الباب الحادى عشر: ولاية الصدقات
الصَّدَقَةُ زَكَاةٌ، وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ، يَفْتَرِقُ الِاسْمُ وَيَتَّفِقُ الْمُسَمَّى، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي مَالِهِ حَقٌّ سِوَاهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ: "لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ"١.
_________________
(١) ١ ضعيف: ضعَّفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع "٤٩٠٩". الزكاة هي الحق الواجب في المال، متى قامت بحاجة الفقراء، وسدت خلة الموازين وكَفَت البائسين، وأطعمتهم من جوع وآمنتهم من خوف، وقامت بكفاية الجهاد والمجاهدين في سبيل الله. فإذا لم تكف الزكاة، ولم تف بحاجة المحتاجين وجب في المال حق آخر سوى الزكاة، ويتحدَّد هذا الحق ويتقيّد بالكفاية. قال تعالي: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] . قال الإمام القرطبيّ مستدلًّا بأن المراد بـ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ حقوق أخرى غير الزكاة بدليل ذكر الزكاة، وبها كمال البر، وقيل: المراد: الزكاة المفروضة، والأول أصح لما أخرجه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت: سألت أو سُئِلَ النبي -ﷺ- عن الزكاة فقال: "إن في المال لحقًّا سوى الزكاة" ثم تلا هذه الآية التي في البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية". قلت: والحديث -وإن كان فيه مقال فقد دلَّ على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾، فذكر الزكاة مع الصلاة، وذلك دليل على أن المراد بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ليس الزكاة المفروضة، فإن ذلك يكون تكرارًا، والله أعلم. "واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنَّه يجب صرف المال إليها، وقال مالك -﵀: يجب على الناس فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم، وهذا إجماع أيضًا، وهو يقوي ما اخترناه والموفق الإله". ويقول الإمام محمد عبده مبينًا الحكمة من فرض هذه الحقوق الأخرى غير الزكاة عند قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾: "وهذا الإيتاء غير إيتاء الزكاة الآتي، وهو ركن من أركان البر وواجب =
[ ١٧٩ ]
وَالزَّكَاةُ تَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ الْمُرْصَدَةِ لِلنَّمَاءِ، إمَّا بِأَنْفُسِهَا أَوْ بِالْعَمَلِ فِيهَا؛ طُهْرَةً لِأَهْلِهَا وَمَعُونَةً لِأَهْلِ السَّهْمَانِ.
وَالْأَمْوَالُ الْمُزَكَّاةُ ضَرْبَانِ: ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ، فَالظَّاهِرَةُ: مَا لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ؛ كَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَوَاشِي، وَالْبَاطِنَةُ: مَا أَمْكَنَ إخْفَاؤُهُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَلَيْسَ لِوَالِي الصَّدَقَاتِ نَظَرٌ فِي زَكَاةِ الْمَالِ الْبَاطِنِ، وَأَرْبَابُهُ أَحَقُّ بِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَبْذُلَهَا أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ طَوْعًا فَيَقْبَلُهَا مِنْهُمْ، وَيَكُونُ فِي تَفْرِيقِهَا عَوْنًا لَهُمْ؛ وَنَظَرُهُ مُخْتَصٌّ بِزَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ يُؤْمَرُ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ.
وَفِي هَذَا الْأَمْرِ إذَا كَانَ عَادِلًا فِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِيجَابِ، وَلَيْسَ لَهُمْ التَّفَرُّدُ بِإِخْرَاجِهَا وَلَا تُجْزِئُهُمْ إنْ أَخْرَجُوهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إظْهَارًا لِلطَّاعَةِ، وَإِنْ تَفَرَّدُوا بِإِخْرَاجِهَا أَجْزَأَتْهُمْ، وَلَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا أَنْ يُقَاتِلَهُمْ عَلَيْهَا إذَا امْتَنَعُوا مِنْ دَفْعِهَا، كَمَا قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- مَانِعِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ إذَا عَدَلُوا بُغَاةً، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ -﵁- مِنْ قِتَالِهِمْ إذَا أَجَابُوا إلَى إخْرَاجِهَا بِأَنْفُسِهِمْ.
وَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا عَادِلًا عَالِمًا بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ إنْ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التَّفْوِيضِ، وَإِنْ كَانَ مُنَفِّذًا قَدْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ عَلَى قَدْرٍ يَأْخُذُهُ جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَلَّدَهَا مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَاتُ مِنْ ذِي الْقُرْبَى، وَلَكِنْ يَكُونُ رِزْقُهُ عَنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ.
وَلَهُ إذَا قُلِّدَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَلَّدَ أَخْذَهَا وَقَسْمَهَا، فَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى مَا سَنَشْرَحُ.
_________________
(١) = كالزكاة، وذلك حيث تعرض الحاجة إلى البذل في غير وقت أداء الزكاة، بأن يرى الواحد مضطرًا بعد أداء الزكاة أو قبل تمام الحول، وهو لا يشترط فيه نصاب معين، بل هو حسب الاستطاعة، فإذا كان لا يملك إلا رغيفًا، ورأى مضطرًا إليه في حال استغنائه عنه بأن لم يكن محتاجًا إليه لنفسه، أو لمن تجب عليه نفقته، وجب عليه بذله، وليس المضطر وحده هو الذي له الحق في ذلك، بل أمر الله تعالى المؤمن أن يعطى من غير الزكاة". [يراجع في ذلك فقه الزكاة لشيخنا الدكتور يوسف القرضاوي -حفظه الله تعالي] .
[ ١٨٠ ]
وَالثَّانِي: أَنْ يُقَلَّدَ أَخْذَهَا، وَيُنْهَى عَنْ قِسْمَتِهَا، فَنَظَرُهُ مَقْصُورٌ عَنِ الْأَخْذِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ الْقَسْمِ، وَالْمُقَلَّدُ بِهِمَا بِتَأْخِيرِ قَسْمِهَا مَأْثُومٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ تَقْلِيدَهَا لِمَنْ يَنْفَرِدُ بِتَعْجِيلِ قَسْمِهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُطْلَقَ تَقْلِيدُهُ عَلَيْهَا، فَلَا يُؤْمَرُ بِقَسْمِهَا، وَلَا يُنْهَى عَنْهُ، فَيَكُونُ بِإِطْلَاقِهِ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ فِي الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَخْذِهَا وَقَسْمِهَا، فَصَارَتِ الصَّدَقَاتُ مُشْتَمِلَةً عَلَى الْأَخْذِ وَالْقَسْمِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمٌ، وَسَنَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى الِاخْتِصَارِ.
"زكاة المواشي":
وَنَبْدَأُ بِأَحْكَامِ أَخْذِهَا فَنَقُولُ: إنَّ الْأَمْوَالَ الْمُزَكَّاةَ أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُهَا: الْمَوَاشِي وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَسُمِّيَتْ مَاشِيَةً لِرَعْيِهَا وَهِيَ مَاشِيَةٌ.
