وإقطاع١ السلطان مختَصّ بما جاز فيه تصرفه، ونفذت فيه أوامره، ولا يصحّ فيما تعيَّن فيه مالكه وتميَّز مستحقه، وهو ضربان: إقطاع تمليك، وإقطاع استغلال.
فأمَّا إقطاع التمليك فتنقسم فيه الأرض المقطعة ثلاثة أقسام: موات٢ وعامر ومعادن، فأمَّا الموات فعلى ضربين:
أحدهما: ما لم يزل مواتًا على قديم الدهر، فلم تجز فيه عمارة، ولا يثبت عليه ملك، فهذا الذي يجوز للسلطان أن يقطعه من يحييه ومن يعمّره، ويكون الإقطاع على مذهب أبي حنيفة شرطًا في جواز الإحياء؛ لأنه يمنع من إحياء الموات إلّا بإذن الإمام، وعلى مذهب الشافعي أنَّ الإقطاع يجعله أحق بإحيائه من غيره، وإن لم يكن شرطًا في جوازه؛ لأنه يجوز إحياء الموات بغير إذن الإمام، وعلى كلا المذهبين يكون المقطَع أحق بإحيائه من غيره٣.
_________________
(١) ١ قال أبو عبد الله البعلي: الإقطاع مصدر أقطعه إذا ملكه، أو أذن له في التصرُّف في الشيء، قال أبو السعادات: والإقطاع يكون تمليكًا وغير تمليك. [المطلع: ص ٢٨١] . ٢ الموات: كسحاب، والميتة والموتان -بفتح الميم والواو: الأرض الدارسة الخراب، قاله في المغني والشرح، وعرَّفها الأزهري بأنها الأرض التي ليس لها مالك، ولا بها ماء ولا عمارة، ولا ينتفع بها، والموات مشتق من الموت وهو عدم الحياة. [المبدع: ٥/ ٢٤٩] . ٣ قال أبو إسحاق الشيرازي: ولا يجوز لأحد أن يحمي مواتًا؛ ليمنع الإحياء ورعي ما فيه من الكلأ؛ لما روى الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا حمى إلَّا لله ولرسوله"، فأمَّا الرسول -﵊- فإنه كان يجوز له أن يحمي لنفسه وللمسلمين، فأمَّا لنفسه فإنَّه ما حمي ولكنَّه حمى للمسلمين، والدليل عليه ما روى ابن عمر -﵁- أنَّ النبي -ﷺ- حمى النقيع لخيل المسلمين، وأمَّا غيره من الأئمة فلا يجوز أن يحمي لنفسه للخبر، وهل يجوز أن يحمي لخيل المجاهدين ونعم الجزية وإبل الصدقة وماشية من يضعف عن الإبعاد في طلب النجعة، فيه قولان: أحدهما: لا يجوز للخبر. والثاني: يجوز لما روى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: أتى أعرابي من أهل نجد عمر فقال: يا أمير المؤمنين، بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام، فعلام تحميها؟ فأطرق عمر -﵁- وجعل ينفخ ويفتل شاربه، وكان إذا كره أمرًا فتل شاربه ونفخ، فلمَّا رأى الأعرابي ما به =
[ ٢٨٣ ]
قد أقطع رسول الله -ﷺ- الزبير بن العوام ركض فرسه من موات النقيع، فأجراه ثم رمى بسوطه رغبة في الزيادة، فقال رسول الله -ﷺ: "أعطوه منتهى سوطه"١.
والضرب الثاني من الموات ما كان عامرًا فخرب، فصار مواتًا عاطلًا، وذلك ضربان:
أحدهما: ما كان جاهليًّا كأرض عاد وثمود، فهي كالموات الذي لم يثبت فيه عمارة، ويجوز إقطاعه، قال رسول الله -ﷺ: "عادي الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني"٢.
يعني أرض عاد.
