فصل
فصل في وجوب الإنكار على السلطان إذا غصب وعطل الحدود وضرب الأبشار واستأثر بأموال الفيء والغنائم والأعشار فإنه يجب وعظه وتخويفه بالله تعالى، أما بالفتال وشهر السلاح عليه فلا يجوز ذلك وقد نص أحمد على هذا
[ ٥٩ ]
في رواية حنبل قال اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواقف إلى أبي عبد الله.
وقالوا: إن هذا الأمر قد تفاقم وفشا يعنون إظهار القول بخلق القرآن
[ ٦٠ ]
وغير ذلك فلا نرضى بإمرته ولا سلطانه.
فناظرهم في ذلك وقال: عليكم بالنكرة بقلوبكم ولا تخلعوا يد من طاعة. ولا تشقوا عصا المسلمين. ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم. وانظروا في عاقبة أمركم وأصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر؟ وقال: ليس هذا صوابًا، هذا خلاف الآثار. وقال ابو بكر المروذي سمعت أبا عبد الله يأمر
[ ٦١ ]
بكف الدما وينكر الخروج إنكارًا شديدًا.
وقال أيضًا: في رواية إسماعيل بن سعيد: الكف لأنا نجد عن النبي ﷺ "ما صلوا فلا" فالظاهر من كلامه منع قتاله وإظهار السلاح عليه خلافًا للمتكلمين في قولهم يجوز قتالهم وإظهار السلاح عليهم والدلالة على منع ذلك
[ ٦٢ ]
ما رواه أبو بكر الخلال بإسناده أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر "إذا رأيت البناء قد بلغ سلعًا فاخرج من المدينة" ووجه بيده نحو الشام ولا أرى امراءك يدعونك.
قال قلت يا رسول الله أفلا أضع سيفي على عاتقي وأضرب به من حال بيني
[ ٦٣ ]
وبين أمرك قال: لا ولكن إن أمر عليك عبد حبشي مجدع فاسمع له وأطلع" وروى في حديث آخر قال: كنت خلف رسول الله حين خرج من جانبي المدينة فقال: يا أبا ذر؛ إن رأيت الناس قتلوا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال تدخل بيتك قال قلت يا رسول الله فإن أتى علي أحمل السلاح؟ قال شاركت القوم.
قلت: كيف أصنع يا رسول الله. قال إن خفت أن يهرك شعاع السيف فألق طائفة من ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه".
[ ٦٤ ]
وروى أبو القاسم الصيرفي بإسناده عن أم سلمة قالت قال: رسول الله ﷺ: سيكون عليكم أئمة تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد بريء ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقيل يا رسول الله أفلا نقاتلهم، قال: لا ماصلوا.
[ ٦٥ ]
ورواه أبو بكر ابن الأجري بإسناده عن يزيد بن سلمه الجعفي أنه سأل رسول الله ﷺ أرأيت إن قامت علينا أمراء فسألونا حقهم ومنعوا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ثم سأله الثانية أو الثالث فجذبه الأشعث بن قيس وقال: أسمعوا وأطيعوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم.
[ ٦٦ ]
وروى زيد بن سلام عن أبي سلام قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بالخير، فهل وراء هذا من شر؟ قال: نعم، قال قلت فما وراء الشر خير؟ قال: نعم. ووراء ذلك مرارًا قال: ثم يكون بعد أئمة لا يهتدون بهدى ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين. قال فما أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك. قال: تسمع وتطع الأمير الأعظم وإن ضرب ظهرك وإن أخذ مالك فاسمع وأطع" وروى أن النبي ﷺ قال: أطيعوا أمراءكم فيما كان. فإن أمروكم بشيء لم آمركم به فهو عليهم وأنتم منه براء. وإن أمروكم بشيء مما جئتكم به فأنتم مأجورون عليه. وتؤجرون بطاعتكم
[ ٦٧ ]
ذلك. فأنكم إذا لقيتم الله قلتم ربنا لا ظلم، فيقولون ربنا أرسلت إلينا رسلًا فأطعناهم بإذنك واستخلفت علينا خلفاء فأطعناهم لك. فيقول صدقتم فهو عليهم. وأنتم منه برءاء، وروى عوف بن مالك الأشجعي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم.