فَأَمَّا الْإِبِلُ: فَأَوَّلُ نِصَابِهَا خَمْسٌ، وَفِيهَا إلَى تِسْعٍ شَاةٌ جَذَعَةٌ١ مِنَ الضَّأْنِ أَوْ ثَنِيَّةٌ٢ مِنَ الْمَعْزِ، وَالْجَذَعُ مِنَ الْغَنَمِ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالثَّنِيُّ مِنْهَا مَا اسْتَكْمَلَ سَنَةً، فَإِذَا بَلَغَتِ الْإِبِلُ عَشْرًا فَفِيهَا إلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ إلَى تِسْعَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِينَ إلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ عَدَلَ فِي فَرْضِهَا عَنِ الْغَنَمِ، وَكَانَ فِيهَا إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ الَّتِي اسْتَكْمَلَتِ السَّنَةَ، فَإِنْ عُدِمَتْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وَهِيَ مَا اسْتَكْمَلَتْ سَنَتَيْنِ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا إلَى سِتِّينَ حِقَّةٌ ٣، وَهِيَ مَا اسْتَكْمَلَتْ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَاسْتَحَقَّتْ
_________________
(١) ١ الجذعة من ولد المعز: التي قاربت الحمل. [المطلع: ص١٨٢] . ٢ الثني من الإبل: الذي يلقي ثنيته، وذلك في السادسة، ومنَ الغنم الداخل في السنة الثالثة، تيسًا كان أو كبشًا. [اللسان: ١٤/ ١٢٣] . ٣ إذا وضعت الناقة ولدًا في أول النتاج فولدها ربع والأنثى ربعة، وإن كان في آخره فهو هبع والأنثى هبعة، فإذا فصل عن أمه فهو فصيل، فإذا استكمل الحول ودخل في الثانية فهو ابن مخاض، والأنثى بنت مخاض، وواحدة المخاض خلفة جنس اسمها، وإنما سمي بذلك لأنَّ أمه قد ضربها الفحل فحملت ولحقت بالمخاض من الإبل وهي الحوامل، فلا يزال ابن مخاض السنة الثانية كلها، فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة فهو ابن لبون، والأنثى بنت لبون، فإذا مضت الثالثة ودخل في الرابعة فهو حق والأنثى حقة، سميت بذلك؛ لأنها استحقت أن تركب، ويحمل عليها، فإذا دخلت في الخامسة فالذكر ثني والأنثى ثنية، وهما أدنى ما يجزئ في الأضاحي من الإبل والبقر والمعز، فإذا دخل في السابعة فالذكر رباع والأنثى رباعية، فإذا دخل في الثامنة فالذكر السدس وسديس لفظ الذكر والأنثى فيه سواء، فإذا دخل في التاسعة فهو بازل، والأنثى بازل بغير هاء، فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف، ثم ليس له اسم، لكن يقال: مخلف عام ومخلف عامين وبازل عامين؛ لطلوع بازله وهو نابه، ثم لا اسم له بعد ذلك. [المطلع: ١/ ١٢٤] .
[ ١٨١ ]
الرُّكُوبَ وَطُرُوقَ الْفَحْلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ جَذَعَةٌ، وَهِيَ مَا اسْتَكْمَلَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا إلَى تِسْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ فَفِيهَا إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ حِقَّتَانِ، وَهَذَا مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَأْنَفُ بِهَا الْفَرْضُ الْمُبْتَدَأُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا اعْتِبَارَ بِالزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ فَيَكُونَ بِهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَاحِدَةً كَانَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، فَيَكُونُ فِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا أَحَدُ فَرْضَيْنِ إمَّا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا إلَّا أَحَدُ الْفَرْضَيْنِ أُخِذَ، وَإِنْ وُجِدَا مَعًا أَخَذَ الْعَامِلُ أَفْضَلَهُمَا، وَقِيلَ: يَأْخُذُ الْحِقَاقَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَنْفَعَةً وَأَقَلُّ مُؤْنَةً، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسُ فِيمَا زَادَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ؛ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ.
وَأَمَّا الْبَقَرُ: فَأَوَّلُ نِصَابِهَا ثَلَاثُونَ، وَفِيهَا تَبِيعٌ ذَكَرٌ، وَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَقَدَرَ عَلَى اتِّبَاعِ أُمِّهِ، فَإِنْ أَعْطَى تَبِيعَةً أُنْثَى قُبِلَتْ مِنْهُ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا مُسِنَّةٌ أُنْثَى، وَهِيَ الَّتِي قَدِ اسْتَكْمَلَتْ سَنَةً، فَإِنْ أَعْطَى مُسِنًّا ذَكَرًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إنْ كَانَ فِي بَقَرِهِ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا ذُكُورًا فَقَدْ قِيلَ: يُقْبَلُ الْمُسِنُّ الذَّكَرُ وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي إحْدَى رِوَايَاتِهِ: يُؤْخَذُ مِنْ خَمْسِينَ بَقَرَةٍ مُسِنَّةٌ وَرُبُعٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ فِيهَا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ، فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِيمَا بَعْدَ السِّتِّينَ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ؛ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، فَيَكُونُ فِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ، وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ، وَفِي تِسْعِينَ ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ، وَفِي مِائَةٍ تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٌ وَفِي مِائَةٍ وَعَشَرَةٍ مُسِنَّتَانِ، وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَحَدُ فَرْضَيْنِ كَالْمِائَتَيْنِ مِنَ الْإِبِلِ، إمَّا أَرْبَعَةُ أَتْبِعَةٍ أَوْ ثَلَاثُ مُسِنَّاتٍ، وَقِيلَ: يَأْخُذُ الْعَامِلُ مِنْهُمَا مَا وَجَدَ،
[ ١٨٢ ]
فَإِنْ وَجَدَهُمَا أَخَذَ أَفْضَلَهُمَا وَقِيلَ: يَأْخُذُ الْمُسِنَّاتِ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسُ فِيمَا زَادَ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ.
