وَالْمَالُ الثَّالِثُ: الزُّرُوعُ:
أَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ الزَّكَاةَ فِي جَمِيعِهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجِبُ إلَّا فِيمَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّونَ قُوتًا مُدَّخَرًا، وَلَا تَجِبُ عِنْدَهُ فِي الْبُقُولِ وَالْخُضَرِ، وَلَا تَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا، وَلَا فِيمَا لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، وَلَا فِيمَا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّونَ مِنْ نَبَاتِ الْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ عِنْدَهُ مِنْ عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ: الْبُرُّ، وَالشَّعِيرُ، وَالْأَرُزُّ، وَالذُّرَةُ، وَالْبَاقِلَّاءُ، وَاللُّوبْيَاءُ، وَالْحِمَّصُ، وَالْعَدَسُ، وَالدُّخْنُ، وَالْجُلُبَّانُ.
فَأَمَّا الْعَلَسُ: فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبُرِّ يُضَمُّ إلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قِشْرَتَانِ، لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ بِقِشْرَتِهِ إلَّا إذَا بَلَغَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، وَكَذَلِكَ الْأَرُزُّ فِي قِشْرَتِهِ، وَأَمَّا السُّلْتُ فَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الشَّعِيرِ يُضَمُّ إلَيْهِ، وَالْجَاوَرْسُ: نَوْعٌ مِنَ الدُّخْنِ يُضَمُّ إلَيْهِ، وَمَا عَدَاهُمَا أَجْنَاسٌ لَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى غَيْرِهِ، وَضَمَّ مَالِكٌ الشَّعِيرَ إلَى الْحِنْطَةِ، وَضَمَّ مَا سِوَاهُمَا مِنَ الْقُطْنِيَّاتِ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ.
وَزَكَاةُ الزَّرْعِ تَجِبُ فِيهِ بَعْدَ قُوَّتِهِ وَاشْتِدَادِهِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ دِيَاسِهِ وَتَصْفِيَتِهِ إذَا بَلَغَ النِّصْفَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَلَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَهَا، وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ إِذَا جَزَّ الْمَالِكُ زَرْعَهُ بَقْلًا أَوْ قَصِيلًا لَمْ تَجِبْ زَكَاتُهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ؛ وَلَا يُكْرَهُ إنْ كَانَ لِحَاجَةٍ١.
_________________
(١) ١ قال عبد السلام بن تيمية من الحنابلة: كل نبات مكيل مدخر كالحبوب واللوز والفستق والتمر والزبيب والبذور والصعتر والأشنان ونحوها، إذا بلغ صافيًا يابسًا خمسة أوسق ففيه العشر مصفَّى يابسًا إذا سقي بالغيوث والسيوح، وإن سقي بكلفة كالدواليب والنواضح فنصف العشر، وما زاد فبحسابه، فإن سقي نصفه سيحًا ونصفه نضحًا وجب ثلاثة أرباع عشره، وإن كان أحدهما أكثر فالحكم له نصّ عليه. وقال ابن حامد: يجب بالقسط وإن جهل المقدار وجب العشر على المنصوص، وعلى قول ابن حامد يجعل منه نضحًا المتيقن والباقي سيحًا، ويؤخذ بالقسط ونصاب الأرز والغلس وهو نوع حنطة يدخر في قشره إذا صفِّيَا كغيرهما، وفي قشريهما عشرة أوسق، والوسق ستون صاعًا، والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، ويزكّى الزيتون إذا بلغ خمسة أوسق كيلًا نص عليه، ويخرج منه وإن صفَّاه فأخرج عشر زيته فهو أفضل، وعنه لا زكاة فيه، ولا زكاة مكيل مدخر كالجوز والتين والخضر ونحوها إلا القطن والزعفران، فإنهما على روايتين وفي العصفر والورس وجهان، فإن قلنا: يجب، فنصابهما ما قيمته كقيمة نصاب من أدنى نبات يزكّى، وقال القاضي: العصفر تبع للقرطم ولا يزكى حتى يبلغ، وتضم الحبوب بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، وعنه: لا يضم جنس إلى غيره، ومنه تضم الحنطة إلى الشعير والقطنيات بعضها إلى بعض، وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض كزرعه، ومن كان في ثمره جيد ورديء ووسط أخذ من كل نوع حصته، إلا أن يعسر التمييز فيؤخذ الوسط. [المحرر في الفقه: ١/ ٢٢١] .
