الأعمال. الرابع: من تكون ولايته خاصة في أعمال خاصة. وهم مثل قاضي بَلَدٍ، أَوْ إقْلِيمٍ، أَوْ مُسْتَوْفِي خَرَاجِهِ، أَوْ جابي صدقاته، أو حامي يغره، أو نقيب جنده؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَاصُّ النَّظَرِ مَخْصُوصُ الْعَمَلِ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْوُلَاةِ شُرُوطٌ تنعقد بها ولايته ويصح نظره نذكرها في مواضعها.
[ ٢٨ ]
أما تقليد الوزارة فجائز، لما حكاه الله تعالى عن نبيه موسى ﵇ (واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) وإذا جَازَ ذَلِكَ فِي النُّبُوَّةِ كَانَ فِي الْإِمَامَةِ أجوز، لأن مَا وُكِّلَ إلَى الْإِمَامِ مِنْ تَدْبِيرِ الْأُمَّةِ لا يقدر على مباشرة جميعه إلا بالاستنابة، نيابة الوزير المشارك فِي التَّدْبِيرِ أَصَحُّ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ مِنْ تفرده بها ليستظهر به على نفسه، وليكون أبعد من الزلل، وأمنع من الخلل. فأما اشتقاق الوزارة، فقييل أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوِزْرِ، وَهُوَ الثِّقَلُ لِأَنَّهُ يتحمل عن الملك أثقاله، وقيل أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَزَرِ، وَهُوَ الْمَلْجَأُ. وَمِنْهُ قوله تعالى (كلا لا وزر) أَيْ لَا مَلْجَأَ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلِكَ يلجأ إلى رأيه ومعونته. وقيل: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْأَزْرِ، وَهُوَ الظَّهْرُ، لِأَنَّ الملك يقوى بتوزيره كقوة البدن بالظهر. والوزارة عل ضربين: وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ.
أما وزارة التفويض فهي أَنْ يَسْتَوْزِرَ الْإِمَامُ مَنْ يُفَوِّضُ إلَيْهِ تَدْبِيرَ الأمور برأيه، وإمضاءها على اجتهاده، فيعتبر في تقليد هذه الوزارة شُرُوطِ الْإِمَامَةِ. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِفَايَةِ فِيمَا وُكِّلَ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ والخراج خبيرًا بهما "فإنه مباشر لهما تارة بنفسه، وتارة يستنب فيهما ولا يَصِلُ إلَى اسْتِنَابَةِ الْكُفَاةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ منهم، كما لايقدر على المباشرة إذا اقصر عنهم. ويفتقر تقليده لفظ الخليفة، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى عَقْدٍ، وَالْعُقُودُ لَا تصح إلا بالقول، فإن وقع له بالنظر أو أذن له فيه، فقياس المذهب: أنه يصح التقليد بناء على إيقاع الطلاق بالكتابة. وتشتمل الوزارة على لفظين. أحهما: عموم النظر. والثاني: النيابة. فإن اقتصر به على عموم النظر دون النيابة لم تنعقد به الوزارة، وإن اقتصر به على النيابة لم تنعقد أيضًا. فإذا جمع بينهما انعقدت. والجمع بينهما أن يقول" قَلَّدْتُكَ مَا إلَيَّ نِيَابَةً عَنِّي " فَتَنْعَقِدُ بِهِ الوزارة لأنه جمع بين عموم النظر والاستنابة، فإن قال " نُبْ عَنِّي فِيمَا إلَيَّ" احْتَمَلَ أَنْ تَنْعَقِدَ الْوَزَارَةُ، لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ عُمُومِ النَّظَرِ وَالِاسْتِنَابَةِ. وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تَنْعَقِدَ بِهِ الْوَزَارَةُ، لأنه إذن يحتاج أَنْ يَتَقَدَّمَهُ عَقْدٌ. وَالْإِذْنُ فِي أَحْكَامِ الْعُقُودِ لا تصح به العقود. فإن قَالَ: "قَدْ اسْتَنَبْتُكَ فِيمَا إلَيَّ" انْعَقَدَتْ بِهِ الْوَزَارَةُ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ مُجَرَّدِ الْإِذْنِ إلَى ألفاظ العقود. فإن قَالَ " اُنْظُرْ فِيمَا إلَيَّ" لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ الْوَزَارَةُ، لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي تَصَفُّحِهِ أَوْ فِي تَنْفِيذِهِ أَوْ فِي الْقِيَامِ بِهِ، وَالْعَقْدُ لا يلتزم بلفظ محتمل.
فإن قال " قد استوزرتك تعويلًا على نيابتك" انعقدت الْوَزَارَةُ، لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ عُمُومِ النَّظَرِ فيما جعل إلَيْهِ بِقَوْلِهِ" اسْتَوْزَرْتُكَ" لِأَنَّ نَظَرَ الْوَزَارَةِ عَامٌّ، وتثبت النيابة بقوله " تعويلًا على نيابتك" وخرجت عن وزارة التقليد إلى وزارة التفويض، فإن قال: " فوضت إليك وزارتي" ويحتمل أن لا تنعقد به هـ ذه الْوَزَارَةُ، لِأَنَّ ذِكْرَ التَّفْوِيضِ فِيهَا يُخْرِجُهَا عَنْ وزارة التنفيذ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَنْعَقِدَ، لِأَنَّ التَّفْوِيضَ مِنْ أحكام هذه الوزارة فافتقر إلى عقد ينفذ به، والأول أشبه فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ " قَدْ فَوَّضْنَا إلَيْكَ الوزارة" صح؛ لأن ولاة الأمور يكتبون أنفسهم بلفظ الجمع
[ ٢٩ ]
ويعظمونها عَنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَيْهِمْ فَيُرْسِلُونَهُ، فَيَقُومُ قَوْلُهُ" فوضنا إليك" مقام قوله " فوضت" وقوله " الوزارة " مقام قوله" وزارتي" فإن قال " قد قلدتك وزارتي" أو قال " قد قلدتك والوزارة" لَمْ يَصِرْ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ وُزَرَاءِ التَّفْوِيضِ حتى يبيبه بِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّفْوِيضَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يقول فيما حكاه عن موسى (واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُجَرَّدِ الْوَزَارَةِ حَتَّى قَرَنَهَا بشد أزره وإشراكه في أمره. وعلى الوزير وزارة التفويض مطالعة الإمام بما أَمْضَاهُ مِنْ تَدْبِيرٍ وَأَنْفَذَهُ مِنْ وِلَايَةٍ وَتَقْلِيدٍ، لئلا يصير بالاستبداد كالإمام. وعلى الإمام أَنْ يَتَصَفَّحَ أَفْعَالَ الْوَزِيرِ وَتَدْبِيرَهُ الْأُمُورَ لِيُقِرَّ مِنْهَا مَا وَافَقَ الصَّوَابَ وَيَسْتَدْرِكَ مَا خَالَفَهُ. لأن تدبير الأمة، وكول إليه وإلى اجتهاده وَيَجُوزُ لِهَذَا الْوَزِيرِ أَنْ يَحْكُمَ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يقلد الحكم كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ، لِأَنَّ شُرُوطَ الْحُكْمِ فِيهِ مُعْتَبَرَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمَظَالِمِ ويستنيب في تنفيذها لأن شروط الجهاد فِيهِ مُعْتَبَرَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يُبَاشِرَ تَنْفِيذَ الْأُمُورِ الَّتِي دَبَّرَهَا وَأَنْ يَسْتَنِيبَ فِي تَنْفِيذِهَا لِأَنَّ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ فِيهِ مُعْتَبَرَةٌ. وَكُلُّ مَا صَحَّ من الإمام صح من هذا الْوَزِيرِ، إلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: وِلَايَةُ الْعَهْدِ. فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْهَدَ إلَى مَنْ يَرَى، وليس ذلك للوزير.
والثاني: أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَعْفِيَ الْأُمَّةَ مِنْ الْإِمَامَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَزِيرِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ قَلَّدَهُ الْوَزِيرُ وَلَيْسَ لِلْوَزِيرِ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ قَلَّدَهُ الْإِمَامُ وَمَا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَحُكْمُ التَّفْوِيضِ إلَيْهِ يَقْتَضِي جَوَازَ فِعْلِهِ وَصِحَّةِ نُفُوذِهِ مِنْهُ. فَإِنْ عَارَضَهُ الْإِمَامُ فِي رَدِّ مَا أَمْضَاهُ، فَإِنْ كَانَ فِي حُكْمٍ نفذ على وجهه، وفي مَالٍ وُضِعَ فِي حَقِّهِ، لَمْ يَجُزْ نَقْضُ ما نفذ باجتهاده. وإن كَانَ فِي تَقْلِيدِ والٍ، أَوْ تَجْهِيزِ جَيْشٍ، أو تدبير جرب جاز للإمام معارضته فيه بعذل المولى والعدول بالجيش إلى حيث يرى، وتدبيره الْحَرْبِ بِمَا هُوَ أَوْلَى لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يستدرك ذلك من أفعال نفسه، فأولى أن يستدركها من أفعال وزيره. وفارق هذا ما كان من حكم نفذه، أو مال وضعه في حقه، لأنه لما لم يكن لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَدْرِكَ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ نَفْسِهِ فكذلك من أفعال وزيره. فإن قَلَّدَ الْإِمَامُ وَالِيًا عَلَى عَمَلٍ، وَقَلَّدَ الْوَزِيرُ غَيْرَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ، نُظِرَ فِي أَسْبَقِهِمَا بالتقليد، فإن كان الإمام أسبق تقليدًا من الوزير فتقليده أثبت، وَإِنْ كَانَ تَقْلِيدُ الْوَزِيرِ أَسْبَقَ فَإِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْلِيدِ الْوَزِيرِ كَانَ في تقليد الإمام عزل للأول واستئناف تقليد للثاني فَصَحَّ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْلِيدِ الْوَزِيرِ فَتَقْلِيدُ الوزير أثبت. فتصح ولاية الأول دون ولاية الثَّانِي، لِأَنَّ تَقْلِيدَ الثَّانِي مَعَ الْجَهْلِ بِتَقْلِيدِ الأول لا يكون عزلا، وإنما يكون عزلا لو علم بحالة فيصير بالقول معزولًا، لا بتقليد غيره. فإن كَانَ النَّظَرُ مِمَّا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ صَحَّ تقليدهما وكانا مشتركين في النظر. وإن كَانَ مِمَّا لَا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ كَانَ تَقْلِيدُهُمَا مَوْقُوفًا عَلَى عَزْلِ أَحَدِهِمَا وَإِقْرَارِ الْآخَرِ. فَإِنْ تَوَلَّى ذَلِكَ الْإِمَامُ جَازَ أَنْ يَعْزِلَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَيُقِرَّ الْآخَرَ وَإِنْ
[ ٣٠ ]
تَوَلَّاهُ الْوَزِيرُ جَازَ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ اخْتَصَّ بِتَقْلِيدِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ قَلَّدَهُ الإمام. فهذا حكم وزارة التفويض.