وَأَمَّا الْغَنَمُ: فَأَوَّلُ نِصَابِهَا أَرْبَعُونَ، وَفِيهَا إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ شَاةٌ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ مِنَ الْمَعْزِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا صِغَارًا دُونَ الْجِذَاعِ وَالثَّنَايَا، فَيُؤْخَذُ مِنْهَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ صَغِيرَةٌ دُونَ الْجَذَعِ وَالثَّنِيَّةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْخَذُ إلَّا جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ، فَإِذَا صَارَتْ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى مِائَتَيْ شَاةٍ، فَإِذَا صَارَتْ مِائَتَيْ شَاةٍ وَشَاةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، إلَى أَنْ تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةِ شَاةٍ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ اسْتَكْمَلَهَا مِنْ بَعْدِ الْأَرْبَعِمِائَةِ شَاةٌ، وَيُضَمُّ الضَّأْنُ إلَى الْمَعْزِ، وَالْجَوَامِيسُ إلَى الْبَقَرِ، وَالْبَخَاتِيُّ إلَى الْعِرَابِ؛ لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُضَمُّ الْإِبِلُ إلَى الْبَقَرِ، وَلَا الْبَقَرُ إلَى الْغَنَمِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَيُجْمَعُ مَالُ الْإِنْسَانِ فِي الزَّكَاةِ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَمْوَالُهُ، وَالْخُلَطَاءُ يُزَكُّونَ زَكَاةَ الْوَاحِدِ إذَا اجْتَمَعَتْ فِيهَا شَرَائِطُ الْخُلْطَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَأْثِيرَ لِلْخُلْطَةِ حَتَّى يَمْلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ نِصَابًا، فَيُزَكُّونَ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا اعْتِبَارَ بِالْخُلْطَةِ، وَيُزَكِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَالَهُ عَلَى انْفِرَادِهِ١.
وَزَكَاةُ الْمَوَاشِي تَجِبُ بِشَرْطَيْنِ٢:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ سَائِمَةً تَرْعَى الْكَلَأَ فَتَقِلُّ مُؤْنَتُهَا وَيَتَوَفَّرُ دَرُّهَا وَنَسْلُهَا، فَإِنْ كَانَتْ
_________________
(١) ١ قال ابن مفلح المقدسي من الحنابلة: الخلطة مؤثرة في الزكاة، ولو لم يبلغ مال كل خليط، ولا أثر خلطة لمن ليس من أهل الزكاة، ولا في دون نصاب، ولا خلطة لغاصب بمغصوب، فإذا خلط نفسان فأكثر من أهل الزكاة ماشية لهم جميع الحول، فأكثر خلطة أعيان بأن يملكا مالًا مشاعًا بإرث أو بشراء أو غيره، أو خلطة أوصاف بأن يتميز مال كل واحد عن الآخر، فلو استأجر لرعي غنمه بشاة منها فحال ولم يفردها، فهما خليطان، وإن أفردها فنقص النصاب فلا زكاة، لكن يعتبر في خلطة الأوصاف أن لا يتميز في المرعى والمسرح والمبيت وهو المراح والمحلب وهو الموضع الذي تحلب فيه، وقيل: وآنيته والفجل. ذكره الخرقي والمحرّر، وقدم في المستوعب إسقاط المحلب وزاد الراعي وفسر المسرح بموضع رعيها وشربها، وأن أحمد نصَّ على ما ذكروه وفسر في منتهي الغاية، والمسرح بموضع الرعي، مع أنه جمع بينهما في المحرر متابعة للخرقي. [الفروع: ٢/ ٢٩٣]: ٢ قلت: بل هناك شرطان آخران هما: أن تبلغ النصاب. ألا تكون عاملة.
