وحمى الموات هو المنع من إحيائه إملاكًا؛ ليكون مستبقى الإباحة لنبت الكلأ ورعي المواشي.
قد حمى رسول الله -ﷺ- بالمدينة، وصعد جبلًا بالبقيع.
قال أبو عبيد: هو النقيع١بالنون٢.
وقال: "هذا حماي -وأشار بيده إلى القاع"٣.
وهو قدر ميل في ستة أميال حماه لخيل المسلمين من الأنصار والمهاجرين، فأمَّا حمى الأئمة من بعده، فإن حموا به جميع الموات أو أكثره لم يجز؛ وإن حموا أقله لخاص من الناس أو لأغنيائهم لم يجز.
وإن حموه لكافَّة المسلمين أو للفقراء والمساكين ففي جوازه قولان:
أحدهما: لا يجوز ويكون الحمى خاصًّا لرسول الله -ﷺ؛ لرواية الصعب بن جثامة أنَّ رسول الله -ﷺ- حين حمى البقيع قال: "لا حمى إلّا لله ولرسوله" ٤.
_________________
(١) ١ النقيع بالنون: موضع ينتقع فيه ماء فيكثر فيه الخصب. قال ابن مفلح الحنبلي: وللإمام أن يحمي -بفتح أوله وضمه- أي: يمنع أرضًا من الموات ترعى فيها دواب المسلمين التي يقوم بحفظها كخيل المجاهدين وإبل الصدقة وضوال الناس؛ لما روى عمر أن النبي -ﷺ- حمى النقيع لخيل المسلمين. رواه أبو عبيد. [المبدع: ٥/ ٢٦٤] . ٣ لم أقف عليه. ٤ صحيح: رواه البخاري في كتاب المساقاة "٢٣٧٠"، وأبو داود في كتاب الخراج والإمارة "٣٠٨٣"، وأحمد "٢٧٨٠٩". قال الشافعي: يحتمل معنى الحديث شيئين؛ أحدهما: ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلَّا ما حماه النبي -ﷺ، والآخر: معناه: إلَّا على مثل ما حماه النبي -ﷺ، فعلى الأوَّل ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي، وعلى الثاني يختص الحِمَى بمن قام مقام رسول الله -ﷺ- وهو الخليفة خاصة، وأخذ أصحاب الشافعي من هذا أنَّ له في هذا قولين، والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ، لكن رجَّحوا الأول، والمراد بالحمى منع الرعي في أرض مخصوصة من المباحات، فيجعلها الإمام مخصوصة =
[ ٢٧٥ ]
والقول الثاني: أن حمى الأئمة بعده جائز كجوازه له؛ لأنه كان يفعل ذلك لصلاح المسلمين لا لنفسه، فكذلك مَنْ قام مقامه في مصالحهم، قد حمى أبو بكر -﵁- بالربذة لأهل الصدقة، واستعمل عليه مولاه أبا سلامة.
وحمى عمر -﵁- من الشرف مثل ما حماه أبو بكر من الربذة، وولى عليه مولًى له يقال له: هني، وقال: يا هني ضمَّ جناحك عن الناس، واتَّقِ دعوة المظلوم فإنَّ دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة يأتيني بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبالك، فالكلأ أهون عليَّ من الدينار والدرهم، والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا١.
فأمَّا قول رسول الله -ﷺ: "لا حمى إلَّا لله ولرسوله"، فمعناه: لا حمى إلَّا على مثل ما
_________________
(١) = برعي بهائم الصدقة مثلًا، وأصل الحمى عند العرب أنَّ الرئيس منهم كان إذا نزل منزلًا مخصبًا استعوى كلبًا على مكان عالٍ، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب، فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو من غيره فيما سواه، والحمى هو المكان المحمي وهو خلاف المباح، ومعناه: أن يمنع من الإحياء من ذلك الموات؛ ليتوفر فيه الكلأ، فترعاه مواش مخصوصة ويمنع غيرها، والأرجح عند الشافعية أن الحمى يختص بالخليفة، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم، ومحل الجواز مطلقًا أن لا يضر بكافة المسلمين، واستدلَّ به الطحاوي لمذهبه في اشتراط إذن الإمام في إحياء الموات. [انظر: فتح الباري: ٥/ ٤٤] . ١ قال الشافعي في معني قول عمر: إني قد ظلمتهم، إنَّها لبلادهم قاتوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، إنهم يقولون: إن منعت لأحد من أحد فمن قاتل عليها وأسلم أولى أن تمنع له، وهذا كما قال: لو كانت تمنع لخاصة فلما كان لعامة لم يكن في هذا -إن شاء الله- مظلمة. وقول عمر: لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على المسلمين بلادهم شبرًا، إني لم أحمها لنفسي ولا لخاصَّتي، وإني حميتها لمال الله أحمل عليه في سبيل الله، وكانت من أكثر ما عنده مما يحتاج إلى الحمى، فنسب الحمى إليها لكثرتها. وقد أدخل الحمى خيل الغزاة في سبيل الله، فلم يكن ما حمي ليحمل عليه أولى بما عنده من الحمى مما تركه أهله، ويحملوه عليها في سبيل الله؛ لأنَّ كلًّا لتعزيز الإسلام، وأدخل فيها إبل الضوالّ؛ لأنها قليل لعوام من أهل البلدان، وأدخل فيها ما فضل من سهمان أهل الصدقة من إبل الصدقة، وهم عوام من المسلمين يحتاجون إلى ما جعل لهم مع إدخاله من ضعف عن النجعة ممن قلَّ ماله، وفي تماسك أموالهم عليهم غنًَى عن أن يدخلوا على أهل الفيء من المسلمين، وكل هذا وجه عام النفع للمسلمين. [الأم: ٤/ ٤٨] .