وَأَمَّا وَزَارَةُ التَّنْفِيذِ فَحُكْمُهَا أَضْعَفُ، وَشُرُوطُهَا أَقَلُّ، لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهَا مَقْصُورٌ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وتدبيره، وهذا الوزير وسيط بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّعَايَا وَالْوُلَاةِ، يُؤَدِّي عَنْهُ مَا أمر، وينفذ مَا ذَكَرَ، وَيُمْضِي مَا حَكَمَ، وَيُخْبِرُ بِتَقْلِيدِ الولاة، وتجهيز الجيش والحماة، ويعرض عليه ما ورد منهم وتجدد من حدث ملمّ ليعمل فيه بما يُؤْمَرُ بِهِ، فَهُوَ مُعِينٌ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وليس بوال عليها ولا متقلد لَهَا. فَإِنْ شُورِكَ فِي الرَّأْيِ كَانَ بِاسْمِ الوزارة أخص، وإن لم يشترك فيه كان باسم الوساطة والسفارة أشبه. ولا تَفْتَقِرُ هَذِهِ الْوَزَارَةُ إلَى تَقْلِيدٍ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فيها مجرد الإذن ومطلق الاسم. ولا يعتبر فِي الْمُؤَهَّلِ لَهَا الْحُرِّيَّةُ وَلَا الْعِلْمُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِوِلَايَةٍ وَلَا تَقْلِيدٍ فَتُعْتَبَرُ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِلْمُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَقْصُورُ النظر علىأمرين: أن يؤدي إلى الخليفة وأن يُؤَدِّيَ عَنْهُ، فَيُرَاعِي فِيهِ سَبْعَةَ أَوْصَافٍ: أَحَدُهَا: الأمانة حتى لا يخون فيما ائتمن فيه. الثاني: صدق اللهجة حتى يوثف بِخَبَرِهِ فِيمَا يُؤَدِّيهِ وَيُعْمَلَ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا ينهيه. الثالث: قلة الطمع حتى لا يرتشى فيمايل، ولا ينخدع فيتساهل. الرابع: أَنْ يَسْلَمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ عداورة وشحناء، لأن الْعَدَاوَةَ تَصُدُّ عَنْ التَّنَاصُفِ وَتَمْنَعُ مِنْ التَّعَاطُفِ. الخامس: أَنْ يَكُونَ ذُكُورًا لِمَا يُؤَدِّيهِ إلَى الْخَلِيفَةِ وعنه لأنه شاهد له وعليه. السادس: الذكاء والفطنة، حتى لا تلدس عَلَيْهِ الْأُمُورُ فَتَشْتَبِهَ، وَلَا تُمَوَّهَ عَلَيْهِ فَتَلْتَبِسَ فلا يصح مع اشتباهها عزم، ولايتم مع التباسها حزم. السابع: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَيُخْرِجُهُ الهوى عن الحق إلى الباطل، ويتدلس عليه المحق المبطل، فإن الهوى خادرع الألباب، وضارف عن الصواب، وقد روى بعضهم عن النَّبِيُّ - ﷺ- " حُبُّكَ الشَّيْءَ يعمي ويصم". فإن كان هذ الْوَزِيرُ مُشَارِكًا فِي الرَّأْيِ احْتَاجَ إلَى وَصْفٍ ثَامِنٍ وَهُوَ الْحِنْكَةُ وَالتَّجْرِبَةُ الَّتِي تُؤَدِّيهِ إلَى صِحَّةِ الرَّأْيِ وَصَوَابِ التَّدْبِيرِ. فَإِنَّ فِي التَّجَارِبِ خبرة لعواقب الْأُمُورِ. وَإِنْ لَمْ يُشَارَكْ فِي الرَّأْيِ لَمْ يحتج إلى هذا الوصف.
ولا يجوز أن يقوم بِذَلِكَ امْرَأَةٌ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهَا مَقْبُولًا، لِمَا تضمنه من معاني الولايات المصروفة عن النساء. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ- " مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إلَى امْرَأَةٍ".
[ ٣١ ]
ولأن فيها طلب الرأي وثبات العزم وما يضعف عنه النساء، والبروز في مباشرة الأمور مما هو عليهن محظور. وقد قيل: إنه يجوز أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَزِيرُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وإن لم يكن وزير التفويض منهم، إلَّا أَنْ يَسْتَطِيلُوا فَيَكُونُوا مَمْنُوعِينَ مِنْ الِاسْتِطَالَةِ. وكان الفرق بينهما من وجوه أربعة: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ مُبَاشَرَةُ الْحُكْمِ وَالنَّظَرُ فِي الْمَظَالِمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ، ولأنه لا يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِتَقْلِيدِ الْوُلَاةِ وليس ذلك لوزير التنفيذ. ولأنه يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِتَسْيِيرِ الْجُيُوشِ وتدبير الحرب وليس ذلك لوزير التنفيذ. ولأنه لا يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَمْوَالِ بيت المال بقبض ما يستحق له ودفع مَا يَجِبُ فِيهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ. فبان بهذا أنهما قد افترقا في حقوق النظر من هذه الوجوه الأربعة. ويفترقان أيضا في أربعة شروط: أَحَدُهَا: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي وَزَارَةِ التَّفْوِيضِ وغير معتبرة في وزارة التنفيذ. الثاني: أن الإسلام مُعْتَبَرٌ فِي وَزَارَةِ التَّفْوِيضِ وَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي وزارة التنفيذ. الثالث: أن العلم بأحكام الشريعة مُعْتَبَرٌ فِي وَزَارَةِ التَّفْوِيضِ وَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي وزارة التنفيذ. الرابع: المعرفة بأمر الحرب والخراج معتبرة في التفويض فِي وَزَارَةِ التَّفْوِيضِ وَغَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي وَزَارَةِ التنفيذ. وقد ذكر الخرقي ما يدل على أنه يجوز أن يكون وزير التنفيذ من أهل الذمة، لأنه قال " ولا يعطى من الصدقة لكافر ولا عبد" إلا أن يكونوا من العاملين فيعطوا بحق ما عملوا ". وروي عن أحمد ما يدل على المنع، لأنه قال في رواية أبي طالب - وقد سئل: نستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ فقال " لا يستعان بهم في شيء".
ويكون الوجه فيه قوله تعالى (لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم إلا خبالًا) وقوله تعالى (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) وقوله ﵊ " لا تأمنوهم إذ خونهم الله". ويجوز للخليفة أن يقلد وزيري تنفيذ نظرت، فإن فوض إلى كل واحد منهما عموم النظر لم يصح لما ذكرنا. ثم ننظر، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَطَلَ تَقْلِيدُهُمَا مَعًا. وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ صَحَّ تَقْلِيدُ السابق وبطل تقليد المسبوق، وإن أشرك بينهما في النظر على اجتماعهما فيه ولم يَجْعَلَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ صح، وتكون الوزارة فيهما لا في النظر منهما، ولهما تنفيذ ما اجتمعا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُمَا تَنْفِيذُ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى رَأْيِ الْخَلِيفَةِ وَخَارِجًا عَنْ نظر هذه الوزارة، وتكون هذه الوزارة تقصر عن وزارة التفويض المطلق من وجهين:
[ ٣٢ ]
أَحَدُهُمَا: اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى تَنْفِيذِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. الثاني: زَوَالُ نَظَرِهِمَا عَمَّا اخْتَلَفَا فِيهِ. فَإِنْ اتَّفَقَا بعد الاختلاف نظرت، فَإِنْ كَانَ عَنْ رَأْيٍ اجْتَمَعَا عَلَى صَوَابِهِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ دَخَلَ فِي نَظَرِهِمَا وَصَحَّ تنفيذه منهما، لأن تقدم الِاخْتِلَافِ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كان عن مُتَابَعَةِ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ مَعَ بَقَائِهِمَا عَلَى الرَّأْيِ المختلف فهو خروج مِنْ نَظَرِهِمَا، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْوَزِيرِ تنفيذ ما لا يراه صوابًا. فإن لم يشرك بينهما في النظر، بل أفرد كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَمَلٍ يَكُونُ فِيهِ عَامَّ النَّظَرِ خَاصَّ الْعَمَلِ، مِثْلَ أَنْ يَرُدَّ إلَى أَحَدِهِمَا وَزَارَةَ بِلَادِ الْمَشْرِقِ، وَإِلَى الْآخَرِ وَزَارَةَ بلاد المغرب، أو يَخُصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَظَرٍ يَكُونُ فِيهِ عَامَّ الْعَمَلِ، خَاصَّ النَّظَرِ، مِثْلَ أَنْ يَسْتَوْزِرَ أحدهما على الحرب والآخر على الخراج، صح تقليدهما عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ وَزِيرَيْ تَفْوِيضٍ، وَيَكُونَانِ وَالِيَيْنِ عَلَى عَمَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لِأَنَّ وَزَارَةَ التَّفْوِيضِ مَا عَمَّتْ وَنَفَذَ أَمْرُ الوزير فِي كُلِّ عَمَلٍ وَكُلِّ نَظَرٍ، وَيَكُونُ تَقْلِيدُ كل واحد منهما مقصورا على ما خص بِهِ. وَلَيْسَ لَهُ مُعَارَضَةُ الْآخَرِ فِي نَظَرِهِ أو عمله.
وَيَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يُقَلِّدَ وَزِيرَيْنِ، وَزِيرَ تَفْوِيضٍ ووزير تنفيذ، فوزير التفويض مطلق التصرف، ووزير التنفيذ مقصور على تنفيذ ما صدرت بِهِ أَوَامِرُ الْخَلِيفَةِ. وَلَا يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ أن يولي معزولًا ولا يَعْزِلَ مُوَلًّى. وَيَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يُوَلِّيَ معزولًا ويعزل مولاه، ولا يجوز له أن يعزل من ولاه الخليفة. وليس لوزير التفويض أَنْ يُوَقِّعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ الْخَلِيفَةِ إلا بإذنه. وَيَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يُوَقِّعَ عَنْ نَفْسِهِ إلَى عُمَّالِهِ وَعُمَّالِ الْخَلِيفَةِ، وَيَلْزَمُهُمْ قَبُولُ تَوْقِيعَاتِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَقِّعَ عَنْ الْخَلِيفَةِ إلَّا بأمره في عموم وخصوص. وَإِذَا عَزَلَ الْخَلِيفَةُ وَزِيرَ التَّنْفِيذِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْوُلَاةِ. وَإِذَا عَزَلَ وَزِيرَ التَّفْوِيضِ انْعَزَلَ بِهِ عُمَّالُ التَّنْفِيذِ، وَلَمْ يَنْعَزِلْ به عمال التفويض لأن عمالة التنفيذ نيابة، وعمالة التفويض ولاية. وَيَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ نَائِبًا عَنْهُ. وَلَا يَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّنْفِيذِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ تَقْلِيدٌ. فَصَحَّ مِنْ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ، وَلَمْ يَصِحَّ مِنْ وَزِيرِ التَّنْفِيذِ. وَإِذَا نَهَى الْخَلِيفَةُ وَزِيرَ التَّفْوِيضِ عَنْ الِاسْتِخْلَافِ لم يكن لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الوزيرين متصرف عن أمر الخليفة ونهيه وإن اقترف حُكْمُهُمَا مَعَ إطْلَاقِ التَّقْلِيدِ. وَإِذَا فَوَّضَ الْخَلِيفَةُ تدبير الأقاليم إلى ولاتها وكل النظر فيها إلى المستولي عليها. فالذي عليه أهل زماننا جواز ذلك. وَكَانَ حُكْمُ وَزِيرِهِ مَعَهُ كَحُكْمِ وَزِيرِ الْخَلِيفَةِ مع الخليفة في اعتبار
[ ٣٣ ]
الوزارتين. [تقليد الإمارة] وَإِذَا قَلَّدَ الْخَلِيفَةُ أَمِيرًا عَلَى إقْلِيمٍ أَوْ بلد، نظرت، فإن كانت إمارته عامة - وهو أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ الْخَلِيفَةُ إمَارَةَ بَلَدٍ أَوْ إقْلِيمٍ، وِلَايَةً عَلَى جَمِيعِ أَهْلِهِ، وَنَظَرًا فِي الْمَعْهُودِ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِهِ - فَيَصِيرُ عَامَّ النَّظَرِ فيما كان محدودًا من عمله. ويشمل نَظَرُهُ فِيهِ عَلَى سَبْعَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: النَّظَرُ في تدبير الجيش، وترتبيهم فِي النَّوَاحِي، وَتَقْدِيرِ أَرْزَاقِهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الخليفة قدّرها. الثاني: النظر في الأحكام، وتقليد القضاة والحكام.
