الحسبة١: هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا أظهر فعله. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .
وهذا، وإن صح من كل مسلم، فالفرق فيه بين المتطوع والمحتسب٢ من تسعة أوجه:
أحدها: إنَّ فرضه متعيّن على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخل في فروض الكفاية.
والثاني: إنَّ قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه، وقيام المتطوع به من نوافل عمله الذي يجوز أن يتشاغل عنه بغيره.
والثالث: إنَّه منصوب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاؤه، وليس المتطوع منصوبًا للاستعداء.
والرابع: إنَّ على المحتسب إجابة من استعداه، وليس على المتطوع إجابته.
والخامس: إنَّ عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة؛ ليصل إلى إنكارها، ويفحص
_________________
(١) ١ الحسبة لغة: اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد، والاحتساب في الأعمال الصالحات وعند المكروهات: هو البدار إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها، طلبًا للثواب المرجوّ منها. وفي حديث عمر: أيها الناس، احتسبوا أعمالكم، فإن من احتسب عمله، كتب له أجر عمله وأجر حسبته. [اللسان: ١/ ٣١٥] . ويقول ابن سيده: والاحتساب: طلب الأجر، والاسم الحسبة، واحتسب فلان على فلان: أنكر عليه قبيح عمله. [المحكم والمحيط الأعظم في اللغة: ص ١٤٩] . وشرعًا: المنعة عن المنكر لحق الله، صيانة للممنوع عن مقارفة المنكر. [إحياء علوم الدين: ٢/ ٣٢١] . ٢ يقول ابن تيمية: وأمَّا المحتسب، فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من اختصاصات الولاة والقضاء وأهل الديوان ونحوهم. [الحسبة في الإسلام: ص ٨] .
[ ٣٤٩ ]
عَمَّا ترك من المعروف الظاهر؛ ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعة بحث ولا فحص.
والسادس: إنَّ له أن يتخذ على إنكاره أعوانًا؛ لأنه عمل هو له منصوب وإليه مندوب؛ ليكون له أقهر وعليه أقدر، وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانًا.
والسابع: إنَّ له أن يعزِّر في المنكرات الظاهرة لا يتجاوز إلى الحدود، وليس للمتطوع أن يعزر على منكر.
والثامن: أن له أن يرتزق على حسبته من بيت المال، ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على إنكار منكر.
والتاسع: إنَّ له اجتهاد رأيه فيما تعلق بالعرف دون الشرع؛ كالمقاعد في الأسواق وإخراج الأجنحة فيه، فيقر وينكر من ذلك ما أدَّاه اجتهاده إليه، وليس هذا للمتطوع، فيكون الفرق بين والي الحسبة وإن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبين غيره من المتطوعين وإن جاز أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من هذه الوجوه التسعة.
وإذا كان كذلك فمن شروط والي الحسبة أن يكون حرًّا عدلًا، ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة١.
_________________
(١) ١ قال ابن تيمية موضحًا ما يندرج ويقع تحت اختصاصات المحتسب: وأما ولاية الحسبة فخاصتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم، فعلى متولي الحسبة أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها، ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس، وأما القتل فإلى غيره. ويتعاهد الأئمة والمؤذنين، فمن فرّط منهم فيما يجب عليه من حقوق الأمة وخرج عن المشروع ألزمه به، واستعان فيما يعجز عنه بوالي الحرب والقاضي، واعتناء ولاة الأمور بإلزام الرعية بإقامة الصلاة أهم من كل شيء، فإنها عماد الدين وأساسه وقاعدته، وكان عمر بن الخطاب -﵁- يكتب إلى عماله أن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة. ويأمر والي الحسبة بالجمعة والجماعة، وأداء الأمانة والصدق، والنصح في الأقوال والأعمال، وينهى عن الخيانة وتطفيف المكيال والميزان، والغش في الصناعات والبياعات، ويتفقَّد أحوال المكاييل والموازين، وأحوال الصناع الذين يصنعون الأطعمة والملابس والآلات، فيمنعهم من صناعة المحرم =
[ ٣٥٠ ]
واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي، هل يجوز له أن يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري١: إنَّ له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده، فعلى هذا يجب على المحتسب أن يكون عالمًا من أهل الاجتهاد في أحكام الدين؛ ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه.
والوجه الثاني: ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده، ولا يقودهم إلى مذهبه لتسويغ الاجتهاد للكافة، وفيما اختلف فيه، فعلى هذا يجوز أن يكون المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفًا بالمنكرات المتفق عليها٢.
_________________
(١) = على الإطلاق -كآلات الملاهي، وثياب الحرير للرجال، ويمنع من اتخاذ أنواع المسكرات، ويمنع صاحب كل صناعة من الغش في صناعته، ويمنع من إفساد نقود الناس وتغييرها، ويمنع من جعل النقود متجرًا، فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلّا الله، بل الواجب أن تكون النقود رءوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها، وإذا حرَّم السلطان سكة أو نقدًا منع من الاختلاط بما أذن في المعاملة به. ومعظم ولايته وقاعدتها الإنكار على هؤلاء الزغلية وأرباب الغش في المطاعم والمشارب والملابس وغيرها، فإن هؤلاء يفسدون مصالح الأمة، والضرر بهم عام لا يمكن الاحتراز منه، فعليه ألا يهمل أمرهم، وأن ينكل بهم وأمثالهم، ولا يرفع عنهم عقوبته. [الطرق الحكمية: ص ٣٤٩، ٣٥٠] . ١ هو أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفضل الإصطخري، الفقيه الشافعي؛ كان من نظراء أبي العباس بن سريج، وأقران أبي علي بن أبي هريرة، وله مصنَّفات حسنة في الفقه منها كتاب "الأقضية"، وكان قاضي قم، وتولَّى حسبة بغداد، وكان ورعًا متقللًا، واستقضاه المقتدر على سجستان فسار إليها فنظر في مناكحاتهم فوجد معظمها على غير اعتبار الوليّ، فأنكرها وأبطلها عن آخرها. وكانت ولادته في سنة أربع وأربعين ومائتين، وتوفي في جمادى الآخرة يوم الجمعة ثاني عشرة، وقيل: رابع عشرة، وقيل: مات في شعبان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى. ٢ قال ابن القيم -﵀: من المعلوم أنَّ العمل بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين والصحابة بالمدينة كان بحسب من فيها من المفتين والأمراء والمحتسبين على الأسواق، ولم تكن الرعية تخالف هؤلاء، فإذا أفتى المفتون نفذه الوالي، وعمل به المحتسب، وصار عملًا، فهذا هو الذي لا يلتفت إليه في مخالفة السنن لا عمل رسول الله -ﷺ- وخلفائه والصحابة، فذاك هو السنة، فلا يخلط أحدهما وصله، فنحن لهذا العمل أشد تحكيمًا، وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشد تركًا وبالله التوفيق، وقد كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يفتي وسليمان بن بلال المحتسب ينفذ فتواه، فتعمل الرعية بفتوى هذا وتنفيذ هذا. [إعلام الموقعين: ٢/ ٣٩٣] .
[ ٣٥١ ]
فصل:
واعلم أن الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم، فأمَّا ما بينهما وبين القضاء فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين، ومقصورة عنه من وجهين، وزائدة عليه من وجهين:
فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء:
فاحدهما: جواز الاستعداء إليه وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه في حقوق الآدميين، وليس هذا على عموم الدعاوى، وإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعوى:
أحدها: أن يكون فيما يتعلق ببخس وتطفيف في كيل أو وزن.
والثاني: ما يتعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن.