[ ١٨٨ ]
وَإِذَا مَلَكَ الذِّمِّيُّ أَرْضَ عُشْرٍ فَزَرَعَهَا، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا عُشْرَ فِيهَا عَلَيْهِ وَلَا خَرَاجَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُوضَعُ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهَا بِإِسْلَامِهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُؤْخَذُ مِنْهَا ضِعْفُ الصَّدَقَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الْمُسْلِمِ، فَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهَا مُضَاعَفَةُ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْهَا صَدَقَةُ الْمُسْلِمِ وَلَا تُضَاعَفَ١.
وَإِذَا زَرَعَ الْمُسْلِمُ أَرْضَ خَرَاجٍ أُخِذَ مِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عُشْرُ الزَّرْعِ مَعَ خَرَاجِ الْأَرْضِ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَاقْتَصَرَ عَلَى أَخْذِ الْخَرَاجِ وَحْدَهُ، وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضَ خَرَاجٍ عَلَى مُؤَجِّرِهَا وَالْعُشْرُ عَلَى مُسْتَأْجِرِهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عُشْرُ الزَّرْعِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ وَكَذَلِكَ الْمُعْمِرِ؛ فَهَذِهِ الْأَمْوَالُ الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا أَمْوَالٌ ظَاهِرَةٌ.
_________________
(١) ١ قال ابن قدامة المقدسي من الحنابلة: وما وقفه الإمام فهو مخير بين إقرار أهله فيه بالخراج وبين إجلائهم وجلب غيرهم؛ لأن الأرض قد ملكت عليهم، فأمَّا ما جلي عنها أهلها خوفًا من المسلمين فتصير وقفًا بنفس الظهور عليها؛ لأنها ليست غنيمة فتقسم، وعنه لا تصير وقفًا حتى يقفها الإمام؛ لأن الوقف لا يثبت بنفسه، وحكمها حكم العنوة إذا وقفت، وكذلك الحكم فيما صالحونا عليه، على أن الأرض للمسلمين، وتقر في أيديهم بالخروج، فأما إن صالحناهم على أن الأرض لهم ولنا عليها الخراج فهذه ملك لأربابها متى أسلموا سقط عنهم؛ لأنه بمنزلة الجزية فيسقط بالإسلام كالجزية، ولهم بيعها والتصرف فيها، وإن انتقلت إلى مسلم لم يؤخذ خراجها لما ذكرناه. [الكافي في فقه ابن حنبل: ٤/ ٣٢٩] .
[ ١٨٩ ]
فَصْلٌ: "زكاة الذهب والفضة"
وَأَمَّا الْمَالُ الرَّابِعُ فَهُوَ: الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ، وَهُمَا مِنَ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ، وَزَكَاتُهُمَا رُبُعُ الْعُشْرِ، لِقَوْلِهِ -﵊: "فِي الْوَرِقِ رُبُعُ الْعُشْر" ١.
وَنِصَابُ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ بِوَزْنِ الْإِسْلَامِ الَّذِي وَزْنُ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْهُ سِتَّةُ دَوَانِقَ، وَكُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَفِيهَا إذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ هُوَ رُبُعُ عُشْرِهَا، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا إذَا نَقَصَتْ عَنْ مِائَتَيْنِ، وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهَا بِحِسَابِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا زَكَاةَ فِيمَا زَادَ عَلَى مِائَتَيْنِ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، فَيَجِبُ فِيهَا دِرْهَمٌ سَادِسٌ، وَالْوَرِقُ الْمَطْبُوعَةُ وَالنِّقَارِ سَوَاءٌ.
وَأَمَّا الذَّهَبُ فَنِصَابُهُ عِشْرُونَ مِثْقَالًا بِمَثَاقِيلِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ فِيهِ رُبُعُ عُشْرِهِ وَهُوَ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَفِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ خَالِصُهُ وَمَطْبُوعُهُ، وَلَا تُضَمُّ الْفِضَّةُ إلَى الذَّهَبِ، وَيُعْتَبَرُ نِصَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ، وَضَمَّ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ الْأَقَلَّ إلَى الْأَكْثَرِ وَقَوَّمَاهُ بِقِيمَةِ الْأَكْثَرِ، وَإِذَا اتَّجَرَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ تَجِبُ زَكَاتُهُمَا، وَرِبْحُهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا إذَا حَالَ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ تَجِبُ بِحَوْلِ الْحَوْلِ عَلَيْهِمَا، وَأَسْقَطَ دَاوُد زَكَاةَ مَالِ التِّجَارَةِ، وَشَذَّ بِهَذَا الْقَوْلِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَإِذَا اتَّخَذَ مِنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ حُلِيًّا مُبَاحًا سَقَطَ زَكَاتُهُ فِي أصَحِّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَوَجَبَتْ فِي أَضْعَفِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ اتَّخَذَ مِنْهُمَا مَا حَظِرَ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْأَوَانِي وَجَبَتْ زَكَاتُهُ فِي قَوْلِ الْجَمْعِ٢.