وقد نقل إسحاق بن إبراهيم عن أحمد في القوم يغزون مع الأمير أمر عليهم، فأمر ذلك الأمير أمرًا آخر، فقال: "إذا كان صاحبه أمره بذلك فلا بأس". ظاهر هذا: أنه إذا لم يأمره لم يجز. وهذا محمول على إمارة خاصة، ويأتي شرحها. الثالث: جباية الخراج، وقبض الصدقات، وتقليد العمال، وتفريق ما يستحق منها. الرابع: حماية الحريم، والذب عن البيضة، ومراعاة الدين، من تغيير أو تبديل. الخامس: إقامة الحدود في تحق الله تعالى وحقوق الآدميين. السادس: الإمامة في الجمع والجماعات، حتى يقوم بها، أو يستخلف عليها. السابع: تسيير الحجيج من عمله، ومن غَيْرِ أَهْلِهِ، حَتَّى يَتَوَجَّهُوا مُعَانِينَ عَلَيْهِ. فَإِنْ كان هذا الإقليم ثغرًا متاخما للعدو جاهد مَنْ يَلِيهِ مِنْ الْأَعْدَاءِ، وَقَسْمُ غَنَائِمِهِمْ فِي المقاتلة، وأخذ خمسها لأهل الخمس. ويعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض. ثُمَّ يَنْظُرُ فِي عَقْدِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ، فَإِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ قَدْ تَوَلَّاهُ، كَانَ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ عليه حق المراعاة والتصفح. وإن لم يَكُنْ لَهُ عَزْلُهُ، وَلَا نَقْلُهُ مِنْ إقْلِيمٍ إلى إقليم غَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ الْوَزِيرُ قَدْ تَفَرَّدَ بِتَقْلِيدِهِ، نظرت فإن قلده عن الخليفة لم يجز له عزله ولا نقله من عمل إلى غيره، إلا عن إذن الخليفة. وَلَوْ عُزِلَ الْوَزِيرُ لَمْ يَنْعَزِلْ هَذَا الْأَمِيرُ، وإن قلده عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ نَائِبٌ عَنْهُ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَزْلِهِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِهِ، بِحَسَبِ مَا يؤديه الاجتهاد إليه من النظر في الأصلح. ولو أطلق تَقْلِيدَ هَذَا الْأَمِيرِ، فَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِأَنَّهُ عن نفسه ولا عن الخليفة، كَانَ التَّقْلِيدُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بعزله، متى عزل الوزير انعزل هذا الأمير، إلا أن يقرّه الخليفة
[ ٣٤ ]
عَلَى إمَارَتِهِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ تَجْدِيدَ وِلَايَةٍ وَاسْتِئْنَافَ تقليد، غير أنه لا يحتاج في ألفاظ الْعَقْدِ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ من الشروط. ويكفي أن يقول الخليفة " قد أقررتك على ولايتك".
ويحتاج في ابتداء تقليدها أن يقول " قَلَّدْتُكَ نَاحِيَةَ كَذَا إمَارَةً عَلَى أَهْلِهَا" وَنَظَرًا في جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، عَلَى تَفْصِيلٍ لَا يدخله إجمال، ولا يتناوله احتمال". وإذا قلد الخليفة هذه الأمور لم يكن فيها غزل لِلْوَزِيرِ عَنْ تَصَفُّحِهَا وَمُرَاعَاتِهَا، وَإِذَا قَلَّدَ الْوَزَارَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَزْلٌ لِهَذَا الْأَمِيرِ عَنْ إمَارَتِهِ، لِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ عُمُومُ التَّقْلِيدِ وَخُصُوصُهُ فِي الْوِلَايَاتِ السُّلْطَانِيَّةِ كَانَ عُمُومُ التَّقْلِيدِ مَحْمُولًا فِي الْعُرْفِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَخَصِّ وَتَصَفُّحِهِ، وَكَانَ خُصُوصُ التَّقْلِيدِ مَحْمُولًا عَلَى مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ وَتَنْفِيذِهِ. ولا يجوز لهذا الوزير أن يستوزر وزيرًا إلا عن إذن الخليفة وبأمره، لِأَنَّ وَزِيرَ التَّنْفِيذِ مُعَيَّنٌ، وَوَزِيرَ التَّفْوِيضِ مُسْتَبِدٌّ. وَإِذَا أَرَادَ هَذَا الْأَمِيرُ أَنْ يَزِيدَ فِي أرزاق الجيش لِغَيْرِ سَبَبٍ لَمْ يَجُزْ، لِمَا فِيهِ مِنْ استهلاك مال في غر حَقٍّ، وَإِنْ زَادَهُمْ لِحُدُوثِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ نُظِرَ فِي السَّبَبِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ. كَالزِّيَادَةِ لِغَلَاءِ سِعْرٍ، أَوْ حُدُوثِ حَدَثٍ، أَوْ نَفَقَةٍ فِي حَرْبٍ، جَازَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَدْفَعَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَلْزَمُهُ استثمار الخليفة فيها، لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقٍ السِّيَاسَةِ الْمَوْكُولَةِ إلَى اجْتِهَادِهِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الزِّيَادَةِ مِمَّا يَقْتَضِي اسْتِقْرَارَهَا على التأبيد، كالزيادة في الحرب أبلوا فيها وقاموا بالنصر حتى انجلت، وقف ذلك على استثمار الخليفة، ولم يكن له التفرد بإمضائها. ويجوز له أَنْ يَرْزُقَ مَنْ بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ الْجَيْشِ وَيَفْرِضَ لَهُمْ الْعَطَاءَ بِغَيْرِ أَمْرٍ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْرِضَ لِجَيْشٍ مُبْتَدَإٍ إلَّا بِأَمْرٍ. وَإِذَا فَضَلَ مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ فَاضِلٌ عَنْ أَرْزَاقِ جَيْشِهِ حَمَلَهُ إلَى الْخَلِيفَةِ، لِيَضَعَهُ فِي بَيْتِ المال العالم الْمُعَدِّ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. وَإِذَا فَضَلَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ فَاضِلٌ عَنْ أَهْلِ عَمَلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ إلَى الْخَلِيفَةِ، وَصَرْفُهُ فِي أَقْرَبِ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ مِنْ عَمَلِهِ. وَإِذَا نَقَصَ مَالُ الْخَرَاجِ عن أرزاق جيشه طالب الخليفة بتمامها من بيت المال، وإن نَقَصَ مَالُ الصَّدَقَاتِ عَنْ أَهْلِ عَمَلِهِ لَمْ يكن له مطالبة الخليفة بتمامها، لِأَنَّ أَرْزَاقَ الْجَيْشِ مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَحُقُوقُ أَهْلِ الصدقات معتبرة بالوجود.
وإذا تقلد الْأَمِيرِ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ، لَمْ يَنْعَزِلْ بِمَوْتِ الْخَلِيفَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْوَزِيرِ انْعَزَلَ بِمَوْتِ الْوَزِيرِ، لِأَنَّ تَقْلِيدَ الْخَلِيفَةِ نِيَابَةٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَتَقْلِيدَ الْوَزِيرِ نِيَابَةٌ عَنْ نَفْسِهِ.
[ ٣٥ ]
وَيَنْعَزِلُ الْوَزِيرُ بِمَوْتِ الْخَلِيفَةِ وَإِنْ لَمْ يَنْعَزِلْ به الأمير، لأن الوزارة نيابة عن المسلمين. فهذا حكم الْإِمَارَةِ الْعَامَّةِ، وَهِيَ إمَارَةُ الِاسْتِكْفَاءِ الْمَعْقُودَةِ عَنْ اختيار وتقدم. فأما إمارة الْخَاصَّةُ: فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ مَقْصُورَ الْإِمَارَةِ على تدبير الجيوش، وسياسة الرعية، حماية الْبَيْضَةِ، وَالذَّبِّ عَنْ الْحَرِيمِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يتعرض للقضاء والأحكام، ولا لجباية الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ. فَأَمَّا إقَامَةُ الْحُدُودِ، فَمَا افْتَقَرَ منها إلى اجتهاد لاختلاف الفقهاء، أما افتقر إلى إقامة بينة، لتناكر المتنازعين فيه لم يكن لَهُ التَّعَرُّضُ لِإِقَامَتِهَا، لِأَنَّهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْخَارِجَةِ عَنْ خُصُوصِ إمَارَتِهِ. وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى اجتهاد وَلَا بَيِّنَةٍ، أَوْ افْتَقَرَ إلَيْهِمَا فَنَفَذَ فِيهِ اجتهاد الحاكم، أو قامت به البينة عنده، نظرت، فَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ - كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ - كَانَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا بِحَالِ الطَّالِبِ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلَى الحاكم كان الحاكم أحق باستيفائه له، لدخوله في جملة الحقوق التي ندب الحكام إلَى اسْتِيفَائِهَا. وَإِنْ عَدَلَ الطَّالِبُ بِاسْتِيفَاءِ الْحَدِّ أو القصاص إلَى هَذَا الْأَمِيرِ كَانَ الْأَمِيرُ أَحَقَّ بِاسْتِيفَائِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعُونَةٌ عَلَى استيفاء حق، وصاحب المعونة هو الأمير أحق باستيفائه، لأنه ليس يحكم، وإنما هو معونة على استيفاء حق، وصاحب المعونة هو الأمير دون الحاكم، وإن كَانَ هَذَا الْحَدُّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى المحضة، كحدّ الزنا: جلد أو رجم، فَالْأَمِيرُ أَحَقُّ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ الْحَاكِمِ، لِدُخُولِهِ فِي قَوَانِينِ السِّيَاسَةِ، وَمُوجِبَاتِ الْحِمَايَةِ، وَالذَّبِّ عَنْ الْمِلَّةِ فَدَخَلَ فِي حُقُوقِ الْإِمَارَةِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إلَّا بِنَصٍّ، وَخَرَجَ مِنْ حُقُوقِ الْقَضَاءِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إلَّا بِنَصٍّ.
وَأَمَّا نَظَرُهُ فِي الْمَظَالِمِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا نَفَذَتْ فِيهِ الْأَحْكَامُ، وَأَمْضَاهُ الْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ جَازَ لَهُ النَّظَرُ فِي استيفائه، معونة للمحق على المبطل، وانتزاعا للحق من المعترف المماطل، لأنه موكول إليه الْمَنْعِ مِنْ التَّظَالُمِ وَالتَّغَالُبِ، وَمَنْدُوبٌ إلَى الْأَخْذِ بالتعاطف والتناصف. وإن كَانَتْ الْمَظَالِمُ مِمَّا تُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْأَحْكَامُ وَيُبْتَدَأُ فيها بالقضاء، مُنِعَ مِنْهُ هَذَا الْأَمِيرُ، لِأَنَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ يَتَضَمَّنْهَا عَقْدُ إمَارَتِهِ، وَرَدَّهُمْ إلَى حَاكِمِ بَلَدِهِ، فَإِنْ نَفَذَ حُكْمُهُ لِأَحَدِهِمْ بِحَقٍّ قَامَ بِاسْتِيفَائِهِ إنْ ضَعُفَ عَنْهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ لم يكن في بلده حاكم عدل بهما إلَى أَقْرَبِ الْحُكَّامِ مِنْ بَلَدِهِ، إنْ لَمْ يَلْحَقْهُمَا فِي الْمَصِيرِ إلَيْهِ مَشَقَّةٌ، فَإِنْ لَحِقَتْ لم يكلفهما ذلك، واستأمير الخليفة فيما تنازعاه ونفذ فيه حكمه. وَأَمَّا تَسْيِيرُ الْحَجِيجِ مِنْ عَمَلِهِ فَدَاخِلٌ فِي أَحْكَامِ إمَارَتِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعُونَاتِ الَّتِي ندب إليها.