والثالث: فيما يتعلق بمطل وتأخير لدَيْن مستحق مع المكنة، وإنما جاز نظره في هذه الأنواع الثلاثة من الدعاوى دون ما عداها من سائر الدعاوى؛ لتعلقها بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته، واختصاصها بمعروف بيّن هو مندوب إلى إقامته؛ لأن موضوع الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها، وليس للناظر فيها أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات، فهذا أحد وجهي الموافقة.
والوجة الثاني: إنَّ له إلزام المدعى عليه للخروج من الحق الذي عليه، وليس هذا على العموم في كل الحقوق، وإنما هو خاص في الحقوق التي جاز له سماع الدعوى فيها، وإذا وجبت باعتراف وإقرار مع تمكنه وإيساره، فيلزم المقر الموسر الخروج منها ودفعها إلى مستحقها؛ لأن في تأخيره لها منكرًا هو منصوب لإزالته.
وأما الوجهان في قصورها عن أحكام القضاء:
فاحدهما: قصورها عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوى في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات، فلا يجوز أن ينتدب لسماع الدعوى لها، ولا أن يتعرّض للحكم فيها، لا في كثير الحقوق، ولا في قليلها من درهم فما
[ ٣٥٢ ]
دونه، إلَّا أن يرد ذلك إليه بنص صريح يزيد على إطلاق الحسبة، فيجوز ويصير بهذه الزيادة جامعًا بين قضاء وحسبة، فيراعَى فيه أن يكون من أهل الاجتهاد، وإن اقتصر به عن مطلق الحسبة، فالقضاة والحكام بالنظر في قليل ذلك وكثيره أحق، فهذا وجه.
والوجه الثاني: إنَّها مقصورة على الحقوق المعترف بها، فأمَّا ما يتداخله التجاحد والتناكر فلا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات الحق، ولا أن يحلف يمينًا على نفي الحق، والقضاة والحكام بسماع البينة وإحلاف الخصوم أحق.
وأما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء:
فأحدهما: إنه يجوز للناظر فيها أن يتعرَّض لتصفُّح ما يأمر به من المعروف وينهى عنه من المنكر وإن لم يحضره خصم مستعد، وليس للقاضي أن يتعرَّض لذلك إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه، فإن تعرّض القاضي لذلك خرج عن منصب ولايته، وصار متجوزًا في قاعدة نظره.
والثاني: إنَّ للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة واستطالة الحماة فيما تعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة؛ لأنَّ الحسبة موضوعة للرهبة، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزًا فيها ولا خرقًا، والقضاء موضوع للمناصفة، فهو بالأناة والوقار أحق، وخروجه عنهما إلى سلاطة الحسبة تجوز وخرق؛ لأنَّ موضوع كل واحد من المنصبين مختلف، فالتجوز فيه خروج عن حده.
وأما ما بين الحسبة والمظالم فبينهما شبه موتلف وفرق مختلف.
فأما الشبه الجامع بينهما فمن وجهين:
أحدهما: إنَّ موضوعهما مستقر على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة وقوة الصرامة.
والثاني: جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح والتطلع إلى إنكار العدوان الظاهر.
وأما الفرق بينهما فمن وجهين:
أحدهما: إنَّ النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما رفه عنه القضاة، ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى، ورتبة الحسبة أخفض، وجاز لوالي المظالم أن يوقع إلى القضاة والمحتسب، ولم يجز للقاضي أن يوقع إلى والي المظالم، وجاز
[ ٣٥٣ ]
له أن يوقع إلى المحتسب، ولم يجز للمحتسب أن يوقع إلى واحد منهما، فهذا
الفرق الثاني: إنه يجوز لوالي المظالم أن يحكم، ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم.
فصل:
وإذا استقر ما وصفناه من موضع الحسبة، ووضع الفرق بينهما وبين القضاء والمظالم فهي تشتمل على فصلين:
أحدهما: أمر بالمعروف.
والثاني: نهي عن المنكر١.
فأما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يتعلق بحقوق الله تعالى.
والثاني: ما يتعلق بحقوق الآدميين.
والثالث: ما يكون مشتركًا بينهما.
فأما المتعلق بحقوق الله -﷿- فضربان:
أحدهما: يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد؛ كترك الجمعة في وطن مسكون، فإن كانوا عددًا قد اتفق على انعقاد الجمعة بهم -كالأربعين فما زاد- فواجب أن يأخذهم بإقامتها، ويأمرهم بفعلها، ويؤدّب على الإخلال بها، وإن كانوا عددًا اختلف في انعقاد الجمعة بهم فله ولهم أربعة أحوال:
أحدها: أن يتفق رأيه ورأي القوم على انعقاد الجمعة بذلك العدد، فواجب بهم فله
_________________
(١) ١ المقصود: إنَّ الحكم بين الناس في النوع الذي لا يتوقف على الدعوى هو المعروف بولاية الحسبة، وقاعدته وأصله هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ووصف به هذه الأمة وفضلها لأجله على سائر الأمم التي أخرجت للناس، وهذا واجب على كل مسلم قادر، من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة، فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ . [الطرق الحكمية: ص ٣٥٤] .
[ ٣٥٤ ]
يأمرهم بإقامتها، وعليهم أن يسارعوا إلى أمره بها، ويكون في تأديبهم على تركها ألين من تأديبه على ترك ما انعقد الإجماع عليه.
والحالة الثانية: أن يتفق رأيه ورأي القوم على أن الجمعة لا تنعقد بهم، فلا يجوز أن يأمرهم بإقامتها وهو بالنهي عنها لو أقيمت أحق.
والحالة الثالثة: أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم ولا يراه المحتسب، فلا يجوز له أن يعارضهم فيها ولا يأمر بإقامتها؛ لأنه لا يراه، ولا يجوز أن ينهاهم عنها ويمنعهم مما يرونه فرضًا عليهم.
والحالة الرابعة: أن يرى المحتسب انعقاد الجمعة بهم، ولا يراه القوم، فهذا مما في استمرار تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده وكثرة العدد وزيادته، فهل للمحتسب أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بهذا المعنى أم لا؟ على وجهين لأصحاب الشافعي -﵁:
أحدهما: وهو مقتضى قول أبي سعيد الإصطخري أنه يجوز له أن يأمرهم بإقامتها اعتبارًا المصلحة؛ لئلَّا ينشأ الصغير على تركها، فيظن أنها تسقط مع زيادة العدد كما تسقط بنقصانه، فقد راعى زياد مثل هذا في صلاة الناس في جامعي البصرة والكوفة، فإنهم كانوا إذا صلوا في صحنه فرفعوا من السجود مسحوا جباههم من التراب، فأمر بإلقاء الحصى في صحن المسجد الجامع، وقال: لست آمن أن يطول الزمان فيظنّ الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود سنة في الصلاة.
والوجه الثاني: لا يتعرّض لأمرهم بها؛ لأنه ليس له حمل الناس على اعتقاده، ولا أن يأخذهم في الدين برأيه مع تسويغ الاجتهاد فيه، وأنهم يعتقدون أن نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة، وأما أمرهم بصلاة العيد فله أن يأمرهم بها، وهل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة أو من الحقوق الجائزة؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي فيها، هل هي مسنونة، أو من فروض الكفاية؟ فإن قيل: إنها مسنونة كان الأمر بها ندبًا، وإن قيل: إنها من فروض الكفاية، كان الأمر بها حتمًا.