[ ١٨٣ ]
عَامِلَةً أَوْ مَعْلُوفَةً لَمْ تَجِبْ فِيهَا زَكَاةٌ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَوْجَبَهَا مَالِكٌ كَالسَّائِمَةِ١، وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ الَّذِي يُسْتَكْمَلُ فِيهِ النَّسْلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ: "لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" ٢.
وَالسِّخَالُ٣ تُزَكَّى بِحَوْلِ أُمَّهَاتِهَا إذَا وُلِدَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ وَكَانَتْ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا، فَإِنْ نَقَصَتِ الْأُمَّهَاتُ عَنِ النِّصَابِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُزَكَّى بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ إذَا بَلَغَتَا نِصَابًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا يُسْتَأْنَفُ بِهَا الْحَوْلُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ النِّصَابِ.
وَلَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي إنَاثِ الْخَيْلِ السَّائِمَةِ دِينَارًا عَنْ كُلِّ فَرَسٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ: "عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ" ٤.
_________________
(١) ١ قال ابن تيمية: ومن شرطها أن تكون سائمة كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي -ﷺ: قال: "ليس في العوامل صدقة" رواه أبو داود، وروى عن علي ومعاذ وجابر أنهم قالوا: لا صدقة في البقر العوامل، ومالك والليث يقولان: فيها الصدقة. [كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه: ٢٥/ ٣٨] . قال فضيلة الشيخ القرضاوي: هذا ما ذهب إليه الجمهور، وخالفهم في ذلك ربيعة ومالك والليث، فأوجبوا الزكاة في المعلوفة من الإبل والبقر والغنم، كما أوجبوا في السائمة سواء بسواء عملًا بالأحاديث المطلقة التي لم يذكر فيها السوم. [فقه الزكاة:١/ ١٧٠] . ٢ صحيح: رواه ابن ماجه في كتاب الزكاة "١٧٩٢"، وقال ابن حجر في التلخيص: حديث: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" رواه أبو داود وأحمد والبيهقي من رواية الحارث وعاصم بن ضمرة عن علي، والدارقطني من حديث أنس، وفيه حسان بن سياه وهو ضعيف، وقد تفرَّد به عن ثابت وابن ماجه والدارقطني والبيهقي والعقيلي في الضعفاء من حديث عائشة، وفيه حارثة بن أبي الرجال وهو ضعيف، ورواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر، وفيه إسماعيل بن عياش، وحديثه في أهل الشام ضعيف، وقد رواه ابن نمير ومعتمر وغيرهما عن شيخة فيه، وهو عبيد الله بن عمر الراوي له عن نافع، فوقفه بكذا الدارقطني في العلل الموقوف، وله طريق أخرى، وصحَّحه الشيخ الألباني. ٣ السخلة: ولد الشاة من المعز والضأن ذكرًا كان أو أنثى، والجمع: سخل وسخال وسخلة وسخلان. [اللسان: ١١/ ٣٣٢] . ٤ رواه أبو داود في كتاب الزكاة "١٥٧٤"، والترمذي في كتاب الزكاة "٦٢٠"، والنسائي في كتاب الزكاة "٢٤٧٧"، وابن ماجه في كتاب الزكاة "١٧٩٠"، وأحمد "٧١٣".