[ ٢٧٦ ]
حماه الله ورسوله للفقراء والمساكين ولمصالح كافَّة المسلمين؛ لا على مثل ما كانوا عليه في الجاهلية من تفرُّد العزيز منهم بالحمى لنفسه، كالذي كان يفعله كليب بن وائل؛ فإنه كان يوافي بكلب على نشاز من الأرض، ثم يستعديه ويحمي ما انتهى إليه عواؤه من كل الجهات، ويشارك الناس فيما عداه، حتى كان ذلك سبب قتله، وفيه يقول العباس بن مرداس "من الطويل":
كما كان يبغيها كليب بظلمه من العز حتى طاح وهو قتيلها
على وائل إذ يترك الكلب نابحًا وإذ يمنع الأقناء منها حلولها
وإذا جرى على الأرض حكم الحمى استبقاء لمواتها سابلًا ومنعًا من إحيائها ملكًا روعي حكم المحمي، فإن كان للكافَّة تساوى فيه جميعهم من غنيّ وفقير ومسلم وذمي في رعي كلئهم بخيلهم وماشيتهم، فإن خص به المسلمون اشترك فيه أغنياؤهم وفقراؤهم، ومنع منهم أهل الذمة؛ وإن خص به الفقراء والمساكين منع منه الأغنياء وأهل الذمة، ولا يجوز أن يخص به الأغنياء دون الفقراء، ولا أهل الذمة دون المسلمين، وإن خص به نعم الصدقة أو خيل المجاهدين لم يشركهم فيه غيرهم، ثم يكون الحمى جاريًا على ما استقرَّ عليه من عموم وخصوص، فلو اتَّسع الحمى المخصوص لعموم الناس جاز أن يشتركوا فيه؛ لارتفاع الضرر عمَّن خص به، ولو ضاق الحمى العام عن جميع الناس لم يجز أن يختص به أغنياؤهم، وفي جواز اختصاص فقرائهم به وجهان، وإذا استقرَّ حكمٌ لحمًى على أرض فأقدم عليها من أحياها ونقض حماها روعي الحمى، فإن كان مما حماه رسول الله -ﷺ- كان الحِمَى ثابتًا والإحياء باطلًا والمتعرّض لإحيائه مردودًا مزجورًا، لا سيما إذا كان سبب الحمى باقيًا؛ لأنه لا يجوز أن يعارض حكم رسول الله -ﷺ- بنقض ولا إبطال.
وإن كان من حمى الأئمة بعده ففي إقرار إحيائه قولان:
أحدهما: لا يقر ويجري عليه الحمى كالذي حماه رسول الله -ﷺ؛ لأنه حكم نفذ بحق.
والقول الثاني: يقر الإحياء ويكون حكمه أثبت من الحمى؛ لتصريح رسول الله -ﷺ-
[ ٢٧٧ ]
بقوله: "من أحيا أرضًا مواتًا فهي له" ١، ولا يجوز لأحدٍ من الولاة أن يأخذ من أرباب المواشي عوضًا عن مراعي موات أو حِمَى؛ لقول رسول الله -ﷺ: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والنار والكلأ" ٢.