[ ٣٦ ]
وأما إمارة الصلاة في الجمع والأعياد والجنائز فالأمراء أخص بها من القضاة وقد قال: أحمد في رواية ابن القاسم "إذا حضر الأمير فهو أحق على ما فعل الحسين بن علي". فَإِنْ تَاخَمَتْ وِلَايَةُ هَذَا الْأَمِيرِ ثَغْرًا، لَمْ يَبْتَدِئَ جِهَادَ أَهْلِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ عليه دفعهم وحربهم إن هجموا عليه بغير إذن، لِأَنَّ دَفْعَهُمْ مِنْ حُقُوقِ الْحِمَايَةِ، وَمُقْتَضَى الذَّبِّ عَنْ الْحَرِيمِ. وَيُعْتَبَرُ فِي وِلَايَةِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي وَزَارَةِ التَّنْفِيذِ، وَزِيَادَةُ شَرْطَيْنِ، هما: الإسلام، والحرية، لأجل ما تضمنتها من الولاية على الأمور الدينية التي لَا تَصِحُّ مَعَ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ، وَلَا يُعْتَبَرُ فيها العمل والفقه، فإن كَانَ فَزِيَادَةُ فَضْلٍ. فَصَارَتْ شُرُوطُ الْإِمَارَةِ الْعَامَّةِ معتبرة بشرو وزارة التفويض، لاستوائهما في عموم النظر، وإن افترقا فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ. وَشُرُوطُ الْإِمَارَةِ الْخَاصَّةِ تَقْصُرُ عَنْ شُرُوطِ الْإِمَارَةِ الْعَامَّةِ، بِشَرْطٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْعِلْمُ، لِأَنَّ لِمَنْ عَمَّتْ إمَارَتُهُ أَنْ يَحْكُمَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِمَنْ خَصَّتْ إمَارَتُهُ.
وَلَيْسَ عَلَى أحد من هذين الأمرين مطالعة الخليفة بما أمضياه في عملهما على مقتضى إمارتهما إلا على وجه الاحتياط، فإن حدث غير معهود وقفاه على مطالعة الإمام، وعملا فيه برأيه. فإن خافا من اتساع الخرق - إن وقفاه - قاما بما يدفع الخصومة، حتى يرد عليهما أمر الْخَلِيفَةِ فِيمَا يَعْمَلَانِ بِهِ، لِأَنَّ رَأْيَ الْخَلِيفَةِ أمضى في الحوادث النازلة لإشرافه على عموم الأمور. فأما إمارة الاستيلاء التي تعقد على اضْطِرَارٍ فَهِيَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ الْأَمِيرُ بِالْقُوَّةِ عَلَى بلاده يُقَلِّدُهُ الْخَلِيفَةُ إمَارَتَهَا، وَيُفَوِّضُ إلَيْهِ تَدْبِيرَهَا وَسِيَاسَتَهَا فيكون الأمير باستيلائه مستبدًا بالخليفة في تدبير السياسة، وتنفيذ الأحكام الدينية ليخرج عن الفساد إلى الصحة، وعن الْحَظْرِ إلَى الْإِبَاحَةِ. وَهَذَا وَإِنْ خَرَجَ عَنْ عرف التقليد المطلق، ففيه من حقظ القوانين الشرعية ما لا يجوز أن يترك فاسدا، فَجَازَ فِيهِ مَعَ الِاسْتِيلَاءِ وَالِاضْطِرَارِ مَا امْتَنَعَ في تقليد الاستكفاء والاختيار.
[ ٣٧ ]
والذي يتحفظ بقليد المستولي من قوانين الشرع سبعة: أَحَدُهَا: حِفْظُ مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ فِي خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ، وتدبير أمور الملة. الثاني: ظهور الطاعة التي يزول معها حكم العناد، وينتفى بها مأثم المباينة. الثالث: اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر، ليكون المسلمون يدًا على من سواهم. الرابع: أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة، وأحكام القضاة نافذة فيها. الخامس: أن يكون استيفاء الأموال بحق، على وجه يبرأ منه المؤدي لها. السادس: أن تكون الحدود مستوفاة بحق. السابع: أن يكون حافظًا للدين، يأمر بحقوق الله، ويدعو إلى طاعته من عصى. فإذا كملت فيه شروط الاختيار كان تقليده حتمًا، استدعاء لطاعته، ودفعًا لمشاقته، وَصَارَ بِالْإِذْنِ لَهُ نَافِذَ التَّصَرُّفِ فِي حُقُوقِ الملة، وأحكام الأمة، وجاز له أَنْ يَسْتَوْزِرَ وَزِيرَ تَفْوِيضٍ وَوَزِيرَ تَنْفِيذٍ.
فَإِنْ لم يكمل في المستولى شروط الاختيار جاز إظْهَارُ تَقْلِيدِهِ اسْتِدْعَاءً لِطَاعَتِهِ، وَحَسْمًا لِمُخَالَفَتِهِ وَمُعَانَدَتِهِ، وكان نفوذ تصرفه في الحقوق والأحكام موقوفا على أن يستنيب لهم الخليفة فيها من قَدْ تَكَامَلَتْ فِيهِ شُرُوطُهَا، لِيَكُونَ كَمَالُ الشُّرُوطِ فيمن أضيف إلى نيابته جبرانًا لِمَا أَعْوَزَ مِنْ شُرُوطِهَا فِي نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ التقليد للمستولى، والتنفيذ من المستناب، لأن الضَّرُورَةَ تُسْقِطُ مَا أَعْوَزَ مِنْ شُرُوطِ الْمُكْنَةِ. وإذا صَحَّتْ إمَارَةُ الِاسْتِيلَاءِ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ إمَارَةِ الِاسْتِكْفَاءِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ إمارة الاستيلاء متعينة في المستولى، وإمارة الاستكفاء مقصورة على اختيار المستكفى. الثاني: أَنَّ إمَارَةَ الِاسْتِيلَاءِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْبِلَادِ الَّتِي غلب عليها المستولي، وَإِمَارَةَ الِاسْتِكْفَاءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْبِلَادِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عهد المستكفي. الثالث: إمَارَةَ الِاسْتِيلَاءِ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْهُودِ النَّظَرِ وَنَادِرِهِ، وَإِمَارَةُ الِاسْتِكْفَاءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَعْهُودِ النَّظَرِ دُونَ نادره. الرابع: أَنَّ وَزَارَةَ التَّفْوِيضِ تَصِحُّ فِي إمَارَةِ الِاسْتِيلَاءِ ولا تصح في إمارة الاستكفاء، ليقع الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْتَوْلِي وَوَزِيرِهِ فِي النَّظَرِ، لِأَنَّ نَظَرَ الْوَزِيرِ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَلِلْمُسْتَوْلِي أَنْ يَنْظُرَ فِي النَّادِرِ وَالْمَعْهُودِ، وَإِمَارَةُ الِاسْتِكْفَاءِ مَقْصُورَةٌ على النظر في الْمَعْهُودِ، فَلَمْ تَصِحَّ مَعَهَا وَزَارَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مثلها من النظر في المعهود، لاشتباه حال الوزير والمستوزر.
[ ٣٨ ]
[تقليد الإمارة على الجهاد] فأما الإمارة على الجهاد فهي مختصة بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ. وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلَى سِيَاسَةِ الْجَيْشِ، وَتَدْبِيرِ الْحَرْبِ، فيعتبر فيها شروط الإمارة الخاصة. والثاني: أَنْ يُفَوَّضَ إلَى الْأَمِيرِ فِيهَا جَمِيعُ أَحْكَامِهَا: مِنْ قَسْمِ الْغَنَائِمِ، وَعَقْدِ الصُّلْحِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شروط الإمارة العامة، وهي أكثر الولايات الخاصة أحكامًا، وأوفرها فصولًا. وَحُكْمُهَا إذَا خُصَّتْ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهَا إذَا عمت.
وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ إذَا عَمَّتْ ستة: الأول: في تسيير الجيش، وعليه في ذلك سَبْعَةُ حُقُوقٍ: أَحَدُهَا: الرِّفْقُ بِهِمْ فِي السَّيْرِ الذي يقدر عليه أضعفهم، ويحفظ بِهِ قُوَّةُ أَقْوَاهُمْ، وَلَا يَجِدَّ السَّيْرَ، فَيَهْلَكْ الضعيف. الثاني: أن يتفقد خيلهم التي يجاهدون عليها، فلا يدخل في خيل الجهاد كبيرًا أو صغيرًا ولا أعجب هزيلًا، لأنه ربما كان ضعفها وهنا. وقد قال تَعَالَى (٨: ٦٠ - وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ومن رباط الخيل) ويمنع من حمل زائد على طاقتها. الثالث: أَنْ يُرَاعِيَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ. وَهُمْ صنفان: مسترزقة، ومتطوعة. أما الْمُسْتَرْزِقَةُ فَهُمْ أَصْحَابُ الدِّيوَانِ، مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ، فيفرض لهم العطاء من بيت المال بحسب الغناء وَالْحَاجَةِ. وَأَمَّا الْمُتَطَوِّعَةُ، فَهُمْ الْخَارِجُونَ عَنْ الدِّيوَانِ من البوادي وَسُكَّانِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، الَّذِينَ خَرَجُوا فِي النَّفِيرِ، اتباعا لقوله تعالى (٩: ٤١ - انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا في بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) . وقد قيل في تأويل قوله تعالى " خفافًا وثقالًا ". أربعة أوجه: أَحَدُهَا: شُبَّانًا وَشُيُوخًا، قَالَهُ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ. وَالثَّانِي: أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ، قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ. وَالثَّالِثُ: رُكْبَانًا ومشاة، قاله أبو عمرو. الرابع: ذَا عِيَالٍ، وَغَيْرِ ذِي عِيَالٍ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وقد قيل: إن هؤلاء يعطون من الصدقات ولا يعطون من الفيء، من سهم سبيل الله المذكور في آية الصدقات ولا يعطون مِنْ الْفَيْءِ، لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الصَّدَقَاتِ، وَلَا يعطى أهل الفيء
[ ٣٩ ]
المسترزقة في الدِّيوَانِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الفيء. وظاهر كلام أحمد ﵀ يقتضي جواز صَرْفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ إلَى كُلِّ واحد من الفريقين، بحسب الحاجة، فقال في رواية الأثرم " يحمل من الزكاة في السبيل". قال الله تعالى (وفي سبيل الله) قال: وبلغني أن قوما يقولون: لا يحمل منها في السبيل، لا أدري يعني لأي شيء يذهبون". وقال في رواية عبد الله - في الغني إذا خرج في سبيل الله " يأكل من الصدقة".
فقد أجاز دفعها في سبيل الله، ولم يفرق بين أهل الديوان وبين المتطوعة، واحتج بالآية، وهي عامة. الرابع: أن يعرّف على الفريقين العرفاء، وينقب عليهم النُّقَبَاءَ، لِيَعْرِفَ مِنْ عُرَفَائِهِمْ وَنُقَبَائِهِمْ أَحْوَالَهُمْ، وَيَقْرَبُونَ عليه إذا دعاهم. وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ في مغازيه. وقال تعالى (٤٩: ١٣ - وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا) . قيل: إن الشعوب: النسب الأبعد، والقبائل: النسب الأقرب قاله مجاهد. وقيل الشعوب: عرب قحطان، والقبائل: عرب عدنان. وقيل: الشُّعُوبَ: بُطُونُ الْعَجَمِ، وَالْقَبَائِلَ: بُطُونُ الْعَرَبِ. وَالْخَامِسُ: أن يجعل لك طائفة شعارًا يتداعون إليه ليصيروا به متميزين، وبالاجتماع فيه متظاهرين، وقد رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ: يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَشِعَارَ الْخَزْرَجِ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، وَشِعَارَ الْأَوْسِ: يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَمَّى خَيْلَهُ خَيْلَ اللَّهِ". السادس: أن يتصفح الجيش ومن فيه، فيخرج مِنْهُمْ مَنْ كَانَ فِيهِ تَخْذِيلٌ لِلْمُجَاهِدِينَ، وَإِرْجَافٌ بالمسلمين، أو عين عليهم للمشركين، قد رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- ابن أبيّ بن سلول في بعض غزواته، لتخذيله المسلمين.