وتلعنونهم ويلعنونكم. قلت يا رسول الله: أفلا ننابذهم قال: لا: ما أقاموا فيكم الصلاة. إلا من ولى عليه منكم وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فلينكر ما رأى من معصية الله ولا ينزل يدًا من طاعة" وهذه الأخبار تدل على السمع والطاعة للأئمة وإن ظلموا وأمرنا بالصلاة خلفهم والجهاد معهم فإن
[ ٦٨ ]
قيل: تحمل هذه الأخبار عليه إذا تحقق أنه لا يؤثر.
فيهم إنكار قيل: النبي ﷺ جعل العلة في منع قتالهم إقامة الصلاة، وعلى قولك العلة فيه عدم التحقق من قبولهم، ولأنه منه من ذلك لئلا يخرج يدًا من طاعة وعلى قولك العلة امتناع قبولهم. ولأن الكلام في هذه المسالة مبني على أصل وهو أن إمامته ثابته لم تزل بظهور الفسق منه وعندهم تزول، ويحصل
[ ٦٩ ]
بمثابة غيره من الخوارج والبغاة، والدلالة على بقائها ما تقدم من الأخبار وهو الأمر بالطاعة لهم ما أقاموا الصلاة وهذا يدل على بقائها.
واحتج المخالف بما رواه جابر بن عبد الله قال رسول الله (أفضل الشهداء عند الله حمزة بن عبد المطلب ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتل)،
[ ٧٠ ]
وروى أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر).
وروى ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ (من رأى من أميره شيئًا
[ ٧١ ]
يكره فليغيره.
والجواب: أن هذا يدل على جواز وعظه وتخويفه ونحن لا نمنع وخلافًا في قتاله وإظهار السلاح عليه.
واحتج: بما رواه ثوبان قال رسول الله ﷺ: (استقيموا لقريش ما استقاموا لكم فإن لكم فاحملوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم).
والجواب: أن مهنا قال سالت أحمد عن حديث ثوبان أطيعوا قريشًا ما
[ ٧٢ ]
استقاموا لكم قال: ليس بصحيح. سالم ابن أبي الجعد لم يلق ثوبان، وعلى أنه محمول على أنهم إذا أمروا بفعل مالا يجوز فعله، مثل أن يأمروا بالقتل لمن لا يجوز قتله أو قطع يده أو أخذ ماله فههنا لا يجوز طاعته ويجب الامتناع عليه بجميع ما يقدر عليه من القتال وغيره ويشهد لصحة هذا التأويل ما
[ ٧٣ ]
رواه أبو بكر الأجري بإسناده عن سويد بن غفلة قال قال عمر بن الخطاب: (لعلك أن تخلف بعدي فأطع الإمام وإن كان عبدًا حبشيًا وإن ضربك فاصبر وإن حرمك فاصبر وإن دعاك إلى أمر معصية في دنياك فقل: سمعًا وطاعة دمي دون ديني) وتأوله ابن الأجري على ما ذكرنا واحتج بان البغاة إذا خرجوا
[ ٧٤ ]
على الإمام جاز قتالهم مع الإمام وإشهار السلاح عليهم كذلك ههنا، والجواب: أن الفرق بينهما من وجهين أحدهما: الظاهر والثاني: المعنى. أما حمله على الظاهر فإن الله تعالى أمر بقتال البغاة بقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين﴾ إلى قوله: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي﴾ وفي مسألتنا أمر بالكف عن الأئمة كالأخبار التي ذكرناها، والثاني: أن الخوارج يقاتلون بالإمام وفي مسألتنا يحصل قتالهم بغير الإمام فلم يجز كما لم يجز خروجهم إلى قتال المشركين بغير إمام، فان قيل فتجيزون قتال البغاة
[ ٧٥ ]
إذا لم يكن هناك إمام قيل: نعم لأن الإمام إنما أبيح له قتالهم لمنع البغي والظلم وهذا موجود وإن لم يكن هناك إمام.
[ ٧٦ ]