فصل
فإن لم يخف على نفسه لكن خاف الضرب والحبس وأخذ المال الذي لا يؤدي إلى التلف فظاهر كلام أحمد أنه يسقط عنه الأمر، والنهي، كالخوف على النفس لأنه قال في رواية أبي إبراهيم إذا لم يخف سيفًا ولا عصا. فأسقط عنه الخوف من العصا خلافًا للمعتزلة في قولهم: لا يسقط إذا أمن على نفسه
[ ٨٤ ]
وإن خاف الضرب والحبس هو اختيار أبي بكر الباقلاني دليلنا: ما تقدم من الآية: والخبر وهو عام في النفس ما دونها وأيضا: فإن الضرر فيما دون النفس يجري مجرى الضرر في النفس في إسقاط العبادات. ألا ترى أن المريض إذا خاف الزيادة في المرض والتباطؤ في البرء جاز له الفطر والصلاة جالسًا. وجاز له التيمم وكذلك إذا وجد الرقبة في الكفارة أو وجد الماء بأكثر من ثمن مثله لم يلزمه شراء ذلك لما عليه من الضرر في ماله. كذلك يجب أن يكون في باب الأمر والنهي كذلك، لأن ذلك عباده. ولأنه إذا جاز أن يقاتل
[ ٨٥ ]
عن ماله كما يقاتل عن نفسه جاز أن يكون الخوف على ماله في إزالة المنكر كالخوف على نفسه وليس لهم أن يقولوا إنه يجوز أن يقاتل عن يسير ماله ولا يسقط النهي عن المنكر بأخذ اليسير لأنا لا نسلم هذا. واحتج المخالف بأنه لو خاف من المشركين أخذ المال والحبس لم يسقط القيام إلى الصلاة وإن خاف على نفسه سقط والجواب: إنا لا نسلم بهذا بل نقول: سقط عنه القيام إلى الصلاة عند الخوف على المال، فإن قيل: أليس قد أوجبتم عليه شراء الماء بأكثر من ثمن مثله. قيل: إنما أوجبنا ذلك إذا كانت الزيادة لا تجحف بماله. ولا يمتنع أن نقول مثله ههنا. فإن قيل: قد يتحمل فيما دون النفس مالا يتحمله في النفس، ألا ترى أنه يتحمل الألم بقطع يده في الأكلة وبط الجرح والفصاد ولا يتحمل مثل ذلك في النفس. قيل: إنما يتحمل ذلك
[ ٨٦ ]
لينجي نفسه ولا يمكن بمثل هذا في النفس لأن تحمله يفضي إلى فوات نفسه على أنا قد بينا أن ما دون النفس لا يجب تحمله بدليل الزيادة في المرض في حق الصائم والمصلي.
[ ٨٧ ]