[ ٤٠ ]
السابع: أَنْ لَا يُمَالِئَ مَنْ نَاسَبَهُ، أَوْ وَافَقَ رَأْيَهُ وَمَذْهَبَهُ عَلَى مَنْ بَايَنَهُ فِي نَسَبٍ، أَوْ خَالَفَهُ فِي رَأْيٍ وَمَذْهَبٍ، فَيُظْهِرُ مِنْ أحوال المباينة ما تفترق به الكلمة الجامعة، تشاغلًا بالتقاطع والاختلاف. قد أَغْضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- عَنْ الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ أَضْدَادٌ فِي الدِّينِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ حُكْمَ الظَّاهِرِ، حَتَّى قَوِيَتْ بِهِمْ الشَّوْكَةُ، وكثر بهم العدد، وقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٨: ٤٦ - وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ ريحكم) قيل فيه: المراد بالريح الدولة، قاله أبو عبيد. وقيل: الْمُرَادَ بِهَا الْقُوَّةُ. فَضَرَبَ الرِّيحَ بِهَا مَثَلًا، لأن الريح لها قوة. ومن أحكام هذه الإمارة: تدبير الحرب.
والمشركون في دار الحرب على ضربين: أحدهما: من بلغتهم الدعوة، وقلّ أن يكون اليوم قوم لم تبلغهم الدعوة، إلا أن يكون قوم من وراء الترك والروم في مبادي المشرق وأقاصي المغرب، فيحرم عليه الإقدام على قتالهم غرّة قبل إظهار الدعوة، وإعلامهم معجزات النبوة. وقال اللَّهُ تَعَالَى (١٦: ١٢٥ - اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) يعني: ادع إلى دين ربك بالحكمة، قيل: بالنبوة، وقيل: بالقرآن، وقيل: " والموعظة الحسنة": بالقرآن في لين من القول، وقيل: مَا فِيهِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ " وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هي أحسن": أَيْ يُبَيِّنُ لَهُمْ الْحَقَّ، وَيُوَضِّحُ لَهُمْ الْحُجَّةَ. فَإِنْ بَدَأَ بِقِتَالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ إلَى الْإِسْلَامِ لم يضمن ديات نفوسهم، وكانت دماؤهم هدرًا. وإذا تكاملت الصفوف في الحرب جاز لم قاتل من المسلمين أن يعلم بما يشتهر به في الصفوف ويتميز به من جميع الجيش، وأن يَرْكَبَ الْأَبْلَقَ. وَإِنْ كَانَتْ خُيُولُ النَّاسِ دُهْمًا أو شقرا وقد قال أحمد في رواية حنبل " والعصائب في الحرب تستحب. لقوله تعالى (مسوّمين) وذلك لما روي عبيد الله بن عون عن عمير بْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "تَسَوَّمُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ".
[ ٤١ ]
وَيَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ إلَى الْبِرَازِ إذَا دُعِيَ إليه، ويدعو إليه ابتداء، نص عليه في رواية المهموني وابن مشيش: في الرجل يعرف نفسه بالجلد يدعو إلى البراز. والوجه فيه ماروي" أن أبيّ بن خلف دعا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ، فَبَرَزَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ". وَأَوَّلُ حَرْبٍ شَهِدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- يَوْمَ بدر "بزر فيها من المشركين: عتبة ابن ربيعة، وابنه الوليد، وأخوه شيبة، ودعوا للبراز، فبرز إليهم من الأنصار: عَوْفٌ وَمَسْعُودٌ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رواحة، فقالوا: ليبرز إلينا أكفاؤنا من قومنا. فبرز إليهم ثلاثة من بني هاشم: علي ابن أَبِي طَالِبٍ إلَى الْوَلِيدِ، فَقَتَلَهُ، وَبَرَزَ حَمْزَةُ إلى شيبة، فقتله. وبرز عبيدة بن الحارث إلى عتبة، فاختلفا ضربتين ".
ولأن في الدعاء إلى البراز قُوَّةٍ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَنُصْرَةِ رَسُولِهِ. وقد ندب النبي - ﷺ- ظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَأَخَذَ سَيْفًا فَهَزَّهُ، وَقَالَ: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ فَقَامَ إلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ، سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، فَقَالَ: وَمَا حَقُّهُ يا رسول الله؟ فقال: أن تضرب به فِي الْعَدُوِّ حَتَّى يَنْحَنِيَ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ، وَأَعْلَمَ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ، كَانَ إذَا أَعْلَمَ بِهَا عَلِمَ الناس أنه سيقاتل ويبلي".
[ ٤٢ ]
وتجوز المبارزة بشرطين: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَا نَجْدَةٍ وَشَجَاعَةٍ، يَعْلَمُ من نفسه أن لن يعجز عن مقاومة عدو، فَإِنْ كَانَ بِخِلَافِهِ مُنِعَ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ زَعِيمًا لِلْجَيْشِ، يُؤَثِّرُ فَقْدُهُ فِيهِمْ. فَإِنَّ فقد الزعيم المدبر يفضي إلَى الْهَزِيمَةِ. وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- إنما أقدم على البراز ثقة بنصر الله تعالى، وَإِنْجَازِ وَعْدِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. وَيَجُوزُ لِأَمِيرِ الجيش إذا حضّ على الجهاد أن يعرّض لِلشَّهَادَةِ مِنْ الرَّاغِبِينَ فِيهَا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ قتله في المعركة يؤثر أَمْرَيْنِ: إمَّا تَحْرِيضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ حَمِيَّةً له، أو تخذيل المشركين بالجرأة عليهم في نصر الدين. وقد روي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- خَرَجَ مِنْ الْعَرِيشِ يَوْمَ بدر، فحرض الناس على الجهاد، وَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُقَاتِلُهُمْ الْيَوْمَ رجل، فيقتل مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ إلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجنة". وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فِي حَرْبٍ ولا غيرها، ما لم يقاتلوا، لنهي النبي - ﷺ- عن قتلهم. وإذا تترسوا في الحرب بنسائهم وأطفالهم، ولم يوصل إلى قتالهم إلا بقتل النساء والأطفال جاز قتلهم، ولا يقصدون النساء والصبيان. وكذلك إن تترسوا بأسارى المسلمين، ولم يتوصل إلى قتلهم إلا بقتل الأسراء، ذكره أبو بكر في كتاب الخلاف. وقد أومأ إليه أحمد في رواية بكر بن محمد: "في القوم يحاصرون فيتقون بأولاد المسلمين، ينصبونهم أمامهم، فأحب إليّ أن لا يعرض لهم، إلا أن يخافوا أن يخرجوا عليهم، ويكون تركهم ضررًا للمسلمين، فيرميهم".
وَيَجُوزُ عَقْرُ خَيْلِهِمْ مِنْ تَحْتِهِمْ إذَا قَاتَلُوا عليها، وقد عقر حنظلة بن أبي عامر فَرَسَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ، واستعلى عليه ليقتله، فرآه ابن شعوب فثار إلى حنظلة. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْقِرَ فَرَسَهُ، لأنها قُوَّةٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِعْدَادِهَا فِي جِهَادِ عدوه بقوله (٨: ٦٠ - وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) . وقد روي " أن جعفر بن أبي طالب اقتحم يوم مؤتة عن فرس له شقراء حين التحم القتال، ثم نزل عنها وعقرها".فيحتمل أن يكون فعل ذلك لئلا يتقوى به المشركون على المسلمين.
[ ٤٣ ]
ومن أحكام هذه الإمارة ما يلزم أَمِيرِ الْجَيْشِ فِي سِيَاسَتِهِمْ، وَاَلَّذِي يَلْزَمُهُ فِيهِمْ عشرة أشياء: أحدها: حراسته من غرّة يظفر بها العدو. وذلك بأن يتتبع المكامن فيحفظها عليهم ويحوط أسوارهم بحرس من يؤمنون به على أنفسهم ورحالهم، لِيَسْكُنُوا فِي وَقْتِ الدَّعَةِ، وَيَأْمَنُوا مَا وَرَاءَهُمْ في وقت المحاربة. الثاني: أن يتخير لهم المنازل - موضع نزولهم- لمحاربة عدوهم، بأن يكون أوطأ الأرض مكانًا، وأكثرها مَرْعًى وَمَاءً، وَأَحْرَسَهَا أَكْنَافًا وَأَطْرَافًا، لِيَكُونَ أَعْوَنَ لهم على المنازلة. الثالث: إعداد ما يحتاج إليه الجيش: من زاد وعلوفة، تفرق عليهم في أوقات الْحَاجَةِ حَتَّى تَسْكُنَ نُفُوسُهُمْ إلَى مَادَّةٍ يَسْتَغْنُونَ بها عن طلبهم، لِيَكُونُوا عَلَى الْحَرْبِ أَوْفَرَ" وَعَلَى مُنَازَلَةِ الْعَدُوِّ أقدر. الرابع: أن يعرف أخبار عدوه، حتى يقف عليهم، ويتصفح أحوالهم، فيأمن مكرهم، ويلتمس الغرّة في الهجوم عليهم. الخامس: ترتيب الجيش في مصاف الحرب، والتعويل من كُلِّ جِهَةٍ عَلَى مَنْ يَرَاهُ كُفُؤًا لَهَا، ويتفقد الصفوف من خلل فِيهَا، وَيُرَاعِي كُلَّ جِهَةٍ يَمِيلُ الْعَدُوُّ عَلَيْهَا بمدد يكون عونًا لها. السادس: أَنْ يُقَوِّيَ نُفُوسَهُمْ بِمَا يُشْعِرُهُمْ مِنْ الظَّفَرِ، ويخيل لهم مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، لِيَقِلَّ الْعَدُوُّ فِي أَعْيُنِهِمْ، فيكونون عليه أجرأ. قال تَعَالَى (٨: ٤٣ - إذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) .
السابع: أَنْ يَعِدَ أَهْلَ الصَّبْرِ وَالْبَلَاءِ مِنْهُمْ بِثَوَابِ الله، إن كانوا من أهل الآخرة،
[ ٤٤ ]
والجزاء وَالنَّفَلِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الدنيا. قال تَعَالَى (٣: ١٤٥ - وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) . الثامن: أن يشاور ذوي الرأي فيما أعضل من الأمور، وَيَرْجِعَ إلَى أَهْلِ الْحَزْمِ فِيمَا أَشْكَلَ، لِيَأْمَنَ من الْخَطَأَ وَيَسْلَمَ مِنْ الزَّلَلِ، فَيَكُونَ مِنْ الظَّفَرِ أقرب. قال تعالى لنبيه - ﷺ- (٣: ١٥٩ - وشاروهم فِي الْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) فقد أمره بالمشاورة مع ما أمدّه من التوفيق، وأعانه من التأييد. التاسع: أَنْ يَأْخُذَ جَيْشَهُ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى من حقوقه، حتى لا يكون بينهم تجوّز في الدين. العاشر: أَنْ لَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ جَيْشِهِ أَنْ يتشاغل بتجارة أو زراعة، يصرفه الاهتمام بها عن مصابرة العدو. ومن أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ مَا يَلْزَمُ الْمُجَاهِدِينَ مَعَهُ مِنْ حُقُوقِ الْجِهَادِ. وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَلْزَمُهُمْ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: مَا يلزمهم في حق الأمير عليهم. أما اللَّازِمُ لَهُمْ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَأَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: مُصَابَرَةُ الْعَدُوِّ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجَمْعَيْنِ، وأن لا ينهزم عدد من مثليه فما دون. فقد كَانَ اللَّهُ تَعَالَى فَرَضَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَاتِلَ عَشَرَةً مِنْ الكفار، بقوله تعالى (٨: ٦٥ - الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مائتين، وإن يكن منكم ألفًا يغلبوا ألفين بإذن الله) . وَحَرَّمَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْهَزِمَ مِنْ مِثْلَيْهِ، إلَّا لِإِحْدَى حَالَتَيْنِ: إمَّا أَنْ يَتَحَرَّفَ لِقِتَالٍ، فَيُوَلِّي لِاسْتِرَاحَةٍ أَوْ لِمَكِيدَةٍ وَيَعُودُ إلَى قتالهم، وإما أن تيحيز إلى فئة أخرى أو متحيزًا إلى فئة قتالهم لقوله تَعَالَى (٨: ١٦ - وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بغضب من الله) . وسواء قربت الفئة التي تحيز إليها أو بعدت. فإن عجز عن
[ ٤٥ ]
مقاومة مثليه وأشرف على القتال، إن ثبت لم يجز أن يولي عنهم منهزمًا.