[ ١٨٤ ]
وَإِذَا كَانَ وَالِي الصَّدَقَاتِ مِنْ عُمَّالِ التَّفْوِيضِ أَخَذَهَا فِيمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، لَا عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَلَا عَلَى اجْتِهَادِ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَأْخُذُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التَّنْفِيذِ عَمِلَ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ دُونَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَجُزْ لِهَذَا الْعَامِلِ أَنْ يَجْتَهِدَ، وَلَزِمَ الْإِمَامَ أَنْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ، وَيَكُونَ رَسُولًا فِي الْقَبْضِ مُنَفِّذًا لِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ هَذَا الْعَامِلُ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا جَازَ، فَإِنْ كَانَ فِي زَكَاةٍ عَامَّةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ فِيهَا وِلَايَةً لَا يَصِحُّ ثُبُوتُهَا مَعَ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ، وَإِنْ كَانَ فِي زَكَاةٍ خَاصَّةٍ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ قَدْ عَرَفَ مَبْلَغَ أَصْلِهِ وَقَدْرَ زَكَاتِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَأْمُورُ بِقَبْضِهِ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ تَجَرَّدَ مِنْ حُكْمِ الْوِلَايَةِ وَتَخَصَّصَ بِأَحْكَامِ الرِّسَالَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ لَمْ يَعْرِفْ مَبْلَغَهُ وَلَا قَدْرَ زَكَاتِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِقَبْضِهِ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ اُؤْتُمِنَ عَلَى مَالٍ لَا يُعْمَلُ فِيهِ عَلَى خَبَرِهِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْعَبْدِ مَقْبُولٌ.
وَإِذَا تَأَخَّرَ عَامِلُ الصَّدَقَاتِ عَنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ بَعْدَ وُجُوبِ زَكَاتِهِمْ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ وُرُودِ عَمَلِهِ وَتَشَاغُلِهِ بِغَيْرِهِمْ انْتَظَرُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا إلَّا مِنْ طَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ جَمِيعِهِمْ وَتَجَاوَزَ الْعُرْفَ فِي وَقْتِ زَكَاتِهِمْ أَخْرَجُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ مَشْرُوطٌ بِالْمُكْنَةِ، وَسَاقِطٌ مَعَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَجَازَ لِمَنْ يَتَوَلَّى إخْرَاجَهَا مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا عَلَى اجْتِهَادِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ اسْتَفْتَى مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ غَيْرَهُ، وَإِنْ اسْتَفْتَى فَقِيهَيْنِ فَأَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِإِيجَابِهَا، وَأَفْتَاهُ الْآخَرُ بِإِسْقَاطِهَا، أَوْ أَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِقَدْر، ٍ وَأَفْتَاهُ الْآخَرُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا يَعْمَلُ بِهِ مِنْهُمَا، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ بِأَغْلَظِ الْقَوْلَيْنِ حُكْمًا، وَقَالَ آخَرُونَ: يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي الْأَخْذِ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
فَلَوْ حَضَرَ الْعَامِلُ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى اجْتِهَادِ نَفْسِهِ أَوْ اجْتِهَادِ مَنِ اسْتَفْتَاهُ، وَكَانَ اجْتِهَادُ الْعَامِلِ مُؤَدِّيًا إلَى إيجَابِ مَا أَسْقَطَهُ، أَوْ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ، كَانَ اجْتِهَادُ الْعَامِلِ أَمْضَى إنْ كَانَ وَقْتُ الْإِمْكَانِ بَاقِيًا، وَاجْتِهَادُ رَبِّ الْمَالِ أَنْفَذَ إنْ كَانَ وَقْتُ الْإِمْكَانِ فَائِتًا، وَلَوْ أَخَذَ الْعَامِلُ الزَّكَاةَ بِاجْتِهَادِهِ، وَعَمِلَ فِي وُجُوبِهَا، وَأَسْقَطَهَا عَلَى رَأْيِهِ، وَأَدَّى اجْتِهَادُ رَبِّ الْمَالِ إلَى إيجَابِ مَا أَسْقَطَهُ، أَوْ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَخَذَهُ، لَزِمَ رَبُّ الْمَالِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى
[ ١٨٥ ]
إخْرَاجُ مَا أَسْقَطَهُ مِنْ أَصْلٍ أَوْ تَرَكَهُ مِنْ زِيَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ لِأَهْلِ السَّهْمَانِ.
