فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَمَا عَدَا جِهَادَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قِتَالٍ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِتَالُ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَقِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَقِتَالُ الْمُحَارِبِينَ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ: فَهُوَ أَنْ يَرْتَدَّ قَوْمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِمْ، سَوَاءٌ وُلِدُوا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمُوا عَنْ كُفْرٍ، فَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ فِي حُكْمِ الرِّدَّةِ سَوَاءٌ، فَإِذَا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ إلَى أَيِّ دِينٍ انْتَقَلُوا إلَيْهِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ؛ كَالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة، أَوْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ؛ كَالزَّنْدَقَةِ وَالْوَثَنِيَّةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَرَّ مَنِ ارْتَدَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحَقِّ يُوجِبُ الْتِزَامَ أَحْكَامِهِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" ١.
فَإِذَا كَانُوا مِمَّنْ وَجَبَ قَتْلُهُمْ بِمَا ارْتَدُّوا عَنْهُ مِنْ دِينِ الْحَقِّ إلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ، لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ شُذَّاذًا وَأَفْرَادًا لَمْ يَتَحَيَّزُوا بِدَارٍ يَتَمَيَّزُونَ بِهَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى قِتَالِهِمْ لِدُخُولِهِمْ تَحْتَ الْقُدْرَةِ، وَيُكْشَفُ عَنْ سَبَبِ رِدَّتِهِمْ، فَإِنْ ذَكَرُوا شُبْهَةً فِي الدِّينِ أُوضِحَتْ لَهُمْ بِالْحِجَجِ وَالْأَدِلَّةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ، وَأُخِذُوا بِالتَّوْبَةِ مِمَّا دَخَلُوا فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ، فَإِنْ تَابُوا قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ مِنْ كُلِّ رِدَّةٍ، وَعَادُوا إلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ كَمَا كَانُوا.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَقْبَلُ تَوْبَةَ مَنِ ارْتَدَّ إلَى مَا يُسْتَرُ بِهِ مِنَ الزَّنْدَقَةِ إلَّا أَنْ يَبْتَدِئَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَقْبَلُ تَوْبَةَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، وَعَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ قَضَاءُ مَا تَرَكُوهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي
_________________
(١) ١ صحيح: رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير "٣٠١٧"، وأبو داود في كتاب الحدود "٤٣٥١"، والترمذي في كتاب الحدود "١٤٥٨"، والنسائي في كتاب تحريم الدم "٤٠٥٩"، وابن ماجه في كتاب الحدود "٢٥٣٥"، وأحمد "٢٩٦٠".
[ ٩٤ ]
زَمَانِ الرِّدَّةِ؛ لِاعْتِرَافِهِمْ بِوُجُوبِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ كَمَنْ أَسْلَمَ عَنْ كُفْرٍ، وَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ قَدْ حَجَّ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ الرِّدَّةِ لَمْ يَبْطُلْ حَجُّهُ بِهَا وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدْ بَطَلَ بِالرِّدَّةِ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى رِدَّتِهِ وَلَمْ يَتُبْ وَجَبَ قَتْلُهُ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَقْتُلُ الْمَرْأَةَ بِالرِّدَّةِ، وَقَدْ قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالرِّدَّةِ امْرَأَةً كَانَتْ تُكْنَّى أُمَّ رُومَانَ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمُرْتَدِّ عَلَى رِدَّتِهِ بِجِزْيَةٍ وَلَا عَهْدٍ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وَلَا تُنْكَحُ مِنْهُ امْرَأَةٌ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَتْلِهِمْ: هَلْ يُعَجَّلُ فِي الْحَالِ أَوْ يُؤَجَّلُونَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَعْجِيلُ قَتْلِهِمْ فِي الْحَالِ لِئَلَّا يُؤَخَّرَ لِلَّهِ -﷿- حَقٌّ.
