فصل
فإن رأى إنسانًا يطلب نفس غيره فإنه يلزمه الدفع عنه كما يدافع عن نفسه لأنه لما لزمه ان يحي نفس غيره ببذل طعامه له وينجيه من الغرق، كذلك لزمه أن يدفع عنه ويفارق هذا الدفع عن نفسه أنه لا يجب على أحد الوجهين، لأنه له غرض في ترك الدفع عن نفسه طلبًا للشهادة وهذا المغني معدوم في الدفع عن غيره، لأنه لا يحقق من الغير ايثار الشهادة فلهذا وجب دفعه عنه. فإن رآه يأخذ مال غيره بغير حق فهل يلزمه أن يدفع عنه أم لا؟ قال في رواية المروذي في اللصوص. يتعرضون الرجل في الطريق يقاتلهم دون ماله فإن عرضوا للرفقة ولم يعرضوا لماله فلا أرى أن يقاتلهم بالسيف إلا دون ماله. وكذلك
[ ١٢٥ ]
نقل أحمد بن الحسين الترمذي عنه أنه سئل إذا استعان صاحبي اعينه؟ قال: أعنه ولا تقاتل [عنه] لأنه لم يبح لك أن تقتله لمال غيرك انما أبيح لك أن تقاتله لنفسك ومالك. وظاهر كلاهم أحمد المنع من جواز القتال عن مال غيره إذا كان يخاف أن يؤول القتال إلى نفس المدفوع بخلاف الدفع عن مال نفسه. والوجه فيه: قوله ﷺ (من قتل دون ماله فهو شهيد). دليله أنه لا يكون شهيدًا بقتله دون مال غيره. ولأنه لا ضرر على الدافع في أخذ مال الغير إنما يدفع الضرر عن صاحب المال.
وقد تقابل ههنا ضرران، أحدهما على صاحب المال بذهاب ماله والثاني: على الآخذ للمال بذهاب نفسه. وحرمة النفس أعظم من حرمة المال. فقدمنا حرمة النفس على حرمة المال فلم يجز اتلافها لأجل ما لا ضرر عليه فيه. ويفارق هذا مال نفسه أنه يدفع عنه وإن تلفت نفس الآخذ لأن على صاحب المال ضرر بأخذه. فلهذا كان له الدفع ليدفع ضرورة. وههنا الضرر على غيره فقدمنا أكدهما
[ ١٢٦ ]
ضررًا. فإن قيل الأخذ قد أسقط حرمة نفسه بأخذ مال غيره. قيل: لا يسقط حرمته بتعديه ألا ترى أنه لو غصب خيطًا فخاط به جرحه لم [تلزمه] ازالته وان كان متعديًا بالأخذ. وبمثله لو غصب ساجة وبنى عليها كلف نقص البناء. فدلت على أن حرمة نفسه مقدمة على مال غيره. وعلى أنه لا يميك اسقاط حرمة نفسه. ألا ترى أنه لو أباح غيره قتل نفسه لم يملك الغير قتله. فإن قيل: لما كانت حرمة ماله كحرمة دمه في جواز الدفع عنها كذلك حرمة مال غير كحرمة دمه في جواز الدفع. قيل: في الدفع عن ماله دفع ضرر عنه. وهذا لا ضرر عليه. ويقابله ما هو أعظم منه وهو حرمة نفس غيره. ولأن مال نفسه هو أخص به من مال غيره. بدليل أنه يملك إباحته والامتناع عن بذله في المطالبة به من غاصبه. والعفو عنه. ولا يملك هذه الاشياء في مال غيره.
[ ١٢٧ ]