_________________
(١) ١ صحيح: رواه مالك في كتاب الأقضية من موطئه "١٤٥٦"، وأبو داود في كتاب الخراج والإمارة "٣٠٧٣"، والترمذي في كتاب الأحكام "١٣٧٨". قال الحافظ ابن حجر: حديث "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" البخاري من طريق عروة عن عائشة أنَّ النبي -ﷺ- قال: "من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها"، قال عروة: وقضى بها عمر في خلافته. وأخرجه أبو يعلى والدارقطني والطيالسي وابن عدي من وجه آخر عن عروة، عن عائشة بلفظ: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له"، وعن عبد الله بن عمرو أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق ابن أبي مليكة، عن عروة، عن عبد الملك بن مروان عن أبيه به، ورجال إسناده ثقات، وفي الباب عن جابر أخرجه الترمذي والنسائي من رواية أيوب عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان عنه بلفظ: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" وخالفه وكيع عن هشام فقال عن ابن أبي رافع عن جابر، أخرجه ابن أبي شيبة وأخرجه ابن حبان من وجه آخر عن جابر، وعن فضالة بن عبيد رفعه: "الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، من أحيا أرضًا مواتًا فهي له" أخرجه الطبراني في الأوسط. وعن عمرو بن عوف كالأول أخرجه البزار وابن أبي شيبة والطبراني وابن عدي وعن ابن عباس نحوه، أخرجه الطبراني في الكبير. [الدراية في تخريج أحاديث الهداية: ٢/ ٢٤٤] . والحديث صحَّحه الشيخ الألباني. ٢ صحيح: رواه أبو داود في كتاب البيوع "٣٤٧٧"، وأحمد "٢٢٥٧٣". قال الزيلعي: روي من حديث رجل، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث ابن عمر، فحديث الرجل أخرجه أبو داود في سننه في البيوع عن حريز بن عثمان عن أبي خداش بن حبان بن زيد عن رجل من الصحابة قال: غزوت مع رسول الله -ﷺ- ثلاثًا أسمعه يقول: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار" انتهى. ورواه أحمد في مسنده وابن أبي شيبة في مصنَّفه في الأقضية، وأسند بن عدي في الكامل عن أحمد وابن معين أنَّهما قالا في حريز: ثقة. وذكره عبد الحق في أحكامه من جهة أبي داود قال: لا أعلم رَوَى عن أبي خداش إلّا حريز بن عثمان، وقد قيل فيه: مجهول. انتهى. قال البيهقي في المعرفة: وأصحاب النبي -ﷺ- كلهم ثقات، وترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا يضرّ إن لم يعارضه ما هو أصحّ منه، انتهى. وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجه في سننه في الأحكام عن عبد الله بن خداش عن العوام بن حوشب عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ: "المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار وثمنه حرام" انتهى. =
[ ٢٧٨ ]
فصل:
وأما الأرفاق فهو أرفاق بمقاعد الأسواق، وأفنية الشوارع، وحريم الأمصار، ومنازل الأسفار، فيقسم ثلاثة أقسام: قسم يختص الارتفاق فيه بالصحارى والفلوات، وقسم يختص الارتفاق فيه بأفنية الأملاك، وقسم يختص بالشوارع والطرق.
فأمَّا القسم الأول: وهو ما اختُصَّ بالصحارى والفلوات فكمنازل الأسفار وحلول المياه، وذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون لاجيتاز السابلة واستراحة المسافرين فيه، فلا نظر للسلطان فيه لبعده عنده، وضرورة السابلة إليه، والذي يختص السلطان له من ذلك إصلاح عورته وحفظ مياهه، والتخلية بين الناس وبين نزوله، ويكون السابق إلى المنزل أحقّ بحلوله فيه من المسبوق حتى يرتحل عنه؛ لقول النبي -ﷺ: "مِنَى مناخ من سبق إليها" ١.
فإن وردوه على سواء وتنازعوا فيه نظر في التعديل بينهم مِمَّا يزيل تنازعهم، وكذلك البادية إذا انتجعوا أرضًا طلبًا للكلأ، وارتفاقًا بالمرعى، وانتقالًا من أرض إلى أخرى، كانوا فيما نزلوه وارتحلوا عنه كالسابلة، لا اعتراض عليهم في تنقلهم ورعيهم.