قال الخرقي " ولا يجوز للمسلم أن يهرب من كافرين" ومباح له أن يهرب من ثلاثة فإن خشي الأسر قاتل حتى يقتل". الثاني: أَنْ يَقْصِدَ بِقِتَالِهِ نُصْرَةَ دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وإبطال ما خالفه من الأديان، فيكون مطيعًا لله تعالى في أوامره. وَلَا يَقْصِدُ بِجِهَادِهِ اسْتِفَادَةَ الْمَغْنَمِ، فَيَصِيرُ مِنْ المتكسبين، لا من المجاهدين. والأصل فيه: أن النبي - ﷺ- لما فادى أسارى بدر بالمال عاتب الله نبيه على ما فعل، فقال تعالى (٨: ٦٧ - مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حتى يثخن في الأرض) . يعني القتل (تريدون عرض الدنيا) يعني مال الفداء (الله يريد الآخرة) يعني العمل بما يوجب ثواب الآخرة. الثالث من حقوق الله: أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ فِيمَا حَازَهُ مِنْ الْغَنَائِمِ، ولا يغل أحد منه شيئًا حتى تقسم بين جميع الغانمين ممن شهد الوقعة، وكانوا على العدوّ يدا واحدة. لأن لكلّ واحد منهم فيها حقا. وَالرَّابِعُ: مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى: أَنْ لَا يمالئ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ذَا قُرْبَى، وَلَا يُحَابِي فِي نصرة الله ذا مودة. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٦٠: ١ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ): نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَقَدْ كتب كتابًا إلى أهل مكة، يعلمهم فيه حال مسير النبي - ﷺ- إليهم. فأما ما يلزمهم في حق الأمير عليهم أربعة أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: الْتِزَامُ طَاعَتِهِ، وَالدُّخُولُ فِي وِلَايَتِهِ. قال تَعَالَى (٤: ٥٩ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ والرسول وأولي الأمر منكم) .قيل: هم الأمراء. وقيل: هم العلماء. وروى أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ- قال " مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني".
[ ٤٦ ]
الثاني: أَنْ يُفَوِّضُوا الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ، وَيَكِلُوهُ إلَى تدبيره حتى لا تختلف آراؤهم، وقد قَالَ تَعَالَى (٤: ٨٤ - وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) .
فَإِنْ ظَهَرَ لَهُمْ صَوَابٌ خَفِيَ عَلَيْهِ بَيَّنُوهُ لهم، وأشاروا به عليه، وقد ندب الله تعالى إلى المشاورة. الثالث: أن يسارعوا إلى امتثال أمره، والوقوف عند نهيه وزجره، فإن توقفوا عما أمرهم، وأقدموا على ما نهاهم عنه، كان له تأديبهم على المخالفة حسب أحوالهم، ولا يغلط فينفر، وقد قال الله تعالى لنبيه (٣: ١٥٩ - وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حولك) . وروى ابن المسيب عن النَّبِيَّ - ﷺ- قَالَ: "خَيْرُ دينكم أيسره". الرابع: أن لا ينارعوه في الغنائم إذا قسموها بينهم، ويرضوا فيها بتعديل القسمة عليهم.
ومن أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ مُصَابَرَةُ الْأَمِيرِ قِتَالَ الْعَدُوِّ وأن يطاول به، ولا يولي عنهم وَفِيهِ قُوَّةٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٣: ٢٠٠ - يَا أَيُّهَا الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا) . قيل فيه: اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَصَابِرُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، ورابطوا في سبيل الله. وقيل: اصْبِرُوا عَلَى الْجِهَادِ، وَصَابِرُوا الْعَدُوَّ، وَرَابِطُوا بِمُلَازَمَةِ الثغر. وَإِذَا كَانَتْ مُصَابَرَةُ الْقِتَالِ مِنْ حُقُوقِ الْجِهَادِ، فَهِيَ لَازِمَةٌ حَتَّى يُظْفَرَ بِخَصْلَةٍ مِنْ أَرْبَعِ خصال: إحداهن: أن يسلموا، فيحرزوا بالإسلام دماءهم وأموالهم. ويتبعهم في الإسلام صغار الأولاد. الثانية: أن يظفره الله تعالى، فيسبي ذراريهم، ويغنم أموالهمن ويقتل من لم يحصل في الأسر. وَيَكُونُ فِي الْأَسْرَى مُخَيَّرًا فِي اسْتِعْمَالِ الْأَصْلَحِ من أربعة أشياء: أن يقتلهم صبرًا، فيضرب العنق. الثاني: أن يسرقهم، وَيُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الرِّقِّ: مِنْ بَيْعٍ، أَوْ عتق. الثالث: أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ عَلَى مَالٍ أَوْ أَسْرَى. الرابع: أن يمن عليهم، ويعفو عنهم.
[ ٤٧ ]
الخصلة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبْذُلُوا مَالًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَالْمُوَادَعَةِ، فيجوز أن يقبله منهم، ويوادعهم عليه، وهو عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْذُلُوهُ لِوَقْتِهِمْ، وَلَا يَجْعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، فَهَذَا الْمَالُ غَنِيمَةٌ، لِأَنَّهُ مأخوذ بإيجاف الخيل والركاب، فَيُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَمَانًا لَهُمْ فِي الِانْكِفَافِ بِهِ عَنْ قِتَالِهِمْ فِي هَذَا الْجِهَادِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ جِهَادِهِمْ فِيمَا بَعْدُ. الضرب الثَّانِي: أَنْ يَبْذُلُوهُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَيَكُونُ خراجا مستمرًا، ويستقر به الأمان، والمأخوذ منهم في العام الأول وغنيمة تُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَمَا يُؤْخَذُ فِي الْأَعْوَامِ المستقبلة هو فيء يُقَسَّمُ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يعاد جِهَادَهُمْ مَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ، لاستقرار الموادعة بالأمان عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَإِنْ مَنَعُوا الْمَالَ زَالَتْ الموادعة، وارتفع الأمان، ولزم جهادهم وهم كغيرهم من أهل الحرب. فإن حمل أهل الحرب هدية، ابتدأوا بها، لم يحصل لهم بالهداية عهد، وجاز حربهم بعدها، لأن العهد كناية عن عقد. الخصلة الرابعة: أن يسألوا الأمان والمهادنة.
فيجوز ذلك، عند تعذر الظفر بهم، وعند أخذ المال منهم. وقد هَادَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- قريشًا عام الحديبية عشر سنين ذكره أبو بكر في كتاب الخلاف. فإن هادنهم أكثر منها بطلت الهدنة فيما زاد. وإذا نقضوا العهد صاروا حربا، يجاهدون من غير إيذان. قَدْ نَقَضَتْ قُرَيْشٌ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ فَسَارَ إلَيْهِمْ رسول الله - ﷺ- عام الفتح، حتى فتح مكة عنوة. وإذا نقضوا العهد لم يجز قتل من في أيدينا من رهائنهم. ذكره أبو بكر في الخلاف - في أواخر أبواب السير- فقال: أخبرني أحمد بن الحسين قال: وجدت في كتاب أخي: حدثني المبارك بن سليمان قال " سئل أحمد بن حنبل عن قوم من المشركين، بيننا وبينهم كتاب، لا يغزونا ولا نغزوهم، ولا يقتلون لنا تاجرًا، ولا نقتل لهم، ويعطونا على ذلك الرهائن. ثم إنهم نكثوا وقتلوا، فما تقول في الرهائن؟ قال: ليس عليهم شيء". وظاهر هذه منع قتلهم.
[ ٤٨ ]
ونقلت من مسائل أبي عبد الله النيسابوري - بطالقان - عن أحمد " أنه سئل عن أهل الحرب، إذا أخذوا من المسلمين رهائن وأعطوا رهنا، ثم قتلوا رهننا، هل لنا أن نقتل رهنهم كما قتلوا؟ فكأنه ذهب إلى أن نقتل رهنهم". والدلالة على أنهم لا يقتلون: ما رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ- أنه قال " أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". وروي أن الروم نقضوا عَهْدَهُمْ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ، وَفِي يَدِهِ رَهَائِنُ، فَامْتَنَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا مِنْ قَتْلِهِمْ، وَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ، وَقَالُوا " وفاء بغدر خير من غدر بغدر". وإذا لم يجز قتل الرهائن لم يجب إطلاقهم، ما لم نحاربهم، إذا حوربوا وجب إطلاق رهائنهم، وألحقوا بمأمنهم. ويجوز أن يشترط فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ رَدَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رجالهم، إذا أمنوا على رده، فإن لم يأمنوا لم يجز رده عليهم. ولا يجوز رد من أسلم من نسائهم، فإن شرط رد رهن لم يجز رد رهن. وإذا لم تدع الضرورة إلى عقد الهدنة لم تجز مهادنتهم، ويجوز موادعتهم أربعة أشهر.
ويصح الأمان الخاص من الرجل والمرأة والحر والعبد. ومن أحكام هذه الإمارة أنه يجوز لأمير الجيش، في حصار العدو عليهم العرادات والمنجنيقات وقد نصب النبي - ﷺ- عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ مَنْجَنِيقًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَهْدِمَ عَلَيْهِمْ مَنَازِلَهُمْ، وَيَضَعَ عليهم البيات والتحريق. وإن رأى في قطع نخلهم وشجرهم صلاحًا يضعفهم به ليظفر بهم، أو يدخلوا في السلم
[ ٤٩ ]
فعل، وإن لم ير ذلك صلاحًا لم يفعله. وقد قطع النبي - ﷺ- كُرُومَ أَهْلِ الطَّائِفِ فكان سببا لإسلامهم. وَأَمَرَ فِي حَرْبِ بَنِي النَّضِيرِ بِقَطْعِ نَوْعٍ مِنْ النَّخْلِ يُقَالُ لَهُ الْأَصْفَرُ، يُرَى نَوَاهُ من وراء اللحاء، وكانت النخلة منها أحب إليهم من الوصيف. وقد نقل الجماعة عن أحمد، منهم المروزي، قال "إن فعلوا بنا فعلنا بهم" وقال " لا أذهب إليه إلا إذا فعلوا بنا ذلك". وقد منع من البداية وأجازه على المقابلة. ونقل الأثرم عنه قال " أكرهه، إلا أن يكون ذلك يغيظهم ويبلغ منهم". وقال الميموني: سئل أبو عبد الله " أيماء أكثر: يحرق في بلاد الروم، أو لا يحرق؟ قال: التحريق أكثر وأثبت". وظاهر هذا: جواز ذلك، إذا كان فيه نكاية. وَيَجُوزُ أَنْ يُغَوِّرَ عَلَيْهِمْ الْمِيَاهَ، وَيَقْطَعَهَا عَنْهُمْ، وإن كان فيهم نساء وأطفال، لأنه أبلغ في الظفر بهم. وَإِذَا اسْتَسْقَى مِنْهُمْ عَطْشَانُ، كَانَ الْأَمِيرُ مُخَيَّرًا بين سقيه ومنعه، كما كان مخيرا بين قتله وتركه. وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَارَاهُ عَنْ الْأَبْصَارِ، وَلَمْ يلزمه تكفينه. قد أمر النبي - ﷺ- بِقَتْلَى بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّقَ بِالنَّارِ حيًا أو ميتًا، لقوله - ﷺ- " لَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ بِعَذَابِ اللَّهِ ". وَقَدْ حرق أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - قَوْمًا مِنْ أهل الردة. وَمَنْ قُتِلَ مِنْ شُهَدَاءِ الْمُسْلِمِينَ زُمِّلَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا، وَدُفِنَ بِهَا، وَلَمْ يغسل. وفي الصلاة عليه روايتان.