[ ٣٥٥ ]
فأمَّا صلاة الجماعة في المساجد، وإقامة الأذان فيها للصلوات فمن شعائر الإسلام، وعلامات التعبُّد التى فرَّق بها رسول الله -ﷺ- بين دار الإسلام ودار الشرك، فإذا اجتمع أهل بلد أو محلة على تعطيل الجماعة في مساجدهم، وترك الأذان في أوقات صلواتهم، كان المحتسب مندوبًا إلى أمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات، وهل ذلك واجب عليه يأثم بتركه، أو محتسب له يثاب على فعله؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي في اتفاق أهل بلد على ترك الأذان والإقامة والجماعة، وهل يلزم السلطان محاربتهم عليه أم لا؟
فأما ترك صلاة الجماعة من آحاد الناس، أو ترك الأذان والإقامة لصلاته، فلا اعتراض للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادة وإلفًا؛ لأنها من الندب الذي يسقط بالأعذار، إلَّا أن يقترن به استرابة أو يجعله إلفًا وعادة، ويخاف تعدي ذلك إلى غيره في الاقتداء به، فيراعي حكم بشواهد حاله، كالذي روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لقد هممت أن آمر أصحابي أن يجمعوا خطبًا وآمر بالصلاة فيؤذن لها وتقام، ثم أخالف إلى منزل أقوام لا يحضرون الصلاة فأحرقها عليهم" ١.
وأما ما يأمر به آحاد الناس وأفرادهم فكتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، فيذكر بها ويأمر بفعلها، ويراعي جوابه عنها، فإن قال: تركتها لنسيان حثه على فعلها بعد ذكره، ولم يؤدبه؛ وإن قال: تركتها لتوان وهوان أدبه زجرًا، وأخذه بفعلها جبرًا، ولا اعتراض على من أخرها، والوقت باقٍ لاختلاف الفقهاء في فضل التأخير، ولكن لو كانت الجماعات في بلد قد اتفق أهله على تأخير صلواتهم إلى آخره، والمحتسب يرى فضل تعجليها، فهل له أن يأمرهم بالتعجيل على وجهين؛ لأن اعتبار جميع الناس لتأخيرها يفضي بالصغير الناشيء إلى اعتقاد أن هذا الوقت دون ما تقدم، ولو عجلها بعضهم ترك من أخرها منهم ما يراه من التأخير.
فأمَّا الأذان والقنوت في الصلوات إذا خالف فيه رأي المحتسب فلا اعتراض له فيه بأمر ولا نهي، وإن كان يرى إذا كان ما يفعل مسوغًا في الاجتهاد لخروجه عن معنى ما قدمناه،
_________________
(١) ١ صحيح: رواه البخاري في كتاب الأذان "٦٤٤"، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة "٦٥١".
[ ٣٥٦ ]
وكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب من إزالة النجاسة بالمائعات، والوضوء بماء تغير بالمذورات الطاهرات، أو اقتصار على مسح أقل الرأس، أو العفو عن قدر الدرهم من النجاسات، فلا اعتراض له في شيء من ذلك بأمر ولا نهي، وكان له في اعتراضه عليهم في الوضوء بنبيذ التمر عند عدم الماء وجهان، لما فيه من الإفضاء إلى استباحته على كل حال، فإنه ربما آل إلى السكر من شربه، ثم على نظائر هذا المثال -تكون أوامره بالمعروف في حقوق الله تعالى.
فصل:
فأمَّا الأمر بالمعروف في حقوق الآدميين فضربان: عام وخاص١.
فأما العام: فكالبلد إذا تعطل شربه، أو استهدم سوره، أو كان يطرقه بنو السبيل من ذوي الحاجات فكفّوا عن معونتهم، فإن كان في بيت المال مال لم يتوجه عليهم فيه ضرر، أمر بإصلاح شربهم وبناء سورهم، وبمعونة بني السبيل في الاجتياز بهم؛ لأنها حقوق تلزم بين المال دونهم، وكذلك لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم، فأما إذا أعوز بيت المال كان الأمر ببناء سورهم وإصلاح شربهم وعمارة مساجدهم وجوامعيهم، ومراعاة ببني السبيل فيهم متوجهًا إلى كافة ذوي المكنة، ولا يتعين أحدهم في الأمر به، وإن شرع ذوو المكنة في عملهم، وفي مراعاة بني السبيل، وباشروا القيام به سقط عن المحتسب حق الأمر به، ولم يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني السبيل ولا في بناء ما كان مهدومًا، ولكن لو أرادوا هدم ما يعيدون بناءه من المسترمّ والمستهدم لم يكن لهم الإقدام على هدمه فيما عم أهل البلد من سوره وجامعهم إلا باستئذان ولي الأمر دون المحتسب؛ ليأذن لهم في هدمه
_________________
(١) ١ قال الإمام النووي: الضرب الثاني: ما يتعلق بحق آدمي، وينقسم إلى عام كالبلد إذا تعطل شربه، أو انهدم سوره، أو الإشارة أبناء السبيل المحتاجون وتركوا معونتهم، فإن كان في بيت المال مال لم يؤمر الناس بذلك، وإن لم يكن أمر أهل المكنة برعايتها. وإلى خاص: كمطل المدين الموسر، فالمحتسب يأمره بالخروج عنه إذا استعداده صاحب الدين، وليس له الضرب والحبس. [روضة الطالبين: ١٠/ ٢١٨] .
[ ٣٥٧ ]
بعد تضميينه القيام بعمارته، وجاز فيما خص من المساجد في العشائر والقبائل ألا يستأذنوه، وعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه، وليس له أن يأخذهم بإتمام ما استأنفوه، فأما إذا كف ذوو المكنة عن بناء ما استهدم وعمارة ما استرم، فإن كان المقام في البلد ممكنًا، وكان الشرب -وإن قلَّ مقنعًا تاركهم وأباه، وإن تعذَّر المقام في البلد لتعطيل شربه واندحاض سوره نظر، فإن كان البلد ثغرًا يضر بدار الإسلام تعطيله لم يجز لولي الأمر أن يفسخ في الانتفال عنه، وكان حكمه حكم النوازل إذا حدثت في قيام كافة ذوي المكنة به، وكان تأثير المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان به، وترغيب أهل المكنة في عمله، وإن لم يكن هذا البلد ثغرًا مصرًا بدار الإسلام كان أمره أيسر وحكمه أخف، ولم يكن للمحتسب أن يأخذ أهله جبرًا بعمارته؛ لأن السلطان أحق أن يقوم به، ولو أعوزه المال فيستجده فيقول لهم: المستحب ما استدام عجز السلطان عنه أنتم مخيرون بين الانتقال عنه، أو التزام ما يصرف في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه عنه، أنتم مخيرون بين الانتقال عنه أو التزام ما يصرف في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه، فإن أجابوه إلى التزام ذلك كلف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم، ولم يجز أن يأخذ كل واحد منهم ما سهل عليه وطاب نفسًا به، ومن أعوزه المال أعان بالعمل حتى إذا اجتمعت كفاية المصلحة، أو يلوح اجتماعها لضمان كل واحد من أهل المكنة قدرًا طاب به نفسًا، شرع حينئذ في عمل المصلحة، وأخذ كل ضامن من الجماعة بالتزام ما ضمنه، وإن كان مثل هذا الضمان لا يلزم في المعاملات الخاصة؛ لأن حكم ما عم من المصالح موسع، فكان حكم الضمان فيه أوسع، وإذا عمت هذه المصلحة لم يكن للمحتسب أن يتقدم بالقيام بها حتى يستأذن السلطان فيها؛ لئلَّا يصير بالتفرُّد مفتاتًا عليه؛ إذ ليست هذه المصلحة من معهود حسبته، فإن قلَّت وشقَّ استئذان السلطان فيها، أو خيف زيادة الضرر لبعد استئذانه جاز شروعه فيها من غير استئذان.