والضرب الثاني: ما كان إسلاميًّا جرى عليه ملك المسلمين، ثم خرب حتى صار مواتًا عاطلًا، فقد اختلف الفقهاء في حكم إحيائه على ثلاثة أقوال: فذهب الشافعي فيه إلى أنه لا
_________________
(١) = جعل يردد ذلك، فقال عمر: المال مال الله، والعباد عباد الله، فلولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبرًا في شبر. قال مالك: نبئت أنه كان يحمل في كل عام على أربعين ألفًا من الظهر، وقال مرة: من الخيل، وروى زيد بن أسلم عن أبيه أنَّ عمر -﵁- استعمل مولًى له يدعى هنيّ على الحِمَى وقال له: يا هني، اضمم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياك ونعم ابن عوف، وإياك ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن ربَّ الصريمة وربَّ الغنيمة إن تهلك ماشيتهما فيأتياني فيقولا: يا أمير المؤمنين. أفتاركهم أنا، لا أبا لك، إنَّ الماء والكلأ أيسر عندي من الذهب والورق، والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا، فإن حِمَى رسول الله -ﷺ- أرضًا لحاجة، والحاجة باقية لم يجز إحياؤها، وإن زالت الحاجة ففيه وجهان: أحدهما يجوز لأنَّه زال السبب، والثاني: لا يجوز؛ لأن ما حكم به رسول الله -ﷺ- نصّ، فلا يجوز نقضه بالاجتهاد، وإن حماه إمام غيره وقلنا: إنه يصح حماه، فأحياه رجل ففيه قولان: أحدهما: لا يملكه، كما لا يملك ما حماه رسول الله -ﷺ. والثاني: يملك؛ لأن حمى الإمام اجتهاد وملك الأرض بالإحياء نص، والنص لا ينقض بالاجتهاد. [المهذب: ١/ ٤٢٧] . ١ رواه أبو داود في كتاب الخراج "٣٠٧٢"، وأحمد "٦٤٢٢"، والبيهقي في السنن الكبرى "١١٥٧٠"، والطبراني في الكبير "١٣٣٥٢"، وضعَّفه الشيخ الألباني. قال ابن الملقن: حديث: "عادي الأرض لله ولرسوله ثم لكم مني" رواه الشافعي من رواية ابن طاوس، كذلك والبيهقي من رواية طاوس، إلّا أنه قال: "ثم لكم من بعد" رواه كذلك موقوفًا على ابن عباس. [خلاصة البدر المنير: ٢/ ١٠٩] .
[ ٢٨٤ ]
يملك بالإحياء سواءٌ عرف أربابه أو لم يعرفوا.
وقال مالك: يملك بالإحياء سواء عرف أربابه أو لم يعرفوا١، وقال أبو حنيفة -﵀: إن عرف أربابه لم يملك بالإحياء، وإن لم يعرفوا ملك بالإحياء، وإن لم يجز على مذهبه أن يملك بالإحياء من غير إقطاع، فإن عرف أربابه لم يجز إقطاعه، وكانوا أحق ببيعه وإحيائه، وإن لم يعرفوا جاز إقطاعه، وكان الإقطاع شرطًا في جواز إحيائه، فإذا صار الموات على ما شرحناه إقطاعًا، فمن خصه الإمام به وصار بالإقطاع أحق الناس به لم يستقر ملكه عليه قبل الإحياء، فإن شرع في إحيائه صار بكمال الإحياء مالكًا له، وإن أمسك عن إحيائه كان أحق به يدًا، وإن لم يصر ملكًا ثم روعي إمساكه عن إحيائه، فإن كان لعذر ظاهر لم يعترض عليه فيه، وأقرّ في يده إلى زوال عذره، وإن كان غير معذور، قال أبو حنيفة: لا يعارض فيه قبل مضيّ ثلاث سنين، فإن أحياه فيها، وإلّا بطل حكم إقطاعه بعدها احتجاجًا بأنَّ عمر -﵁- جعل أجل الإقطاع ثلاث سنين.
وعلى مذهب الشافعي أنَّ تأجيله لا يلزم، وإنَّما المعتبر فيه القدرة على إحيائه، فإذا مضى عليه زمان يقدر على إحيائه فيه قيل له: إما تحييه فيقر في يدك، وإمّا أن ترفع يدك عنه ليعود إلى حاله قبل إقطاعه، وأما تأجيل عمر -﵁- فهو قضية في عين يجوز أن يكون لسبب اقتضاه أو لاستحسان رآه.
_________________
(١) ١ قال أبو الحسن المرداوي -من الحنابلة: فإن كان فيها آثار الملك ولا يعلم لها مالك فعلى روايتين: إن كان الموات لم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة ملك بلا إحياء بلا خلاف، ونصَّ عليه مرارًا، وإن علم له مالك بشراء أو عطية، والمالك موجود هو أو أحد من ورثته لم يملك بالإحياء بلا خلاف، بل هو إجماع حكاه ابن عبد البر وغيره، وإن كان قد ملك بالإحياء ثم ترك حتى دثر وعاد مواتًا، فهذا أيضًا لا يملك بالإحياء كذلك إذا كان لمعصوم، وإن علم ملكه معصوم فإن أحياه بدار الحرب واندرس كان كموات أصلي يملكه المسلم بالإحياء، قاله في المحرر، وقال القاضي وابن عقيل وأبو الفرج الشيرازي: لا يملك بالإحياء، ويقتضيه مطلق نصوصه، وإن كان لا يعلم له مالك فهو أربعة أقسام: أحدها: ما أثر الملك جاهلي كالقرى الخربة التي ذهبت أنهارها ودرست آثارها وقد شملها كلام المصنّف، ففي ملكها بالإحياء روايتان وغيره، إحداهما: لا تملك بالإحياء، والرواية الثانية: تملك بالإحياء، وصحَّحه في الحاوي والنظم وأطلقوا، والصحيح التفرقة بين دار الحرب ودار الإسلام. [الإنصاف: ٦/ ٣٥٥] .