ولا يمنع الجيش من أكل طعامهم، وعلوفة دوابهم في ذلك الحرب، غَيْرَ مُحْتَسِبٍ بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَتَعَدَّوْا الْقُوتَ والعلوفة إلى ما سواها من ملبوس ومركوب، فإن دعتهم ضرورة
[ ٥٠ ]
إلى ذلك كان ما لبسوه وركبوه مُسْتَرْجَعًا مِنْهُمْ فِي الْمَغْنَمِ، إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَمُحْتَسَبًا عَلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِهِمْ إنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب، في (الصابون) يوجد في بلاد الروم يغسل به الرجل قال " لا"، ليس هو طعام، ولا يغسل به". وقال أيضًا - في رواية إسحاق بن إبراهيم - في الرجل يسقطه سوطه يأخذ قضيبا من الشجر يعمل منه مقرعة، فقال "أرى أن يطرح في المغنم، أو يطرح ثمنها في المغنم". ونقلت من مسائل إسحاق بن إبراهيم - في الرجل يحتاج إلى الدابة من دواب السبي يركبها؟ قال: نعم، ولا يعجفها قيل له: يأخذ السيف، ويلبس الثياب؟ قال: نعم، واحتج بحديث ابن مسعود "أنه أخذ سيف أبي جهل فضربه به". وقد عمل به في ذلك الوقت. وسئل عن الثياب يحتاج إليها، قال "يلبس ثيابهم، فإذا بلغ المغنم طرحها فيه". وظاهر هذا، أنه جعل له الثياب والسلاح. وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةً من السبي إلا أن يعطاها بسهمه، ويطؤها بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ. فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ عُزِّرَ، ولم يُحَدُّ، لِأَنَّ لَهُ فِيهَا سَهْمًا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ مهرها، يضاف إلَى الْغَنِيمَةِ. فَإِنْ أَحْبَلَهَا لَحِقَ بِهِ وَلَدُهَا، وصارت أم ولد لهم إن ملكها، فإن وَطِئَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي السَّبْيِ حُدَّ، ولم يلحق به ولدها إن علقت. وإذا عقدت هذه الإمارة على غزاة وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ لِأَمِيرِهَا أَنْ يَغْزُوَ غَيْرَهَا سَوَاءٌ غَنِمَ فِيهَا أَوْ لَمْ يَغْنَمْ. وَإِذَا عُقِدَتْ عُمُومًا عَامًا بَعْدَ عَامٍ، لَزِمَهُ مُعَاوَدَةُ الغزو في كل وقت يقدر عليه، وَلَا يَفْتُرُ عَنْهُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ إلَّا قَدْرَ الِاسْتِرَاحَةِ. وَأَقَلُّ مَا يَجْزِيهِ: أَنْ لَا يعطل عاما من جهاد. ويلزم هذا الأمير: أن ينظر في أحوال المجاهدين، ويقيم الحدود عليهم، وَلَا يَنْظُرُ فِي أَحْكَامِ غَيْرِهِمْ مَا كَانَ سائرا إلى ثغره. فإن اسْتَقَرَّ فِي الثَّغْرِ الَّذِي تَقَلَّدَهُ جَازَ أَنْ ينظر في أحكام جميع أهله من مقاتلة ورعية.
وإن كانت إمارته خاصة أجرى عليه أحكام الخصوص. فأما قتال أهل الردة فإنه واجب بعد إنذارهم ثلاثة أيام، سواء كان المرتد رجلًا أو امرأة. وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمُرْتَدِّ عَلَى رِدَّتِهِ بِجِزْيَةٍ ولا عهد، ولا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تنكح منهم امرأة. وَإِذَا قُتِلَ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، لِخُرُوجِهِ بِالرِّدَّةِ عنهم،
[ ٥١ ]
ولا في مقابر المشركين، لما تقدمت له من حرمة الإسلام، ولكن يوارى مقبورًا، وَيَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، مصروفا في أهل الفيء، ولا يرثه عنه وارث مسلم ولا كافر. وإذا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ كَانَ مَالُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ إلَى الإسلام أعيد إليه، وإن هلك على الردة صار فيئا. فإن انحازوا في دار ينفردون بها عن المسلمين حتى صاروا فيها ممتنعين، نحو بلد القرمطي وجب قِتَالُهُمْ عَلَى الرِّدَّةِ بَعْدَ مُنَاظَرَتِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ واستتابتهم، ويقاتلون قتال أهل الحرب مقبلين ومدبرين. ومن أسر منهم قتل صَبْرًا إنْ لَمْ يَتُبْ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يسترق رجالهم، وتغنم أموالهمن وتسبى ذراريهم الذين حدثوا بعد الردة. وقد قال أحمد - ﵁ - في رواية أبي طالب في خرّمية كان لهم سهم في قرية، فخرجوا يقاتلون المسلمين. هم المسلمون فأرضوهم فيء للمسلمين من قاتل عليه حتى أخذ، فيؤخذ خمسة يقسم على خمسة أسهم وأربعة أخماس الذين فاءوا مثل ما أخذ عمر السواد، فقد وقفه على المسلمين. وقال - في رواية الفضل - في رجل ارتد في أرض الترك وتزوج فيهم وولد له " يردّون إلى الإسلام إلا أنهم يكونون عبيدًا للمسلمين". وقال في رواية أحمد بن سعيد في المحمرة الخرمية إذا خرجوا حتى ذراري المرتدين سبا الولدان. والوجه في سبي الولدان والذراري والأموال: أنها دار تجري فيها أحكام أهل الحرب فكانت دار حرب دليله أهل الحرب بالكفر الأصلي. والوجه في استرقاق الولد الحادث بعد الردة: أنه كافر ولد من كافرين فجاز استرقاقه كسائر أولاد أهل الحرب.
وما أتلفوا من الأولاد والأنفس في حال تحيزهم بالدار أخذوا بذلك. قال في رواية ابن منصور - في مرتد دار الحرب فقتل أو زنى أو سرق - " يعجبني أن يقام عليه حد ما أصاب هناك". وكذلك قال في رواية مهنا، في المرتد إذا قطع الطريق ولحق بدار الحرب، فأخذه المسلمون: يقام عليه ويقتص منه.
[ ٥٢ ]
والوجه فيه: أنهم قد التزموا أحكام المسلمين، وليس لهم تأويل سائغ، فكان عليهم الضمان. دليله المحاربون في قطع الطريق. ولا يلزم أهل دار الحرب، لأنهم لم يلزموا أحكام المسلمين، ولا يلزم عليه البغاة، لأن لهم تأويلًا سائغًا. ولا يجوز أن يهادنوا على الموادعة، بخلاف أهل دار الحرب. ولا يصالحون على مال يقروا به على ردتهم، بخلاف أهل دار الحرب. ومن ادعيت عليه الردة فأنكرها، كان القول قوله بغير يمين. ولو قامت البينة عليه بِالرِّدَّةِ لَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا بِالْإِنْكَارِ، حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَإِذَا امْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ إلى الإمام العادل جاحدين لها، كانوا مرتدين يجري عليهم حكم أهل الردة. وإن منعوها مع اعترافهم بها بخلا، قاتلهم الإمام، كما قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁، لما منعوا الزكاة ن حتى قال قائلهم: أطعنا رسول الله ما كَانَ بَيْنَنَا فَيَا عَجَبًا، مَا بَالُ مُلْكِ أبو بكر؟. فإن امتنعوا قتلهم على ملة الإسلام، كما يقتل المحاربين بعد أن يستتيبهم ثلاثة أيام، وقد قال أحمد في رواية أبي طالب " إذا قال: الزكاة علىّ ولا أزكي، يقال له، مرتين أو ثلاثًا زكّ. فإن لم يزكّ، يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا ضربت عنقه". فقد نص على قتلهم. وقال في رواية الميموني " إذا منعوا الزكاة، كما منعوا أبا بكر، وقاتلوا عليها، لم يورّثوا ولم يصلّ عليهم". وهذا محمول على أنهم منعوا مع عدم اعتقاد الوجوب، كما منع أهل الردة، فأما مع الاعتقاد فلا يكفرون. وقد قال في رواية عبدوس " من ترك الصلاة فقد كفر وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة".
[ ٥٣ ]
وأما قتال أهل البغي وهم الذين يخرجون على الإمام، ويخالفون الجماعة، وينفردون بمذهب ابتدعوه، نظرت. فإن لم يخرجوا به عن المظاهرة بِطَاعَةِ الْإِمَامِ، وَلَا تَحَيَّزُوا بِدَارٍ اعْتَزَلُوا فِيهَا، وَكَانُوا أَفْرَادًا مُتَفَرِّقِينَ تَنَالُهُمْ الْقُدْرَةُ، وَتَمْتَدُّ إلَيْهِمْ اليد، تركوا ولم يحابوا، وأجريت عليهم أحكام أهل العدل في الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ. وَقَدْ عَرَضَ قَوْمٌ مِنْ الْخَوَارِجِ لعلي - ﵁ - بمخالفة رَأْيِهِ، وَقَالَ أَحَدُهُمْ وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِهِ "لا حكم إلا لله تعالى". فقال عليّ "كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ، وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا". فَإِنْ تَظَاهَرُوا بِاعْتِقَادِهِمْ، وَهُمْ عَلَى اخْتِلَاطِهِمْ بِأَهْلِ الْعَدْلِ، أوضح لهم الإمام فساد ما اعتقدوه، وبطلان ما ابتدعوه، لِيَرْجِعُوا عَنْهُ إلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّ، وَمُوَافَقَةِ الْجَمَاعَةِ.
[ ٥٤ ]
وجاز للإمام أن يعزّر من تظاهر بالعناد، أدبًا وتعزيرًا، ولم يتجاوزه إلى قتل ولا حدّ. لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ- " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كفر بعد إيمان، وزنا بعد 'إحصان، وقتل نفس بغير نفس". وإن اعتزلت هذه الطائفة الْبَاغِيَةُ أَهْلَ الْعَدْلِ، وَتَحَيَّزَتْ بِدَارٍ تَمَيَّزَتْ فِيهَا. نظرت، فإن لم تمتنع من حَقٍّ، وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ طَاعَةٍ، لَمْ يُحَارَبُوا، ما داموا مقيمين على الطاعة، وتأدية الحقوق. وقد اعتزلت طائفة من الخوارج عليا - ﵁ - بِالنَّهْرَوَانِ، فَوَلَّى عَلَيْهِمْ عَامِلًا أَقَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ زمانا، وهولهم موادع إلى أن قتلوه، فأرسل إليهم سلموا قَاتِلَهُ، فَأَبَوْا، وَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ. قَالَ: فَاسْتَسْلِمُوا إذا أقتلكم. فسار إليهم فقتل أكثرهم.