وأما الخاص فكالحقوق إذا مطلت، والديوان إذا أخرت، فللمحتسب أن يأمر بالخروج منها مع المكنة إذا استعداده أصحاب الحقوق، وليس له أن يحبس بها؛ لأن الحبس حكم، وله أن يلازم عليها؛ لأنَّ لصاحب الحق أن يلازم، وليس له الأخذ بنفقات الأقارب لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي فيمن تجب له، ويجب عليه إلا أن يكون الحاكم قد فرضها، فيجوز له
[ ٣٥٨ ]
أن يأخذ له بأدائها، وكذلك كفالة من تجب كفالته من الصغار، والاعتراض له فيها حتى يحكم بها الحاكم، فيجوز حينئذ للمحتسب أن يأمر بالقيام لها على الشروط المستحقة فيها.
وأما قبول الوصايا والودائع، فليس له أن يأمر فيها أعيان الناس وآحادهم، ويجوز أن يأمر بها على العموم حثًّا على التعاون بالبر والتقوى، ثم على هذا المثال تكون أوامره بالمعروف في حقوق الآدميين.
فصل:
وأما الأمر بالمعروف فيما كان مشتركًا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فكأخذ الأولياء بنكاح الأيامي أكفاءهن إذا طلبن، وإلزام النساء أحكام العدد إذا فورقن، وله تأديب من خالف في العدة من النساء، وليس له تأديب من امتنع من الأولياء١.
ومن نفى ولدًا قد ثبت فراش أمه ولحوق نسبه أخذه بأحكام الآباء جبرًا وعزره عن النفي أدبًا، ويأخذ السادة بحقوق العبيد والإماء، وأن لا يكلفوا من الأعمال ما لا يطيقون، وكذلك أرباب البهائم يأخذهم بعلوفتها إذا قصروا، وأن لا يستعملوها فيما لا تطيق.
ومن أخذ لقيطًا وقصر في كفالته، أمره أن يقوم بحقوق التقاطه من التزام كفالته، أو
_________________
(١) ١ قال النووي: الثالث: الحقوق المشتركة كأمر الأولياء بإنكاح الأكفاء وإلزام النساء أحكام العدد، وأخذ السادة بحقوق الأرقاء، وأصحاب البهائم بتعهدها، وأن لا يستعملوها فيما لا تطيق، وذكر في المنكرات أن من يغير هيئة عبادة كجهره في صلاة سرية وعكسه، وزيادة في الأذان يمنعه وينكر عليه، ومن تصدى للتدريس أو الوعظ وليس هو من أهله، ولا يؤمن اغترار الناس به في تأويل أو تحريف أنكر عليه المحتسب وشهر أمره؛ لئلَّا يغتر به، وإذا رأى رجلًا واقفا مع امرأة في شارع يطرقه الناس لم ينكر عليه، وإن كان في طريق خال، فهو موضع ريبة فينكر ويقول: وإن كانت محرمًا لك فصنها عن مواقف الريب، ولا ينكر في حقوق الآدميين كتعديه في جدار جاره باستعداء صاحب الحق وينكر على من يطيل الصلاة من أئمة المساجد المطروقة، وعلى القضاة إذا حجبوا الخصوم وقصروا في النظر والخصومات والسوقي، الذي يختص بمعاملة النساء تختبر أمانته، فإن ظهرت منه خيانة منع من معاملتهن وهذا باب لا تتناهي صورة. [روضة الطالبين: ١٠/ ٢١٨] .
[ ٣٥٩ ]
تسليمه إلى من يلنزمها ويقوم بها، وكذلك واجد الضوال إذا قصر فيها يأخذه بمثل ذلك من القيام بها، ويكون ضامنًا للضالة بالتقصير، ولا يكون به ضامنًا اللقيط.
وإذا أسلم الضالة إلى غيره ضمنها؛ ولا يضمن اللقيط بالتسليم إلى غيره، ثم على نظائر هذا المثال يكون أمره بالمعروف في الحقوق المشتركة.
فصل:
وأما النهي عن المنكرات فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان من حقوقه الله تعالى.
والثاني: ما كان من حقوق الآدميين.
والثالث: ما كان مشتركًا بين الحقين.
فأمَّا النهي عنها في حقوق الله تعالى، فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما تعلق بالعبادات.
الثاني: ما تعلق بالمحظورات.
والثالث: ما تعلق بالمعاملات.
فأما المتعلق بالعبادات: فكالقاصد مخالفة هيئاتها المشروعة، والمتعمد تغيير أوصافها المسنونة مثل: من يقصد الجهر في صلاة الإسرار، والإسرار في صلاة الجهر، أو يزيد في الصلاة، أو في الأذان أذكارًا غير مسنونة، للمحتسب إنكارها، وتأديب المعاند فيها إذا لم يقل بما ارتكبه إمام متبوع، وكذلك إذا أخل بتطهير جسده، أو ثوبه، أو موضع صلاته أنكره عليه إذا تحقق ذلك منه، ولا يؤاخذه بالتهم ولا بالظنون؛ كالذي حكي عن بعض الناظرين في الحسبة أنه سأل رجلًا داخلًا إلى المسجد بنعلين، هل يدخل بهما بيت طهارته، فلمَّا أنكر ذلك أراد إحلافه عليه؛ وهذا جهل من فاعله تعدّى فيه أحكام الحسبة، وغلب فيه سوء الظنة، وهكذا لو ظنَّ برجل أنه يترك الغسل من الجنابلة، أو يترك الصلاة والصيام لم يؤاخذه بالتهم، ولم يعامله بالإنكار، ولكن يجوز له بالتهمة أن يعظ ويحذر من عذاب الله على إسقاط
[ ٣٦٠ ]
حقوقه، والإخلال بمفروضاته. فإن راه يأكل في شهر رمضان لم يقدم على تأديبه إلا بعد سؤاله عن سبب أكله إذا التبست أحواله، فربما كان مريضًا أو مسافرًا، ويلزمه السؤال إذا ظهرت منه أمارات الريب، فإن ذكر من الأعذار ما يحتمله حاله كف عن زجره، وأمره بإخفاء أكله؛ لئلَّا يعرض نفسه للتهمة، ولا يلزم إحلافه عند الاسترابة بقوله؛ لأنه موكول إلى أمانته، فإن لم يذكر عذرًا جاهر بالإنكار عليه مجاهرة ردع، وأدَّبه تأديب زجر، وهكذا لو علم عذره في الأكل أنكر عليه المجاهرة بتعريض نفسه للتهمة، ولئلَّا يقتدي به من ذوي الجهالة ممن لا يميز حال عذره من غيره.
وأما الممتنع من إخراج الزكاة: فإن كان من الأموال الظاهرة، فعامل الصدقة يأخذها منه جبرًا أخص، وهو بتعزيزه على الغلول إن لم يجد له عذرًا أحق، وإن كان من الأموال الباطنة فيحتمل أن يكون المحتسب أخص بالإنكار عليه من عامل الصدقة؛ لأنه لا اعتراض للعامل في الأموال الباطنة، ويحتمل أن يكون العامل بالإنكار عليه أخص؛ لأنه لو دفعها له أجزأه، ويكون تأديبه معتبرًا بشواهد حاله في الامتناع من إخراج زكاته، فإن ذكر أنه يخرجها سرًّا وكل إلى أمانته فيها.
وإن رأى رجلًا يتعرّض لمسألة الناس في طلب الصدقة، وعلم أنه غني إما بمال أو عمل أنكره عليه وأدّبه فيه، وكان المحتسب بإنكاره أخص من عامل الصدقة. قد فعل عمر -﵁- مثل ذلك بقوم من أهل الصدقة، ولو رأى عليه آثار الغنى وهو يسأل الناس أعلمه تحريمها على المستغني عنها، ولم ينكره عليه لجواز أن يكون في الباطن فقيرًا، وإذا تعرّض للمسألة ذو جلد وقوة على العمل، زجره وأمره أن يتعرض للاحتراف بعمله، فإن أقام على المسألة عزره حتى يقلع عنها.