[ ٢٨٥ ]
فلو تغلَّب على هذا الموات المستقطع متغلِّب فأحياه، فقد اختلف العلماء في حكمه على ثلاثة مذاهب: مذهب الشافعي: إنَّ محييه أحق به من مستقطعه. وقال أبو حنيفة: إن أحياه قبل ثلاث سنين كان ملكًا للمقطع، وإن أحياه بعدها كان ملكًا للمحيي. وقال مالك: إن أحياه عالمًا بالإقطاع كان ملكًا للمقطع، وإن أحياه غير عالم بالإقطاع خيّر المقطَع بين أخذه وإعطاه المحيي نفقة عمارته، وبين تركه للمحيي والرجوع عليه بقيمة الموات قبل إحيائه١.
_________________
(١) ١ قال ابن قدامة المقدسي -من الحنابلة: وإن تحجَّر مواتًا وهو أن يشرع في إحيائه مثل أن أدار حول الأرض ترابًا وأحجارًا أو حاطها لم يملكها بذلك؛ لأن الملك بالإحياء وليس هذا إحياء، لكن يصير أحق الناس به؛ لأنه روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به" رواه أبو داود. فإن نقله إلى غيره صار الثاني بمنزلته؛ لأن صاحبه أقامه مقامه، وإن مات فوارثه أحق به؛ لقول النبي -ﷺ: "من ترك حقًّا أو مالًا فهو لورثته"، فإن باعه لم يصح بيعه؛ لأنه لم يملكه، فلم يملك بيعه كحق الشفعة قبل الأخذ به، وكمن سبق إلى معدن أو مباح قبل أخذه. قال أبو الخطاب: ويحتمل جواز بيعه؛ لأنه له، فإن سبق غيره فأحياه ففيه وجهان: أحدهما: إنه يملكه؛ لأن الإحياه يملك به، والحجر لا يملك به، فثبت الملك بما يملك به دون ما لم يملك به، كمن سبق إلى معدن أو مشرعة ماء، فجاء غيره فأزاله وأخذه. والثاني: لا يملكه؛ لأن مفهوم قوله -﵇: "من أحيا أرضًا ميتة ليست لأحد" وقوله في مسلم: "فهي له" إنَّها لا تكون له إذا كان لمسلم فيها حق، وكذلك قوله: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به" وروى سعيد في سننه أن عمر -﵁- قال: من كانت له أرض -يعني: من تحجر- أرضًا فعطلها ثلاث سنين، فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها. وهذا يدل على أنَّ من عمَّرها قبل ثلاث سنين لا يملكها؛ لأنَّ الثاني أحيا في حق غيره فلم يملكه، كما لو أحيا ما يتعلق به مصالح ملك غيره، ولأنَّ حق المتحجّر أسبق، فكان أولى كحق الشفيع يقدم على شراء المشتري، فإن طالت المدة عليه فينبغي أن يقول له السلطان: إمَّا أن تحييه أو تتركه ليحييه غيرك؛ لأنه ضيق على الناس في حق مشترك بينهم، فلم يمكن من ذلك، كما لو وقف في طريق ضيق أو مشرعة ماء أو معدن لا ينتفع ولا يدع غيره ينتفع، فإن سأل الإمهال لعذر له أمهل الشهر والشهرين ونحو ذلك، فإن أحياه غيره في مدّة ضربت له لينقطع حقه بمضيها، وسواء أذن له السلطان في عمارتها أو لم يأذن له، وإن لم يكن للمتحجّر عذر في ترك العمارة قيل له: إمَّا أن تعمّر وإمَّا أن ترفع يدك، فإن لم يعمرها كان لغيره عمارتها، فإن لم يقل له شيئًا واستمرَّ تعطيلها فقد ذكرنا عن عمر -﵁- أنَّ من تحجَّر أرضًا فعطلها ثلاث سنين، فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها، ومذهب الشافعي في هذا كله نحو ما ذكرنا. [المغني: ٥/ ٣٣١] .
[ ٢٨٦ ]
فصل:
وأما العامر فضربان:
أحدهما: ما تعيَّنَ مالكه فلا نظر للسلطان فيه، إلَّا ما يتعلق بتلك الأرض من حقوق بيت المال إذا كانت في دار الإسلام، سواء كانت لمسلمٍ أو ذميّ، فإن كانت في دار الحرب التي لا يثبت للمسلمين عليها بُدّ، فأراد الإمام أن يقطعها ليملكها المقطع عند الظفر بها جاز.
وقد سأل تميم الداري رسول الله -ﷺ- أن يقطعه عيون البلد الذي كان منه بالشام قبل فتحه ففعل.