فإن امْتَنَعَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْبَاغِيَةُ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ، وَمَنَعُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ، وَتَفَرَّدُوا بِاجْتِبَاءِ الأموال، وتنفيذ الأحكام. نظرت، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يُنَصِّبُوا لِأَنْفُسِهِمْ إمَامًا، كان ما اجتنبوه مِنْ الْأَمْوَالِ غَصْبًا، لَا تَبْرَأُ مِنْهُ ذِمَّةٌ، وما نفذوه من الأحكام مردودا، ولا يثبت به حق، وإن نصبوا إمَامًا اجْتَبَوْا بِقَوْلِهِ الْأَمْوَالَ، وَنَفَّذُوا بِأَمْرِهِ الْأَحْكَامَ، لم يتعرض على أحكامهم بالرد، ولا على ما اجتبوه بالمطالبة، وحوربوا حتى يفيئوا إلى الطاعة. قال تعالى (٤٩: ٩ - وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) . وإذا قلد الإمام أميرًا على قتال البغاة، قدم قبل القتال إنذارهم وإعزارهم، ولا يهجم عليهم غرة، ويكون قصده بالقتال ردعهم، ولا يتعمد به قتلهم، بخلاف قتال المشركين والمرتدين، ويقاتلهم مقبلين، ويكف عنهم مدبرين، بخلاف أهل الحرب والمرتدين. ولا يقتل أسراهم، ويجوز قتل أسرى أهل الحرب وَالْمُرْتَدِّينَ. وَيَعْتَبِرَ أَحْوَالَ مَنْ فِي الْأَسْرِ مِنْهُمْ. فَمَنْ أَمِنَتْ رَجْعَتُهُ إلَى الْقِتَالِ أُطْلِقَ، وَمَنْ لم تؤمن منه الرجعة حبس حتى ينجلي الحرب، ثم يطلق ولا يحبس بعدها، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعين على قتالهم بمشرك معاهد، ولا ذمي. وقد منع أحمد من ذلك في قتال أهل الحرب، فأولى في قتال البغاة. ولا يُهَادِنَهُمْ إلَى مُدَّةٍ، وَلَا يُوَادِعَهُمْ عَلَى مَالٍ، فإن هادنهم إلى مدة لم تلزم، وإن
[ ٥٥ ]
ضَعُفَ عَنْ قِتَالِهِمْ انْتَظَرَ بِهِمْ الْقُوَّةَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ وَادَعَهُمْ عَلَى مَالٍ بَطَلَتْ الْمُوَادَعَةُ، وَنُظِرَ فِي الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ فَيْئِهِمْ أَوْ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ، لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَصَرَفَ الصَّدَقَاتِ في أهلها. والفيء في مستحقه. وَإِنْ كَانَ مِنْ خَالِصِ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَجُزْ أني يتملكه عليهم، ووجب رده إليهم، لأنهم بذلوه على ما قد منعوه. ولا يَنْصِبَ عَلَيْهِمْ الْعَرَّادَاتِ، وَلَا يُحْرِقُ عَلَيْهِمْ الْمَسَاكِنَ، ولا يقطع الشجر، لأنها دار الإسلام. وقد حكاه أبو بكر في كتاب الخلاف عن أحمد، في رواية محمد بن الحكم.
ولا يرمون بالمنجنيق إذا قاتلوا المحمرة. فإن أحاطوا بأهل العدل، وخافوا منهم الاصطدام، جاز أن يدفعوا عن أنفسهم بما استطاعوا، من اعتمادهم قتلهم، ونصب العرادات عليهم، لأن للمسلم أن يدفع عن نفسه بقتل طالبها، إذا لم يندفع إلا به. ولا يجوز أن يستمتع بدوابهم، ولا بسلاحهم في قتالهم، ولا في غيره. وإذا انجلت الحرب - ومع أهل العدل أموال - ردت عليهم، وما يتلف منها في غير القتال فهو مضمون على متلفه، وما أتلف عليهم فِي نَائِرَةِ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ، فَهُوَ هدر، وما أتلفه أَهْلِ الْعَدْلِ فِي غَيْرِ نَائِرَةِ الْحَرْبِ مِنْ نفس أو مال، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَتْلَفُوهُ فِي نَائِرَةِ الحرب فلا ضمان عليهم، وهو هدر. ويصلى على قتلى أهل البغي، ويغسلون. وأما قتلى أهل العلد ففي غسلهم والصلاة عليهم روايتان: إحداهما: لا يغسلون ولا يصلى عليهم، لأن قتالهم للذب عن الدين فهو كقتال الكفار. والثانية: يغسلون ويصلى عليهم، قد صلوا على عمر، وعثمان، وعلي، وغسلوهم، وإن كان قتلهم ظلما. وَإِذَا مَرَّ تُجَّارُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِعَشَّارِ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَعَشَّرَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمْ عُشِّرُوا، وَلَمْ يُجْزِهِمْ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ بِخِلَافِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الزكوات، لأنهم مروا بهم مجتازين، والزكاة تؤخذ من المقيمين. وإاذ أَتَى أَهْلُ الْبَغْيِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ حُدُودًا، أقيمت عليهم بعد القدرة عليهم. ولا يرث باغ قتل عادلًا، وأما العادل فإذا قتل باغيًا ورثه، وكذلك كل قتل بحق
[ ٥٦ ]
كالقتل قصاصا، أو دفعا عن نفسه، أو قتل الإمام مورثه، لأنه أقر عنده بقصاص، أو زنا، أو في قطع الطريق. وقد قال أحمد في رواية أبي النضر وبكر بن محمد: في أربعة شهدوا على أختهم بالزنا، فرجمت ورجموا مع الناس، فهم غير قتلة. يرثونها. وقال أبو بكر في كتاب الخلاف: إذا قتل العادل الباغي في الحرب، فإنهما يتوارثان. والوجه فيه: أن أحكام القتل: القصاص، والمأثم، والدم، والكفارة. وهذه الأحكام لا تعلق بالقتل، كذلك حرمان الميراث.
وأما قتال المحاربين وقطاع الطريق فإذا اجْتَمَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ عَلَى شَهْرِ السِّلَاحِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ النُّفُوسِ، وقتل السابلة، فحدودهم مرتبة باختلاف أحوالهم، لَا بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِمْ. فَمَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ: قُتِلَ وَصُلِبَ. وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ: قُتِلَ وَلَمْ يُصْلَبْ. وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ: قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ. وَمَنْ أظهر السلاح، ولم يأخذ المال عزر، ولم يقتل. وتعزيره: نفيه من بلد إلى بلد، ومن قرية إلى قرية.
[ ٥٧ ]
فإن تابوا قبل أن يقدر عليهم الإمام: سقطت عنهم حدود الله تعالى، ولا تسقط حقوق الآدميين. وقتالهم مخالف لقتال أهل البغي من خمسة أوجه: أحدها: يَجُوزُ قِتَالُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، لِاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُ مَنْ وَلَّى مِنْ أَهْلِ البغي. وقد قال أحمد في رواية ابن منصور، والفضل، وبكر بن محمد: " إذا ولي فلا تتبعاه". وهذا محمول على ما إذا ولي ولم يتعلق به حق من قصاص أو مال، لأنه قال في رواية أبي طالب " إذا أخذ المال وهرب اتبعه، فإن ألقاه فلا تتبعه". الثاني: أنه يجوز أن يتعمد في الحرب قَتْلِ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يتعمد قتل أهل البغي. الثالث: أنهم يؤاخذون بما استهلكوه من مال، ودم في الحرب وغيرها، بخلاف أهل البغي. الرابع: يَجُوزُ حَبْسُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ حَبْسُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ البغي. الخامس: أَنَّ مَا اجْتَبَوْهُ مِنْ خَرَاجٍ، وَأَخَذُوهُ مِنْ صدقات، فهو كالمأخوذ غصبا: لايسقط عن أهل الخراج والصدقات حقًا، بخلاف أهل البغي.
وَإِذَا كَانَ الْمَوْلَى عَلَى قِتَالِهِمْ مَقْصُورَ الْوِلَايَةِ عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ أَنْ يقيم عليهم الحدود، ولا أن يستوفي منهم حقا، ولزمه حَمْلُهُمْ إلَى الْإِمَامِ لِيَأْمُرَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ واستيفاء الحقوق منهم
وإذا كَانَتْ وِلَايَتُهُ عَامَّةً عَلَى قِتَالِهِمْ، وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ والحقوق منهم: فلابدّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ لِيَنْفُذَ حكمه فيما يقيمه من حدود، ويستوفيه من حقوق. والكشف عَنْ أَحْوَالِهِمْ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا بِإِقْرَارِهِمْ طوعا من غير إكراه، ولا ضرب، أو بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. فَإِذَا عَلِمَ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَا فَعَلَهُ كل واحد منهم من جرائم نظر. فمن كان منهم قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قَتَلَهُ وَصَلَبَهُ بَعْدَ الْقَتْلِ. وهذا القتل محتوم لا يجوز العفو عنه، وإن عفي ولي الدم كان عفوه لغوا، ويصلبه ثلاثة أيام لا يتجاوزها، ثم يحطه. وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ قَتَلَهُ، ولم يصلبه، غسله وصلى عليه.
[ ٥٨ ]
ومن أخذ منهم الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خلاف، وكان قَطْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى لِسَرِقَتِهِ، وَقَطْعُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى لمجاهرته. ومن خرج مِنْهُمْ وَلَمْ يَقْتُلْ، وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ اقْتَصَّ منه بالخراج، إن كان في مثله قصاص وهو إلى خيار مستحقه يجب بمطالبته، ويسقط بعفوه وليس بمحتم، وإن كان مما لاقصاص فيه وجبت ديته للمجروح إن طالب بها، وتسقط إذا عفاه. ومن كان منهم ردءا أجرى عليهم أحكام قطاع الطريق، وإن لم يباشروا بالفعل. وإن تابوا من جرائمهم بعد القوة عليهم، سقطت عنهم المآثم، دون المظالم، فيؤخذون بما وجب عليهم من الحدود والحقوق. وإن تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، سَقَطَتْ عَنْهُمْ مَعَ المآثم حدود الله تعالى، ولم تسقط حقوق الآدميين. فمن كان قد قتل منهم فالخيار إلى وليّ الدم في القصاص أو العفو، ويسقط بالتوبة انحتام القتل، والقطع، والصلب. وتجري أحكام قطاع الطريق والمحاربين في الأمصار، كما تجري عليهم في الصحاري. وقد سئل أحمد رحمه الله تعالى عن المحاربين في المصر، فتوقف عن الجواب فيهم. وقال الخرقي في مختصره: والمحاربون الذين يعرضون للقوم في الصحراء بالصلاح.
وإذا دعوا التوبة قبل القدرة عليهم نظرت، فَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِالدَّعْوَى أَمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَى التوبة لم تقبل دعواهم لها في سقوط حدود، وإن اقترفت بدعواهم أمارات تدل على التوبة قبلت، ليكون ذلك شبهة يصح بها درء الحد. وأصل هذا من كلام أحمد ﵀ ما قاله في رواية أي داود ومهنا، فقال في رواية أبي داود في سرية دخلت بلاد الروم فاستقبلهم أعلاج، فأخذوهم فقالوا: جئنا مستأمنين، فإن استدل عليهم بشيء قيل له: إنهم وقفوا فلم يجردوا سلاحًا. فرأى أن لهم الأمان.
[ ٥٩ ]
وقال في رواية مهنا في سفينة أخذت في البحر فيها روم، فقالوا: نحن جئنا بأمان، فقال: " ينظر في حالهم، إن كان معهم سلاح". فقد اعتبر الظاهر في حقن دمائهم، وهذا مثله هاهنا. ويتخرج فيه وجه آخر: لا يقبل قولهم في التوبة إلا ببينة تَشْهَدُ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهَا حدود قد وجبت، والشبهة ما اقترفت بالفعل، بل تأخرت عنه. وأصل هذا من كلام أحمد رحمه الله تعالى: ما قاله في رواية يعقوب بن بختان في الرجل من المسلمين جاء برجل من العدو، فقال أسرته، وقال العلج: بل أعطاني الأمان، فقال: إذا كان الرجل صالحًا لم يقبل قول العلج. وكذلك قال في رواية محمد بن يحيي الكحال في الأسير يخرج من بلاد الروم ومعه علج، فيقول العلج: أنا خرجب به، ويقول الأسير: أنا خرجت به، فقالك "أولى أن يقبل قول المسلم". فلم يقبل قوله وإن كان ذلك يعود بحقن دمه.