وَالثَّانِي: يُنْظَرُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَعَلَّهُمْ يَسْتَدْرِكُونَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَقَدْ أَنْذَرَ عَلِيٌّ -﵇- الْمُسْتَوْرِدِ الْعِجْلِيِّ بِالتَّوْبَةِ ثَلَاثَةً ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَهَا، وَقُتِلَ صَبْرًا بِالسَّيْفِ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ١ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يُضْرَبُ بِالْخَشَبِ حَتَّى يَمُوتَ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَأُ قَتْلًا مِنَ السَّيْفِ الْمُوحِي، وَرُبَّمَا اسْتَدْرَكَ بِهِ التَّوْبَةَ، وَإِذَا قُتِلَ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَوُرِيَ مَقْبُورًا وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِخُرُوجِهِ بِالرِّدَّةِ عَنْهُمْ، وَلَا فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ حُرْمَةِ الْإِسْلَامِ الْمُبَايِنَةِ لَهُمْ، وَيَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَصْرُوفًا فِي أَهْلِ الْفَيْءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ عَنْهُ وَارِثٌ مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُورَثُ عَنْهُ مَا اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَيَكُونُ مَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ فَيْئًا.
_________________
(١) ١ هو أحمد بن عمر بن سريج، القاضي أبو العباس البغدادي، إمام أصحاب الشافعي، شرح "المهذب" ولخَّصه، وصنَّف التصانيف، وردَّ على مخالفي النصوص، سمع الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وعلي بن أشكاب، وأبا داود السجستاني، وعباس بن محمد الدوري، وروى عنه أبو القاسم الطبراني وأبو أحمد الغطريفي، وتفقَّه على عدة أئمة، ووقع حديثه بعلوٍّ في جزء الغطريفي لأصحاب ابن طبرزد. قال أبو إسحاق: كان يقال له: الباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي، حتى على المزني، وفهرست كتبه يشتمل على أربعمائه مصنَّف، وكان أبو حامد الإسفراييني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه.
[ ٩٥ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ١: يُورَثُ عَنْهُ مَا اكْتَسَبَ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَبَعْدَهَا، فَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ كَانَ مَالُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ أُعِيدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ هَلَكَ عَلَى الرِّدَّةِ صَارَ فَيْئًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَحْكُمُ بِمَوْتِهِ إذَا صَارَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَأُقَسِّمُ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، فَإِنْ عَادَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ اسْتَرْجَعْتُ مَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ مَالِهِ، وَلَمْ أُغَرِّمْهُمْ مَا اسْتَهْلَكُوهُ، فَهَذَا حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ إذَا لَمْ يَنْحَازُوا إلَى دَارٍ وَكَانُوا شُذَّاذًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْحَازُوا إلَى دَارٍ يَنْفَرِدُونَ بِهَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَصِيرُوا فِيهَا مُمْتَنِعِينَ، فَيَجِبُ قِتَالُهُمْ عَلَى الرِّدَّةِ بَعْدَ مُنَاظَرَتِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِيضَاحِ دَلَائِلِهِ، وَيَجْرِي عَلَى قِتَالِهِمْ بَعْدَ الْإِنْذَارِ وَالْإِعْذَارِ حُكْمُ قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي قِتَالِهِمْ غُرَّةً وَبَيَانًا، وَمُصَافَّتِهِمْ فِي الْحَرْبِ جِهَارًا، وَقِتَالِهِمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ.
وَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ جَازَ قَتْلُهُ صَبْرًا إنْ لَمْ يَتُبْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ -﵀، وَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ لَمْ تُسْبَ ذَرَارِيُّهُمْ، وَسَوَاءٌ مِنْ وُلِدَ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَقِيلَ: إنَّ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ جَازَ سَبْيُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ سَبْيُ مَنِ ارْتَدَّ مِنْ نِسَائِهِمْ إذَا لَحِقْنَ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ وَإِذَا غُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ لَمْ تُقَسَّمْ فِي الْغَانِمِينَ، وَكَانَ مَالُ مَنْ قُتِلَ مِنْهَا فَيْئًا وَمَالُ الْأَحْيَاءِ مَوْقُوفًا، إنْ أَسْلَمُوا رُدَّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ هَلَكُوا عَلَى رِدَّتِهِمْ صَارَ فَيْئًا، وَمَا أَشْكَلَ أَرْبَابُهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمَغْنُومَةِ صَارَ فَيْئًا إذَا وَقَعَ الْإِيَاسُ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ، وَمَا اسْتَهْلَكَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فِي نَائِرَةِ الْحَرْبِ لَمْ يُضْمَنْ
_________________
(١) ١ هو القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبتة الأنصاري، وسعد ابن حبتة أحد الصحابة -﵃، وهو مشهور في الأنصار بأمِّه، وهي حبتة بنت مالك، كان القاضي أبو يوسف من أهل الكوفة، وهو صاحب أبي حنيفة -﵁، كان فقيهًا عالمًا حافظًا، سمع أبا إسحاق الشيباني، وسليمان التيمي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وهشام بن عروة، وعطاء بن السائب، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وتلك الطبقة، وجالس محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن ثابت، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة، وخالفه في مواضع كثيرة، روى عنه محمد بن الحسن الشيباني الحنفي، وبشر بن الوليد الكندي، وعلي بن الجعد وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في آخرين، وكان قد سكن بغداد وتولَّى القضاء بها لثلاثة من الخلفاء: المهدي وابنه الهادي ثم هارون الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويجلُّه، وكان عنده حظيًا، وهو أوّل من دعي بقاضي القضاة.