_________________
(١) ١ لم أقف عليه. ٢ قلت: واختلف العلماء في وجوب الزكاة في الحلي، فروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وابن عباس أنَّهم أوجبوا فيه الزكاة، وهو قول ابن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وابن سيرين وجابر بن زيد ومجاهد والزهري، وإليه ذهب الثوري وأصحاب الرأي، وروي عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة وعن القاسم بن محمد والشعبي أنهم لم يروا فيه زكاة، وإليه ذهب مالك ابن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وهو أظهر قولي الشافعي. ذهب أبو حنيفة وابن حزم إلى أنه يجب في الحليّ من الذهب والفضة زكاة إذا بلغت نصاب النقدين: الذهب والفضة: =
[ ١٩٠ ]
_________________
(١) = قال الترمذي: "رأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين في الحليّ زكاة، ما كان منه ذهب وفضة، وبه يقول سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك". وقد رأى شيخنا الدكتور القرضاوي -حفظه الله- أنه لا زكاة في الحلي، وقد أورد أدلة كثيرة في هذا، وفنَّد آراء المخالفين، ونكتفي هنا بإيراد تلخيصه لما ذهب إليه: يقول أستاذنا الدكتور القرضاوي: نستطيع تلخيص أحكام هذا المبحث -حسبما رجَّحناه- فيما يلي: أ- من ملك مصوغًا من الذهب أو الفضة نظر في أمره، فإن كان للاقتناء والاكتناز -ذخيرة للزمن- وجبت فيه الزكاة؛ لأنه مرصد للنماء، فهو كغير المصوغ من السبائك والنقود المضروبة. ب- وإن كان معدًّا للانتفاع والاستعمال الشخصي، نظرنا في نوع هذا الاستعمال، فإن كان محرَّمًا كأواني الذهب والفضة والتحف والتماثيل، وما يتخذه الرجل لنفسه من سوار أو طوق أو خاتم ذهب، أو نحو ذلك، وجبت فيه الزكاة؛ لأنه عدل به عن أصله بفعل غير مباح، فسقط حكم فعله، وبقي على حكم الأصل. جـ- ومن الاستعمال المحرّم ما كان فيه سرف ظاهر من حليّ النساء، ويعرف ذلك بمجاوزة المعتاد لمثل هذه المرأة في مثل بيئتها وعصرها وثروة أمتها. د- وإن كان الحلي معدًّا لاستعمالٍ مباح كحلي النساء -في غير سرف- وما أعد لهن، وخاتم الفضة للرجال، لم تجب فيه الزكاة؛ لأنه مال غير نام؛ لأنه من حاجات الإنسان وزينته كثيابه، وأثاثه ومتاعه، وقد أعدّ لاستعمال مباح، فلم تجب فيه الزكاة، كالعوامل من الإبل والبقر. ولهذا اختار الشيخ أبو زهرة أن يكون هناك حَدٌّ أعلى للقدر من التحلّي الذي يعفى من زكاة الذهب والفضة، وهو النصاب الشرعي، يعفى من الزكاة في الحلي ما تكون قيمته عشرين مثقالًا من الذهب "٨٥جرامًا" إذا كانت هذه الحليّ للنساء، ولا يعفى شيء مطلقًا من حلية الرجال منَ الذهب؛ لأنَّ تحلي الرجال بالذهب ممنوع، ولا يشجع الممنوع بالإعفاء من الزكاة؛ ولأنه إذا أوجبت فيه الزكاة كان فيه مدعاة إلى التخلص منه ببيعه. كما لا يعفى شيء من أواني الذهب، والتحف والتماثيل. وما وجب فيه الزكاة من الحلي أو الآنية، أو التحف، يزكَّى زكاة النقدين، حتى ولو لم يكن من الذهب أو الفضة، ما دامت له قيمة يمكن أن يدخر ويباع بها، وذلك مثل عقود الماس والدر والياقوت والبلاتين، فيخرج ربع العشر، منه على حدة، أو مع بقية مال المزكى بشرط أن يكون نصابًا، أو يكمل بمال عنده قدر النصاب، وهو ٨٥ جرامًا من الذهب. وتعتبر القيمة لا الوزن هنا؛ لأن للصنعة أثرها في زيادة القيمة.