وسأله أبو ثعلبة الخشني أن يقطعه أرضًا كانت بيد الروم فأعجبه ذلك، وقال: "ألا تسمعون ما يقول؟ " فقال: والذي بعثك بالحق ليفتحنّ عليك. فكتب له بذلك كتابًا.
وهكذا لو استوهب من الإمام مال في دار الحرب وهو على ملك أهلها، أو استوهب أحد من سبيها وذراريها ليكون أحق به إذا فتحها، جاز وصحَّت العطية فيه مع الجهالة بها لتعلقها بالأمور العامة.
روى الشعبي أنَّ حريم بن أوس بن حارثة الطائي قال للنبي -ﷺ: إن فتح الله عليك الحيرة فأعطني بنت نفيلة، فلمَّا أراد خالد صلح أهل الحيرة، قال له حريم: إن رسول الله -ﷺ- جعل لي بنت نفيلة، فلا تدخلها في صلحك، وشهد له بشير بن سعد ومحمد بن مسلمة، فاستثناها من الصلح ودفعها إلى حريم، فاشتُرِيَت منه بألف درهم، وكانت عجوزًا قد حالت عن عهده فقيل له: ويحك لقد أرخصتها، كان أهلها يدفعون إليك ضعف ما سألت بها، فقال: ما كنت أظن أن عددًا يكون أكثر من ألف١.
وإذا صحَّ الإقطاع والتمليك على هذا الوجه نظر حال الفتح، فإن كان صلحًا خلصت الأرض لمقطعها، وكانت خارجة عن حكم الصلح بالإقطاع السابق، وإن كان الفتح عنوة كان المستقطع والمستوهب أحق بما استقطعه واستوهبه من الغانمين، ونُظِرَ في الغانمين،
_________________
(١) ١ أورده الزيلعي في نصب الراية "٣/ ٤٣٣".
[ ٢٨٧ ]
فإن علموا بالإقطاع والهبة قبل الفتح فليس لهم المطالبة بعِوَض ما استقطع ووهب؛ وإن لم يعلموا حتى فتحوا عاوضهم الإمام عنه بما يستطيب به نفوسهم، كما يستطيب نفوسهم عن غير ذلك من الغنائم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه استطابة نفوسهم عنه ولا عن غيره من الغنائم إذا رأى المصلحة في أخذها منهم.
والضرب الثاني: من العامر ما لم يتعيّن مالكوه ولم يتميّز مستحقوه، وهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما اصطفاه الإمام لبيت المال من فتوح البلاد، إمَّا بحق الخمس فيأخذه باستحقاق أهله، وإمَّا بأن يصطفيه باستطابة نفوس الغانمين عنه، فقد اصطفى عمر بن الخطاب -﵁- من أرض السواد أموال كسرى وأهل بيته، وما هرب عنه أربابه أو هلكوا، فكان مبلغ غلتها تسعة آلاف ألف درهم، كان يصرفها في مصالح المسلمين، ولم يقطع شيئًا منها، ثم إنَّ عثمان -﵁- أقطعها؛ لأنه رأى إقطاعها أوفر لغلتها من تعطيلها، وشرط على من أقطعها إياه يأخذ منه حق الفيء، فكان ذلك منه إقطاع إجازة لا إقطاع تمليك، فتوفَّرت غلتها حتى بلغت على ما قيل: خمسين ألف ألف درهم، فكان منها صلاته وعطاياه، ثم تناقلها الخلفاء بعده، فلمَّا كان عام الجماجم سنة اثنتين وثمانين في فتنة ابن الأشعث أحرق الديوان وأخذ كل قوم ما يليهم، فهذا النوع من العامر لا يجوز إقطاع رقبته؛ لأنه قد صار باصطفائه لبيت المال ملكًا لكافة المسلمين، فجرى على رقبته حكم الوقوف المؤبَّدة، وصار استغلاله هو المال الموضوع في حقوقه.
والسلطان فيه بالخيار على وجه النظر في الأصلح بين أن يستغلَّه لبيت المال كما فعل عمر -﵁، وبين أن يتخيّر له من ذوي المكنة والعمل من يقوم بعمارة رقبته بخراج يوضع عليه مقدَّر بوفور الاستغلال، ونقصه كما فعل عثمان -﵁، ويكون الخراج أجرة تصرّف في وجوه المصالح، إلَّا أن يكون مأخوذًا بالخمس فيصرف في أهل الخمس، فإن كان ما وضعه من الخراج مقاسمة على الشطر من الثمار والزروع جاز في النخل، كما ساقى رسول الله -ﷺ- أهل خيبر على النصف من ثمار النخل، وجوازها في الزرع معتبر باختلاف
[ ٢٨٨ ]
الفقهاء في جواز المخابرة، فمن أجازها أجاز الخراج بها١، ومن منع منها منع من الخراج بها، وقيل: بل يجوز الخراج بها، وإن منع المخابرة لما يتعلّق بها من عموم المصالح التي يتَّسع حكمها عن أحكام العقود الخاصة، ويكون العشر واجبًا في الزرع دون الثمر؛ لأنَّ الزرع ملك لزارعيه، والثمرة ملك لكافَّة المسلمين مصروفة في مصالحهم.