وإن دعت الحالة عند إلحاح من حرمت عليه المسألة لمال أو عمل إلى أن ينفق علي ذي المال جبرًا من ماله، ويؤجر ذا العمل وينفق عليه من أجرته لم يكن للمحتسب أن يفعل ذلك بنفسه؛ لأن هذا حكم والحكام به أحق، فيرفع أمره إلى الحاكم ليتولى ذلك أو يأذن فيه.
وإذا وجد من يتصدّى لعلم الشرع وليس من أهله من فقيه أو واعظ، ولم يأمن اغترار الناس به في سوء تأويل أو تحريف جواب، أنكر عليه التصدي لما ليس هو من أهله، وأظهر
[ ٣٦١ ]
أمره لئلَّا يغتر به. ومن أشكل عليه أمره لم يقدم عليه بالإنكار عليه إلّا بعد الاختبار. قد مرَّ علي ابن أبي طالب -﵇- بالحسن البصري وهو يتكلم على الناس فاختبره، فقال له: ما عماد الدين؟ فقال: الورع، قال: فما آفته؟ قال: الطمع، قال: تكلّم الآن إن شئت، وهكذا لو ابتدع بعض المنتسبين إلى العلم قولًا خرق به الإجماع، وخالف فيه النص، وردّ قوله علماء عصره، أنكره عليه وزجره عنه، فإن أقلع وتاب وإلا فالسلطان بتهذيب الدين أحق، وإذا تعرض بعض المفسرين لكتاب الله تعالى بتأويل عدل فيه عن ظاهر التنزيل إلى باطن بدعة تتكلف له غمض معانيه، أو تفرَّد بعض الرواة بأحاديث مناكير تنفر منها النفوس، أو يفسد بها التأويل كان على المحتسب إنكار ذلك والمنع منه، وهذا إنما يصح منه إنكاره إذا تميز عنده الصحيح من الفاسد، والحق من الباطل، وذلك من أحد وجهين، إما أن يكون بقوته في العلم واجتهاده فيه حتى لا يخفى ذلك عليه، وإما بأن يتفق علماء الوقت على إنكاره وابتداعه فيستعدونه، فيعول في الإنكار على أقاويلهم، وفي المنع منه على اتفاقهم.
فصل:
وأما ما تعلق بالمحظورات فهو أن يمنع الناس من مواقف الريب ومظان التهمة، فقد قال النبي -ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ١.
فيقدم الإنكار ولا يعجل بالتأديب قبل الإنكار.
حكي إبراهيم النخعي أن عمر بن الخطاب -﵁- نهى الرجال أن يطوفوا مع النساء، فرأى رجلًا يصلي مع النساء فضربه بالدرة، فقال الرجل: والله إن كنت أحسنت لقد ظلمتني، وإن كنت أسأت فما علمتني، فقال عمر: لا أقتص اليوم، قال: فاعف عني. قال: لا أعفو، فافترقا على ذلك، ثم لقيه من الغد فتغيّر لون عمر، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، كأنِّي أرى ما كان مني قد أسرع فيك؟ قال: أجل، قال: فأشهد الله أني قد عفوت
_________________
(١) ١ صحيح: رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة، والرقائق "٢٥١٨"، والنسائي في كتاب الأشربة "٥٧١١"، والدارمي في كتاب البيوع "٢٥٣٢"، وأحمد "٢٧٨١٩"، وصححه الشيخ الألباني.
[ ٣٦٢ ]
عنك. وإذا رأى وقفه رجل مع امرأة في طريق سابل لم تظهر منهما أمارات الريب لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار، فما يجد الناس بدًّا من هذا.
وإن كانت الوقفة في طريق خال، فخلو المكان ريبة فينكرها، ولا يعجل بالتأديب عليهما حذارًا من أن تكون ذات محرم، وليقل: إن كانت ذات محرم فصنها عن مواقف الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله تعالى من خلوة تؤديك إلى معصية الله تعالى؛ وليكن زجره بحسب الأمارات.
حكى أبو الأزهر أنَّ ابن عائشة رأى رجلًا يكلم امرأة في طريقها، فقال له: إن كانت حرمتك إنه لقبيح بك أن تكلمها بين الناس، وإن لم تكن حرمتك فهو أقبح، ثم ولَّى عنه وجلس للناس يحدثهم، فإذا برقعة قد ألقيت في حجره مكتوب فيها "من الكامل":
إن التي أبصرتني سحرًا أكلمها رسول
أدت إليّ رسالة كادت لها نفسي تسيل
من فاتر الألحاظ بجـ ـذب خصره ردف ثقيل
متنكبًا قوس الصبا يرمي وليس له رسيل
فلو أن أذنك بيننا حتى تسمع ما تقول
لرأيت ما استقبحت من أمري هو الحسن الجميل
فقرأها ابن عائشة ووجد مكتوبًا على رأسها أبو نواس١، فقال ابن عائشة: ما لي وللتعويض لأبي نواس، وهذا القدر من إنكار ابن عائشة كافٍ لمثله، ولا يكون لمن ندب للإنكار من ولاه الحسبة كافيًا، وليس فيما قال أبو نواس تصريح بفجور؛ لاحتمال أن يكون إشارة إلى ذات محرم، وإن كانت شواهد حاله وفحوى كلامه ينطقان بفجوره وريبته، فيكون من مثل أبي نواس منكرًا، وإن جاز أن يكون من غيره منكرًا. فإذا رأى المحتسب في هذا
_________________
(١) ١ هو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح، أبو علي الحكمي المعروف بأبي نواس، كان جده مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان. ولد أبو نواس بالبصرة، ونشأ بها، ثم خرج إلى الكوفة مع والبة بن الحبابئ، ثم صار إلى بغداد، هكذا قال محمد بن داود بن الجراح في كتاب الورقة. وقال غيره: إنه ولد بالأهواز، ونقل منها وعمر سنتان.
[ ٣٦٣ ]
الحال ما ينكره تأنَّى وتفحص وراعى شواهد الحال، ولم يعجل بالإنكار قبل الاستخبار، كالذي رواه ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: بينما عمر بن الخطاب -﵁- يطوف بالبيت إذ رأى رجلًا يطوف وعلى عاتقه امرأة مثل المهاة -يعني حسنًا وجمالًا- وهو يقول [من السريع]:
قدت لهذي جملًا ذلولًا موطأ أتبع السهولا
أعدلها بالكف أن تميلا أحذر أن تسقط أو تزولا
أرجو بذاك نائلًا جزيلا
قال له عمر -﵁: يا عبد الله، من هذه التي وهبت لها حجك؟ فقال: امرأتي يا أمير المؤمنين، وإنها حمقاء مرغامة، أكول قمامة، لا يبقى لها خامة. فقال له: ما لك لا تطلقها؟ قال: إنها حسناء لا تفرك، وأم صبيان لا تترك. قال: فشأنك بها.
قال أبو زيد: المرغام المختلط، فلم يقدم عليه بالإنكار حتى استخبره، فلما انتفت عنه الريبة لان له.
وإذا جاهر رجل بإظهار الخمر، فإن كان مسلمًا أراقها عليه وأدابه، وإن كان ذميًّا أدبه على إظهارها.
واختلف الفقهاء في إراقتها عليه، فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تراق عليه؛ لأنها عنده من أموالهم المضمونة في حقوقهم، ومذهب الشافعي أنها تراق عليهم؛ لأنها تضمن عنده في حق مسلم ولا كافر.