"زكاة الثمار":
وَالْمَالُ الثَّانِي مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ: ثِمَارُ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ، فَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ الزَّكَاةَ فِي جَمِيعِهَا، وَأَوْجَبَهَا الشَّافِعِيُّ فِي ثِمَارِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ خَاصَّةً، وَلَمْ يُوجِبْ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ جَمِيعِ الْفَوَاكِهِ وَالثِّمَارِ زَكَاةً، وَزَكَاتُهَا تَجِبُ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بُدُوُّ صَلَاحِهَا وَاسْتِطَابَةُ أَكْلِهَا، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ قَطَعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ زَكَاةٌ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَا يُكْرَهُ إنْ فَعَلَهُ لِحَاجَةٍ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ، وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ١.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ خَرْصِ الثِّمَارِ عَلَى أَهْلِهَا؛ وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ تَقْدِيرًا لِلزَّكَاةِ وَاسْتِظْهَارًا
_________________
(١) ١ قال ابن قدامة من الحنابلة: قال مالك والشافعي: لا زكاة في ثمر إلَّا التمر والزبيب، ولا في حبٍّ إلّا مال كان قوتًا في حالة الاختيار لذلك، إلّا في الزيتون على اختلافٍ، وحكي عن أحمد إلّا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وهذا قول ابن عمر وموسى بن طلحة والحسن وابن سيرين والشعبي والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وابن المبارك وأبي عبيد، والسلت: نوع من الشعير، ووافقهم إبراهيم وزاد الذرة، ووافقهم ابن عباس وزاد الزيتون؛ لأن ما عدا هذا لا نصَّ فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه ولا المجمع عليه، فيبقى على الأصل. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أنه قال: إنما سنَّ رسول الله -ﷺ- الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلّا الحطب والقصب والحشيش؛ لقوله -ﷺ: "فيما سقت السماء العشر" وهذا عام؛ ولأن هذا يقصد بزراعته نماء الأرض فأشبه الحب. ووجه قول الخرقي: إنَّ عموم قوله -ﷺ: "فيما سقت السماء العشر" وقوله -ﷺ- لمعاذ: "خذ الحب من الحب" يقتضي وجوب الزكاة في جميع ما تناوله خرج منه ما لا يكال وما ليس بحب، بمفهوم قوله -ﷺ: "ليس في حبٍّ ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق" رواه مسلم والنسائي، فدل هذا الحديث على انتفاء الزكاة مما لا توسيق فيه وهو مكيال، ففيما هو مكيل يبقى على العموم، والدليل على انتفاء الزكاة مما سوى ذلك ما ذكرنا من اعتبار التوسيق. [المغني: ٢/ ٢٩٤] .
[ ١٨٦ ]
لِأَهْلِ السَّهْمَانِ؛ فَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى خَرْصِ الثِّمَارِ عُمَّالًا وَقَالَ لَهُمْ: "خَفِّفُوا الْخَرْصَ فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْوَصِيَّةَ وَالْعَرِيَّةَ وَالْوَاطِئَةَ وَالنَّائِبَةَ".
فَالْوَصِيَّةُ مَا يُوصِي بِهَا أَرْبَابُهَا بَعْدَ الْوَفَاةِ، وَالْعَرِيَّةُ: مَا يُعْرَى لِلصِّلَاتِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَالْوَاطِئَةُ مَا تَأْكُلُهُ السَّابِلَةُ مِنْهُمْ، وَسَمُّوهَا وَاطِئَةً لِوَطْئِهِمْ الْأَرْضَ، وَالنَّائِبَةُ: مَا يَنُوبُ الثِّمَارَ مِنَ الْجَوَائِحِ.