والقسم الثاني من العامر: أرض الخراج، فلا يجوز إقطاع رقابهم تمليكًا؛ لأنها تنقسم على ضربين: ضرب يكون رقابهم وقفًا وخراجها أجرة، فتمليك الوقف لا يصح بإقطاع ولا بيع ولا هبة، وضرب يكون رقابها ملكًا وخراجها جزية، فلا يصح إقطاع مملوك تعين مالكوه، فأمَّا إقطاع خراجها فنذكره بعد في إقطاع الاستغلال.
والقسم الثالث: ما مات عنه أربابه ولم يستحقه وارثه بفرض ولا تعصيب، فينتقل إلى بيت المال ميراثًا لكافَّة المسلمين مصروفًا في مصالحهم. وقال أبو حنيفة: ميرات من لا وارث له مصروف في الفقراء خاصة صدقة عن الميت، ومصرفه عند الشافعي في وجوه المصالح أعمّ؛ لأنه قد كان من الأملاك الخاصة، وصار بعد الانتقال إلى بيت المال من الأملاك العامة، وقد اختلف أصحاب الشافعي فيما انتقل إلى بيت المال من رقاب الأموال هل يصير وقفًا عليه بنفس الانتقال إليه؟ على وجهين:
أحدهما: إنها تصير وقفًا لعموم مصرفها الذي لا يختص، فعلى هذا لا يجوز بيعها ولا إقطاعها.
والوجه الثاني: لا تصير وقفًا حتى يقفها الإمام، فعلى هذا يجوز له بيعها إذا رأى بيعها أصلح لبيت المال، ويكون ثمنها مصروفًا في عموم المصالح، وفي ذوي الحاجات من أهل الفيء وأهل الصدقات، وأمَّا إقطاعها على هذا الوجه فقد قيل بجوازه؛ لأنَّه لما جاز بيعها وصرف ثمنها إلى من يراه من ذوي الحاجات وأرباب المصالح جاز إقطاعها له، ويكون تمليك رقبتها كتمليك ثمنها، وقيل: إنَّ إقطاعها لا يجوز وإن جاز بيعها؛ لأنَّ البيع معاوضة وهذا الإقطاع صلة، والأثمان إذا صارت ناضَّة له حكم يخالف في العطايا حكم الأصول
_________________
(١) ١ في الحديث: الذي رواه البخاري في كتاب الإجارة "٢٢٨٦"، ومسلم في كتاب المساقاة "١٥٥١" عن ابن عمر أن رسول الله -ﷺ- عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
[ ٢٨٩ ]
الثابتة فافترقا؛ وإن كان الفرق بينهما ضعيفًا، وهذا الكلام في إقطاع التمليك.
فصل:
وأما إقطاع الاستغلال فعلى ضربين: عُشْرٌ، وخراج١.
فأما العشر فإقطاعه لا يجوز؛ لأنه زكاة لأصناف يعتبر وصف استحقاقها عند دفعها إليهم، وقد يجوز أن لا يكونوا من أهلها وقت استحقاقها؛ لأنها تجب بشروط يجوز أن لا توجد فلا تجب، فإن وجبت وكان مقطعها وقت الدفع مستحقًّا كانت حوالة بعشر قد وجب على ربّه لمن هو من أهله، صح وجاز دفعه إليه، ولا يصير دينًا له مستحقًّا حتى يقبضه؛ لأن الزكاة لا تملك إلَّا بالقبض، فإن منع من العشر لم يكن له خصمًا فيه، وكان عامل العشر بالمطالبة أحق.
وأمَّا الخراج فيختلف حكم إقطاعه باختلاف حال مقطعه، وله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون من أهل الصدقات، فلا يجوز أن يقطع مال الخراج؛ لأن الخراج فيء لا يستحقه أهل الصدقة، كما لا يستحق الصدقة أهل الفيء، وجوَّز أبو حنيفة ذلك؛ لأنَّه يجوز صرف الفيء في أهل الصدقة.