[ ٩٦ ]
إذَا أَسْلَمُوا، وَمَا اسْتَهْلَكُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ نَائِرَةِ الْحَرْبِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ.
وَاخْتُلِفَ فِي ضَمَانِ مَا اسْتَهْلَكُوهُ فِي نَائِرَةِ الْحَرْبِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُونَهُ؛ لِأَنَّ مَعْصِيَتَهُمْ بِالرِّدَّةِ لَا تُسْقِطُ عَنْهُمْ غُرْمَ الْأَمْوَالِ الْمَضْمُونَةِ.
وَالثَّانِي: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ.
قَدْ أَصَابَ أَهْلُ الرِّدَّةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ -﵁- نُفُوسًا وَأَمْوَالًا عُرِفَ مُسْتَهْلِكُوهَا، فَقَالَ عُمَرُ -﵁: يَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاهُمْ، فَجَرَتْ بِذَلِكَ سِيرَتُهُ وَسِيرَةُ مَنْ بَعْدَهُ.
وَقَدْ أَسْلَمَ طُلَيْحَةُ١ بَعْدَ أَنْ سُبِيَ وَكَانَ قَدْ قَتَلَ وَسَبَى، فَأَقَرَّهُ عُمَرُ -﵁- بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْهُ بِدَمٍ وَلَا مَالٍ؛ وَوَفَدَ أَبُو شَجَرَةَ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَاتِ، فَقَالَ: أَعْطِنِي فَإِنِّي ذُو حَاجَةٍ، فَقَالَ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَبُو شَجَرَةَ، فَقَالَ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَلَسْتَ تَقُولُ "مِنَ الطَّوِيلِ":
وَرَوَّيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ وَإِنِّي لَأَرْجُو بَعْدَهَا أَنْ أُعَمَّرَا
ثُمَّ جَعَلَ يَعْلُوهُ بِالدِّرَّةِ فِي رَأْسِهِ حَتَّى وَلَّى رَاجِعًا إلَى قَوْمِهِ وَهُوَ يَقُولُ "مِنَ الْبَسِيطِ":
ضَنَّ عَلَيْنَا أَبُو حَفْصٍ بِنَائِلِهِ وَكُلُّ مُخْتَبِطٍ يَوْمًا لَهُ وَرَقُ
مَا زَالَ يَضْرِبُنِي حَتَّى حَدَثْتُ لَهُ وَحَالَ مِنْ دُونِ بَعْضِ الْبُغْيَةِ الشَّفَقُ
لَمَّا رَهِبْتُ أَبَا حَفْصٍ وَشُرْطَتَهُ وَالشَّيْخُ يُقْرَعُ أَحْيَانًا فَيَنْمَحِقُ
فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ عُمَرُ -﵁- بِسِوَى التَّعْزِيرِ لِاسْتِطَالَتِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ وَلِدَارِ الرِّدَّةِ حُكْمٌ تُفَارِقُ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ وَدَارَ الْحَرْبِ.
فَأَمَّا مَا تُفَارِقُ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
_________________
(١) ١ هو طليحة بن خويلد الأسدي الفقعسي، كان مِمَّن شهد مع الأحزاب الخندق، ثم قَدِمَ على رسول الله -ﷺ- سنة تسع، ثم ارتدَّ وادَّعى النبوة في عهد أبي بكر في أرض نجد، وكانت له وقائع مع المسلمين، ثم خذله الله فهرب حتى لحق بدمشق ونزل على آل جفنة، ثم أسلم وحسن إسلامه، وقدم مكة حاجًّا معتمرًا، وخرج إلى الشام مجاهدًا، وشهد اليرموك وبعض حروب الفرس، قال ابن سعد: في الطبقة الرابعة، كان يعد بألف فارس لشدَّته وشجاعته وبصره في الحرب، انتهى. ولم يغمس عليه في دينه شيء، واستشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين مع النعمان بن مقرن وعمرو بن معدي كرب.