وأما المجاهرة بإظهار النبيذ، فعند أبي حنيفة أنه من الأموال التي يقر المسلمون عليها، فيمتنع من إراقته، ومن التأديب على إظهاره. وعند الشافعي أنه ليس بمال كالخمر، وليس في إراقته غرم، فيعتبر والي الحسبة بشواهد الحال فيه، فينتهي فيه عن المجاهرة، ويزجر عليها إن كان لمعاقرة، ولا يريقه عليه إلا أن يأمره بإراقته حاكم من أهل الاجتهاد؛ لئلَّا يتوجه عليه غرم إن حوكم فيه.
وأما السكران إذا تظاهر بسكره وسخف بهجره أدبه على السكر والهجر تعزيزًا لا حدًّا؛
[ ٣٦٤ ]
لقة مراقبته وظهور سخفه.
وأما المجاهرة بإظهار الملاهي المحرَّمة، فعلى المحتسب أن يفصلها حتى تصير خشبًا؛ لتزول عن حكم الملاهي، ويؤدّب على المجاهرة بها، ولا يكسرها إن كان خشبها يصلح لغير الملاهي.
وأما اللعب فليس يقصد بها المعاصي، وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد. وفيها وجه من وجوه التدبير تقارنه معصية بتصوير ذوات الأزواج ومشابهة الأصنام، فللتمكين منها وجه، وللمنع منها وجه، وبحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره.
قد دخل النبي -﵊- على عائشة -﵂- وهي تلعب بالبنات فأقرها ولم ينكر عليها.
وحكي أن أبا سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي تقلّد حسبة بغداد في أيام المقتدر، فأزال سوق الدادي ومنع منها، وقال: لا يصلح إلّا النبيذ المحرم، وأقر سوق اللعب ولم يمنع منها، وقال: قد كانت عائشة -﵂- تلعب بالبنات بمشهد رسول الله -ﷺ- فلم ينكره عليها؛ وليس ما ذكره من اللعب بالبعيد من الاجتهاد.
وأما سوق الدادي فالأغلب من حاله أنّه لا يستعمل إلا في النبيذ، وقد يجوز أن يستعمل نادرًا في الدواء وهو بعيد، فبيعه عند من يرى إباحة النبيذ جائز لا يكره، وعند من يرى تحريمه جائز لجواز استعماله في غيره، ومكروه اعتبارًا بالأغلب من حاله، وليس منع أبي سعيد منه؛ لتحريم بيعه عنده. وإنما من المظاهرة بإفراد سوقه، والمجاهرة ببيعه إلحالقًا له بإباحة ما اتفق الفقهاء على إباحة مقصده؛ ليقع لعوام الناس الفرق بينه وبين غيره من المباحات، وليس يمتنع إنكار المجاهرة ببعض المباحات، كما ينكر المجاهرة بالمباح من مباشرة الأزواج والإماء.
وأما ما لم يظهر من المحظورات، فليس للمحتسب أن يتجسس عنها، ولا أن يهتك الأستار حذرًا من الاستتار بها، قال النبي -﵊: "من أتى من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله تعالى
[ ٣٦٥ ]
عليه" ١.
فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارات دلت، وآثار ظهرت، فذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل: أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا بامرأة ليزني بها، أو برجل ليقتله، فيجوز له في مثل هذه الحالة أن يتجسَّس ويقدم على الكشف والبحث، حذرًا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم، وارتكاب المحظورات، وهكذا لو عرف ذلك من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف، والبحث في ذلك، والإنكار، كالذي كان من شأن المغيرة بن شعبة.
فقد روي أنه كان تختلف إليه بالبصرة امرأة من بني هلال يقال لها أم جميل بنت محجن ابن الأفقم، وكان لها زوج من ثقيف يقال له: الحجاج بن عبيد، فبلغ ذلك أبا بكر بن مسروح، وسهل بن معبد، ونافع بن الحارث، وزياد بن عبيد، فرصدوه حتى إذا دخلت عليه هجموا عليهما، وكان من أمرهم في الشهادة عليه عند -ماهو مشهور، فلم ينكر عليهم عمر -﵁- هجومهم، وإن كان حدهم القذف عند قصور الشهادة.
والضرب الثاني: ما خرج عن هذا الحد وقصر عن حد هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه.
حكي أن عمر -﵁- دخل على قومه يتعاقرون على شراب، ويوقدون في أخصاص، فقال: نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم، ونهيتكم عن الإيقاد في الأخصاص فأوقدتم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد نهاك الله عن التجسس فتجسست، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال عمر -﵁: هاتان بهاتين وانصرف ولم يتعرض لهم. فمن سمع أصواتًا ملأة منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليه بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر وليس عليه أن يكشف عما سواه من الباطن.
_________________
(١) ١ صحيح: رواه مالك في الموطأ، كتاب الحدود "١٥٦٢".
[ ٣٦٦ ]
فصل:
وأما المعاملات المنكرة كالزنا والبيوع الفاسدة، وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به إذا كان متفقًا على حظره، فعلى والي الحسبة إنكاره والمنع منه، والزجر عليه، وأمره في التأديب مختلف بحسب الأحوال وشدة الحظر.
وأما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته فلا مدخل له في إنكاره، إلّا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد، فالخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة إلى ربا النَّسَاء المتفق على تحريمه، فهل يدخل في إنكاره بحكم ولايته أو لا؟ على ما قدمناه من الوجهين.
وفي معني المعاملات وإن لم تكن منها عقود المناكح المحرمة ينكرها إن اتفق العلماء على حظرها؛ ولا يتعرض لإنكارها إن اختلف الفقهاء فيها، إلا ان يكون مما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كالمتعة، فربما صارت ذريعة إلى استباحة الزنا، ففي إنكاره لها وجهان، وليكن بدل إنكاره لها الترغيب في العقود المتفق عليها.
ومما يتعلق بالمعلاملات غش المبيعات وتدليس الأثمان، فينكره ويمنع منه، ويؤدب عليه بحسب الحال فيه، روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ليس منا من غش" ١.
فإن كان هذا الغش تدليسًا على المشتري ويخفى عليه فهو أغلظ الغش تحريمًا وأعظمها مأثمًا، فالإنكار عليه أغلظ، والتأديب عليه أشد، وإن كان لا يخفى على المشتري كان أخف مأثمًا وألين إنكارًا، وينظر في مشتريه، فإن اشتراه ليبيعه من غيره توجَّه الإنكار على البائع لغشه، وعلى المشتري بابتياعه؛ لأنه قد يبيعه لمن لا يعلم بغشه، فإن كان يشتريه ليستعمله خرج المشتري من جملة الإنكار، وتفرَّد البائع وحده، وكذلك القول في تدليس الأثمان.
ويمنع من تصرية المواشي، وتحفيل ضروعها عند البيع للنهي عنه، فإنه نوع من التدليس.
_________________
(١) ١ صحيح: رواه أبو داود في كتاب البيوع "٣٤٥٢"، والترمذي في كتاب البيوع "١٣١٥"، وابن ماجه في كتاب التجارات "٢٢٢٤"، وأحمد "٧٢٥٠"، وصححه الشيخ الألباني.
[ ٣٦٧ ]
ومما هو عمدة نظره المنع من التطفيف والبخس في المكاييل والموازين والصنجات؛ لوعيد الله تعالى عليه عند نهيه عنه، وليكن الأدب عليه أظهر والمعاقبة فيه أكثر، ويجوز له إذا استراب بموازين السوقة ومكاييلهم أن يختبرها ويعايرها، ولو كان له على ما عايره منها طابع معروف بين العامة لا يتعاملون إلا به كان أحوط وأسلم.
فإن فعل ذلك وتعامل قوم بغير ما طبع بطابعه توجه الإنكار عليهم إن كان مبخوسًا من وجهين:
أحدهما: لمخالفته في العدول عن مطبوعه، وإنكاره من الحقوق السلطانية.