[ ١٩١ ]
فَصْلٌ: "زكاة المعادن"
وَأَمَّا الْمَعَادِنُ فَهِيَ مِنَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهَا، فَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي كُلِّ مَا يَنْطَبِعُ مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ وَصُفْرٍ وَنُحَاسٍ، وَأَسْقَطَهَا عَمَّا لَا يَنْطَبِعُ مِنْ مَائِعٍ وَحَجَرٍ؛ وَأَوْجَبَهَا أَبُو يُوسُفَ فِيمَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهَا حُلِيًّا كَالْجَوَاهِرِ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ فِي مَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ خَاصَّةً إذَا بَلَغَ الْمَأْخُوذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ نِصَابًا، فَفِي قَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ زَكَاتِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: رُبُعُ الْعُشْرِ كَالْمُقْتَنَى مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْخُمْسُ كَالرِّكَازِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: يُعْتَبَرُ حَالُهُ، فَإِنْ كَثُرَتْ مُؤْنَتُهُ فَفِيهِ رُبُعُ الْعُشْرِ، وَإِنْ قَلَّتْ مُؤْنَتُهُ فَفِيهِ الْخُمُسُ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهَا فَائِدَةٌ تُزَكَّى لِوَقْتِهَا١.
أَمَّا الرِّكَازُ: فَهُوَ كُلُّ مَالٍ وُجِدَ مَدْفُونًا مِنْ ضَرْبِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي مَوَاتٍ أَوْ طَرِيقٍ سَابِلٍ، يَكُونُ لِوَاجِدِهِ، وَعَلَيْهِ خُمُسُهُ يُصْرَفُ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ: "وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ" ٢ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَاجِدُ الرِّكَازِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إظْهَارِهِ وَبَيْنَ إخْفَائِهِ، وَالْإِمَامُ إذَا ظَهَرَ لَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْخُمُسِ أَوْ تَرْكِهِ، وَمَا وُجِدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ لَا حَقَّ فِيهِ لِوَاجِدِهِ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى مَالِكِهِ، إلَّا مَا يَجِبُ مِنْ زَكَاةٍ إنْ يَكُنْ قَدْ أَدَّاهَا عَنْهُ، وَمَا وُجِدَ
_________________
(١) ١ قال ابن الجوزي: الواجب في المعدن ربع العشر، وقال أبو حنيفة: الخمس، وعن الشافعي كالمذهبين، وعنه أنَّه إن أصاب المال مجتمعًا ففيه الخمس، وإن كان متفرقًا فربع العشر. وعن مالك كقولنا، وعنه كقول الآخر للشافعي، لنا ما روى مالك عن ربيعة واحد أن النبي -ﷺ- أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية، وأخذ منه زكاتها، والزكاة لا تكون خمسًا بحال، فإن قيل: قوله واحد يقتضي الإرسال، قلنا: ربيعة قد لقي الصحابة والجهل بالصحابي لا يضر، ولا يقال: هذا مرسل، ثم قد رواه الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال عن بلال أنَّ رسول الله -ﷺ- أخذ منه زكاة المعادن القبلية. قال ربيعة: وهذه المعادن يؤخذ منها الزكاة إلى هذا الوقت، ورواه ثور عن عكرمة عن ابن عباس مثل حديث بلال. [التحقيق في أحاديث الخلاف: ٢/ ٤٨] . ٢ صحيح: رواه البخاري في كتاب "١٤٩٩"، ومسلم في كتاب الحدود "١٧١٠".
[ ١٩٢ ]
مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ مَدْفُونًا أَوْ غَيْرَ مَدْفُونٍ، فَهُوَ لُقَطَةٌ يَجِبُ تَعْرِيفُهَا حَوْلًا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَلِلْوَاجِدِ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا مَضْمُونَةً فِي ذِمَّتِهِ لِمَالِكِهَا إذَا ظَهَرَ.
فَصْلٌ:
وَعَلَى عَامِلِ الصَّدَقَةِ أَنْ يَدْعُوَ لِأَهْلِهَا عِنْدَ الدَّفْعِ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْمُسَارَعَةِ، وَتَمْيِيزًا لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْجِزْيَةِ، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ -﷾: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أَيْ: تُطَهِّرُ ذُنُوبَهُمْ وَتُزَكِّي أَعْمَالَهُمْ، وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁.
وَالثَّانِي: اُدْعُ لَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أَرْبَعُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: قُرْبَةٌ لَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: رَحْمَةٌ لَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ طَلْحَةَ.