والضرب الثاني: أن يقصدوا بنزول الأرض الإقامة فيها والاستيطان لها، فللسلطان في نزولهم بها نظر يراعَى فيه الأصلح، فإن كان مضرًّا بالسابلة منعوا منها قبل النزول وبعده، وإن لم يضر بالسابلة راعى الأصلح في نزولهم فيها، أو منعهم منها ونقل غيرهم إليها، كما فعل عمر حين مصَّر البصرة والكوفة؛ نقل إلى كلِّ واحد من المصرين مَنْ رأى المصلحة فيه؛
_________________
(١) = قال عبد الحق في أحكامه: قال البخاري: عبد الله بن خداش عن العوام بن حوشب منكر الحديث، وضعَّفه أيضًا أبو زرعة وقال فيه أبو حاتم: ذاهب الحديث، انتهى كلامه، تركها ابن القطان عليه. انتهى. وأمَّا حديث ابن عمر فرواه الطبراني في معجمه، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا يحيى الحماني، ثنا قيس بن الربيع، عن زيد بن جبير، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ: "المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار" انتهى. [نصب الراية: ٤/ ٢٩٤] . والحديث صحَّحه الشيخ الألباني. ١ صحيح: رواه أبو داود في كتاب المناسك "٢٠١٩"، والترمذي في كتاب الحج "٨٨١"، وابن ماجه في كتاب المناسك "٣٠٠٦"، وأحمد "٢٥١٩٠".
[ ٢٧٩ ]
لئلَّا يجتمع فيه المسافرون، فيكون سببًا لانتشار الفتنة وسفك الدماء، وكما يفعل في إقطاع الموات ما يرى، فإن لم يستأذنوه حتى نزلوه لم يمنعهم منه، كما لا يمنع من أحيا مواتًا بغير إذنه، ودبَّرهم بما يراه صلاحًا لهم، ونهاهم عن إحداث زيادة من بعد إلَّا عن إذنه.
روى كثير بن عبد الله بن عن أبيه عن جده قال: قدمنا مع عمر بن الخطاب في عمرته سنة سبع عشرة، فكلمه أهل المياه في الطريق أن يبنوا بيوتًا فيما بين مكة والمدينة لم تكن قبل ذلك، فأذن لهم واشترط عليهم أنَّ ابن السبيل أحقّ بالماء والظلّ.
وأما القسم الثاني: وهو ما يختص بأفنية الدور والأملاك، فإن كان مضرًّا بأربابها منع المرتفقون منها، إلَّا أن يأذنوا بدخول الضرر عليهم فيمكنوا، وإن كان غير مضر بهم، ففي إباحة ارتفاقهم به من غير إذنهم قولان:
أحدهما: أنَّ لهم الارتفاق بها وإن لم يأذن أربابها؛ لأن الحريم مرفق إذا وصل أهله إلى حقهم منه ساواهم فيما عداه.
والقول الثاني: أنه لا يجوز الارتفاق بحريمهم إلَّا عن إذانهم؛ لأنه تبع لأملاكهم، فكانوا به أحق وبالتصرف فيه أخص، فأمَّا حريم الجوامع والمساجد فإن كان الارتفاق به مضرًّا بأهل المساجد والجوامع منعوا منه، ولم يجز للسلطان أن يأذن لهم فيه؛ لأنَّ المصلين به أحق، وإن لمن يكن مضرًّا أجاز ارتفاقهم بحريمها١. وهل يعتبر فيه إذن السلطان لهم على وجهين منَ القولين في حريم الأملاك.
وأمَّا القسم الثالث: وهو ما اختص بأفنية الشوارع والطرق فهو موقوف على نظر السلطان، وفي نظره وجهان:
أحدهما: أن نظره فيه مقصور على كفهم عن التعدي، ومنعهم من الإضرار، والإصلاح بينهم عند التشاجر، وليس له أن يقيم جالسًا، ولا أن يقدّم مؤخرًا، ويكون السابق إلى
_________________
(١) ١ قال منصور بن يونس البهوتي -من الحنابلة: قال القاضي: حريم الجوامع والمساجد إن كان الارتفاق بها مضرًّا بأهل الجوامع والمساجد منعوا منه، أي: من الارتفاق بها دفعًا للضرر، ولم يجز للسلطان أن يأذن فيه؛ لأن المصلين بها أحق من غيرهم، وإن لم يكن في الارتفاق بها ضرر جاز الارتفاق بحريمها؛ لأن الحق فيها لعامة المسلمين، ولا يعتبر فيه إذن السلطان ولا نائبه للحرج، ولا يجوز إحداث المسجد في المقبرة. [كشف القناع: ٢/ ٣٧٤] .
[ ٢٨٠ ]
المكان أحق به من المسبوق١.
والوجه الثاني: أنَّ نظره فيه نظر مجتهد فيما يراه صلاحًا في إجلاس من يجلسه، ومنع من يمنعه، وتقديم من يقدمه، كما يجتهد في أموال بيت المال وإقطاع الموات، ولا يجعل السابق أحق، وليس له على الوجهين أن يأخذ منهم على الجلوس أجرًا.