والحالة الثانية: أن يكون من أهل المصالح مِمَّن ليس له رزق مفروض، فلا يصح أن يقطعه على الإطلاق، وإن جاز أن يعطاه من مال الخراج؛ لأنَّه من نفل أهل الفيء لا من
_________________
(١) ١ قال منصور بن يونس البهوتي من الحنابلة: وجعل إقطاع الاستغلال على ضربين عشر وخراج، وللإمام إقطاع موات لمن يحييه؛ لأنه -ﷺ- أقطع بلال بن الحارث العقيق، وأقطع وائل بن حجر أرضًا، وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان وجمع من الصحابة، ولا يملكه -أي: الموات- بالإقطاع؛ لأنَّه لو ملكه ما جاز استرجاعه، بل يصير المقطع كالمتحجّر الشارع في الإحياء؛ لأنه ترجح بالإقطاع على غيره، ويسمَّى تملكًا لما له إليه، ولا ينبغي للإمام أن يقطع إلَّا ما قدر المقطع على إحيائه؛ لأنَّ في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقًا على الناس في حق مشترك بينهم مما لا فائدة فيه، فإن أقطع الإمام أحدًا أكثر منه، أيّ: مما يقدر على إحيائه، ثم تبين عجزه عن إحيائه، استرجعه الإمام منه، كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته من العقيق الذي أقطعه أيام الرسول -ﷺ، وله -أي: للإمام- موات تمليكًا وانتفاعًا للمصلحة لما تقدَّم. [كشف القناع: ٤/ ١٩٥] .
[ ٢٩٠ ]
فرضه، وما يعطى له إنَّما هو من صلات المصالح، فإن جعل له من مال الخراج شيء أجرى عليه حكم الحوالة والتسبب، لا حكم الإقطاع، فيعتبر في جوازه شرطان:
أحدهما: أن يكون بمالٍ مقدَّر قد وجد سبب استباحته.
والثاني: أن يكون مال الخراج قد حلَّ ووجب؛ ليصحَّ التسبب عليه والحوالة به، فخرج بهذين الشرطين عن حكم الإقطاع.
والحالة الثالثة: أن يكون من مرتزفة أهل الفيء وفرضية الديوان، وهم أهل الجيش، وهو أخص الناس بجواز الإقطاع؛ لأنَّ لهم أرزاقًا مقدَّرة تصرف إليهم مصرف الاستحقاق؛ لا تعويض عمَّا أرصدوا نفوسهم من حماية البيضة والذبّ عن الحريم، فإذا صحَّ أن يكونوا من أهل الإقطاع روعي حينئذ مال الخراج، فإن له حالتين: حال يكون جزية، وحال يكون أجرة، فأمَّا ما كان منه جزية فهو مستقرٌّ على التأبيد؛ لأنه مأخوذ مع بقاء الكفر، وزائل مع حدوث الإسلام، فلا يجوز إقطاعه أكثر من سنة؛ لأنه غير موثوق باستحقاقه بعدها، فإن أقطعه سنة بعد حلوله واستحقاقه صح، وإن أقطعه في السنة قبل استحقاقه ففي جوازه وجهان:
أحدهما: يجوز إذا قيل: إنَّ حول الجزية مضروب للأداء.
والثاني: لا يجوز إذا قيل: إنَّ حول الجزية مضروب للوجوب، وأمَّا ما كان من الخراج أجرة فهو مستقر الوجوب على التأييد، فيصح إقطاعه سنتين، ولا يلزم الاقتصار منه على سنة واحدة، بخلاف الجزية التي لا تستقر.
وإذا كان كذلك فلا يخلو حاله أقطاعه من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يقدِّر سنين معلومة كإقطاعه عشر سنين، فيصحّ إذا روعي فيه شرطان:
أحدهما: أن يكون رزق المقطع معلوم القدر عند باذل الإقطاع؛ فإن كان مجهولًا عنده لم يصح.
والثاني: أن يكون قدر الخراج معلومًا عند المقطع وعند باذل الإقطاع، فإن كان مجهولًا عندهما أو عند أحدهما لم يصح، وإذا كان كذلك لم يخل حال الخراج من أحد أمرين، إما أن
[ ٢٩١ ]
يكون مقاسمة أو مساحة، فإن كان مقاسمة فمَن جوَّز مِنَ الفقهاء وضع الخراج على المقاسمة جعله منَ المعلوم الذي يجوز إقطاعه، ومن منع من وضع الخراج على المقاسمة جعله من المجهول، وإن كان الخراج مساحة فهو ضربان:
أحدهما: أن لا يختلف باختلاف الزروع، فهذا معلوم يصح إقطاعه.
والثاني: أن يختلف باختلاف الزروع، فينظر مقطعه، فإن كان في مقابلة أعلى الخراجين صحَّ إقطاعه؛ لأنه راضٍ بنقص إن دخل عليه، وإن كان في مقابلة أقل الخراجين لم يصح إقطاعه؛ لأنَّه قد يوجد فيه زيادة لا يستحقها، ثم يراعى بعد صحة الإقطاع في هذا القسم حال المقطع في مدة الإقطاع، فإنها لا تخلو من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يبقى إلى انقضائها على حال السلامة، فهو على استحقاق الإقطاع إلى انقضاء المدة.