وَالثَّالِثُ: تَثْبِيتٌ لَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
وَالرَّابِعُ: أَمْنٌ لَهُمْ، وَهُوَ مِنَ الِاسْتِحْبَابِ إنْ لَمْ يَسْأَلْ، وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ إذَا سُئِلَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مُسْتَحَبٌّ، وَالثَّانِي: مُسْتَحَقٌّ.
وَإِذَا كَتَمَ الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ وَأَخْفَاهَا عَنِ الْعَامِلِ مَعَ عَدْلِهِ، أَخَذَهَا الْعَامِلُ مِنْهُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهَا، وَنَظَرَ فِي سَبَبِ إخْفَائِهَا، فَإِنْ كَانَ لِيَتَوَلَّى إخْرَاجَهَا بِنَفْسِهِ لَمْ يُعَزِّرْهُ، وَإِنْ أَخْفَاهَا لِيَغُلَّهَا وَيَمْنَعَ حَقَّ اللَّهِ عَزَّرَهُ وَلَمْ يُغَرِّمْهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهَا، وَقَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ مِنْهُ شَطْرَ مَالِهِ؛ لِقَوْلِهِ -﵊: "مَنْ غَلَّ صَدَقَةً فَأَنَا آخُذُهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ اللَّهِ، لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ فِيهَا نَصِيبٌ" ١.
وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ -﵊: "لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" ٢.
مَا يَصْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنَ الْإِيجَابِ إلَى الزَّجْرِ وَالْإِرْهَابِ، كَمَا قَالَ: "مَنْ قَتَلَ
_________________
(١) ١ حسن: رواه أبو داود في كتاب الزكاة "١٥٧٥"، والنسائي في كتاب الزكاة "٢٤٤٩"، والدارمي في كتاب الزكاة "١٦٧٧"، وأحمد "١٩٥٣٤"، وحسَّنه الشيخ الألباني. ٢ سبق تخريجه.
[ ١٩٣ ]
عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ" وَإِنْ كَانَ لَا يُقْتَلُ بِعَبْدِهِ، وَإِذَا كَانَ الْعَامِلُ جَائِرًا فِي الصَّدَقَةِ عَادِلًا فِي قِسْمَتِهَا، جَازَ كَتْمُهَا وَأَجْزَأَ دَفْعُهَا إلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ عَادِلًا فِي أَخْذِهَا جَائِرًا فِي قِسْمَتِهَا وَجَبَ كِتْمَانُهَا مِنْهُ وَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهِ؛ فَإِنْ أَخَذَهَا طَوْعًا أَوْ جَبْرًا لَمْ يُجْزِهِمْ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَمْوَالِهِمْ، وَلَزِمَهُمْ إخْرَاجُهَا بِأَنْفُسِهِمْ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا مِنْ أَهْلِ السَّهْمَانِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُجْزِئُهُمْ وَلَا يَلْزَمُهُمْ إعَادَتُهَا.
وَإِذَا أَقَرَّ عَامِلُ الصَّدَقَاتِ بِقَبْضِهَا مِنْ أَهْلِهَا قُبِلَ قَوْلُهُ وَقْتَ وِلَايَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التَّفْوِيضِ أَوْ مِنْ عُمَّالِ التَّنْفِيذِ، وَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ وَجْهَانِ تَخْرِيجًا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي دَفْعِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ إلَيْهِ، هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مُسْتَحَقٌّ؟ فَإِنْ قِيلَ: مُسْتَحَبٌّ قَبْلَ قَوْلِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ، وَإِنْ قِيلَ: مُسْتَحَقٌّ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا بِقَبْضِهَا وَإِنْ كَانَ عَدْلًا، وَإِذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ إخْرَاجَهَا، فَإِنْ كَانَ مَعَ تَأْخِيرِ الْعَامِلِ عَنْهُ بَعْدَ إمْكَانِ أَدَائِهَا قُبِلَ قَوْلُهُ، وَأَحْلَفَهُ الْعَامِلُ إنْ اتَّهَمَهُ.
وَفِي اسْتِحْقَاقِ هَذِهِ الْيَمِينِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مُسْتَحِقُّهُ إنْ نَكَلَ عَنْهَا أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: اسْتِظْهَارًا إنْ نَكَلَ عَنْهَا لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ، وَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ الْعَامِلِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ إنْ قِيلَ: إنَّ دَفْعَهَا إلَى الْعَامِلِ مُسْتَحَقٌّ، وَقُبِلَ قَوْلُهُ إنْ قِيلَ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
[ ١٩٤ ]