فصل
في المقام في دار الحرب هل يجوز أم لا. والناس في ذلك على ثلاثة
[ ١٣٨ ]
أضرب:
- من تجب عليه الهجرة بكل حال ولا يجوز له المقام وهو من لا يقدر على اظهار الاسلام في دار الحرب خوفًا على نفسه لضعف عشيرته أولا عشيرة له. وهو قادر على الهجرة.
- من لا تجب عليه ولكن يستحب له وهو من كان قادرا على اظهار دينه في دار الحرب لقوته بعشيرته مثل عثمان بن عفان.
- ومن لا تجب عليه ولا يستحب له وهو الضعيف الذي لا يقدر على اظهار دينه ولا على الحركة وهو الزمن والشيخ الفاني والمرأة التي لا تقدر على رفقة. فأما المقام في الدار التي تغلب فيها البدع كبلاد الخوارج والبغاة والاعتزال
[ ١٣٩ ]
والرفض فالحكم فيها كالحكم في المقام في دار الحرب على ما بينا في التفصيل ولا فرق بينهما.
والدلالة على أنه لا يجوز المقام إذا لم يمكنه إظهار الحق والنكير أنه يكثر سوادهم ويقوى حالهم. ولأنه إذا زرع واتجر يعينهم على ظلمهم ويعينهم بما يؤخذ منه من خراج وغيره. ولأن المكاسب تحرم عليه في بلادهم لاختلاط الأموال. لأنهم يأخذون [المال] من غير جهته ويضعونه في غير حقه. ولأنه إذا أمكنه فلم يخرج حصل في حكم من يظهر الرضا بما هم فيه. والدلالة على أنه يجوز المقام إذا كان يظهر الحق والنكير لأنه قد ظهر منه النكير وانتفت التهمه عنه. ولأنه قد يلزمه المقام بهذا البلد لما فيه من اظهار الحق ودحض الباطل وإن لم
[ ١٤٠ ]
يزل. وقد أقام النبي ﷺ بمكة والكفر ظاهر لكنه كان مباينًا لهم وداعيًا إلى الله ﷿.
فإن قيل: الانتقال عنهم أبلغ في الانكار. قيل: لم يلزمه الا بلغ كما لا يلزمه جهادهم وقتالهم إذا لم يكن له طاقة بهم. وإن كان أبلغ.
فإن قيل: فيجب أن لا يجوز له حضور مجالس الشرب والملاهي على هذا الوجه. قيل له إن كان يمكنه إزالة المنكر جاز أن يحضر. وإن لم يمكنه لحقته التهمه في أنه رضي بذلك لأن الظاهر من الحضور معهم لموافقتهم على ما هم عليه. والتهمه تبعد مع إظهار المباينة.
وقد قال أحمد في رواية جعفر. لا تشهد عرسًا فيه مسكر أو مخنث أو غناء أو يستر الحيطان. وكذلك قال في رواية بكر بن محمد عن أبيه في
[ ١٤١ ]
الرجل يدعى فيرى آنية فضة. وحائطًا مستورًا يرجع كما رجع أصحاب النبي ﷺ. ونقل حنبل: أن أحمد حضر وليمة محمد العطار فرأى عنده آنية فضة فخرج فلحقته وقال نحن نحولها فلم يرجع.
فإن قيل: فيقولون يجب عليه السفر إلى بلد قد غلبت عليه البدع للإنكار قيل يلزمه ذلك إذا لم يكن عليه مشقة.
[ ١٤٢ ]