فَأَمَّا ثِمَارُ الْبَصْرَةِ فَيُخْرَصُ كُرُومُهَا وَهُمْ فِي خَرْصِهَا كَغَيْرِهِمْ، وَلَا يُخْرَصُ عَلَيْهِمْ نَخْلُهَا لِكَثْرَتِهِ وَلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ فِي خَرْصِهِ، فَإِنَّهُمْ يُبِيحُونَ فِي التَّعَاوُنِ أَكْلَ الْمَارَّةِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا مَا قَدَّرَ لَهُمْ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنْ ثَنَايَاهَا فِي يَوْمَيِ الْجُمُعَةِ وَالثُّلَاثَاءِ يُصْرَفُ مُعْظَمُهُ فِي أَهْلِ الصَّدَقَاتِ، وَجُعِلَ لَهُمْ فِي عِوَضِ الثَّنَايَا كِبَارُ الثِّمَارِ، وَحَمْلُهَا إلَى كُرْسِيِّ الْبَصْرَةِ لِيُسْتَوْفَى أَعْشَارُهَا مِنْهُمْ هُنَاكَ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ هَذَا غَيْرَهُمْ، فَصَارُوا بِذَلِكَ مُخَالِفِينَ لِمَنْ سِوَاهُمْ.
وَلَا يَجُوزُ خَرْصُ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ إلَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَيُخْرَصَانِ بُسْرًا وَعِنَبًا، وَيُنْظَرُ مَا يَرْجِعَانِ إلَيْهِ تَمْرًا وَزَبِيبًا، ثُمَّ يُخَيَّرُ أَرْبَابُهَا إذَا كَانُوا أُمَنَاءَ بَيْنَ ضَمَانِهَا بِمَبْلَغِ خَرْصِهَا لِيَتَصَرَّفُوا فِيهَا وَيَضْمَنُوا قَدْرَ زَكَاتِهَا؛ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ فِي أَيْدِيهِمْ أَمَانَةٌ يُمْنَعُونَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا حَتَّى تَتَنَاهَى، فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهَا إذَا بَلَغَتْ.
وَقُدِّرَ لِلزَّكَاةِ الْعُشْرُ إنْ سُقِيَتْ عَذْبًا أَوْ سَيْحًا، وَنِصْفُ الْعُشْرِ إنْ سُقِيَتْ غَرْبًا أَوْ نَضْحًا؛ فَإِنْ سُقِيَتْ بِهِمَا فَقَدْ قِيلَ: يُعْتَبَرُ أَعْلَاهُمَا، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ بِقِسْطِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ فِيمَا سُقِيَتْ بِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّهَا، وَأَحْلَفَهُ الْعَامِلُ اسْتِظْهَارًا، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَيَضُمُّ أَنْوَاعَ النَّخْلِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُ الْكَرْمِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَلَا يُضَمُّ النَّخْلُ إلَى الْكَرْمِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْجِنْسِ.
وَإِذَا كَانَتْ ثِمَارُ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ تَصِيرُ تَمْرًا وَزَبِيبًا لَمْ تُؤْخَذْ زَكَاتُهُمَا إلَّا بَعْدَ تَنَاهِي جَفَافُهُمَا تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُؤْخَذُ إلَّا رُطَبًا أَوْ عِنَبًا أُخِذَ عُشْرُ ثَمَنِهِمَا إذَا بِيعَا، فَإِنِ احْتَاجَ أَهْلُ السَّهْمَانِ إلَى حَقِّهِمْ مِنْهُمَا رُطَبًا أَوْ عِنَبًا جَازَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إذَا قِيلَ: إنَّ الْقِسْمَةَ تَمْيِيزُ نَصِيبٍ، وَلَمْ يَجُزْ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي إذَا قِيلَ: إنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ، وَإِذَا هَلَكَتْ الثِّمَارُ بَعْدَ خَرْصِهَا بِجَائِحَةٍ مِنْ أَرْضٍ أَوْ سَمَاءٍ قَبْلَ إمْكَانِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنْهَا سَقَطَتْ، وَإِنْ هَلَكَتْ بَعْدَ إمْكَانِ أَدَائِهَا أُخِذَتْ.
[ ١٨٧ ]