وإذا تركهم على التراضي كان السابق منهما إلى المكان أحق به من المسبوق، فإذا انصرف عنه كان هو وغيره من الغد فيه سواء يراعى فيه السابق إليه، وقال مالك: إذا عرف أحدهم بمكان وصار به مشهورًا، كان أحق به من غيره قطعًا للتنازع وحسمًا للتشاجر، واعتبار هذا وإن كان له في المصلحة وجه يخرجه عن حكم الإباحة إلى حكم الملك.
فصل:
وأما جلوس العلماء والفقهاء في الجوامع والمساجد والتصدِّي للتدريس والفتيا، فعلى كل واحد منهم زاجر من نفسه، أو لا يتصدَّى لما ليس له بأهل، فيضل به المستهدي ويزِلّ به المسترشد، وقد جاء الأثر بأن أجرؤكم على الفتيا أجروكم على جراثيم جهنم.
وللسلطان فيهم من النظر ما يوجبه الاختيار من إقراره أو إنكاره، فإذا أراد من هو لذلك أهل أن يترتَّب في أحد المساجد؛ لتدريس أو فتيا نظر حال المسجد، فإن كان مساجد المحال التي لا يترتب الأئمة فيها من جهة السلطان لم يلزم من ترتب فيه للتدريس والفتيا استئذان السلطان في جلوسه، كما لا يلزم أن يستأذنه من ترتيب للإمامة، وإن كان من الجوامع وكبار المساجد التي ترتب الأئمة فيها بتقليد السلطان، روعي في ذلك عرف البلد وعادته في جلوس أمثاله، فإن كان للسلطان في جلوس مثله نظر، لم يكن له أن يترتب
_________________
(١) ١ قال أبو إسحاق الشيرازي -من الشافعية: ويجوز الارتفاق بما بين العامر من الشوارع والرحاب الواسعة بالقعود للبيع والشراء؛ لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك دون إنكار؛ ولأنه ارتفاق بمباح، فلم يمنع منه كالاجتياز، فإن سبق إليه كان أحق به؛ لقوله -ﷺ: "مِنَى مناخ من سبق"، وله أن يظلل بما لا ضرر به على المارة من بارية وثوب؛ لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك، وإن أراد أن يبني دكَّة منع منه؛ لأنه يضيق به الطريق ويعثر به الضرير وبالليل البصير فلم يجز. [المهذب: ١/ ٤٢٦] .
[ ٢٨١ ]
للجلوس فيه إلّا عن إذنه، كما لا يترتب للإمامة فيه إلَّا عن إذنه؛ لئلَّا يفتات عليه في ولايته.
وإن لم يكن للسلطان في مثله نظر معهود لم يلزم استئذانه للترتيب فيه، وصار كغيره من المساجد، وإذا ارتسم بموضع من جامع أو مسجد فقد جعله مالك أحق بالموضع إذا عرف به، والذي عليه جمهور الفقهاء أن هذا يستعمل في عرف الاستحسان، وليس بحق مشروع، وإذا قام عنه زال حقّه منه، وكان السابق إليه أحق؛ لقول الله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد﴾ [الحج: ٢٥] .
ويمنع الناس في الجوامع والمساجد من استطراق حَلَقِ الفقهاء والقراء صيانة لحرمتها.
وقد روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا حمى إلا في ثلاث: ثلة البئر، وطول الفرس، وحلقة القوم" ١ فأمَّا ثلة البئر فهو منتهى حريمها، وأمَّا طول الفرس فهو ما دار فيه بمقوده إذا كان مربوطًا، وأمَّا حلقة القوم فهو استدارتهم في الجلوس للتشاور والحديث.
وإذا تنازع أهل المذاهب المختلفة فيما يسوغ فيه الاجتهاد لم يعترض عليهم فيه، إلَّا أن يحدث بينهم تنافر فيكفوا عنه، وإن حدث منازع ارتكب ما لا يسوغ فيه الاجتهاد كف عنه ومنع منه، فإن أقام عليه وتظاهر باستغواء من يدعو إليه لزم السلطان أن يحسم بزواجر السلطنة ظهور بدعته، ويوضِّح بدلائل الشرع فساد مقالته، فإن لكل بدعة مستمعًا، ولكل مستغو متبعًا، وإذا تظاهر بالصلاح من استبطن ما سواه ترك، وإذا تظاهر بالعلم من عرِّي منه هتك؛ لأنَّ الداعي إلى صلاح ليس فيه مصلح، والداعي إلى علم ليس فيه مضل.
_________________
(١) ١ رواه البيهقي في السنن الكبرى "١١٦١٨".
[ ٢٨٢ ]