والحالة الثانية: أن يموت قبل انقضاء المدة، فيبطل الإقطاع في المدة الباقية بعد موته، ويعود إلى بيت المال، فإن كانت له ذرية دخلوا في إعطاء الذراري لا في أرزاق الجند، فكان ما يعطونه سببًا لا إقطاعًا.
والحالة الثالثة: أن يحدث به زمانة فيكون باقي الحياة مفقود الصحة، ففي بقاء إقطاعه بعد زمانته قولان:
أحدهما: إنه باقٍ عليه إلى انقضاء مدته إذا قيل: إن رزقه بالزمانة قد سقط، فهذا حكم القسم الأول إذا قدِّر الإقطاع فيه بمدة معلومة.
والقسم الثاني من أقسامه: أن يستقطعه مدة حياته ثم لعقبه وورثته بعد موته، فهذا إقطاع باطل؛ لأنه قد خرج بهذا الإقطاع من حقوق بيت المال إلى الأملاك الموروثة، وإذا بطل كان ما اجتباه منه مأذونًا فيه عن عقد فاسد، فيبرأ أهل الخراج بقبضه، وحسب من جملة رزقه، فإن كان أكثر رد الزيادة، وإن كان أقل رجع بالباقي، وأظهر السلطان فساد الإطلاع حتى يمنع من القبض، ويمنع أهل الخراج من الدفع؛ فإن دفعوه بعد إظهار ذلك لم يبرأ منه.
والقسم الثالث: أن يستقطعه مدة حياته، ففي صحة الإقطاع قولان:
أحدهما: إنه صحيح إذ قيل: إنَّ حدوث زمانته لا يقتضي سقوط رزقه.
[ ٢٩٢ ]
والقول الثاني: إنَّه باطل؛ إذ قيل: إنَّ حدوث زمانته يوجب سقوط رزقه، وإذا صحَّ الإقطاع فأراد السلطان استرجاعه من مقطعه جاز ذلك فيما بعد السنة التي هو فيها، ويعود رزقه إلى ديون العطايا، فأمَّا في السنة التي هو فيها فينظر، فإن حلَّ رزقه فيها قبل حلول خراجها لم يسترجع منه في سنته؛ لاستحقاق خراجها في رزقه، وإن حلَّ خراجها قبل حلول رزقه جاز استرجاعه منه؛ لأن تعجيل المؤجّل وإن كان جائزًا ليس بلازم.
وأما أرزاق ما عدا الجيش إذا أقطعوا بها مال الخراج فيقسمون ثلاثة أقسام:
أحدهما: من يرتزق على عمل غير مستديم -كعمال المصالح، وجباة الخراج، فالإقطاع بأرزاقهم لا يصح، ويكون ما حصل لهم بها من مال الخراج تسببًا وحوالة بعد استحقاق الرزق وحلول الخراج.
والقسم الثاني: من يرزق على عمل مستديم، ويجري رزقه مجرى الجعالة، وهم الناظرون في أعماق البرِّ التي يصحّ التطوع بها، إذا ارتزقوا عليها -كالمؤذنين والأئمة، فيكون جعل الخراج لهم في أرزاقهم تسببًا به وحوالة عليه، ولا يكون إقطاعًا.
والقسم الثالث: من يرتزق على عمل مستديم، ويجري رزقه مجرى الإجارة، وهو من لا يصح نظره إلّا بولاية وتقليد، مثل: القضاة والحكام وكُتَّاب الدواوين، فيجوز أن يقطعوا بأرزاقهم خراج سنة واحدة، ويحتمل جواز إقطاعهم أكثر من سنة وجهين:
أحدهما: يجوز كالجيش.
والثاني: لا يجوز؛ لما يتوجَّه إليهم من العزل والاستبدال.
[ ٢٩٣ ]
فصل:
وأما إقطاع المعادن، وهي البقاع التي أودعها الله تعالى جواهر الأرض، فهي ضربان: ظاهرة وباطنة١.
فأمَّا الظاهرة: فهي ما كان جوهرها المستودع فيها بارزًا -كمعادن الكحل، والملح، والقار، والنفط، وهو كالماء الذي لا يجوز إقطاعه، والناس فيه سواء، يأخذه من ورد إليه، روى ثابت بن سعيد عن أبيه عن جده أنَّ الأبيض بن حَمَّال استقطع رسول الله -ﷺ- ملح مأرب فأقطعه، فقال الأقرع بن حابس التميمي: يا رسول الله، إني وردت هذا الملح في الجاهلية، وهو بأرض ليس فيها غيره من وَرَدَه أخذه، وهو مثل الماء العد بالأرض، فاستقال الأبيض في قطيعة الملح، فقال قد أقلتك على أن تجعله مني صدقة، فقال النبي -﵊: "هو منك صدقة، وهو مثل الماء العد من وردة أخذه" ٢.