والثاني: للبخس والتطفيف في الحق، وإنكاره من الحقوق الشرعية، فإن كان ما تعاملوا به من غير المطبوع سليمًا من بخس ونقص توجَّه الإنكار عليهم بحق السلطنة وحدها لأجل المخالفة؛ وإن زوّر قوم على طابعه كان المزور فيه كالمهرج على طابع الدراهم والدنانير، فإن قرن التزوير بغش كان الإنكار عليه والتأديب مستحقًّا من وجهين:
أحدهما: في حق السلطنة من جهة التزوير.
والثاني: من جهة الشرع في الغش وهو أغلظ النكرين، وإن سلم التزوير من غش تفرَّد بالإنكار السلطاني منهما فكان أحقهما، وإذا اتسع البلد حتى احتاج أهله فيه إلى كيالين ووزانين ونقادين تخيرهم المحتسب، ومنع أن ينتدب لذلك إلا من ارتضاه من الأمناء الثقات، وكانت أجورهم من بين المال إن اتسع لها، فإن ضاق قدرها لهم حتى لا يجزي بينهم فيها استزادة ولا نقصان، فيكون ذلك ذريعة إلى الممايلة والتحيف في مكيل أو موزون.
وقد كان الأمراء يقومون باختيارهم وترتيبهم لذلك، ويثبتونهم بأسمائهم في الدواوين حتى لا يختلط بهم غيرهم ممن لا تؤمن وساطته، فإن ظهر من أحد هؤلاء المختارين للكيل والوزن تحيف في تطفيف أو ممايلة في زيادة أُدِّبَ، أخرج عن جملة المختارين، ومنع أن يتعرض للوساطة بين الناس، وكذلك القول في اختيار الدلالين، يقر منهم الأمناء ويمنع الخونة، وهذا مما يتولاه ولاة الحسبة إن قعد عند الأمراء.
وأما اختيار القسام والزراع، فالقضاة أحق باختيارهم من ولاة الحسبة؛ لأنهم قد
[ ٣٦٨ ]
يستنابون في أموال الأيتام والغيب.
وأما اختيار الحرَّاسين في القبائل والأسواق فإلى الحماة وأصحاب المعاون، وإذا وقع في التطفيف تخاصم جاز أن ينظر المحتسب إن لم يكن مع الخصم فيه تجاحد وتناكر، فإن أفضى إلى تجاحد وتناكر كان القضاة أحق بالنظر فيه من ولاة الحسبة؛ لأنهم بالأحكام أحق، وكان التأديب فيه إلى المحتسب، فإن تولاه الحاكم جاز لاتصاله بحكمهم، ومما ينكره المحتسب في العموم ولا ينكره في الخصوص والآحاد التبايع بما لم يألفه أهل البلد من المكاييل والأوزان التي لا تعرف فيه إن كانت معروفة في غيره، فإن تراضي بها اثنان لم يعترض عليهما الإنكار والمنع، ويمنع أن يرسم بها قوم من العموم؛ لأنه قد يعاملهم فيها من لا يعرفها فيصير مغرورًا.
فصل:
وأما ما ينكر من حقوق الآدميين المحصنة، فمثل أن يتعدَّى رجل في حد لجاره، أو في حريم لداره، أو في وضع أجذاع على جداره، فلا اعتراض للمحتسب فيه ما لم يستعده الجاز؛ لأنه يخصه، فينصح منه العفو عنه والمطالبة به، فإن خاصمه فيه كان للمحتسب النظر فيه إن لم يكن بينهما تنازع وتناكل، وأخذ المتعدي بإزالة تعديه، وكان له تأيبه عليه بحسب شواهد الحال. فإن تنازعا كان الحاكم بالنظر فيه أحق، ولو أن الجار أقر جاره على تعديه وعفا عن مطالبته بهدم ما تعدى فيه، ثم عاد مطالبًا بعد ذلك كان له ذلك، وأخذ المتعدي بعد العفو عند بهدم ما بناه؛ ولو كان قد ابتدأ البنا ووضع الأجذاع بإذن الجار، ثم رجع في إذنه لم يؤخذ الثاني بهدمه.
ولو انتشرت أغصان الشجرة إلى دار جاره كان للجار أن يستعدي المحتسب حتى يعديه على صاحب الشجرة؛ ليأخذه بإزالة ما انتشر من أغصانها في داره ولا تأديب عليه؛ لأنَّ انتشارها ليس من فعله، ولو انتشرت عروق الشجرة تحت الأرض حتى دخلت في قرار أرض الجار لم يؤخذ بقلعها، ولم يمنع الجار من التصرف في قرار أرضه، وإن قطعها نصب الملك تنورًا في داره، فتأذى الجار بدخانه لم يعترض عليه ولم يمنع منه، وكذلك لو نصب في
[ ٣٦٩ ]
داره رحى أو وضع فيها حدادين أو قصابين لم يمنع؛ لأن للناس التصرف في أملاكهم بما أحبوا، وما يجد الناس من مثل هذا بدًّا، وإذا تعدَّى مستأجر على أجير في نقصان أجرة أو استزادة عمل كفه عن تعديه، وكان الإنكار عليه معتبرًا بشواهد حاله، ولو قصر الأجير في حق المستأجر فنقصه من العمل، أو استزاده في الأجرة منعه وأنكره عليه إذا تخاصما إليه، فإن اختلفا وتناكرا كان الحاكم بالنظر بينهما أحق.
ومما يؤخذ ولادة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع في الأسواق ثلاثة أصناف: منهم من يراعي عمله في الوفور والقصير؛ ومنهم من يراعي في حالة الأمانة والخيانة، ومنهم من يراعي عمله في الجودة والرداءة.
فأما من يراعي في عمله في الوفور والتقصير فكالطبيب والمعلمين؛ لأن الطبيب إقدامًا على النفوس يفضي التقصير فيه إلى تلف أو سقم، والمعلمين من الطرائق التي ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنها بعد الكبير عسيرًا، فيقر منهم من توفر عمله وحسنت طريقته، ويمنع من قصر وأساء من التصدي لما يفسد به النفوس وتخبت به الآداب.
وأما من يراعي في الأمانة والخيانة فمثل الصاغة والحاكة والقصارين والصباغين؛ لأنهم ربما هربوا بأموال الناس، فيراعي أهل الثقة والأمانة منهم فيقرهم، ويبعد من ظهرت خيانته ويشهر أمره؛ لئلَّا يغتر به من لا يعرفه، وقد قيل: إن الحماة وولاة المعاون أخصّ بالنظر في أحوال هؤلاء من ولاية الحسبة وهو الأشبة؛ لأنَّ الخيانة تابعة للسرقة.
وأما من يراعي عمله في الجودة والرداءة فهو مما ينفرد بالنظر فيه ولاة الحسبة، ولهم أن ينكروا عليهم في العموم فساد العمل ورداءته، وإن لم يكن فيه مستعد. وأما في عمل مخصوص اعتاد الصانع فيه الفساد والتدليس. فإذا استعداه الخصم قابل عليه بالإنكار والزجر، فإن تعلق بذلك غرم روعي حال الغرم، فإن افتقر إلى تقرير أو تقويم لمن يمكن للمحتسب أن ينظر فيه؛ لافتقاره إلى اجتهاد حكمي، وكان القاضي بالنظر فيه أحق، وإن لم يفتقر إلى تقدير ولا تقويم، واستحق فيه المثل الذي لا اجتهاد فيه ولا تنازع، فللمحتسب أن ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب على فعله؛ لأنه أخذ بالتناصف وزجر عن التعدي.
ولا يجوز أن يسعّر على الناس الأقوات ولا غيرها في رخص ولا غلاء، وأجازه مالك في الأقوات مع الغلاء.