[ ٩٧ ]
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُهَادَنُوا عَلَى الْمُوَادَعَةِ فِي دِيَارِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُهَادَنَ أَهْلُ الْحَرْبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالَحُوا عَلَى مَالٍ يُقَرُّونَ بِهِ عَلَى رِدَّتِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصَالَحَ أَهْلُ الْحَرْبِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ وَلَا سَبْيُ نِسَائِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ أَهْلُ الْحَرْبِ وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْغَانِمُونَ أَمْوَالَهُمْ، وَيَمْلِكُونَ مَا غَنِمُوهُ مِنْ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ -﵁: قَدْ صَارَتْ دِيَارُهُمْ بِالرِّدَّةِ دَارَ حَرْبٍ، وَيُسْبَوْنَ وَيُغْنَمُونَ، وَتَكُونُ أَرْضُهُمْ فَيْئًا وَهُمْ عِنْدَهُ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ.
وَأَمَّا مَا تُفَارِقُ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وُجُوبُ قِتَالِهِمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ كَالْمُشْرِكِينَ.
وَالثَّانِي: إبَاحَةُ إمَائِهِمْ أَسْرَى وَمُمْتَنِعِينَ.
وَالثَّالِثُ: تَصِيرُ أَمْوَالُهُمْ فَيْئًا لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالرَّابِعُ: بُطْلَانُ مُنَاكَحَتِهِمْ بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى الرِّدَّةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ مُنَاكَحَتُهُمْ بِارْتِدَادِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَا تَبْطُلُ بِارْتِدَادِهِمَا مَعًا، وَمَنِ ادُّعِيَتْ عَلَيْهِ الرِّدَّةُ فَأَنْكَرَهَا كَانَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا بِغَيْرِ يَمِينِهِ، وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالرِّدَّةِ لَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا بِالْإِنْكَارِ حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِذَا امْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ إلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ جُحُودًا لَهَا كَانُوا بِالْجُحُودِ مُرْتَدِّينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَلَوْ امْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا مَعَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُوبِهَا كَانُوا مِنْ بُغَاةِ الْمُسْلِمِينَ، يُقَاتَلُونَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ -﵀: لَا يُقَاتَلُونَ. وَقَدْ قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- مَانِعِي الزَّكَاةِ، مَعَ تَمَسُّكِهِمْ بِالْإِسْلَامِ حَتَّى قَالُوا: وَاَللَّهِ مَا كَفَرْنَا بَعْدَ إيمَانِنَا وَلَكِنْ شَحِحْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا، فَقَالَ عُمَرُ -﵁: عَلَامَ تُقَاتِلُهُمْ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَه إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا". قَالَ أَبُو
_________________
(١) ١ صحيح: رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير "٢٩٤٦"، ومسلم في كتاب الإيمان "٢١".
[ ٩٨ ]
بَكْرٍ: هَذَا مِنْ حَقِّهَا، أَرَأَيْتَ لَوْ سَأَلُوا تَرْكَ الصَّلَاةِ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ سَأَلُوا تَرْكَ الصِّيَامِ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ سَأَلُوا تَرْكَ الْحَجِّ؟ فَإِذًا لَا تَبْقَى عُرْوَةٌ مِنْ عُرَى الْإِسْلَامِ إلَّا انْحَلَّتْ؛ وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا وَعِقَالًا مِمَّا أَعْطَوْهُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁: فَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ -﵁، وَقَدْ أَبَانَ عَنْ إسْلَامِهِمْ قَوْلُ زَعِيمِهِمْ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ فِي شِعْرِهِ "مِنَ الطَّوِيلِ":
أَلَا فَاصْحَبِينَا قَبْلَ نَائِرَةِ الْفَجْرِ لَعَلَّ الْمَنَايَا قَرِيبٌ وَلَا نَدْرِي
أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ بَيْنَنَا فَيَا عَجَبًا مَا بَالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ
فَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوكُمْ فَمَنَعْتُمُو لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى إلَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ
سَنَمْنَعُكُمْ مَا كَانَ فِينَا بَقِيَّةٌ كِرَامٌ عَلَى الْعَزَّاءِ فِي سَاعَةِ الْعُسْرِ
[ ٩٩ ]