قال أبو عبيد: الماء العد هو الذي له مواد تمده مثل العيون والآبار. وقال غيره: هو الماء المتجمع المعد، فإن أقطعت هذه المعادن الظاهرة لم يكن لإقطاعها حكم، وكان المقطع وغيره فيها سواء، وجميع من ورد إليها أسوة مشتركون فيها، فإن منعهم المقطِع
_________________
(١) ١ قال أبو إسحاق الشيرازي -من الشافعية: وأمَّا المعادن فإنَّها إن كانت من المعادن الظاهرة لم يجز إقطاعها؛ لما روى ثابت بن سعيد بن أبيه عن جده أبيض بن حمَّال أنه استقطع النبي -ﷺ- ملح المأرب فأقطعه إياه، ثم إنَّ الأقرع بن حابس قال: يا رسول الله، إني قد وردت الملح في الجاهلية وهو بأرض ليس بها ملح ومن وَردَه أخذه، وهو مثل الماء العد بأرض، فاستقال أبيض بن حمَّال فقال أبيض: قد أقلتك فيه على أن تجعله مني صدقة، فقال رسول الله -ﷺ: "هو منك صدقة وهو مثل الماء العد ومن ورده أخذه". وإن كانت من المعادن الباطنة فإن قلنا: إنَّها تملك بالإحياء جاز إقطاعه؛ لأنه موات يجوز أن يملك بالإحياء، فجاز إقطاعه كموات الأرض، وإن قلنا: لا تملك بالإحياء، فهل يجوز إقطاعه فيه قولان: أحدهما: يجوز إقطاعه؛ لأنه يفتقر الانتفاع به إلى المؤن، فجاز إقطاعه كموات الأرض، والثاني: يجوز؛ لأنه معدن لا يملك بالإحياء، فلم يجز إقطاعه كالمعادن الظاهرة، فإذا قلنا: يجوز إقطاعه لم يجز إلّا ما يقوم به لما ذكرناه في إقطاع الموات. [المهذب: ١/ ٤٢٧] . ٢ حسن: رواه الترمذي في كتاب الأحكام "٢٣٨٠"، وابن ماجه في كتاب الأحكام "٢٤٧٥"، والدارمي في كتاب البيوع "٢٦٠٨"، وحسَّنَه الشيخ الألباني.
[ ٢٩٤ ]
منها كان بالمنع متعديًا وكان لما أخذه مالكًا؛ لأنه متعدٍّ بالمنع لا بالأخذ، فكُفَّ عن المنع وصرِفَ عن مداومة العمل؛ لئلَّا يثبته إقطاعًا بالصحة، أو يصير معه كالأملاك المستقر.
وأمَّا المعادن الباطنة: فهي ما كان جوهرها مستكنًا فيها لا يوصل إليه إلَّا بالعمل؛ كمعادن الذهب والفضة والصفر والحديد، فهذه وما أشبهها معادن باطنة، سواء احتاج المأخوذ منها إلى سبك وتخليص أو لم يحتج.
وفي جواز إقطاعها قولان:
أحدهما: لا يجوز كالمعادن الظاهرة، وكل الناس فيها شرع.
والقول الثاني: يجوز إقطاعها؛ لرواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده عن رسول الله -ﷺ: "أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها وغوريها، وحيث يصلح الزرع من قدس، ولم يقطعه حق مسلم"١.
وفي الجلسي والغوري تأويلان:
أحدهما: إنه أعلاها وأسفلها، وهو قول عبد الله بن وهب.
والثاني: إن الجلسي بلاد نجد، والغوري بلاد تهامة، وهذا قول أبي عبيدة، ومنه قول الشماخ من الطويل:
فمرت على ماء العذيب وعينها كوقب الحصى جلسيها قد تغورا
فعلى هذا يكون المقطع أحق بها، وله منع الناس منها.
وفي حكمه قولان:
أحدهما: إنه إقطاع تمليك يصير به المقطع مالكًا لرقبة المعدن كسائر أمواله في حال عمله، وبعد قطعه يجوز له بيعه في حياته، وينتقل إلى ورثته بعد موته.
والقول الثاني: إنه إقطاع إرفاق لا يملك به رقبة المعدن، ويملك به الارتفاق بالعمل
_________________
(١) ١ حسن: رواه مالك في كتاب الزكاة "٥٨٢"، وأبو داود في كتاب الخراج "٣٠٦٢"، وحسَّنَه الشيخ الألباني.
[ ٢٩٥ ]
فيه مدة مقامه عليه، وليس لأحد أن ينازعه فيه ما أقام على العمل، فإذا تركه زال حكم الإقطاع عنه وعاد إلى حال الإباحة؛ فإذا أحيا مواتًا بإقطاع أو غير إقطاع، فظهر فيه بالإحياء معدن ظاهر أو باطن ملكه المحيي على التأبيد، كما يملك ما استنبطه من العيون واحتفره من الآبار.
[ ٢٩٦ ]