[ ٣٧٠ ]
فصل:
وأما ما ينكر من الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فكالمنع من الإشراف على منازل الناس، ولا يلزم من علا بناؤه أن يستر سطحه، وإنما يلزم أن لا يشرف على غيره، ويمنع أهل الذمة من تعلية أبنيتهم على أبنية المسلمين، فإن ملكوا أبنية عالية أقروا عليها، ومنعوا من الإشراف منها على المسلمين، وأهل الذمة بما شرط عليهم في ذمتهم من لبس الغيار، والمخالفة في الهيئة، وترك المجاهرة بقولهم في العزيز والمسيح، ويمنع عنهم من تعرض لهم من المسلمين بسبب أو أذى، ويؤدّب عليه من خالف فيه. وإذا كان في أئمة المساجد السابلة والجوامع الجفلة من يطيل الصلاة حتى يعجز عنها الضعفاء، وينقطع بها ذوو الحاجات، أنكر ذلك عليه كما أنكره رسول الله -ﷺ- على معاذ بن جبل حين أطال الصلاة بقومه وقال: "أفتَّان أنت يا معاذ" ١.
فإن أقام على الإطالة ولم يمتنع منها لم يجز أن يؤدبه عليها، ولكن يستبدل به من يخففها.
وإذا كان في القضاء من يجيب الخصوم إذا قصدوه، ويمتنع من النظر بينهم إذا تحاكموا إليه حتى تقف الأحكام ويستضر الخصوم، فللمحتسب أن يأخذه مع ارتفاع الأعذار بما ندب له من النظر بين المتحاكمين، وفصل القضاء بين المتنازعين، ولا يمنع علوّ رتبته من إنكار ما قصر فيه.
قد مر إبراهيم بن بطحاء والي الحسبة بجانبي بغداد بدار أبي عمر بن حماد، وهو يومئذ قاضي القضاة، فرأى الخصوم جلوسًا على بابه ينتظرون جلوسه للنظر بينهم، وقد تعالى النهار وهجرت الشمس، فوقف واستدعى حاجبه وقال: تقول لقاضي القضاة: الخصوم جلوس على الباب وقد بلغتهم الشمس وتأذّوا بالانتظار، فإما جلست لهم أو عرّفتهم عذرك فينصرفوا ويعودوا. وإذا كان في سادة العبيد من يستعملهم فيما لا يطيقون الدوام عليه كان منعهم، والإنكار عليهم موقوفًا على استعداء العبيد على وجه الإنكار والعظة، فإذا استعدوه منع حينئذ وزجر.
_________________
(١) ١ صحيح: رواه البخاري في كتاب الأذان "٧٠٥"، ومسلم في كتاب الصلاة "٤٦٥".
[ ٣٧١ ]
وإذا كان من أرباب المواشي من يستعملها فيما لا يطيق الدوام عليه أنكره المحتسب عليه ومنعه منه، وإن لم يكن فيه مستعد إليه، فإن ادَّعى المالك احتمال البهيمة لما يستعملها فيه جاز للمحتسب أن ينظر فيه؛ لأنه وإن افتقر إلى اجتهاد فهو عرفي يرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، وليس باجتهاد شرعي، والمحتسب لا يمنع من اجتهاد العرف.
وإن امتنع من اجتهاد الشرع. وإذا استعداه العبد في امتناع سيده من كسوته ونفقته جاز أن يأمره بهما ويأخذه بالتزامهما، ولو استعداه من تقصير سيده فيهما لم يكن له في ذلك نظر، ولا إلزام؛ لأنه في التقدير يحتاج إلى اجتهاد شرعي، ولا يحتاج في التزام الأصل إلى اجتهاد شرعي؛ لأن التقدير منصوص عليه ولزومه غير منصوص عليه.
وللمحتسب أن يمنع أرباب السفن من حمل ما لا تسعه ويخاف منه غرقها، وكذلك يمنعهم من المسير عند اشتداد الريح، وإذا حمل فيها الرجال والنساء حجز بينهم بحائل.
وإذا اتسعت السفن نصب للنساء مخارج للبراز؛ لئلَّا يتبرجن عند الحاجة.
وإذا كان في أسهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء راعى المحتسب سيرته وأمانته، فإذا تحققها منه أقره على معاملتهن، وإن ظهرت منه الريبة وبان عليه الفجور منعه من معاملتهن، وأدبه على التعرض لهن؛ وقد قيل: إن الحماة وولاة المعاون أخص بإنكار هذا والمنع منه من ولاة الحسبة؛ لأنه من توابع الزنا.
وينظرون إلى الحسبة في مقاعد الأسواق، فيقر منها ما لا ضرر فيه على المارة، ويمنع ما استضر به المارة؛ ولا يقف منعه على الاستعداء إليه، وجعله أبو حنيفة موقوفًا على الاستعداء إليه.
وإذا بني قوم في طريق سابل منع منه، وإن اتسع الطريق يأخذهم بهدم ما بنوه ولو كان المبني مسجدًا؛ لأن مرافق للسلوك للأبنية.
وإذا وضع الناس الأمتعة وآلات الأبنية في مسالك الشوارع والأسواق ارتفاقًا؛ لينقلوه حالًا بعد حال مكنوا منه، وان لم يستضر به المارة؛ ومنعوا منه إن استضروا به، وهذا القول في إخراج الأجنحة والأسبطة، ومجاري المياه، وآبار الحشوش يقر ما لا يضر ويمنع ما ضر، ويجتهد المحتسب رأيه فيما ضر، وما لم يضر؛ لأنه من الاجتهاد العرفي دون الشرعي.
[ ٣٧٢ ]
والفرق بين الاجتهادين أنَّ الاجتهاد الشرعي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالشرع، والاجتهاد العرفي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالعرف، ويوضح الفرق بينهما بتمييز ما يسوغ فيه اجتهاد المحتسب مما هو ممنوع الاجتهاد فيه. ولوالي الحسبة أن يمنع من نقل الموتى من قبورهم إذا دفنوا في ملك أو مباح، إلا في أرض مغصوبة، فيكون لمالكها أن يأخذ من دفنه فيها بنقله منها، واختلف في جواز نقلهم من أرض قد لحقها سيل أو ندى، فجوزه الزبيري وأباه غيره.
ويمنع من خصاء الآدميين والبهائم، ويؤدب عليه، وإن استحق فيه قودًا أو دية استوفاه لمستحقه ما لم يكن فيه تناكر وتنازع.
ويمنع من خضاب الشيب بالسواد، إلا للمجاهدة في سبيل الله، ويؤدب من يصبغ به للنساء، ولا يمتنع من الخضاب بالحناء والكتم، فيمنع من التكسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي. وهذا فصل يطول أن يبسط؛ لأن المنكرات لا ينحصر عددها فتستوفى، وفيما ذكرناه من شواهدنا دليل على ما أغفلناه.
والحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم؛ لعموم صلاحها وجزيل ثوابها؛ ولكن لما أعرض عنها السلطان، وندب لها من هان، وصارت عرضة للتكسب وقبول الرشا لان أمرها وهان على الناس خطرها، وليس إذا وقع الإخلال بقاعدة سقط حكمها، وقد أغفل الفقهاء عن بيان أحكامها ما لم يجز الإخلال به، وإن كان أكثر كتابنا هذا يشتمل على ما قد أغفله الفقهاء أو قصروا فيه، فذكرنا ما أغفلوه، واستوفينا ما قصروا فيه.
وأنا أسأل الله توفيقًا لما توخيناه، وعونًا على ما نويناه بمنِّه ومشيئته؛ وهو حسبي ونعم الوكيل.
تم بحمد الله وعونه كتاب
الأحكام السلطانية والولايات الدينية
لقاضي القضاة
أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي.
والحمد الله أولًا وآخرًا، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
[ ٣٧٣ ]